النظرية النقدية عند رايت ميلز؛ قراءة في الأسس النظرية والمنهجية لدور الخيال السوسيولوجي في تحليل ونقد الواقع الاجتماعي

image_pdf

يعبّر الخيال السوسيولوجي عن إطار تصويري وأداة تحليلية من أجل إدراك  البناء الاجتماعي باعتباره حقيقة تاريخية قائمة بذاتها يمكن تجزئها إلى مجموعة من الأنساق الفرعية وتدرس في علاقتها بالبناء الكلي، فالباحث السوسيولوجي هو جزء من المجتمع الذي يدرسه وحياته لا تنفصل عن موضوع  بحثه ومن هذا المنطلق فهو يحتاج إلى الخيال السوسيولوجي لكي يتفهم حياته من خلال الظروف الاجتماعية المحيطة به، بل وأكثر من ذلك فيجب على كل إنسان أن يتحلى ويتصف بهذه الأداة من أجل تخطي عقبة الوعي الزائف التي قد يقع فيها في مختلف مراحل حياته الاجتماعية“ (عالم الاجتماع الراديكالي الأمريكي ﺗﺸﺎﺭﻟﺰ رايت ميلز 1916/1962).

– تمهيد:

يعتبر رايت ميلز الأب الروحي للاتجاه الراديكالي في علم الاجتماع المعاصر، فقد استوعب التراث الفلسفي الأوروبي- الأمريكي خصوصاً الفلسفة البراجماتية (النفعية)، التي كانت تعتبر أحد أهم التيارات الفلسفية الهامة في الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الوقت([1]). نُظر إلى ميلز باعتباره واحداً من أهم مؤسسي النزعة الراديكالية في علم الاجتماع الحديث، ليس بسبب أفكاره الناقدة للتراث السوسيولوجي المحافظ والتقليدي فقط، بل بسبب تبنيه لوجهة نظر راديكالية ملتزمة([2]).

ظهر ميلز في إطار شامل من الحركات اليسارية الجديدة التي ظهرت في بلدان عديدة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث انتشرت موجة عارمة من النقد الاجتماعي، تمثلت بحركات الشباب والطلبة 1968، التي عمّت أرجاء العالم الغربي بأكمله([3]). لذا يمكن اعتباره رمزاً لمعارضة راديكالية لكل الممارسات السوسيولوجية التي ظهرت خلال فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين المنصرم، وبهذا أصبح ميلز جزءاً من تاريخ الفكر الاجتماعي الغربي، لأنه شكل نقطة انقطاع هامة في مسار الفكر الاجتماعي الذي ظل أسيراً لنزعة محافظة اعتذارية تسعى للدفاع عن الأوضاع القائمة ومعارضة أية تغيرات بنائية شاملة([4]).

كان محور اهتمامه ميلز هو استخدام السلطة وإساءة استخدامها بصفة خاصة. فقد كان يرى أن الولايات المتحدة تحكمها نخبة صاحبة قوة وسلطة، يهتم قادة النقابات العمالية فيها بجمع الثروة([5]). له العديد من المؤلفات في نقد المجتمع والسياسة وبناء القوة في أمريكا منها:

– الشخصية والبناء الاجتماعي وذو الياقات البيضاء 1953، صفوة القوة 1956.

– أسباب الحرب العالمية الثالثة 1958.

– الخيال السوسيولوجي الواعد 1959.

– استمع أيها الأمريكي: الثورة في كوبا 1960، السلطة والسياسة والشعب 1963

– علم الاجتماع والبراغماتية 1964.

 انطلق ميلز من معظم كتاباته من وجهة نظر نقدية ملتزمة حاول فيها التأثير على التيارات الاجتماعية السائدة في أمريكا والعالم على حد السواء، لذا يمكن اعتبار ميلز رمزاً لمعارضة راديكالية لكل الممارسات السوسيولوجية التي ظهرت في الستينيات من القرن المنصرم.

 ربط ميلز بين نقد المجتمع الأمريكي ونقد علم الاجتماع فيه، و وضح قضية اغتراب الإنسان الأمريكي وتزييف وعيه، وبالتالي طبعه باللامبالاة والقصور فيما يتعلق بالتغيير، وحاول ربط هذا الواقع بعوامل أخرى حاولت الإيحاء للإنسان بأن مشكلته ليست مشكلة اجتماعية بنائية وإنما نفسية شخصية. فكثيراً ما أكد الباحثون من خلال دراساتهم له أن المسألة تعود إلى تكيف الإنسان وتوافقه مع الواقع المحيط، فكلما كانت لديه قدرات نفسية على هذا التكيف وذلك التوافق قل اغترابه والعكس صحيح، ولكي يثبت عجز وزيف مثل هذه التأويلات ” لا التفسيرات ” أنجز عدة دراسات حول الطبقات الاجتماعية أبرزها دراساته حول ” الطبقة المتوسطة ” و ” صفوة القوة ” ليخلص منها إلى أن حقيقة أي طبقة هي في الواقع وإلى حد كبير محصلة لعلاقاتها بسائر الطبقات الاجتماعية، بالإضافة دور مراكز القوة الاقتصادية في المجتمع الأمريكي التي أصبحت تسيطر على السياسة الحكومية([6]).

هذا ما دفع ميلز إلى ضرورة مطالبة تسلح الباحث الاجتماعي بما أسماه ” الخيال السوسيولوجي ” بهدف تصحيح مسارات علم الاجتماع، لأن مفهوم الخيال السوسيولوجي الذي قدمه ميلز يعتبر من أهم الإنجازات النظرية على الصعيد السوسيولوجي، لأنه قدم نقداً شاملاً للمسلمات النظرية والمنهجية الشائعة في علم الاجتماع خلال خمسينيات القرن العشرين المنصرم، فقد ظهر هذا الأمر جلياً في كتابه ” الخيال السوسيولوجي” الذي شن من خلاله هجوماً ضارياً على ما أطلق عليه ” النظريات الكبرى (الوظيفية والماركسية) والامبيريقية المجردة “([7]).

 أما عن مصطلح الخيال السوسيولوجي ” فقد عرفه بأنه إطار تصويري وأداة تحليلية من أجل إدراك البناء الاجتماعي باعتباره حقيقة تاريخية قائمة بذاتها يمكن تجزئها إلى مجموعة من الأنساق الفرعية وتدرس في علاقتها بالبناء الكلي، فالباحث السوسيولوجي هو جزء من المجتمع الذي يدرسه وحياته لا تنفصل عن موضوع  بحثه ومن هذا المنطلق فهو يحتاج إلى الخيال السوسيولوجي لكي يتفهم حياته من خلال الظروف الاجتماعية المحيطة به، بل وأكثر من ذلك فيجب على كل إنسان أن يتحلى ويتصف بهذه الأداة من أجل تخطي عقبة الوعي الزائف التي قد يقع فيها في مختلف مراحل حياته الاجتماعية. وفي المقابل أكد ميلز على أهمية دراسة التفاعل بين الإنسان والمجتمع بين التاريخ الشخصي والتاريخ العام وبين الذات والعالم الذي تعيش فيه هذه الذات وذلك على مستوى الفرد ومستوى البناء الاجتماعي الكلي.

تنبع أهـمية الخـيال السوسيولوجي عند “رايت ميلز” على اعتبار أن التصور السوسيولوجي الفعال أصبح من أهم الوسائل التي يلجأ إليها العلماء، وهنا يؤكد ميلز على الدور الهام الذي يؤديه الخيال السوسيولوجي في الوصول إلى الحقيقة الاجتماعية، فالخيال هو القدرة على فهم الإنسان داخل المجتمع، وهو يساعد الباحث على تفهم الواقع الحقيقي الذي يدرسه ويمكننا من الإلمام بالتاريخ وصيرورة الحياة ومدى العلاقة التي تربطهما من أجل تفسير الواقع الاجتماعي الملموس، إذا فهو ليس حكراً فقط على الباحث بل هو سلاح يستعين به عامة الناس ليتمكنوا من إدراك شخصيتهم باعتبارهم جزءاً في طبقة اجتماعية فهذا الشعور بالانتماء هو الذي يسمح للفرد بأن يصبح قوة اجتماعية مؤثرة في عملية اتخاذ القرار من أجل تحقيق التغيير، ومن هنا تحول الخيال من أداة تحليلية إلى وسيلة يستخدمها العقل في اتخاذ القرار الصائب فيما يتعلق بحياة الإنسان وهو وسيلة للتثقيف الذاتي مما سمح للفرد بتكوين وعيه الحقيقي([8]).

وفي هذا السياق سنقوم بدراسة وتحليل النتاج الفكري عند ميلز بناءً على عناصر الإطار التحليلي المقترح للدراسة، في محاولة لفهم كل المتغيرات والأحداث، التي ساهمت بشكل مباشر وغير مباشر في إنضاج النظرية النقدية لدى رايت ميلز التي تعتبر من أهم ما قدم في علم الاجتماع المعاصر (كرؤية نقدية راديكالية ملتزمة) على المستوى الراديكالي والاجتماعي في منتصف القرن العشرين هذا من جهة. والتعرف على الأسس النظرية والمنهجية التي اعتمدها ميلز في نقده وتحليله للبناء الاجتماعي من جهة ثانية، من خلال العناصر التالية:

أولاً- التيارات الفكرية كمرجعية أولية للتنظير النقدي عند رايت ميلز: اعتمد رايت ميلز في تكوين أرضيته المعرفية على بعض الروافد الفكرية الهامة جداً ضمن إطار النسق الفكري العام الذي عاصره في ذلك الوقت، ناهيك عن مدى تأثره بعوامل الواقع الاجتماعي المحيطة به آن ذاك، حيث ساهمت تلك الروافد والعوامل في بناء تكوينه العقلي والنفسي إلى حد كبير، فانعكس تأثيرها على تبنيه لمعظم آراءه وأفكاره النظرية والأكاديمية، فمن الملاحظ أن هذه الروافد التي اعتمد عليها ميلز تختلف بشكل كبير عن الروافد التي تأثر بها الرواد الكلاسيكيون في علم الاجتماع، وبذلك يمكن حصر تلك الروافد والعوامل بخمس نقاط أساسية وهي كالآتي:

1- التراث المعرفي للفلسفة البراغماتية: اهتم ميلز بهذا التراث خلال إعداده لرسالة الدكتوراه التي جاءت بعنوان         ” علم الاجتماع والبراغماتية*، ويمكننا القول بأن ميلز قد تأثر بالفلسفة البراغماتية، إلا أنه لم يتخذ منها مدخلاً للعلم، بل سعى من خلالها إلى فهم واستيعاب التراث الفلسفي الأمريكي، الذي انعكس عليه في جانبين أساسيين، وهما كالآتي:

أ – رفضه القاطع للنزعة الامبيريقية الإحصائية التي كانت سائدة بين زملائه.

ب- إدراكه لتعقد العلاقة بين الفاعل الفردي والبناء الاجتماعي([9]). وهذا يعني ” أن تلك الفلسفة كانت بالنسبة له أسلوب حياة، وخطة عمل كما كانت تصور العصر العلمي الذي يحيا فيه، والحياة العلمية التي يعيشها مواطنوه… فهي فلسفة تعبّر عن مزاج العالم الجديد المعروف بأمريكا، وهي ثمرة التفاعل بين الأفكار التي يحملها المفكرون الأوروبيون إلى الولايات المتحدة، وبين البيئة التي نشأوا فيها “ ([10]). هذا فضلاً عن أن استيعابه للتراث البراغماتي جعله قادراً على تمثل الفكر الأوروبي في التاريخ والعلوم الاجتماعية على حد السواء.

2- الدراسات الامبيريقية (الميدانية): التي أُجريت عن الحراك الاجتماعي والاتصال الجماهيري. فقد قام ميلز بدراسات عن النقابة التجارية، وصفوة رجال الأعمال، إلى جانب دراسات عن جماعات مختلفة تنتمي إلى الطبقة الوسطى. بالإضافة إلى ذلك أجرى دراسات أخرى عن تأثير وسائل الاتصال الجماهيري وقادة الرأي.

