قراءة في “أزهار ثاني أوكسيد التاريخ”؛ انتفاض اللغة على فوضى العالم

image_pdf

على تخوم ألفية منقضية وأخرى تطل برأسها، يوقع يوسف رزوقة شهادة ميلاد مجموعته الشعرية “أزهار ثاني أوكسيد التاريخ” في إخراج أنيق لمنشورات تبر الزمان .(1)  عنوان المجموعة طريف، لأنه قد يشكل مدخلا مناسبا لقراءة المجموعة قراءة ترسخها ضمن مسار الرؤية التي تبناها الشاعر مؤخرا . إن طرافة العنوان مستمدة من جمعه بين رومانسية حالمة ولكنها مجهضة وواقعية فجة منكفئة على نفسها سوداوية بتوجهها الكوارثي المتلاحق.  منذ البداية يضع الشاعر بين يدي قارئه أدوات جديدة مستحدثة لا بد من امتلاكها حتى يتسنى له رصد تحولات ” الهنا والآن ” يقول: يلزمك الآن / نهر جديد / وحبر جديد / ورأس جديد / إلى السطر/ واكتب على الصفحات الجديدة عصرا جديدا . أي عصر هذا الذي يداهمنا دون استئذان والذي يفرض علينا ترسانة جديدة من الوسائل قد تجعلنا قادرين فهم مستجداته المتلاحقة. 

إن ما يفرزه العصر الراهن يتسم بهيمنة ” الآلة ” على ” الحالة ” ضمن إيقاع متسارع ومتشنج لا يني.  فالشبكات العنكبوتية للاتصال المعولم أصبحت تهيمن على كل شيء وأصبحت تشكل الخلفية الفكرية لشرعنة تصور إيديولوجي للعولمة يقوم على وضع القانون في خدمة القوة،  وفي خدمة كل من يملكون القوة.  لا غرو والحالة على ما هي عليه من أن تتم تشيئة الإنسان بمشيئته على النحو الذي تقتضيه متغيرات المرحلة لينتهي بالتالي، وحسب منطق التناغم مع السياق،  مفرغا من محتواه في بورصة ” القيم ” الراهنة. وأي قارئ هذا الذي يستدعيه الشاعر لرصد معه تلك التحولات الهادرة التي ينذر بها عصرنا الراهن، إنه قارئ/ مبدع،  ذو حساسية مفرطة، ملزم بأن يغير من نفسه تغييرا كليا فيمتلك دماء جديدة،  ورأسا جديدة ورؤية جديدة،…تلك مقتضيات ” الهنا والآن ” التي تفرض نفسها على كل من الشاعر والقارئ وتدفعهما دفعا إلى الإنخراط في واقع ساخن مترع بالفوضى والاهتزاز.  لا شك أن كليهما من ضحايا التحولات الصاخبة والتي تتلاحق في سباق محموم مع الزمن، ولكنهما أيضا شاهدان على انعكاساتها الخطيرة التي تصيب القيم والسلوك والتفكير بارتجاجات تفضي إلى عدمية تضيع فيها الثوابت وتتآكل المرجعيات حد الاندثار.

1 – يوميات طالب / شروخات الوعي المنتفض:

على امتداد ثلاث صفحات، وفي التماعات خاطفة ولكنها مفعمة بالدلالات يقرأ الشاعر تجربته بالجامعة التونسية بين أواخر السبعينات وبداية الثمانينات فمن بين شروخ الذات، ولد وعي جنيني لدى الشاعر بضرورة تغيير البوصلة فالنذور بقدوم العاصفة بدأت تتكاثف ولم يعد في قوس الصبر منزع، فلم يعد لحالة الهلع/ التوهان من حل سوى الرحيل ولو على عجل. يقول الشاعر:

وبعد عنقودين من عنب الزمان

أحس بالدنيا تدور

وبالمرايا كلها مشروخة

فرأى الرحيل

ولم يقل حتى (وداعا) المكان. ( ص 12 )