قام ميلز بكل هذه الدراسات، وهو في كولومبيا حيث كان يعمل مع لازارسفيلد  منذ عام 1945. ولا نستطيع أن ننكر تأثير لازارسفيلد عليه في كل هذه الدراسات، وإن كان تاريخ ميلز العلمي السابق على كولومبيا، ودراساته المكثفة فيما بعد تكشف عن أن كل هذه الدراسات والتقارير هي التي مهدت الطريق إلى دراسة ميلز المكثفة والمطوّلة عن ” صفوة القوة*، ودراسته الأخرى عن ” ذوي الياقات البيضاء* فقبل أن يذهب إلى كولومبيا قام بكتابة تقارير مكثفة عن دراسات لويد وارنر عن ” اليانكي ستي “، كما كتب تقارير عن كتاب بيرنهام ” الثورة الإدارية ” وغيرها. ويدل ذلك على اهتمامه المبكر في دراسة البناء الاجتماعي الأمريكي، الذي اكسبه خبرة واقعية أثرت عليه تأثيراً كبيراً في أسلوب إخراج دراساته فيما بعد، وعلى قدرته على أن يكتشف القوة القادرة على تغيير المجتمع أو تثبيته([11]).

3- الاتجاهات النقدية لعلماء الاجتماع الألمان: قبل أن يبدأ رايت ميلز إجراء كل هذه الدراسات قابل بعض العلماء الألمان الفارين من بطش الحكم النازي([12])، فقد كان هؤلاء العلماء من ذوي الاتجاهات الراديكالية النقدية موجهة أساساً لتغيير نشأة النازية. حيث كانوا يعتقدون أن علم الاجتماع قادر على القيام بهذه المهمة فهو مزيج من أعمال عدة رواد في علم الاجتماع وهم (ماكس فيبر*، كارل ماركس([13])، سيغموند فرويد)، مع العلم أن ميلز قد ألم بالتراث الفكري لهؤلاء الرواد على يد ” هانز جيرث ” في جامعة ويسكونسين. فقد أثار هؤلاء اللاجئون في ميلز الاهتمامات الراديكالية خاصة وأنهم وجهوا جانباً من رؤيتهم الراديكالية إلى المجتمع الأمريكي.

فقد نظروا إلى المجتمع الأمريكي الجماهيري على أنه يتحول نحو الشمولية والفاشية، حيث تخوفوا من ازدياد تأثير البنتاغون كمؤسسة عسكرية أمريكية، من أن يزكي النزعة العسكرية ويكرر ما حدث في ألمانيا. فالمنفي الذي فرض على هؤلاء العلماء لم يجعل الارتباط بالظواهر الاجتماعية المستجدة والخاصة بالمجتمع الأمريكي كنموذج غير مختلف جوهرياً عن المجتمعات الرأسمالية الأوروبية وأنظمتها الليبرالية والفاشية والنازية، ولم يجعله أيضاً متغلباً على الانشداد نحو الرقعة السوسيو- سياسية الأوروبية التي انطلقت منها الأبحاث النظرية الأولى لرواد مدرسة فرانكفورت النقدية. بل أصبح للمنفي مردود مضاف في تقدم النظرية النقدية باتجاه أرضية أكثر اتساعاً في عيناتها المطروحة للمعالجة([14]).

في هذا الجانب، أولى ميلز اهتماماً كبيراً للصفوة العسكرية وما تلعبه مع عناصر مركبة من الصفوات الأخرى في السيطرة على المجتمع الأمريكي، هذا ما جعلنا ندرك مدى تأثر ميلز بجماعة المهاجرين هؤلاء، إلى جانب إلى أن آراءه تكشف عن مزيج بين آراء ماركس، وفيبر، وفرويد، خاصة ما جاء منها في كتابه ” الشخصية والبناء الاجتماعي ” الذي اشترك فيه مع هانزجيرث([15]).

4- الصراع الإيديولوجي بين أمريكا والاتحاد السوفيتي: إن مواجهة ميلز ومعايشته للحرب الباردة والنزاع الإيديولوجي بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي السابق، جعل هذا الوضع معظم المسائل التي عالجها ميلز تمس من قريب أو بعيد مسائل الحرب والسلام. فقد كان يعتبر أن الحروب من المشكلات التي تتسبب في الكثير من الاضطرابات الشخصية. أصدر ميلز فيما يخص هذا الموضوع كتاباً بعنوان: ” أسباب الحرب العالمية الثالثة * عام 1958، ربط فيه ميلز بين أسباب احتمال قيام حرب عالمية ثالثة وبين تركز القوة في المجتمع الأمريكي بأيدي جماعة صغيرة لا يمارس عليها الشعب أي رقابة. ومن هنا نستطيع أن نجد علاقات وثيقة بين ما جاء في هذا الكتاب وما جاء في كتب ميلز الأخرى التي عالج فيها مسألة تركز القوة في المجتمع الرأسمالي([16])

5- السياق الأكاديمي لرايت ميلز: لاحظ ميلز أن معظم زملائه جميعهم منصرفون إلى تصميم نسق نظري مجرد، أو إجراء دراسات امبيريقية ضيقة النطاق دون أي اهتمام بالمسائل ذات الطابع العالمي التي تواجههم، أو اهتمام بمشكلات البناء الاجتماعي الذي يعيشون فيه. فمن الطبيعي أن يدفع ذلك ” الجبن الأكاديمي ” ميلز الذي أثرت فيه كل العوامل السابقة إلى أن يسبح ضد تيار النظرية المجردة ذات الطابع المحافظ([17])، حيث يصف ميلز أصحاب هذا التيار بأنهم لا يستطيعون أن ينزلوا إلى مستوى المشاهدة الواقعية حيث يؤدي غياب الإحساس الأصيل بالمشكلات الحقيقية إلى أن نقرأ اللا واقع وتكون النتيجة مزيداً من التعسف الواضح من ناحية([18]). وضد أيضاً تيار النزعة الامبيريقية المحدودة النطاق التي سعت إلى تحويل علم الاجتماع إلى علم طبيعي يستخدم نفس المعادلات الرياضية الشائعة في الفيزياء من ناحية أخرى([19])، وأن يتحدى الفكر الكلاسيكي المرتبط بالنظام العام بغض النظر عما جلبه عليه ذلك من مشكلات شخصية بدءاً من اعتباره مجرد صحفي إلى اتهامه بأنه منتسب إلى الشيوعية في الخفاء.

يمكن لنا أن نقسم هذه التأثيرات إلى نوعين، حيث ساهم كل نوع في تكوين عنصر معين في تفكير رايت ميلز([20]):

النوع الأول: تأثيرات فكرية وتنحصر في تأثره بالفلسفة البراغماتية وبفكر ماركس وفرويد، وماكس فيبر، من خلال اهتمامه بفكر جماعة اللاجئين الألمان.

– أما النوع الثاني: ينحصر بالتأثيرات المجتمعية، أو يمكن القول تأثره بالواقع الاجتماعي نفسه. ويضم هذا النوع من التأثيرات:

أ- خبرته بالواقع الاجتماعي نفسه، من خلال البحوث الامبيريقية المبكرة التي قام بها، وكذلك تأثره بعوامل وأحداث الحرب الباردة .

ب- ظهور وتفاقم التناقضات الفكرية والبنائية في المجتمع الرأسمالي الأمريكي .

ساهمت هذه التأثيرات بشكلٍ كبير في خلق جانب من ثورة ميلز أو اتجاهه النقدي على مجتمعه، حيث ساهم النوع الأول في أن يثور على النظرية الكلاسيكية نفسها، من خلال نقده لأسلوب العلماء في تناول الموضوعات، وتصورهم لدور العلم في المجتمع. لذا يمكن اعتبارها ثورة فكرية أكاديمية، أو ضرب من ضروب الراديكالية العلمية إذا أردنا تسمية أخرى لها. أما مساهمة النوع الثاني فأنها تنحصر بالثورة على واقع المجتمع وإيضاح ما يعاني منه من أمراض ومشكلات اجتماعية، من خلال السعي إلى تحليل البناء الاجتماعي تحليلاً راديكالياً يكشف عما فيه من صور حديثة للاستغلال والسيطرة والنفوذ. أي أنها ثورة اجتماعية، أو ضرب من ضروب النقد الاجتماعي([21]).

كما يعتبر كارل ماركس من أهم المفكرين الذين أثروا تأثيراً بالغاً في أفكار ميلز، ونتيجة هذا التأثير اتهمه بعض علماء الاجتماع البرجوازيين بأنه ماركسي، والمحقق أن ميلز لم يكن ماركسياً تقليداً فقد ثار على الماركسية مثلما ثار على الوظيفية، غير أن ثورته هنا لم تكن ثورة رفض وإنما كانت ثورة تطوير وتنقيح، فقبل روحها العامة، ورفض بعض قضاياها، وطور بعضها الآخر في إطار هدفه الأساسي الذي سعى إليه ألا وهو نقد البناء الاجتماعي القائم، وكشف مظاهر التحكم والاستغلال فيه([22]).

لذا يمكن القول بأن رايت ميلز قد تأثر بروح الماركسية التي شكلت أحد أهم التيارات المرجعية في نظريته النقدية، ولكن وفق ضوابطه وقواعده الخاصة التي ارتكز عليها ميلز في صياغته لنظريته النقدية وخصوصاً فيما يتعلق بنظرته للبناء الاجتماعي الأمريكي.

كما تأثير ميلز بعالم النفس سيغموند فرويد حيث استفاد من تراث فريد في بناء الشخصية وهذا واضح في كتابه عن “الشخصية والبناء الاجتماعي” الذي اشترك فيه مع هانز جيرث. وفي جانب آخر وجد ميلز التفسيرات الفرويدية نقطة انطلاق ملائمة مع توسيع فكرة فرويد عن التنشئة الاجتماعية لتشمل نظام القرابة ليتضح كيف ينشأ الإنسان على نمط الطريقة النظامية القيادية التي ناقشها ميلز في كتابه “ صفوة القوة([23]).

وتأثر ميلز أيضاً بكل من العالمين الاجتماعيين: (ماكس فيبر، فبلن)، نتيجة اهتمامهما الفائق بمصير الإنسان في المجتمع الصناعي والدور الذي يمكن أن يلعبه العلماء الاجتماعيون في هذا المجال. ولأن ميلز كما هو معروف عنه كان من المنادين بقيم الالتزام الأخلاقي والحرية الأكاديمية والموضوعية كان لا بد من أن يتأثر بهم ولو بطريقة غير مباشر([24]).

ثانياً- ملامح المدخل المنهجي عند رايت ميلز: سعى رايت ميلز إلى أن يكون المفهوم السوسيولوجي، فكرة ذات مضمون امبيريقي، إلا أنه قد شدد على ألا يكون هذا المضمون أكبر من الفكرة فيردى علم الاجتماع ويسقط في الاتجاه الامبيريقي التجزيئي، وفي المقابل إذا كانت الفكرة أوسع من المضمون (الامبيريقي التجزيئي) وقع علم الاجتماع في شباك عالم المجردات الذي تتخذ منه النظريات الكبرى مساراً. لذا أصر رايت ميلز في كل أفكاره وكتاباته النظرية إلى ضرورة الأخذ بالمدخل المنهجي الذي يركز على النظرة الشاملة ذات الصبغة الراديكالية الملتزمة، بحيث يكون تركيز ميلز تبعاً لهذا المدخل المنهجي على ثلاثة مستويات أساسية وهي: (الإنسان، المجتمع، التاريخ ). ويبرر ميلز هذا التركيز حين يؤكد على أن المشكلات الأساسية التي يعاني منها الناس هي نتاج لمشكلات البناء الاجتماعي العام، وهما يرتبطان بمشكلات التاريخ. وفي هذا الصدد يقول ميلز “عندما تصاغ مشكلات العلوم الاجتماعية صوغاً حقيقياً، لا بد من أن تتضمن كلاً من المتاعب والقضايا والتاريخ الشخصي للأفراد، وأيضاً التاريخ العام، ومجال العلاقات المعقدة القائمة بينهما، لأن حياة الفرد وتكوين المجتمعات كليهما يجريان في نطاق هذا المجال”([25]).

تمثل طريقة طرحه للمشاكل التي يعاني منها المجتمع المدخل المنهجي الحقيقي لفهم القيم والمقولات الأساسية التي يحاول من خلالها تفسير ونقد المجتمع، حيث اعتمد ميلز في مدخله المنهجي لدراسة المجتمع على مقولتي “النظام” و  “التغير” أو بتعبير آخر “البناء الاجتماعي” و “التاريخ”، فمن خلال تبنيه لهاتين المقولتين نجد ميلز يثير تساؤلات وقضايا عديدة تتصل بتصور الإنسان الواقع ككل، والإطار الحقيقي للمصير الإنساني. ويعبر ميلز عن ذلك تعبيراً واضحاً حين يقول: إن ما أهدف إليه هو تحديد واقع الظروف الإنسانية تحديداً موضوعياً، وأن تجد تصوراتنا ومفاهيمنا قبولاً من جانب الجماهير العريضة([26]).

اعتبر ميلز بناءً على مدخله المنهجي، أن الأبنية الاجتماعية تختلف اختلافاً جذرياً في درجة ترابطها ونوعية هذا الترابط، ومع ذلك نجد بعض ضروب التكامل داخل البناء الاجتماعي، كما يتضح ذلك في الأنظمة السياسية والقرابية والعسكرية والاقتصادية، التي لا يمكن أن نفصلها عن التطور التاريخي لهذا البناء. ومن هنا فإن نظرية البناء الاجتماعي لا يمكن أن تنفصل عن نظرية التاريخ. لذا سعى ميلز إلى أن يتبنى علماء الاجتماع مدخله المنهجي لأنه حسب رأيه سيسهل عليهم فهم كل من البناء الاجتماعي والتاريخي بطريقة واحدة([27]).

فكان من الطبيعي، أن يهتم ميلز بدراسة البناء الاجتماعي وأن يكشف عن العوامل التاريخية التي أثرت وتؤثر فيه، مع الانتقال في الدراسة من مستوى البناء إلى مستوى الشخصية. على اعتبار أن الاتجاه النظري المجرد والاتجاه الامبيريقي قد اشتركا في نقطة ضعف واحدة وهي إهمال دراسة البناء الاجتماعي، فجاءت معظم دراسات ميلز امبيريقية تاريخية تقدم فهماً حقيقياً للبناء الاجتماعي في المجتمع الأمريكي. ولكن هذه الدراسات لم تكن تجرى من فراغ، حيث كان يقودها موقف نظري منهجي يحدد اتجاهه الإيديولوجي ودرجة التزامه بالأهداف التي يجب أن يسعى إليها عالم الاجتماع([28]).

* إن من أهم المقولات المنهجية التي ساعدت ميلز على تكوين قضاياه النظرية عن الفكر والمجتمع، ما يلي:

– رفض أحادية التفسير في دراسة المجتمع: سعى رايت ميلز من خلال كتابه “الخيال السوسيولوجي“، إلى الكشف عن تيار نقدي يهدف إلى مواجهة ونقد تيار فكري عارم يتمثل في النزعة الوظيفية المحافظة. فمن الملاحظ أن الانتقادات الشاملة التي وجهها ميلز للنظريات الاجتماعية السائدة، قد تمت في إطار تصور أعم قصد به الإدانة الراديكالية لما أطلق عليه “الانحطاط الثقافي([29]).

بناءً على ما تقدم فقد رفض ميلز ما أسماه بالنظريات الكبرى خاصة نظرية عالم الاجتماع الأمريكي تالكوت بارسونز. حيث شن هجوماً بالغ التعنيف على بارسونز، بسبب التعقد اللغوي والنظري الذي كانت تنطوي عليه نظرية بارسونز الوظيفية. لذا نستطيع أن نحدد رؤية رايت ميلز النقدية (الراديكالية) المتمثلة بالثورة على النظرية الكبرى أو الاتجاه العقلي المجرد من خلال هذين العنصرين الأساسيين، وهما كالآتي:

العنصر الأول: يتمثل في رفض أسلوب صياغة مثل هذه النظريات، حيث كتب ميلز يقول: ” أعتقد أن المرء يستطيع أن يترجم كتاب “النسق الاجتماعي“، المكون من 555 صفحة إلى حوالي 150 صفحة من اللغة السهلة الواضحة. غير أن النتيجة لن تكون بالغة التأثير، لأنها ستتضمن نفس المصطلحات التي قدمت بها المشكلة الرئيسية في الكتاب، بالإضافة إلى الحلول المطروحة لهذه المشكلة “([30]). يعبر هذا النص عن رفض ميلز لهذا الأسلوب الغامض الذي صاغ به بارسونز نظريته الكبرى، الذي يرتفع إلى مستوى عالي من التجريد ليبتعد عن معطيات الواقع الاجتماعي. ومع هذا الغموض النظري المجرد البعيد عن الواقع، ومع الالتفاف حول نموذج التوازن والميكانيزمات التي تعمل على تدعيمه عن طريق التنشئة الاجتماعية والضبط الاجتماعي، تعجز هذه النظرية الكبرى عن أن تفسر التغير الاجتماعي والبناء التاريخي برمته. فالسبب الرئيسي في وجود النظرية الكبرى يكمن في اختيار نمط من التفكير الذي يتصف بالعمومية، حيث لا يستطيع  أصحابه أن ينزلوا إلى مستوى المشاهدة .

لذا نجدهم لا يتخلون إطلاقاً عن تعميماتهم لكي يلمسوا المشكلات في أطرها التاريخية والبنائية([31]). ” ويفسر هذا الافتقار للحس القوي بالمشاكل الحقيقية، عدم الواقعية الملحوظة بدرجة كبيرة في كتاباتهم. وتكون النتيجة مزيداً من التعسف الواضح، ومن الاستفاضة اللا نهائية في التصنيفات، التي لا توسيع فهمنا وإدراكنا ولا تجعل تجربتنا أكثر معقولية “([32]). وإذا كان هذا النص يكشف عن نقد لمستوى التجريد النظري في النظريات الكبرى ذلك التجريد الذي يعمي أصحاب هذه النظرية عن الارتباط بالواقع المعاش وما به من مشكلات. وفي جانب آخر يذهب ميلز إلى أن أصحاب النظريات الكبرى ” قد شغلوا أنفسهم بدرجة بالغة بمعاني التركيبات اللغوية، حيث لم يكن خيالهم خصباً بالنسبة للدلالات والبراهين، فقط ارتبطوا بمستويات التجريد العليا إلى درجة أن شرح ” الرموز الكلامية ” التي يقدمونها تبدو في أغلب الأحيان مجرد لعبة مجدية من التنميط بأكثر من كونها جهداً لتعريف المشاكل بطريقة نسقية – أي بطريقة واضحة ومرتبة – ودليل نهتدي به في حلها “([33]).

بذلك يؤدي كل من الابتعاد عن الواقع والانخراط في تركيبات المفاهيم إلى إهمال الكثير من الخصائص البنائية للمجتمع الإنساني، وهي خصائص تلعب دوراً أساسياً في فهم هذا المجتمع، وهذا هو العنصر الأول في نقد ميلز للنظرية الكبرى المجردة([34]).

– أما العنصر الثاني: ينحصر في ثورة رايت ميلز على النظرية الكبرى من خلال نقده للارتباط الإيديولوجي لهذه النظريات، لأنها تسعى إلى تبرير شرعية النظام القائم. حيث يتضح ذلك من خلال طريقة تناول علماء النظريات الكبرى للواقع الاجتماعي على أنه بناء متكامل يلعب فيه التوجه المعياري دوراً كبيراً. فعلم الاجتماع كما يراه تالكوت بارسونز يدرس ذلك الجانب من نظرية الأنساق الاجتماعية الذي يهتم بظواهر التشكيل النظامي، وبالتغيرات في هذه الأنماط والتوافق معها والانحراف عنها، والعمليات الواقعية في ارتباطها بكل هذه الأشياء([35]).

يتفق ميلز في هذا الجانب مع دافيد لوكوود في أن هذه الصياغة تخلص من علماء الاجتماع أي اهتمام ” بالسلطة”، بالمؤسسات السياسية والاقتصادية ويضيف إلى ذلك أنها تهتم فقط بعناصر الشرعية الأمر الذي يؤدي إلى نقل كل الأبنية النظامية إلى المستوى الأخلاقي أو الرمزي([36]).

حاول ميلز أن يثبت أن ما يحدث على المستوى المجتمع هو شيء أكثر من “البناء  المعياري” الذي ركز عليه بارسونز، ويتضح  ذلك بجلاء في تناوله لموضوع القوة حيث أوضح أن القوة تلعب دوراً كبيراً في المجتمع الحديث، وهي لا تقتصر على وسائل صنع القرارات والتحكم فيها فقط، بل تمتد إلى التحكم فيما يجمع عليه الأفراد والسيطرة عليهم. ولا توضح النظرية العامة لنا الأبنية التي تظهر فيها هذه السيطرة (البناء الاقتصادي- البناء السياسي- البناء العسكري). بل على العكس من ذلك تماماً تدعونا فكرة النظام المعياري التي ترتكز عليها النظرية العامة إلى أن نفترض أن القوة الشرعية بالضرورة، وأن هناك ضرباً من ضروب التناغم بين المصالح. يؤدي ذلك بالنهاية إلى استبعاد للفكرة الصراع، حيث لا إمكانية لدراسة التغير الاجتماعي أو التعامل مع التاريخ([37]).

وقد اعتبر ميلز أن السبب الرئيسي لهذا الارتباط الإيديولوجي هو الارتباط بمشكلة النظام العام للمجتمع بالشكل الذي قدمه توماس هوبز*، حيث أصبحت المشكلة مشكلة تكامل بالدرجة الأولى. ولكن ما موقف ميلز من هذه المشكلة؟

ينحصر موقف ميلز في هذا الجانب في رفضه لهذه المشكلة كمشكلة وحيدة للعلوم الاجتماعية، فليس هناك إجابة محددة للسؤال الآتي: وهو ما الذي يحقق الاستقرار في البناء الاجتماعي ؟ على الرغم من أن الأبنية الاجتماعية تختلف اختلافاً جذرياً في درجة ترابطها ونوعية هذا الترابط. حقيقة أننا نكتشف بعض ضروب التكامل داخل البناء الاجتماعي كما يتضح في الأنظمة السياسية والقرابية والعسكرية والاقتصادية، ولكن لا يمكن أن نفصلها عن التطور التاريخي لهذا البناء، ومن هنا فإن نظرية البناء الاجتماعي لا يمكن أن تفصل عن التاريخ. وبذلك لا توجد أي صعوبة أمام العلماء الاجتماعيين في فهم كل من البناء الاجتماعي والتاريخي بطريقة واحدة([38]). وفي هذه الحالة لا تصبح مشكلة النظام العام هي المشكلة العامة الوحيدة، ولكن تصبح مشكلة التغير مشكلة عامة. الأولى تعكس دراسة البناء الاجتماعي، والثانية تعكس دراسة التاريخ في ارتباطه بهذا البناء([39]).

– أما عن موقف ميلز من الاتجاه الامبيريقي، فقد رفضه كما رفض النظريات الكبرى. إلا أننا قبل الشروع بالحديث عن نقد ميلز لهذا الاتجاه، سنحاول التعرف عليه  بشكل سريع من خلال الاطلاع على فلسفته وإجراءاته المنهجية، ويعتبر بول لازارسفيلد أفضل من كتب عن هذا الاتجاه حيث يقول: تمثل الامبيريقية نقطة تحول حقيقية من الفلسفة الاجتماعية إلى المرحلة العلمية التجريبية، وتتسم موضوعات الدراسة في البحوث الامبيريقية بالسمات الأربعة التالية:

1. دراسة السلوك الواقعي للأفراد بدلاً من التركيز على تاريخ النظم والأفكار.

2. عدم الاقتصار على دراسة قطاع واحد من قطاعات الحياة الإنسانية، والعناية بربط كل قطاع بغيره من القطاعات.