هل كان الرحيل اختيارا أم أمرا مفروضا، حتمته الظروف الموضوعية والذاتية ؟ الأكيد أنه كان وليد وعي مأزوم، خيم بظلاله على كل مظاهر الحياة الطلابية في تلك الفترة، من الإنتماء الإيديولوجي لليسار الماركسي الذي لم تعد مقولاته تشبع النهم الشعري للمعرفة، لأن الشاعر حدس بآفاق أرحب قادرة على هدم سجون الأيديولوجيا، إلى لحظات ” النزق الطالبي ” حيث تتجسد تلك النزعة في تحدي القيم والأعراف، يقول الشاعر :

وما عاد من يومها يتأبط أيا من الإخوة الحمر

ماركس ولينين والناقصين حنانا!

[…] وما عاد يغريه ورد ليخطب

أو ليصيح ” إنضبط يا زميل “…

لقمع إنتفاضة قلبين

في عز دفقهما العاطفي الجميل…(ص 12 / 13 )

إن فترة الضياع/ الدوار هي القادح على الرحيل،  ولكنه رحيل  – وإن كان على عجل – فجوهره  لا يتكشف إلا من خلال الإبداع.  فالشاعر لم ينف عن نفسه صفة الشاعر وسط هذه الفوضى. فكأن الشعر يظل الثابت الوحيد الذي يتمسك به الشاعر لمواجهة هذه التحولات العميقة. أن ينعت الشاعر نفسه بال” فوضوي ” فذلك إنعكاس لصورة الواقع على الشاعر وهو في الآن نفسه ” الكاووس ” ” le chaos ” الذي يسبق الخلق والنظام. تظل حالة الفوضى تعبيرا عن تلمس الشاعر لدروب بكر تضع فيها الذات الرحال، صحيح أن الرحيل كان رحيلا ماديا لأنه تم بالجسد ولكنه أيضا رحيل نحو أصقاع جديدة من الكتابة وعوالم أخرى من الإبداع، يقول الشاعر:

طارت قلنسوة الشاعر الفوضوي

رماها إلى البحر ذات إنقلاب على نفسه

وعلى الآخرين (ص 12)

وطارت قلنسوة الشاعر الفوضوي

إلى ما وراء المكان. (ص 13)

تبقى للحياة الطلابية بصماتها الواضحة في ثقافة الشاعر ورؤيته،  وكذلك في ثورته على نفسه وعلى الآخرين. فالجامعة فضاء مناسب للكفر بالنواميس وللشك في المكتسبات وعلى مسرحها نشهد عنفا متشنجا على الأوضاع البالية. وهي كذلك تربة صالحة لا ينفك يتسع داخلها ذاك الشرخ الهائل بين الموجود والمنشود وتتغذى داخلها اليوطوبيا المفارقة للواقع المعيش. يقول الشاعر:

تطايرت الخارطات، الكراسي و…الكلمات

رؤوس كذلك طارت…

[…] وطارت مع الريح أوراق روزنامة

و تواريخ أهملها اليوم أحفاد هذا الزمان.(ص 13)

2 – كلما إتسعت الرؤية ضاقت العبارة (النفري)

الواقع المأزوم يحيل  الشاعر  – وبطريقة الانعكاس الشرطي البافلوفية التي تمس كل مظاهر الوجود العربي – إلى الماضي وإلى الغابرين ولغتهم، عله يجد في معجمهم حلا للأزمة المستفحلة دوما. للشاعر علاقة حميمة باللغة، تكاد تكون علاقة تسر يزورها ليلا وبه قلق يود أن يشفى منه على يديها. تبدو اللغة ، في ظل ما يعانيه الوجود المحيط بها من مسخ بسبب التشوهات المتلاحقة التي أصابته،  قد فقدت هي الأخرى قدرتها على التعبير، ناهيك عن إيجاد الصيغ الملائمة للتصدي لهذا النسق الجنوني من الانقلابات التي لامست المظاهر المادية للحياة كما المفاهيم والرؤى. فلغة تنبعث منها الرطوبة وتتحول مكونات معجمها إلى خفافيش لن تقوى على الصمود في وجه الضوء العنيف الصادر عن الفضاء الجديد. يقول الشاعر:

أهيم وبي قلق

أتسلل ليلا إلى معجم الغابرين

فتزكم قلبي الرطوبة والكلمات القديمة

أغرف  ملء اليدين حروفا عجافا

و أنثرها خارج القبو :

طيري – أهيب بها – عاليا …و بعيدا

إلى حيث يحلو الهلاك

فيبهرها

  • و هي تأخذ شكل الخفافيش – ضوء عنيف. ( ص 18

للشاعر رغبة جامحة في جعل لغته القديمة تتحول إلى طائر الفنيق،  بحيث تنبعث من رمادها بعيد إحتراقها. وقد إكتست حلة جديدة وروحا جديدة . فهو يدعوها إلى” حيث يحلو الهلاك ” لأن في موتها حياة وهي تفر إلى ” حيث يحلو الظلام ” . قد يحلو للشاعر أن يرمي بتراثه اللغوي الشعري في معركة ” الفضاء الجديد ” ليرصد قدرته على تطويعه.  ولئن تبدو النتيجة معروفة لديه سلفا، فميزان القوى لم يعد في  صالحها، وأنى لها أن تواجه بحرا متلاطما بأجنحة عنكبوتية،  وهي أوهن الأسلحة! لكن القيام بالتجربة كان لتأكيد قناعاته.  فرغم الصمود المؤقت الذي أبدته اللغة وهي تصارع واقعا لا عهد لها به، فإنها في النهاية تناثرت شظايا ولملمت أشلاءها لتعود إلى مخبئها القديم. فحتى ما يحتويه معجم الغابرين من نقاط بيضاء في ظلام حالك ممتد،  بدت هذه النقاط/ النجوم عاجزة عن التحليق عاليا وبعيدا: لأنها لا تستمد إشعاعها من نفسها بل من غيرها وحين يطلع عليها النهار تتلاشى غير مأسوف عليها.  يقول الشاعر:

تدك الفضاء الجديد بأجنحة عنكبوتية

إشتباك تليه مراوغة فمراوغة فآشتباك

و إذ يهجم الضوء بالإنعكاس الأخير

تعود شظايا الحروف تباعا

إلى وكرها المدلهم القديم

و في الليل منها

نجوم تسيل

إلى حيث يحلو الظلام (ص 18 / 19)

على أبواب ألفية ثالثة، أصبح مشروعا طرح الأسئلة التالية : من نحن ؟ لماذا نكتب ؟ وبأية لغة ؟ أسئلة الهوية والغاية والوسيلة وهي لا شك أسئلة حارقة،  لعل في مقاربتها ينبثق بصيص نور في آخر النفق الطويل المظلم. أسئلة ثلاثة قد تطال الكتابة الشعرية ولكنها تتجاوزها إلى مجالات أخرى. وفي توجه يعمل على معالجة الأزمة من منظار تخصصي يطرح الشاعر التساؤل التالي : إلى أي مدى قارب الإبداع العربي والشعر أساسا هذه المستجدات تكيفا مع المنجز العلمي وتطلعا إلى لغة جديدة بحجم المرحلة ؟ إن اللغة التي يحاول الشاعر رسم ملامحها وتبيان خصائصها والتي يعدها قادرة على التكيف مع العصر ومستجيبة لمقتضيات المرحلة،  فهي لغة أنثى يعمل فيها الشاعر فحولته بحيث تتمحض للتناسل والولادة. فتحوي الدنيا في تفاصيلها الصغيرة ويكون نسلها ” حمال أوجه ” فتسمح لمستعملها (قارئها/ كاتبها) بتأويل العالم ضمن رؤية جديدة يحكمها التنوع والثراء وبمعايير فنية طريفة تقطع مع السائد.  يقول الشاعر:

أقصى ما أقصده:

لغة / أنثى

تسع الدنيا

و تفاصيل الأشياء

و يذهب في تأويل العالم معناها

[…] أقصى ما أقصده:

تفجير العبوة عن بعد

بين إمرأة حبلى وغد مسموم. (ص 21)

اللغة المؤهلة لإدراك ” الرؤية الجديدة ” عليها قبل ذلك أن تعيش الفوضى، وتعبر عن عملية البحث عن الذات، أي أن تسعى إلى الإجابة عن سؤال ” من نحن ؟” شريطة أن يكون ذلك باللغة وفي اللغة. ففوضى الشاعر هي فوضى اللغة وفوضى اللغة لا يمكن الخروج منها إلا متى فض الشاعر إشتباكه مع نفسه . يقول الشاعر متحدثا عن القصيدة:

إشتبكنا/- وحالي حالها -/ ثم كان لي / إشتباك معي ضدي / لفك إشتباكها. (ص 24)

فلا غرو أن نعثر على إشارات سريالية في بعض مقاطع القصيدة، تصور حالة من العدمية le nihilisme  بآعتبارها صورة من ” طقوس العبور ” كما يردد ذلك الأنتروبولوجيون تحمل مخاضا عسيرا ولكنه يظل مطبوعا بعلامات فارقة كما الوشم. تصبح معالم على الإنتقال من ضفة إلى أخرى نحو خلاص مأمول. يقول الشاعر: تتخثر في لغتي الكلمات/ لتبدو أكثر تكعيبا من لوحة بيكاسو .ص (20) ويقول أيضا: أقصى ما أقصده/ تلغيم النهر/ وزحزحة اللغة/ الخنثى عن سالف مجراها .(ص 21) ويقول عن منتهى ما يشتهيه من قصيدته: (ال) صعود إليها/ وهي تستر عريها/ أراها إلى الأبعاد تسعى/ شريدة/ وتلعن أحيانا رؤاها/ وسعيها / تشكل أيقوناتها/ ثم ترتخي/ لتفقد بالنزف المكثف وعيها. (ص 23) يذهب الشاعر إلى أكثر من ذلك في تعامله مع اللغة بل في رؤيته لها، فأن تتورد اللغة عن كلمات فذلك مرتبط بمنسوب مياه اللغة بين حواشيها حتى تخضر فتزهر. كما أن تمحض اللغة للدلالة والإيحاء مرتهن بإيجاد معادلة كيميائية تستحيل معها اللغة وعاءا لأخلاط تتمازج فيما بينها لينبثق منها ” لبن العبارة ” القادر على الإرضاع والتنشئة الصالحة. يقول الشاعر:

(لغتي تضيق،  تضيق في قاموسها

و يفيض منسوب المياه على حواشيها..

لتنهض وردة الكلمات من كابوسها.

ما نسبة الأملاح في لبن العبارة؟

أسأل اللغة التي إضطجعت لإرضاع اليتامى

و هي تكشف صدرها للعابرين.) (ص 26)

إن اللغة التي نجحت في إكتساب تلك المواصفات جديرة بكتابة الوجود الإنساني وفق الرؤية الجديدة التي تجد صياغتها المثلى في قصيدة ” الهنا والآن ” .فهي البديل لكل القصائد التي لا تكتب راهنها وإن أوهمتنا شكلا بذلك، أو تلك التي تكتب الموت ومشتقاته فتجيء هلامية رجراجة باهتة. إن قصيد ” الهنا والآن ” هي الرد المناسب على كل الرؤى الرومانسية الحالمة التي تذيب مفردات الواقع حتى يصير شفافا لا يكاد يبصر،  وعلى كل الرؤى التبشيرية التي وهي في عنفوان توهجها وتوقها للآتي قد تحجب الواقع وتلحقه بالآخر وأخيرا على كل الرؤى الواقعية السوداوية المكبلة للفعل والمنغلقة على نفسها تجتر جبريتها داخل دهاليزها المدلهمة. المنشود في قصيد ” الهنا والآن ” أن يكون الشاعر منطويا على حس موسوعي عارم وأن يحين تناوله الراهن للزخم المعرفي والتقني الناجم. فكل التفاصيل الصغيرة وكل التحولات المتسارعة وكل المفاجآت غير المنتظرة،  لا بد أن تلتقطها عين “الهنا والآن “، فهي المرصد الذي ” يعصمنا ” من الإنزلاق ذات اليمين أو ذات الشمال.  يقول الشاعر:

أقول

و أقصى ما يقال قصيدة

تقول التفاصيل الصغيرة والذرى

و لي ما أرى :

بحر طويل مكبل

بعين ” الهنا والآن “

يرصد ما جرى . (ص 22)

3 – الصورة الكارثية للعالم:

يعتبر الشاعر لغة الإبداع هي المدخل الصحيح لمعالجة ” فوضى العالم ” وللتصدي لإكتساح اللآمعنى ولمواجهة ” الرعب المنبعث من حنايا الوجود ” فعن لغة الإبداع عموما واللغة الشعرية خصوصا يصدر تمردنا ونزقنا ومروقنا وبها نسترد توازننا ونبني نسقنا.  كيف تبدت صورة الكون الموشك على الإنفجار الكبير في القصيدة؟ لا شك أن جوهر الشعر نبوءة وحدس . فآستشراف الشاعر للآتي القريب المضمخ بالإندحار والموت وإن بدا هلاميا غير واضح المعالم فإنه آت،  لا ريب في ذلك،  ليجرفنا من حيث ندري ولا ندري . يقول الشاعر:

شيء ما يحدث في هذا العالم

لا أدري ما هو بالتحديد ولا أدري

في أي غد سنموت

و في الأعماق مشاتل من حتى

شيء ما يحدث في هذا العالم

الوجهة واحدة

و حرائقنا شتى .( ص 28)

على الشاعر أن يسترد قدرته على التنبئ بما سيأتي وهي قدرة إفتقدناها بفعل مسارات ونظريات نأت بالشعر عن ” وظيفته ” . فبفضل إلتماعات حسه المرهف يمكن للشاعر أن يحقق، في إلتفاتة معبرة،  إطلالته على زمن البراءة فلم يبق للذات التي تود الخروج من رعب الخراب الكوني غير الإحتماء بالبراءة التي لن تجد صياغتها المثلى إلا في الشعر. إن هذه الإطلالة ستكشف الزيف الذي إلتفعت به الحضارة، وتمزق الأقنعة التي عمقت إغتراب الكائن وتفند ما يدعيه بهرج الليبرالية الجديدة ذات النزعة التبشيرية بالجنة الأرضية  الموعودة، فخلف هذا السراب الخلب تتبدى ثقافة الموت في أنصع صورها. ” ما من أحد يعنيه هنا أن يكتب نصا مفتوحا لن يقرأه إلا الموتى .” (ص 31) فالنذور بقدوم الإعصار ما إنفكت تتلاحق،  وشرر الحرائق الشتى تتطاير لتأكل الأخضر واليابس، وثاني أوكسيد الكربون السم المضاد للحياة l’antidote  سيصبح البؤرة التي ستفوح منها رائحة الموت. إنه مشهد لفناء العالم ونهايته يحيلنا حتما على الشريط السينمائي : apocalypse now فلا عجب والحال هذه،  أن يتلوث التاريخ بمنحاه الجديد بثاني أوكسيد الكربون. يقول الشاعر:

لا قبر هنا

إلا للأزهار الموقوتة ذات التاريخ المخلوط بثاني أوكسيد الكربون. (ص 28)