3. الاهتمام بدراسة المواقف والمشكلات الاجتماعية المتكررة بدلاً من التركيز على دراسة المواقف والمشكلات التي لها طابع فردي متميز.

4. دراسة الظواهر المعاصرة بدلاً من التركيز على دراسة الوقائع التاريخية، ويرجع هذا الاتجاه اللا تاريخي إلى نوع من التفضيل المعرفي حيث إن الباحث يستطيع أن يحصل على البيانات التي يريدها عن الظواهر المعاصرة بسهولة ويسر([40]).

بناءً على ما تقدم وصف ميلز هذا الاتجاه بأنه اتجاه تجزيئي من حيث إنه يدرس ظواهر منفصلة دون ربطها بنظرية معينة و دون التعمق في أصولها التاريخية. وهو بذلك يسعى إلى انتزاع الظواهر الاجتماعية من سياقها البنائي والتاريخي. فالاتجاه الامبيريقي المتجزئ “… لا يتصف بأنه صاحب أي كيان من الفروض والنظريات، كما أنه لا يستند إلى أي مفاهيم جديدة عن طبيعية المجتمع أو الإنسان أو إلى أي حقائق معينة عنهما. وقد يكون صحيحاً أنه ذاخر بأنواع المشاكل التي يختارها ممارسه للدراسة بشكل تقليدي، وبالطريقة النمطية التي يقومون بدراسة هذه المشاكل بها، إلا أنه من المؤكد أن هذه الدراسات ليست مدعاة أبداً لتلك الشهرة التي يتمتع بها هذا الأسلوب من البحث الاجتماعي([41]).

بمعنى آخر، أي افتقاد النزعة الامبيريقية السائدة في العلوم الاجتماعية إلى دور النظرية في توجيهه البحث الاجتماعي، حيث إنها تهتم بجمع بيانات متعددة ومجزأة ليس بينها رابط واضح لذلك تأتي نتائج هذه الدراسات تعميمية إلى حد كبير لكنها بعيد كل البعد عن الواقع التاريخي البنائي للمجتمع الإنساني([42]).

لذا نجد أن ميلز قد نقد هذا الاتجاه وبقوة، من خلال اعتباره اتجاه يخلو من أية قضايا أو نظريات لها قوة التوجيه، مما أدى إلى عدم امتلاكه للرؤية الواضحة والفهم الجيد لطبيعة الإنسان والمجتمع. وربما كان السبب في ذلك هو محاولة أنصار هذا الاتجاه محاكاة منهج العلوم الطبيعية الأمر الذي جعلهم يهتمون بالمناهج على حساب فهم الواقع فهماً حقيقياً. وفي هذه الحالة يصبح المنهج هو الذي يتحكم في صياغة النظرية وليس الواقع نفسه([43]).

” فالنظرية الاجتماعية تصبح بمثابة مجموعة نسقية من هذه المفاهيم أي من المتغيرات المستخدمة التي تفيد في تفسير النتائج الإحصائية “([44]). أي تقتصر البيانات الامبيريقية على الحقائق التي يمكن تحديدها، وعلى العلاقة القابلة للعد، والتكرار، والقياس.

لذلك كان من الطبيعي أن يمهل هذا الاتجاه الدراسة التاريخية والمقارنة مثله في ذلك مثل الاتجاه النظري الخالص. فالامبيريقيون يرفضون الاتجاه التاريخي والمقارن، ويعالجون مجالات محدودة وهم بذلك يقتربون من النزعة “السيكولوجية المفرطة” وهم لا يستفيدون بالأفكار الأساسية عن البناء الاجتماعي التاريخي سواء في تحديد مشكلات دراستهم أو في تفسير نتائجهم ذات المنظور الضيق. ومن هنا كانت مطالبة رايت ميلز بتوسيع النظرة الامبيريقية لتشمل الأبنية التاريخية والمقارنة([45])

سعى ميلز إلى أن تكون الكتابات السوسيولوجية كتابات ذات طابع ملتزم تهدف إلى تعميق إحساس المواطنين بقدراتهم الذاتية. وإذا كان ميلز قد ميز بين المشكلات الخاصة التي تواجه الأفراد من ناحية والقضايا العامة المتصلة بواقعهم الثقافي السياسي من ناحية أخرى، إلا أنه قد اعتبر ” الخيال السوسيولوجي ” بمثابة اتجاه يستطيع الفرد من خلاله فهم خبراته الشخصية في إطار السياق الاجتماعي والتاريخي الواسع الذي يعيش فيه. وربما لهذا السبب بالذات نجد ميلز يعتبر علم الاجتماع بمثابة وسيط يربط السير من ناحية، والتاريخ من ناحية أخرى([46]).

لذا يجب أن تتسم الدراسة السوسيولوجية حسب رايت ميلز بالطابع الشامل، بحيث يكون تركيز الباحث على مستويات ثلاثة هي: الإنسان، المجتمع، التاريخ. فالمشكلات الأساسية التي يعاني منها الناس هي نتاج لمشكلات البناء الاجتماعي العام، وهما يرتبطان بمشكلات التاريخ، وفي هذا يقول ميلز “عندما تصاغ مشكلات العلوم الاجتماعية صوغاً حقيقياً، لا بد أن تتضمن كلا المتاعب والقضايا … التاريخ الشخصي للأفراد، وأيضاً التاريخ العام، ومجال العلاقات القائمة بينهما، لأن حياة الفرد وتكوين المجتمعات كليهما يجريان في نطاق هذا المجال”([47]).

بذلك يمكن اعتبار أن مفهومي البناء الاجتماعي والتاريخ من أهم المفاهيم التي ارتكز عليها ميلز في نقده  للمجتمع، حيث أدى الربط بينهما إلى إثارة العديد من التساؤلات والقضايا التي تتصل بتصور الإنسان “للواقع ككل” و “الإطار الحقيقي للمصير الإنساني([48]).

ثالثاً- النظرية النقدية عند رايت ميلز: يسعى هذا العنصر إلى تحديد معالم النظرية النقدية عند رايت ميلز، من خلال التركيز على المقولات والقضايا النظرية التي اعتمد عليها ميلز في إخراج مشروعه النقدي السوسيولوجي إلى حيز الواقع الأكاديمي، وهي كالآتي:

1- مفهوم الخيال السوسيولوجي والفهم التكاملي للواقع الاجتماعي: نلاحظ مما تقدم أن رايت ميلز قد أرجع أزمة علم الاجتماع الغربي إلى التصورات الخاطئة للعلم نفسه. فالمفهوم السوسيولوجي كما ذهب، لا بد من أن يكون فكرة ذات مضمون امبيريقي، فإذا كان هذا المضمون أكبر من الفكرة تردى علم الاجتماع وسقط في التيار الامبيريقي التجزيئي، وإذا كانت الفكرة أوسع من المضمون الامبيريقي – الشواهد البحثية – وقع علم الاجتماع في شرك عالم المجردات في النظريات الكبرى([49]).

سعى ميلز إلى ضرورة تسلح الباحث في مجال علم الاجتماع بما أسماه ” الخيال السوسيولوجي ” حتى يتسنى له إدراك أبعاد مشكلات المجتمع([50]). على اعتبار أن هذه الفكرة تمثل أحد الأدوات النظرية والتحليلية التي تشكل هذا الموقف النظري، لفهم مشكلات الإنسان المعاصر في إطار الكلية التاريخية، وذلك كرد فعل لأزمة الرؤية الكلاسيكية في الفكر السوسيولوجي الغربي([51]). ففكرة الخيال السوسيولوجي تكشف لنا عن وجهي النقد عند رايت ميلز، ونعني بذلك النقد السوسيولوجي والنقد الاجتماعي، وهي الأداة التي يجب أن يتوسل بها الباحث في نقده ورفضه لأساليب السيطرة والتحكم التي تضرب بجذورها بأعماق كل عناصر البناء الاجتماعي([52]).

تقوم فكرة ” الخيال السوسيولوجي ” على الربط بين مستويين من مستويات التحليل: مستوى المجتمع أو (البناء الاجتماعي) ومستوى الفرد، وذلك انطلاقاً من مسلمة أساسية مؤداها أن حياة الفرد أو تاريخ المجتمع لا يمكن فهم أي منهما دون فهم الآخر والعلاقة التي تربط بينهما، فإذا كان الأفراد لا يملكون القدرة على فهم العلاقة بين الإنسان والمجتمع، أو بين تاريخ الإنسان وتاريخ المجتمع، أو بين الذات والعالم المحيط بها، فإنهم بحاجة إلى مجموعة من المهارات العقلية التي تمكنهم من تكوين فكرة جلية لما يدور حولهم وما سوف يحدث لهم تأثراً بهذا العالم، هذه القدرة العقلية هي ما أطلق عليها رايت ميلز “الخيال السوسيولوجي“. وهي قدرة ليست مطلوبة من الباحثين في علم الاجتماع فقط، وإنما يجب أن يمتلكها الصحفيون والدارسون والفنانون، وحتى عامة الناس([53]) .

يعرف ميلز الخيال السوسيولوجي: ” هو الذي يُمكن صاحبه من فهم الإطار التاريخي الأوسع، في ضوء معانيه ودلالاته سواء بالنسبة للحياة الذاتية الشخصية أو بالنسبة للمسار الخارجي لأنماط كثيرة من الأفراد. وهذا الخيال هو الذي يمكن صاحبه من إدراك الكيفية التي يصبح بها وعي الناس المعرفي في تجاربهم وحياتهم اليومية، وعياً زائفاً بأوضاعهم الاجتماعية([54]). أو هو الذي يمكننا من استيعاب التاريخ وسير الحياة الذاتية، وأيضاً إدراك العلاقة بينهما في سياق المجتمع. ومن ثم كان هو المهمة وكان هو الوعد([55]). باختصار يعني الخيال السوسيولوجي القدرة على الانتقال من التحولات اللا شخصية والتحولات البنائية إلى أكثر السمات قرباً والتصاقاً بالذات البشرية- والقدرة على رؤية العلاقات بين هذه التحولات وتلك السمات والخصائص. ويكمن وراء استخدام هذا الخيال السوسيولوجي الرغبة والتطلع إلى معرفة المغزى الاجتماعي والتاريخي للفرد في المجتمع وفي المرحلة التاريخية التي تحدد وجوده وطابعه النوعي([56]) “. و باستخدام الخيال السوسيولوجي سيشعر الناس الذين ظلت عقولهم محصورة في مجموعة محددة من الدوائر وكأنهم استيقظوا فجأة على حقيقة مغايرة لتلك التي كانوا يظنون أنفسهم على معرفة بها.

 بناءً عليه يرى رايت ميلز ” أن الخيال السوسيولوجي يمكن مالكه من فهم الإطار التاريخي الأوسع في ضوء معناه ودلالاته بالنسبة للحياة الذاتية الشخصية والمسار الخارجي لعدد من الأفراد. أنه يمكنه أن يفسر كيف يصبح لدى الأفراد في غمرة حياتهم اليومية المضطربة وعياً زائفاً بأوضاعهم الاجتماعية… ومن خلاله يستطيع  أن يرجع مظاهر القلق الشخصي إلى مجموعة من الاضطرابات الفردية (الهموم الفردية) وأن يربط بين اللامبالاة التي تعيشها الجماهير وبين المشاكل العامة([57])، ويكشف هذا النص عن مستويات التحليل التي يتيحها الخيال السوسيولوجي، كما يكشف عن الهدف الأساسي من هذا الخيال. حيث يتيح هذا الخيال مستويين للتحليل، هما كالآتي:

المستوى الأول: هو مستوى الفرد فكل ما يعانيه من اضطرابات تفرضها عليه حياته في مجتمع مستغل.

– أما المستوى الثاني: هو مستوى المجتمع أو البناء الاجتماعي لكل ما يزخر به هذا البناء من مشاكل عامة، فقدرة الباحث تتجلى في الربط بين مظاهر الاضطراب الشخصي وبين مشاكل البناء الاجتماعي. وهنا يظهر الهدف الأساسي للخيال السوسيولوجي، والذي ينحصر في إكساب الأفراد وعياً حقيقياً بمشكلات مجتمعهم يجعلهم قادرين على الربط بين مشكلاتهم الخاصة ومشكلات المجتمع العامة. وهنا تكمن القدرة الواعد للخيال السوسيولوجي([58]).