أ – العولمة : خلب المفهوم وترهل الذات

قد يحلو للبعض أن يشنف أسماعنا بمزايا العولمة وفضائلها، فهي بالنسبة إليهم تخدم العلم والتقنية وأسواق المال والإستثمار بقدرما تؤدي خدمة كبيرة للثقافة والآداب العالمية بما تتيحه من تنويع في مجالات النشر وربط بين كل المهتمين والمتابعين للثقافة، وبذلك تتداعى حواجز كثيرة، كانت تفصل بين الآداب والعلوم وبين شتى ألوان الثقافة وعامة الجمهور،  بل يذهبون إلى دعوة الناس إلى التصالح مع مفهوم العولمة الداهم والتواصل معه بذائقة تقبل جديدة وبوعي حاد لا يرى في العولمة،  أو العولمات ضربا من الذوبان في الآخر يتوجب إزاءه الإنغلاق على الذات والإكتفاء بموقف المتفرج،  من على الربوة،  عن بعد .لكأنه غاب عن هؤلاء ما يعتور المصطلح نفسه من تجاذب داخل البيت الواحد/ الغرب. ألم يبلغ مسامعهم الإجراءات الحمائية التي تتخذها بعض البلدان الأوروبية ضد هيمنة الثقافة الأمريكية للحفاظ على خصوصيتها الثقافية والتصدي للذوبان في الآخر الذي يتهددها؛ ألم يشاهدوا تلك التظاهرات الإحتجاجية العنيفة في أحيان كثيرة ضد إيديولوجيا العولمة التي تنبني على المعادلة التالية : لتزداد الدول الغنية غنى وليزداد الفقراء فقرا. إن الذين أغراهم مفهوم العولمة،  قد تخدر وعيهم بحيث أصبحت مقولات ” الحوار الحضاري ” و” الإعتراف بالآخر ” و” النزعة الإنسانية ” تتراءى لهم سببا للخلاص في حين أنها شعارات خلب لا تتجاوز حلوق مردديها من الغربيين. إن العمل الإبداعي في جوهره تصد لكل ما ينخر الإنسان من الداخل، من ذلك هول الإحساس بلا معنى الحياة،  كما أنه مقاومة عنيفة لتشيء العالم / الإنسان. فلا غرو أن تقيم الكتابة الشعرية المتاريس في وجه كل ما من شأنه أن يهتك حرمة الذات البشرية أو أن يدنس قدسية كينونتها وهي في محراب الإبداع تصوغ أروع نزعاتها في توقها للحرية والتفرد وإثبات الكيان.  للشاعر حساسية شديدة تجاه كل الخروقات التي تعمل على تفتيت الذات وتلاشيها لتستحيل رقما ضمن معادلة حسابية فجة.  ففي نظر صاحب الكتاب أن الإنترنت والهواتف الثابتة والمحمولة وعدسات المراقبة المغلقة والبطاقات الممغنطة قد هتكت أسرار الإنسان الحديث وآستباحت حياته الخاصة إلى درجة الفضيحة وتلاشت تبعا لذلك تلك الهالة القدسية التي كانت تتلفع بها إنسانية الفرد. إن النظام الرقابي المتطور ممثلا في ” الأثر الإلكتروني ” و” شفرة الهندسة الإجتماعية ” قد صادر أسرار الفرد.  فهو يتيح للرقيب الوقوف على حركات الشخص- موضوع التتبع- وآقتفاء أثره: مثل هذا النظام فائق التقنية،  أفضى إلى واقع جديد بين مختلف الشرائح الاجتماعية التي أرست بآستجابتها  للأمر الواقع وإنعكاساته الشرطية ” مجتمع الرقابة القصوى “، للعولمة إمتداد أخطبوطي،  يمكن أن نطلق عليه ” ميكروفيزياء العولمة ” وهي تلك النزعة إلى ملامسة أماكن شتى من الحياة الإنسانية.  فالعولمة لا تكتفي بدور الرقابة وإنما تعمل على خلق كائنات بشرية ذات بعد واحد حتى يسهل إستعبادها،  يقول الشاعر:

الصورة واضحة في البرواز الذهبي:

يد طولى

و سماء من قصدير

في متناولها

وهج السيماء على الوجه المقلوب،

دم الأيقونة بين البورتريه والواقع!….