يستند المستويان السابقان على قدرة الخيال السوسيولوجي في التمييز بين المتاعب الشخصية الناتجة عن الخبرة المباشرة للإنسان وبين القضايا العامة الناتجة عن البناء الاجتماعي. لذا يعد هذا التمييز أداة هامة من أدوات الخيال السوسيولوجي ومعلم من معالم الأعمال النقدية في العلم الاجتماعي. وينحصر هذا التمييز حسب ميلز بين (المتاعب والقضايا)، حيث يقول: ” إن (المتاعب) تحدث في نطاق البيئة الشخصية للفرد وفي نطاق علاقاته المباشرة بالآخرين، فهي ذات صلة بذاته وبتلك المجالات المحدودة من الحياة الاجتماعية التي يعيها بصورة مباشرة وشخصية. وبناء على ذلك، فإن إدراك نوعية المتاعب والأسلوب الأنسب لمواجهتها يكمن لدى الفرد بوصفه كياناً له ظروفه التاريخية الخاصة المتميزة. فالمتاعب إذن مسألة خاصة: قيم يعتنقها الفرد ويشعر أنها معرضة للخطر”([59]).

أما (القضايا) فإنها تتعلق بالأمور التي تتجاوز هذه الأوساط الاجتماعية المحلية للفرد ومجال حياته الداخلية. حيث ترتبط بتنظيم كثير من تلك الأوساط في شكل المؤسسات ذات الطابع التاريخي الاجتماعي الشمولي. فالقضية هي مسألة عامة: أي أن عامة الناس يشعرون بأن قيمة ما من التي يعتنقونها قد أصبحت في خطر. فالقضية في الواقع، تعني أزمة في النظم الاجتماعية، كما أنها تعني ما يسميه الماركسيون ” تناقضات ” أو ” عداءات ([60]).

ولكن ما هي القضايا الرئيسية لعامة الناس. وما هي المتاعب الأساسية للأفراد في عصرنا الحالي؟ لكي يتم تحديد القضايا والمتاعب علينا أولاً أن نتساءل ما هي القيم التي يعتنقها الناس ومع ذلك مهددة بالخطر؟ وما هي القيم التي يعتنقها الناس وتلقى الدعم والمساندة ؟ وفي كل من حالتي التهديد والدعم علينا أن نتساءل ما هي تناقضات البناء الاجتماعي الكامنة في كل من المتاعب والقضايا؟

1. عندما يعتنق الناس قيم بعينها ولا يشعرون بأي قدر من التهديد إزاءها، فإنهم يشعرون بأن حياتهم رحبة أو مواتية.

2. أما عندما يعتنقون قيماً ولكنهم يشعرون ” فعلاً ” أنها مهددة، فإنهم يشعرون بالأزمة التي يكون الإحساس بها إما متاعب شخصية أو كقضية عامة .

3. أما إذا بدت جميع قيمهم خاضعة للتهديد، ففي هذه الحالة تنتابهم حالة من الهلع.

4. لكن إذا كان الناس لا هم مدركين لأي قيم يعتنقونها ولا يشعرون بأي تهديد لها، عندئذ تكون حالة اللامبالاة، التي وإن اشتملت على جميع قيمهم يكون الجمود والبلادة.

5. لنفترض أخيراً أنهم لا يدركون أي قيم من تلك التي يعتنقونها، ولكنهم لا يزالوا يدركون التهديد الواقع عليها، فإن تلك حالة من ” القلق ” المضني التي إذا كانت شاملة بدرجة كافية، فإنها تصبح عملية مميتة للناس. 

6. فإذا لم تتضح لدينا القيم المهددة أو ما يهددها، أي لم تصل الأمور بعد إلى اتخاذ قرار بشأنها، فعلى الأقل يجب أن تصاغ كمشاكل تدخل في اهتمامات علم الاجتماع([61]).

 بناءً على ما تقدم نجد أن ميلز اعتبر أن أهم المشكلات هي مشكلات القلق واللامبالاة التي تنتشر في الوسط الشخصي. أما أهم المشكلات العامة فإنها ترتبط بالقوى غير الحقيقية التي تتحكم في مجتمعنا المعاصر، مع ما يصاحب هذه القوى من طرق إنتاج تذكي الاغتراب وما يلازمها من أساليب للسيطرة السياسية والفوضى النظامية([62]).

ولا بد أن يكون فكرة الخيال السوسيولوجي قاسماً مشتركاً عاماً في الحياة الثقافة في هذا العصر. لأننا بحاجة إليها لكي نميط اللثام عن عناصر القلق واللامبالاة التي يسببها النظام القائم بكل ما فيه من عناصر التحكم والسيطرة. وهذه مهمة فكرية سياسية يجب أن تناط بالباحث المتخصص في العلوم الاجتماعية، فهي مهمة تقع على عاتق الباحث السوسيولوجي وكل زملائه المتخصصين في فروع المعرفة الأخرى: علماء الطبيعة، والفنانون، والمجتمع الثقافي برمته. والباحث السوسيولوجي يستطيع أن ينجز هذه المهمة من خلال تبنيه لفكرة الخيال السوسيولوجي الذي يسعى إلى فهم أعمق لواقعنا الخاص في ارتباطه بالواقع الاجتماعي الأعم([63]).

* من خلال العرض السابق والمختصر لقدرة الخيال السوسيولوجي على فهم الواقع الاجتماعي يتضح لنا ثلاث حقائق على جانب كبير من الأهمية([64]):

1- قدرة الخيال السوسيولوجي الواعدة كأداة نظرية ومنهجية، حيث تتمثل هذه القدرة في تفادي نقاط الضعف التي وقع فيها كل من المنظرين ذوي الميول التجريدية، والامبيريقيين ذوي الميول الإحصائية الخالية من أي مضمون حقيقي. ومن ثم القدرة على الدراسة التاريخية للواقع الاجتماعي وتصعيد التحليل السوسيولوجي عبر مستويات مختلفة فردية واجتماعية داخل البناء الاجتماعي، الأمر الذي يؤدي إلى الكشف عما ينتجه هذا البناء من مشكلات عامة تؤدي بدورها إلى مشكلات واضطرابات على المستوى الفرد.

2- راديكالية مفهوم الخيال السوسيولوجي نفسه، وهي راديكالية تكشف عن نفسها سواءً في مستواها السوسيولوجي أو الاجتماعي وهو يثور على النظرية الكبرى وعلى النزعة الامبيريقية. فلا يمكن أن نبدأ بأي منهما. وإذا كان ميلز قد ركز على البناء التاريخي للمجتمع وعلى ما ينتج عنه من مظاهر سلوك الأفراد، فليس ذلك أننا يمكن أن نبدأ الدراسة من أي منهما، على العكس من ذلك يجب أن نحدد العلاقات بينهما فنكشف عن تأثير البناء الاجتماعي على السلوك الفري أو تأثير السلوك الفردي على البناء الاجتماعي. وينقلنا ذلك إلى ثنائية أخرى بين المشكلات العامة والمشكلات الخاصة. وإلى جانب هذه الراديكالية السوسيولوجية يكشف لنا مفهوم الخيال السوسيولوجي عن راديكالية اجتماعية، فهو يحدد للباحث أسلوباً في الدراسة الواقع الاجتماعي ونقده . 

3- امتداد التفكير النظري لرايت ميلز ابتداءً من أعماله الأولى وحتى أعماله الأخيرة على نسق منهجي واحد، ويظهر ذلك من خلال كتابه ” الخيال السوسيولوجي ” قبل الأخير، إذ يعد هذا الكتاب امتداداً لما آثاره في إحدى دراساته النظرية المبكرة التي اشترك فيها مع هانز جيرث، و اعني كتاب ” الشخصية والبناء الاجتماعي * عام 1953، فقد حاولا المزج بين نظريات فرويد وماركس، وكتبا في تصدير كتابهما يقولان ” لا شك أنه حينما نستعرض مجال علم النفس الاجتماعي تتكون لدينا فكرة مؤداها أن كل الأعمال المعاصرة تتوافق مع تراثين أساسيين: تراث فرويد عن بناء الشخصية من ناحية وتراث ماركس عن البناء الاجتماعي([65]).

ويؤكد رايت ميلز على أن الباحث السوسيولوجي الذي يتصف فكره بالخيال السوسيولوجي يجب عليه أن يطرح مجموعة من الأسئلة من جهة، وفي المقابل أشاد بالمحللين السوسيولوجيين الذين كانوا على وعي بهذا الوعد في أعمالهم من جهة أخرى، فهم الذين اهتموا بطرح متسق لثلاث مجموعات من الأسئلة الرئيسية تحوي على أسئلة فرعية أيضاً، كانت على النحو التالي([66]):

– المجموعة الأولى: ما هو البناء الاجتماعي الكلي لهذا المجتمع النوعي؟ ماهي مكوناته الجوهرية، وكيف ترتبط بعضها ببعض؟ وكيف يتغاير كل منها عن بقية المكونات المتباينة داخل النظام الاجتماعي الكلي؟ وفي داخل كل منهما، ما هو معنى ودلالة أية سمة خاصة بالنسبة لاستمرارية هذا المكون وتغيره؟

– المجموعة الثانية: أين يقع هذا المجتمع من تاريخ الإنسانية ومراحل تطويرها؟ ما هي ميكانيزمات تغيره؟ ما هو مكان هذا المجتمع، ومعناه ودلالته بالنسبة لتطور الإنسانية ككل؟ كيف تتأثر آية سمة نوعية ندرسها، وكيف تؤثر في المرحلة التاريخية التي يتحرك عبرها؟ ماهي الملامح الأساسية الجوهرية لهذه المرحلة؟ وكيف تختلف عن غيرها من المراحل؟ ماهي ملامحها المتميزة في صناعة تاريخ الإنسان؟

– المجموعة الثالثة: وأما التساؤلات التي تنتمي إلى المجموعة الثالثة فهي كالآتي:

ما نوعية الرجال والنساء المسيطرين والمميزين في هذا المجتمع في هذه المرحلة؟ وما هي دواعي تميزهم وسيطريهم؟ ما نوعية الطبيعة الإنسانية التي تظهر وتتضح من خلال السلوك والشخصية التي نلاحظها في هذا المجتمع، في هذه الفترة؟ وأخيراً ما مغرى ودلالة هذه الطبيعة الإنسانية؟ وأيضاً ما مغزى ودلالة كل سمة وكل قسمة من قسمات المجتمع الذي ندرسه؟

 يرى ميلز أن هذه الأسئلة الرئيسية يجب أن تكون ملحة وضرورية سواءً كان اهتمام البحث منصباً على قوة الدولة، أو على مزاج بسيط، أو على الأسرة. وهي بطبيعة الحال أسئلة ضرورية لكل تحليل سوسيولوجي جيد، إذ كانت أسئلة مميزة للأعمال الكلاسيكية الرائدة، كما هي الآن بالنسبة لكل باحث يتمسك بالخيال السوسيولوجي. هذه هي بإيجاز توجيهات رايت ميلز وتساؤلاته التي تعبر عن ركائز مشروعه السوسيولوجي([67]) .

وفي نهاية المطاف نستنتج مما تقدم أن رايت ميلز قد اعتبر الخيال السوسيولوجي حسب رأيه، من أهم الوسائل الأساسية التي تسعى إلى ربط  النظرية بالواقع، لأن الخيال السوسيولوجي بناءً على ما تقدم يساهم، فيما يلي([68]):

1) توجيه الفكر السوسيولوجي نحو دراسة الواقع من خلال رؤية بنائية تاريخية شاملة بعيداً عن الرؤية الامبيريقية التجزيئية أو النظرية الكبرى المجردة.