و الوردة خارجة للتو من الأسطورة…

من دهليز توردها الفجئي

تردد رائحة لا يعرفها العشاق

و تعطي معنى آخر للأوزون. (ص 30)

ب – الإنسان ذو البعد الواحد :

إن التعاقب المتسارع للأحداث والآيل حتما إلى خراب كوني،  يبدو في القصيدة قد إتخذ مظاهر شتى : من الحديث عن ترهل الذات/ الوجود يصل بنا الشاعر إلى الحديث عن ” الإستعباد الجديد الذي يجتاح الكرة الأرضية بأسرها مخلفا وراءه أشباه أناس وما هم بأناس، يعدد الشاعر ضمن المشهد الموصوف صورا يتدخل فيها الواقعي بالسريالي والعقلي باللاعقلي، قد يبدو وصفه محايدا ولكنه مبطن بإدانة واضحة ترشح من خلال النعوت التي تلتقي بكل ما يؤثث المشهد : أرقام، همبورغر،  شأن كروي،  عارضة أزياء، أفيون،  أحمرة،  ربطات عنق،  نظارات، …هؤلاء المتحدث عنهم نتاج المجتمع الحر،  قد صاغتهم العولمة على مقتضى ما ترمي إليه، هم مستلبون لأنهم أضحوا فرائس سهلة وأهدافا مشروعة لجهاز قوي هو السوق.  إنبنت إستراتيجية الشاعر في الحديث عنهم على إمتصاص كل معنى يمكن أن يسبغ على ثالوث: الحركة/ الصوت/ الحالة الملتصقة بهم من خلال أسلوب الحصر: ” لا معنى…إلا….” المتواتر،  حتى لكأن الأفعال والأقوال والأحوال تسقط في نوع من العبثية تزيد الوجود إغراقا في العدمية. يقول الشاعر:

لا معنى في الإسطبل المظلم للمعنى

إلا للصرصار العاوي

لنهيق الأرقام المجنونة

للهمبورغر

الشأن الكروي

لعارضة الأزياء

و الأفيون

لا معنى في هذا الزمن المجنون

لغير الأحمرة النهاقة ذات الروث الخصب

و ربطات العنق المخرومة

و النظارات الشرهة

لا معنى

إلا للحشرات الكافكاوية

تزهر في الطابور السريالي

و للكاوبوي يرمي أنشوطته

في الناحية الأخرى من شهوته:

حيث الطماطم أعناق يانعة

حيث التاريخ تدبجه أظلاف الديناصورات العظمى

ما من أحد يعنيه اليوم

صراخ الزهرة في البرية

……

و لا معنى في خاتمة التطواف

لغير اللامعنى…(ص 33- 34)

يمكن أن نجمل القول في ما آل إليه الوضع البشري في الإنسان ذي البعد الواحد نستعير هذا المفهوم من المفكر الأمريكي ذي الأصل الألماني هربرت ماركوز (1898 – 1979) ومن كتابه الإنسان ذو البعد الواحد l’homme unidimensionnel  الذي إنتقد فيه المجتمعات الصناعية.  ينبني المفهوم على تحويل الكائن البشري، بعد طمس كل أبعاده والإبقاء على بعد واحد وتحويله إلى بوتقة تنصهر فيها كل الأنشطة الإستهلاكية،  بحيث تستثار غرائزه وشهواته وأهواؤه لتبلغ أقصى درجات توترها وتشنجها،  فيستيقظ ” الحيوان ” الكامن في الإنسان وأنى لكائن روحه الجوع كما يقول محمود المسعدي، أن يشبع . هكذا يختزل الإنسان في بعد واحد حتى يسهل تدجينه.  فتكبت داخله- تبعا لذلك- كل نزعة للتسامي.  إنه بفضل الإشباع المادي المتصاعد،  يهيمن نمط من اللاتسامي وإنطلاقا من موقع قوة يصبح المجتمع قادرا على العطاء أكثر من ذي قبل وتصبح الإشباعات التي يزود بها المجتمع أفراده هي عناصر التماسك الاجتماعي والإكتفاء.  هكذا يمتص حسب ماركوز مبدأ اللذة الواقع.  ويستلزم هذا المفهوم وجود أشكال قمعية غير متسامية من شأنها أن تحول ذلك النهم المفرط لإشباع الغرائز إلى جوع كافر بالمعنى لعله السمة البارزة للألفية الجديدة،  يقول الشاعر:

في الألف الثالث للإنسان

تسابق نحو خيوط الفجر الأولى

الأعرج والأعمى وعموم المحرومين من المعنى .(ص 37)