2) مساعدة عالم الاجتماع  في فهم العناصر البنائية – التاريخية، حيث يعطيه الخيال السوسيولوجي الرؤية الحقيقية، لا المزيفة عن مشكلات العصر فهو يدعو عالم الاجتماع إلى تأمل العصر الفكري، الذي يعيشه والوقوف على أهم المشكلات التي يعاني منها الإنسان الغربي، مما يسهم في ترسيخ قيم إنسانية حرة.

3) يساعد الخيال السوسيولوجي على كشف الدعاوي الفكرية المزيفة تلك الدعاوي التي سادت خمسينيات القرن العشرين مثل استقلالية الفكر الاجتماعي وارتباطه بالمؤسسة العسكرية الحاكمة وبرجال السلطة وصفوة القوى مما أدى إلى تخليهم عن القيم الأخلاقية والعلمية، وبالتالي أصبحوا في حالة عزلة واغتراب.

4) يدعو الخيال السوسيولوجي إلى ضرورة فهم المجتمع والإنسان خلال علاقاتهما الجدلية المتبادلة، فلا يمكن فهم القضايا الخاصة بمعزل عن القضايا الكبرى، ولا يمكن فصل القضايا العامة عن المشكلات الخاصة بالإنسان.

2- توظيف البعد التاريخي في مجال الدراسات الاجتماعية: يرى رايت ميلز أن علم الاجتماع يتعامل مع مشاكل البيوغرافيا، والتاريخ، ومع تقاطعاتهما داخل البناء الاجتماعي، حيث يعتقد ميلز أن هذه العناصر الثلاث المتمثلة بـ: البيوغرافيا، والتاريخ، والمجتمع، هي عبارة عن نقاط تتساوي في أهميتها بالنسبة للدراسة المناسبة للإنسان ولواقعه الاجتماعي.

تمثل هذه النقاط الرئيسية لميلز مساحة رئيسية ارتكز عليها في نقد لمختلف مدارس علم الاجتماع التي أهمل ممارسوها هذا التقليد الكلاسيكي. فالمشاكل الحالية التي نواجهها في عصرنا لا يمكن دراستها بصورة كافية ومناسبة دون ممارسة للرأي الذي يقول بأن التاريخ يمثل العمود الفقري للدراسة الاجتماعية التي لها أساسها السوسيولوجي وتوافقها التاريخي. لأن بدون توظيف التاريخ لا يستطيع عالم الاجتماع يحدد ويقرر أنواع المشاكل التي ينبغي أن تكون نقاط التوجيه للدراسات التي يقوم بها([69]).

فإذا أراد عالم الاجتماع أن يفهم التغيرات الديناميكية التي تقع في أي بناء الاجتماعي معاصر، فيجب عليه أن يكشف ويتتبع بوضوح التطورات طويلة الأمد التي حدث في هذا البناء الاجتماعي الذي سيقوم بدراسته. بعد ذلك ينبغي عليه أن يطرح بعد التساؤلات الهامة حوله: ماهي الديناميات التي وقعت بها هذه التطورات مما أدى إلى حدوث التغيير بهذا المجتمع؟ فمن خلال هذه التساؤلات سيصل اهتمام عالم الاجتماع  بهذه التطورات إلى ذروته. هذه الذروة لها علاقة بالانتقال التاريخي من حقبة إلى أخرى. وبذلك نسمي هذه العملية ببناء الحقبة التاريخية، فيرى ميلز أن على عالم الاجتماع، الذي يرغب في فهم طبيعة الحقبة الحالية لتحديد البناء الخاص بها، وللكشف عن القوى الرئيسية التي تعمل داخله. لا بد له من أن يحددها تحديداً ملائماً، حتى تصبح ميداناً واضحاً للدراسة تؤدي به إلى الكشف عن ميكانيزمات صنع التاريخ الخاص به، ويضرب ميلز مثال على هذا الطرح، فيقول: ” إن الدور الذي تلعبه صفوة القوة في صنع التاريخ، يختلف وفقاً للمدى الذي تتمركز فيه وسائل القرار النظامية والمؤسسية ([70]).

يعتبر ميلز مفهوم البناء الاجتماعي وديناميات “العصر الحديث“، مفهوم من المفاهيم المركزية. لأنه يتمتع بالخصوصية والسمات الجوهرية الفريدة التي قد يتميز بها، لذا لا بد للعلوم الاجتماعية وفي مقدمتها علم الاجتماع من الاعتراف به كمكون أساسي يتصل بالبعد التاريخي عند القيام بدراسة المجتمع ما. لأن معظم المشاكل الكلاسيكية التي تعاني منها العلوم الاجتماعية الحديثة لها في الحقيقة علاقة بغياب أحد التفسيرات المفصلية التي تعتبر أقرب إلى التفسير التاريخي المحدد: وهو تفسير نشأة، ومكونات، وشكل، المجتمعات الحضرية الصناعية في الغرب الحديث، الذي غالباً ما يكون نقيضاً لعصر الإقطاع([71]).

يرى ميلز أن الكثير من المفاهيم التي يشيع استخدمها أكثر في علم الاجتماع، هي مفاهيم  لها صلة بالتحول التاريخي من المجتمع الريفي إلى عهود الإقطاع إلى المجتمع الحضري في العصر الحديث من هذه المفاهيم نذكر منها: مفاهيم (مين) عن المكانة الاجتماعية والعقد الاجتماعي. مفاهيم (توينز) عن المجتمع المحلي والمجتمع العام. مفاهيم (فيبر) عن المكانة الاجتماعية. مفاهيم (هربرت سبنسر) عن المجتمع الصناعي. مفاهيم (ريدفيلد) عن المجتمع الشعبي، مفاهيم (بيكر) عن المجتمع المقدس، والمجتمع العلماني…إلخ. كل المفاهيم سابقة الذكر مهما كان شيوع استخدامها، فهي مفاهيم قد ترسخت جذورها جمعياً من الناحية التاريخية. بل حتى أولئك الذين يعتقدون بأنهم لا يعملون مستخدمين التاريخ، فهم يكشفون بصفة عامة باستخدامهم لمثل هذه التعبيرات قدراً من الفهم بالتيارات التاريخية بل وحتى إحساس بالعصر([72]).

يحث ميلز علماء الاجتماع في نطاق هذا الوعي بديناميات وشكل “العصر الحديث” وبطبيعة أزماته، الاهتمام المعياري بالتيارات. فنحن عندما نحاول دراسة التيارات للذهاب إلى ما وراء الأحداث لكي ننظم إحساسنا بها. لذا فإننا في مثل هذه الدراسات، فإننا غالباً ما نحاول التركيز على كل تيار فيما يسبق بقليل الوضع الذي صار عليه الآن، والأكثر أهمية لكي ترى جميع التيارات في الحال، وهي أجزاء متحركة للبناء الشامل للعصر([73]).

لذا يجب على علماء الاجتماع أن يحاولوا دراسة التاريخ وليس التقهقر بداخله، والاهتمام بالتيارات المعاصرة دون أن نكون ” مجرد صحفيين “، وأن نستشرف مستقبل هذه التيارات دون أن يكون عملنا قاصر فقط على مجرد التنبؤ. مما يوجب على عالم الاجتماع قبل كل شيء، أن يحاول رؤية التيارات الرئيسية المتعددة معاً- من الناحية البنائية بأكثر من رؤيتها من أشياء واقعة في أوساط اجتماعية مبعثرة. لأن هذه الرؤية تمثل الهدف الذي يعطي دراسة التيارات صلتها الخاصة بفهم العصر، الذي يتطلب الاستخدام الكامل والاستفادة البارعة بمادة التاريخ([74]).

  نستنتج مما تقدم أن رايت ميلز قد دعا إلى ضرورة إيجاد رؤية تصورية جديدة لعلم الاجتماع، وهي رؤية لا تستند إلى إبراز التعارض بين فكرة الصراع أو التوافق، أو بين التغير والاستقرار، بل إن قوامها دراسة الإنسان في إطار التاريخ، أو كما يقول ميلز دراسة التفاعل بين التاريخ الشخصي والتاريخ الإنساني، وهذا يعني من جانبه عوداً إلى علم الاجتماع التاريخي الذي أغفلته الوظيفية. ذلك أن علم الاجتماع في تصور ميلز ينبغي أن يكون تاريخياً حتى يستطيع أن يدرك المشكلات الاجتماعية الحاسمة التي تواجه البشرية وذلك لأن طبيعة الظواهر الاجتماعية تستلزم قيام تصور لهذه الظواهر يحوي أبعادها التاريخية([75]).

3– مبادئ الالتزام الأخلاقي والحرية الأكاديمية لعالم الاجتماع: عبّر رايت ميلز من خلال كتاباته عن التزامه الأخلاقي والحرية الأكاديمية بهدف تحقيق إنسان الإنسان المهدورة، فكان دائم الحرص على إبراز قيم الصدق والتأمل والحرية، لذا سعى إلى أن تتجسد هذه القيم على أرض الواقع الاجتماعي و واقع الفكر الحي الخلاق. لأن الالتزام بهذه القيم هو وحده القادر على تحويل الأفراد المنعزلين إلى أشخاص يشكلون جمهور حقيقي([76]).

قدم ميلز دليلاً على راديكاليته في هذا الجانب، حين عرض موقفه من دور الباحث في العلوم الاجتماعية بصفة عامة، وعلم الاجتماع بصفة خاصة. من خلال نقده للدور الكلاسيكي الذي يقوم به عالم الاجتماع، ومن ثم الثورة على أهداف البحث والتنظير في العلم، حيث يكشف ذلك عن ضرب من ضروب النقد السوسيولوجي. وفي جانب آخر تصور ميلز دوراً جديداً لعالم الاجتماع في المجتمع الحديث الذي يسعى من خلاله إلى نقد الواقع، وكشف ما يتحكم في بنائه من قوى، وما يرتبط به من مشكلات ونواقص، حيث يمثل ذلك أسلوباً من أساليب النقد الاجتماعي([77]). وهنا نتسأل ما هو الدور المنوط بالعالم المتخصص بالعلوم الاجتماعية؟ لا شك أن دور العالم يختلف باختلاف الإطار الاجتماعي والتاريخي المحيط به، وباختلاف طبيعة الضغوط التي يفرضها هذا الإطار المحيط. فالعقل البشري يمكن أن يوجه لخدمة أغراض متعددة، ويمكن أن يقوم بأدوار متعددة ذات طبيعة وأهداف مختلفة، لذا نجد أن ميلز قد حصر دور الباحث في العلوم الاجتماعية بصفة عامة، وفي علم الاجتماع بصفة خاصة، في ثلاثة أدوار رئيسية مختلفة الأغراض والأهداف([78]).

– الأول: يستطيع الباحث في علم الاجتماع أن يصبح فيلسوفاً للحاكم، فمنذ أوغست كونت وحتى كارل مانهايم يستطيع المرء أن يجد محاولات مستميتة لتنظيم دور العقل. وعندما ينخرط هذا الباحث المنظر في الأمور السياسية، أو يوجه نظرياته لخدمتها، يصبح فيلسوف للحاكم، وتصبح جودة الممارسة السياسية مرتبطة إلى حد كبير بكفاءة المفكرين المدافعين عنها.

– الثاني: يستطيع الباحث في علم الاجتماع أن يصبح مستشاراً للحاكم في الدولة، وفي هذه الحالة تصبح العلوم الاجتماعية أداة رشيدة في يد الدولة لممارسة الضبط والرقابة على الأفراد، وبذلك يفقد الباحث الحياد الأخلاقي، ويوجه بحوثه من أجل تحديد الأدوات الإدارية وأساليب السيطرة أو التحريك الخفي للجماهير.

– الثالث: يستطيع الباحث في علم الاجتماع أن يصبح مستقلاً عن الحاكم وعن الدولة، وأن يختار الأبحاث التي يعمل فيها بنفسه، وكذلك المشكلات التي يتناولها بالدراسة، وأن يخضع القوة والجماهير للدراسة في ذات الوقت. كل ذلك في إطار من الالتزام .