هكذا يتساوى أصحاب التشوهات الخلقية مع ممن منعوا من إضفاء المعنى على وجودهم بسبب هيمنة قوانين السوق على حياتهم.  هكذا تسنى لإقتصاد السوق أن يشكل العالم على النمط الذي يرتضيه،  فآنسدت الآفاق وآستلب الكائن وأجهضت كل نزعة للتسامي، أي لتعميق التناقض بين الواقع والمثال.  يمثل ذاك الشرخ متنفسا يرنو من خلاله الكائن إلى إمتلاك حقه المشروع في نحت كيانه وفق رؤى صلبة، قادرة على الصمود والتصدي وعلى تغيير الواقع المتعفن،  من خلال خلق أشكال جديدة للإحتجاج وإبتعاث مثل تغذي رغبة الإنسان في الإستمرار والأمل والبقاء، ولكن أنى للمسحوقين أن يدركوا ذلك ومنظرو الرأسمالية المتغولة يعلنون عن حصول التطابق بين المثال والواقع ويجاهرون بنهاية التاريخ،  وما على أولئك الذين لا يزالون يحلمون بإمكانية إنبثاق مجتمع مختلف منبن على رؤية مغايرة وتصور جديد إلا أن يكفوا عن ذلك وإلا فالفناء يتهددهم. يقول الشاعر:

فوكوياما ينهي التاريخ متاهته

و يرى المستقبل في ” تاء التأنيث “

مدينة هانتغون جاهزة لعمالقة الزمن الآتي،

للريح

و للغربان. (ص 34)

إن ما آل إليه الوضع البشري،  من مآس وآلام وجراحات قد أصاب الشرق كما قد أصاب الغرب،  وهو ما يشرع للشاعر نظرته السوداوية لمصير العالم، فبتأثير العولمة لم يعد يوجد أحد بمنأى عن الإصابة بلوثة هذا المارد القادم على عجل،  يستحث الخطى لينشر سمومه في كل نواحي الوجود  لم يبق للشاعر إلا أن يستغيث بملء فيه مستصرخا التاريخ بجناحيه   يقول الشاعر:

الأرض كما أعلنت خراب  يا إليوت

و للفينيق

  • يد الفارابي في الدنيا –

أن ينهض في غدنا

ليهندس للروح المجروحة

عاصمة الإطمئنان الأعظم. (35)

الخاتمة :

إن تناول الآثار المدمرة لظاهرة العولمة على الفرد وعلى المجتمع،  من خلال عمل شعري، قد إمتلك صاحبه ناصية القول الشعري ينم عن جرأة في إقتحام المجهول والمختمر وما لم تتضح معالمه بعد، معتمدا في ذلك على رؤية فنية ” قصيدة الهنا والآن ” التي تكتب عصرها على النحو الذي يريده لها عصرها، وباللغة التي تعبر عن إعتمالاته وعن اختلاجاته وعن إرباكاته وهي في الآن نفسه وبحكم تلك الرؤية وطبيعة الظاهرة المدروسة، إستطاعت هذه المطولة الشعرية أن تلامس الكونية من خلال المضامين المتعددة التي تناولتها، وقد توسل الشاعر لإدراك ذلك بوعي حاد ” بتمخضات العصر ” وبقدرة فائقة على فك شفرته المعقدة، وبلغة شعرية لا تولي دبرها للواقع وإنما تسمي الأشياء بأسمائها وترصد التفاصيل الصغيرة وآخر ما إبتكرته عبقرية الإنسان بغرض تسويغ المصطلح العلمي إبداعيا، بعد أن غزا حياتنا وتفشى في بيتنا وفي بيت القصيد.

كتب هذا النص بين مدينة ليون (فرنسا) وسيدي داود (تونس ) جوان / جويلية / أوت 2001

1 – يوسف رزوقة، أزهار ثاني أوكسيد التاريخ، منشورات تبر الزمان، سنة 2001، عدد الصفحات 142 صفحة.
_________
*الدكتور رمضان بن رمضان.

جديدنا