رفض رايت ميلز الدور الأول والثاني. لأن الأول يرتبط بالاتجاه العقلي أو النظرية الكبرى التي تعرض لها بالنقد، والثاني يرتبط بالاتجاه الامبيريقي المجرد الذي نقده أيضاً، ولكن رفضه للاتجاهين الأول والثاني لا يعتمد على نقد ودحض النظرية الكبرى أو الاتجاه الامبيريقي المجرد، بقدر ما يعتمد على الدور الذي يقوم به كل من هذين الاتجاهين في خدمة النظام القائم والدفاع عنه. لأن هؤلاء المنظرين والباحثين يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بصانعي القرار في المجتمع، فكان من الطبيعي أن تكون نظرياتهم آراءهم مثقلة بالأحكام القيمية([79]). حقيقةً أن كل نظرية سوسيولوجية وكل بحث سوسيولوجي يجب أن يكون له معناً سياسياً، ويجب أن يرتبط بمجموعة من القيم، ولكن عندما تكون هذه المعاني وتلك القيم صادرة من أعلى أو موجهة لخدمة قطاع دون آخر فإن وجودها ليس له قيمة ويقول ميلز في هذا الصدد: ” لسنا بحاجة إلى هؤلاء العلماء الاجتماعيين الذين يسمحون للأحداث المحيطة ببحوثهم أن تشكل المعنى السياسي لهذه البحوث، أو في جانب آخر يسمحون للأفراد الآخرين بأن يحددوا أسلوب الاستفادة بهذه البحوث حسب أهوائهم “([80]).

إذن ليس معنى ذلك أن ميلز سعى إلى أن يصبح علم الاجتماع علماً متحرراً من القيم، بل على العكس من ذلك تماماً يرى ضرورة أن يكون الباحث ملتزماً بمجموعة من القيم، وليس هناك من سبيل لتفادي اختيارات القيمة والتأثر بها في البحوث السوسيولوجية، فالمشكلة لا تتمثل في الاختيار القيمي، ولكنها تتمثل أساساً في نوعية هذا الاختيار، فإذا ارتبطت قيم الباحث بالدفاع عن الوضع القائم، ووجهت نحو أغراض بيروقراطية وإيديولوجية، فإن ذلك يمثل انحرافاً للعلم عن مساره الصحيح. لذا نجد أن ميلز قد رفض دور الباحث كفيلسوف أو مستشار للدولة لأنه يلتزم بقيم يفرضها المجتمع الرأسمالي، بحيث يتم الإقلال من دور العقل الحر أو التفكير الليبرالي الحقيقي الذي ورثنا من عصر التنوير إلى أن طوقته الحضارة الغربية بنظمها الإيديولوجية([81]).

ولا يمكن دراسة البناء الاجتماعي دراسة حقيقية دون رؤية شخصية تقوم على مجموعة من القيم يلتزم بها الباحث، وأن التحرر الكامل من القيم يجعل عالم الاجتماع يتناسى أنه مواطن وجزء من المجتمع الذي يعيش فيه وينتمي إليه.

بناءً على ما تقدم نجد أن ميلز قد رفض الدور الأول والثاني لعالم الاجتماع، حيث قبل الدور الثالث الذي يلزم الباحث بالاستقلال الفكري عن القوى والضغط التي يفرضها البناء النظامي. لذا حرص ميلز على أن يكون عالم الاجتماع عالماً ملتزماً، يلتزم بثلاثة أنواع من القيم: قيمة البحث عن الحقيقة بكل دلالاتها السياسية، قيمة العقل، قيمة الحرية .

وفي جانب آخر، تعرض ميلز لمفهوم ” الموضوعية ” حيث اعتبرها جزءاً من الحقيقة، فبدى بذلك متفقاً مع فيبر، إلا أن ميلز قد افترق في نفس الوقت عن أولئك الذين اختزلوا معنى الموضوعية وحولوها إلى مشكلة محدودة تتصل بالمنهج العلمي([82]). فقد اعتبر ميلز الموضوعية قضية شاملة ترتبط أوثق الارتباط بالوعي الحقيقي الذي يجب أن يتزود به العلماء الاجتماعيون، ذلك الوعي الذي يفرض ضرورة فهم الإنسان والمجتمع في علاقاتهما المتبادلة. والواقع أن فهم ميلز لقضية الموضوعية فهماً ثرياً أعاد إلى أذهاننا تلك المناقشات المنهجية التي أثارها الرعيل الأول من علماء الاجتماع([83]).

ويبدو أن قضية الموضوعية قد شكلت بالنسبة لميلز الدعامة الهامة التي أقام عليها تصوراته المنهجية والنظرية والإيديولوجية. ففي ثلاث مقالات شهيرة نجده يناقش القضايا المعرفية والمنطقية الشائعة في علم الاجتماع. ذاهباً إلى أن تحقيق الموضوعية يتطلب إقامة نظرية اجتماعية تكون واعية ومجسد لفهم عميق لدور المقولات الفكرية ومحدداتها الاجتماعية والثقافية. ولقد عبر رايت ميلز عن موقفه هذا بقوله: ” في كتابات علماء الاجتماع الكلاسيكيين أمثال: ماركس، وفيبر، ودوركايم، لا نجد فصلاً تعسفياً بين النظرية والمنهج. إذ أنهما يتجهان نحو فهم الظاهرة بطريقة تسمح بتحديد المشكلات الفعلية. ويجب أن يكون ذلك بمثابة درس هام لعلماء الاجتماع المعاصرين الذين انصرفوا عن معرفة هذه المشكلات بحجة الاهتمام بنزعة علمية مزيفة” ([84]). ويبدو أن هذا النص يحتل أهمية استراتيجية في الفكر ميلز. فإذا ما اتجه العلماء الاجتماعيون نحو فهم مشكلات معينة، وجدوا أنفسهم في مواجهة القيم الإنسانية التي يجب أن يتخذوا منها موقفا محدداً. أي أن صياغة المشكلة تتطلب تحديد القيم التي ينطوي عليها([85]). ومعنى هذا أن ميلز قد اعتبر الأحداث أو الظواهر وقائع ذات معنى حينما تدخل مجال القيم، ذلك أن الوقائع والقيم يوجدان داخل إطار واحد شامل يضمها معاً. فالقيم دون الوقائع هي مجرد قوالب مجردة لا حياة فيها، تماماً كما أن الوقائع دون قيم هي مجرد أحداث فردية لا معنى لها. أي أن الأحداث والظواهر تصبح وقائع ذات مغزى إنساني عميق إذا ما وضعناها في الإطار الكلي للوعي الإنساني. وبذلك كان ميلز واعياً تماماً بأنه يعيش عصر تسوده الفوضى الفكرية وتعوذه القيم الإنسانية الموجهة، وأن علماء الاجتماع المعاصرين قد انسحبوا من روح هذا العصر، واكتفوا بدراسة قطاعات محدودة منه متأثرين في ذلك بفلسفة العلوم الطبيعية. وربما شكل ذلك ظرفاً كافياً لكي يشن ميلز أعنف هجوم على ما أطلق عليهم “الحرفين الفكريين” الذين خضعوا لطغيان المفاهيم، وعبودية المنهج والأدوات حتى أصبحوا عبيداً للمنهج والنظرية دون أن يكونوا سادة لهما. ويبدو أن ميلز قد قصد أن بهذا الهجوم طرح تصور أكثر شمولاً وإنسانية لقضية الموضوعية في العلوم الاجتماعية. إذ نجده يرفض النظر إلى الموضوعية في ضوء المسلمات المنهجية الضيقة الشائعة في هذه العلوم، مطالباً بخيال سوسيولوجي يربط الوقائع بالأفكار ربطاً إبداعياً في إطار عملية جدلية تتيح للباحث الاقتراب والابتعاد عن الظاهرة موضوع الدراسة ([86]).

 ومعنى ذلك أن الباحث يجب أن يتخذ موقفاً مزدوجاً: فهو مرتبط بمجتمع الذي يدرس مشاكله، وهو أيضاً قادر عن الابتعاد عنه بهدف تحقيق رؤية إنسانية تكاملية. إن ذلك في نظر ميلز هو المعنى الحقيقي لمفهوم الموضوعية في العلوم الاجتماعية الذي لم يظهر حتى الآن بين علماء الاجتماع المعاصرين بسبب خضوعهم الفكري لروح بيروقراطية مكبلة، وغيـاب الرؤية الشاملة التي دفعتهم إلى الاهتمام بالعرض دون الجوهر([87]).

لذا يعتقد ميلز اعتقاداً جازماً أن أول مهام عالم الاجتماع الملتزم تتمثل في الكشف عن الوعي المزيف السائد في عصره. تلك هي المهمة الأخلاقية والأكاديمية التي يجب أن ينطلق منها عالم الاجتماع والعلوم الاجتماعية على حد السواء.

وفي النهاية، نجد أن أول مبدأ أخلاقي في العلم (بشكل عام)، هو الالتزام بالموضوعية والكشف عن الحقيقة يعني الالتزام بالحق ويقود في النهاية إلى الالتزام بمصلحة أكبر طائفة من البشر. ولا يمكن أن نتصور غير ذلك طالما أن الباحث يعيش في مجتمع وأن هدفه من البحث العلمي بشكل عام والاجتماعي بشكل خاص هو نشر ما يتوصل إليه من معرفة على الملأ وطالما أن هذه المعرفة سوف تؤثر بالضرورة على سلوك الناس واتجاهاتهم في مختلف المواقف([88]).

– مناقشة ختامية: قدم ميلز نظرية نقدية ملتزمة ذات طابع راديكالي، حاول من خلالها الربط بين نقد الواقع الاجتماعي ونقد الاتجاهات السوسيولوجية المعاصرة سواءً الاتجاه النظري المجرد أو الاتجاه الامبيريقي التجزيئي، فقد سعى ميلز إلى تحقيق هذه الغاية عن طريق مفهوم الخيال السوسيولوجي الذي يتيح امتلاك رؤية تكاملية، لذا أصر ميلز إلى ضرورة تسلح الباحث في مجال علم الاجتماع بهذا المفهوم حتى يتسنى له إدراك أبعاد مشكلات المجتمع من كافة الجوانب. على اعتبار أن هذه الفكرة تمثل أحد أهم الأدوات النظرية والتحليلية التي تشكل الموقف النظري، لفهم مشكلات الإنسان المعاصر في إطار الكلية التاريخية، وذلك كرد فعل لأزمة الرؤية الكلاسيكية في الفكر السوسيولوجي الغربي.

 تكشف لنا فكرة الخيال السوسيولوجي عن وجهي النقد عند رايت ميلز، ونعني بذلك النقد السوسيولوجي والنقد الاجتماعي، وهي الأداة التي يجب أن يتوسل بها الباحث في نقده ورفضه لأساليب السيطرة والتحكم التي تضرب بجذورها بأعماق كل عناصر البناء الاجتماعي.

وفي مسألة تعميق مبادئ الالتزام الأخلاقي والحرية الأكاديمية لعلماء الاجتماع رأى ميلز أنه من الضروري على المشتغلين في هذا المجال الالتزام بمجموعة من القيم، فليس هناك من سبيل لتفادي اختيارات القيمة والتأثر بها في البحوث السوسيولوجية، فالمشكلة لا تتمثل في الاختيار القيمي، ولكنها تتمثل أساساً في نوعية هذا الاختيار، فإذا ارتبطت قيم الباحث بالدفاع عن الوضع القائم، ووجهت نحو أغراض بيروقراطية وإيديولوجية، فإن ذلك يمثل انحرافاً للعلم عن مساره الصحيح.

 لذا نجد أن ميلز قد رفض دور الباحث كفيلسوف أو مستشار للدولة لأنه يلتزم بقيم يفرضها المجتمع الرأسمالي، بحيث يتم الإقلال من دور العقل الحر أو التفكير الليبرالي الحقيقي الذي ورثناه من عصر التنوير إلى أن طوقته الحضارة الغربية بنظمها الإيديولوجية .

وفي النهاية نجد أن أول مبدأ أخلاقي في العلم (بشكل عام) حسب رايت ميلز، هو الالتزام بالموضوعية والكشف عن الحقيقة يعني الالتزام بالحق الذي يقود بالنهاية إلى الالتزام بمصلحة أكبر طائفة من البشر. ولا يمكن أن نتصور غير ذلك طالما أن الباحث يعيش في مجتمع وأن هدفه من البحث العلمي بشكل عام والاجتماعي بشكل خاص هو نشر ما يتوصل إليه من معرفة على الملأ وطالما أن هذه المعرفة سوف تؤثر بالضرورة على سلوك الناس واتجاهاتهم في مختلف المواقف.

د. حسام الدين فياض


[1] – محمد سيد بيومي: تأثير تغير النسق المرجعي في عصر العولمة على بنية النظرية السوسيولوجية (دراسة تحليلية نقدية)، جامعة عين شمس، كلية الآداب، رسالة ماجستير غير منشورة، القاهرة، 2008، ص(151).

[2] – أحمد مجدي حجازي: علم اجتماع الأزمة (تحليل نقدي للنظرية الاجتماعية في مرحلتي الحداثة وما بعد الحداثة)، دار قباء، القاهرة، 1998، ص(141).

[3] – علي ليلة: النظرية الاجتماعية المعاصرة – دراسة لعلاقة الإنسان بالمجتمع، دار المعارف، القاهرة، ط2، 1983، ص(642-643).

[4] – السيد الحسيني: نحو نظرية اجتماعية نقدية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1985، ص(181).

[5] – توم بوتومور: مدرسة فرانكفـورت، ترجمة: سعد هجرس، دار أويا، بنغازي، ص(185).

[6] – عبد الباسط عبد المعطي: اتجاهات نقدية في علم الاجتماع، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ع 44، شهر أغسطس، 1981، ص(154).

[7] – محمود فتحي عبد العال: الأسس النظرية والمنهجية لتيار ما بعد الحداثة في علم الاجتماع، جامعة عين شمس، رسالة ماجستير غير منشورة، القاهرة، 2006، ص(93). 

[8]–  حسام الدين فياض: تطور الاتجاهات النقدية في علم الاجتماع المعاصر – دراسة تحليلية/ نقدية في النظرية السوسيولوجية المعاصرة، دار كريتار، إسطنبول، ط1، 2020، ص(73).

* حصل ميلز على شهادة الدكتوراه من جامعة ويسكونسين في عام 1942، بعنوان” علم الاجتماع والبراجماتية ” وفيما بعد قام هوروتز بنشرها عام 1964 .

– C. Wright Mills: Sociology and Pragmatism, The Higher Learning in America, (edited and with an Introduction by I .horowitz), New York, Pain- Whitman,1964.

[9] – أحمد زايد: علم الاجتماع (النظريات الكلاسيكية والنقدية)، دار المعارف، القاهرة، 1984، ص(243).

[10] – عبد الباسط محمد عبد المحسن: تشارلز رايت ميلز وفلسفة البحث في علم الاجتماع، مجلة عالم الفكر، الكويت، ع (2)، تموز، 1975، ص(585) .

* C. Wright Mills:  The power Elite, Oxford University, New York, 1959 .

* C. Wright Mills: White Coller: The American Middle Classes, Oxford University, New york, 1951 .

[11] – أحمد زايد: علم الاجتماع (النظريات الكلاسيكية والنقدية)،مرجع سبق ذكره، ص(244).

[12] – عبد الباسط محمد عبد المحسن: تشارلز رايت ميلز وفلسفة البحث في علم الاجتماع، مرجع سبق ذكره، ص(586- 587).

* ماكس فيبر (1864- 1920) عالم اجتماع ألماني، يعد إلى جانب دوركايم مؤسساً لعلم الاجتماع الحديث كعلم اجتماعي متميز. لعب فيبر دوراً بارزاً في تطور النظرية السوسيولوجية ومنهج علم الاجتماع، وكان له إسهام كبير في النقاش الدائر حول طريقة دراسة الظواهر الاجتماعية وفهمها والعوامل الأساسية المؤثرة في صنعها. جمعت مؤلفاته بين عدة موضوعات في علم الاجتماع الديني، والتاريخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسة الاجتماعية، وعلم الاجتماع المعرفي. من أهم مؤلفاته: ” الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية ” عام 1905، ” الاقتصاد والمجتمع ” حيث توفي فيبر قبل إنجازه ونشر عام 1922.

[13] – لمزيد من القراءة والاطلاع حول سوسيولوجيا ماكس فيبر وكارل ماركس انظر: حسام الدين فياض: المدخل إلى علم الاجتماع – من مرحلة تأصيل المفاهيم إلى مرحلة التأسيس، سلسلة نحو علم اجتماع (الكتاب الثاني)، الجزء الأول، مكتبة الأسرة العربية، إسطنبول، ط1، 2021، (274-337).

[14] – علاء طاهر: مدرسة فرانكفورت من هوركهايمر إلى هابرماس ، منشورات مركز الإنماء القومي، بيروت، ط1، بدون تاريخ، ص(58) .

[15] – أحمد زايد: علم الاجتماع (النظريات الكلاسيكية والنقدية)، مرجع سبق ذكره، ص(245).

 *C.Wright Mills: The Causes of World War Three, New York : Simon and Schuster, (1958) .

[16] – أحمد زايد: علم الاجتماع (النظريات الكلاسيكية والنقدية)، مرجع سبق ذكره، ص(245).

[17] – المرجع السابق نفسه، ص(246).

[18] – محمود فتحي عبد العال: الأسس النظرية والمنهجية لتيار ما بعد الحداثة في علم الاجتماع، مرجع سبق ذكره، ص(93).

[19] – المرجع السابق نفسه، ص(95).

[20] – أحمد زايد: علم الاجتماع (النظريات الكلاسيكية والنقدية)، مرجع سبق ذكره، ص(246).

[21] – المرجع السابق نفسه، ص(246).

[22] – المرجع السابق نفسه، ص(257-258).

[23] – المرجع السابق نفسه، ص(255).

[24] – السيد الحسيني: نحو نظرية اجتماعية نقدية، مرجع سبق ذكره، ص(187).

[25] – عبد الباسط عبد المعطي: اتجاهات نقدية في علم الاجتماع، مرجع سبق ذكره، ص(152).

[26] – السيد الحسيني: نحو نظرية اجتماعية نقدية، مرجع سبق ذكره، ص(190).

[27] – أحمد زايد: علم الاجتماع (النظريات الكلاسيكية والنقدية)، مرجع سبق ذكره، ص(250).

[28] – المرجع السابق نفسه، ص(251-252).

[29] – السيد الحسيني: نحو نظرية اجتماعية نقدية، مرجع سبق ذكره، ص(185-186).

[30] رايت ميلز: الخيال العلمي الاجتماعي، ترجمة: عبد الباسط عبد المعطي- عادل مختار الهواري، تقديم: سمير نعيم أحمد، مصر، دار المعرفة الجامعية، 1997، ص(57) . 

[31] – أحمد زايد: علم الاجتماع (النظريات الكلاسيكية والنقدية)، مرجع سبق ذكره، ص(248).

[32] – رايت ميلز: رايت ميلز: الخيال العلمي الاجتماعي، مرجع سبق ذكره، ص(60). 

[33] – المرجع السابق نفسه، ص(61).

[34] – أحمد زايد: علم الاجتماع (النظريات الكلاسيكية والنقدية)، مرجع سبق ذكره، ص(248-249).

[35] – المرجع السابق نفسه، ص(249).

[36] – رايت ميلز: رايت ميلز: الخيال العلمي الاجتماعي، مرجع سبق ذكره، ص(64) . 

[37] – أحمد زايد: علم الاجتماع (النظريات الكلاسيكية والنقدية)، مرجع سبق ذكره، ص(249).

* توماس هوبز (1588-1679) فيلسوف، ومنظر سياسي انكليزي، مؤلف ” ليفياثان ” 1651، وفيه يسوق الأدلة على أن الإنسان ينبغي عليه أن يخضع للدولة فراراً من مصير ” يكون فيه كل شيء حرباً على كل شيء ” وهو ما يمكن أن يوجد في دولة الطبيعة. تحدث عن ” مشكلة النظام “، التي استند إليها بارسونز وغيره من علماء الاجتماع.

[38] – أحمد زايد: علم الاجتماع (النظريات الكلاسيكية والنقدية)، مرجع سبق ذكره، ص(250) .

[39] – المرجع السابق نفسه، ص(250).

[40] – سعيد إسماعيل علي: فلسفات تربوية معاصرة، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ع( 198)، شهر يناير، 1995، ص(133).

[41] – رايت ميلز: رايت ميلز: الخيال العلمي الاجتماعي، مرجع سبق ذكره، ص(99). 

[42] – أحمد مجدي حجازي: علم اجتماع الأزمة ( تحليل نقدي للنظرية الاجتماعية في مرحلتي الحداثة وما بعد الحداثة)، مرجع سبق ذكره، ص(144).

[43] – أحمد زايد: علم الاجتماع (النظريات الكلاسيكية والنقدية)، مرجع سبق ذكره، ص(251).

[44] – رايت ميلز: رايت ميلز: الخيال العلمي الاجتماعي، مرجع سبق ذكره، ص(111) .

 [45]- أحمد زايد: علم الاجتماع (النظريات الكلاسيكية والنقدية)، مرجع سبق ذكره، ص(251).

[46] – السيد الحسيني: نحو نظرية اجتماعية نقدية، مرجع سبق ذكره، ص(186-187).

[47] – عبد الباسط عبد المعطي: اتجاهات نقدية في علم الاجتماع، مرجع سبق ذكره، ص(152).

[48] – السيد الحسيني: نحو نظرية اجتماعية نقدية، مرجع سبق ذكره، ص(190).

[49] – عبد الباسط عبد المعطي: اتجاهات نقدية في علم الاجتماع، مرجع سبق ذكره، ص(152).

[50] – المرجع السابق نفسه، ص(154).

[51] – أحمد مجدي حجازي: علم اجتماع الأزمة ( تحليل نقدي للنظرية الاجتماعية في مرحلتي الحداثة وما بعد الحداثة)، مرجع سبق ذكره، ص(144).

[52] – أحمد زايد: علم الاجتماع (النظريات الكلاسيكية والنقدية)، مرجع سبق ذكره، ص(252).

[53] – المرجع السابق نفسه، ص(252).

[54] – رايت ميلز: رايت ميلز: الخيال العلمي الاجتماعي، مرجع سبق ذكره، ص(14) .

 [55]- المرجع السابق نفسه، ص(15).

[56] – المرجع السابق نفسه، ص(18).

[57] – المرجع السابق نفسه، ص(14).

[58] – أحمد زايد: علم الاجتماع (النظريات الكلاسيكية والنقدية)، مرجع سبق ذكره، ص(252).

[59] – رايت ميلز: رايت ميلز: الخيال العلمي الاجتماعي، مرجع سبق ذكره، ص(19).

[60] – المرجع السابق نفسه، ص(19-20).

[61] – المرجع السابق نفسه، ص(23-24).

[62] – أحمد زايد: علم الاجتماع (النظريات الكلاسيكية والنقدية)، مرجع سبق ذكره، ص(253).

[63] – المرجع السابق نفسه، ص(254).

[64] – المرجع السابق نفسه، ص(254-255).

*  Hans Gerth and W.Mills: Character and Social Structure, The Psychology of Social Institutions, Harcount, Brace and company, New York, 1953 .

[65] – أحمد زايد: علم الاجتماع (النظريات الكلاسيكية والنقدية)، مرجع سبق ذكره، ص(255).

[66] – عبد الباسط عبد المعطي: اتجاهات نقدية في علم الاجتماع، مرجع سبق ذكره، ص(154-155).

[67] – المرجع السابق نفسه، ص(155).

[68] – أحمد مجدي حجازي: علم اجتماع الأزمة ( تحليل نقدي للنظرية الاجتماعية في مرحلتي الحداثة وما بعد الحداثة)، مرجع سبق ذكره، ص(146-147).

[69] – رايت ميلز: رايت ميلز: الخيال العلمي الاجتماعي، مرجع سبق ذكره، ص(253).

[70] – المرجع السابق نفسه، ص(267).

[71] – حسام الدين فياض: تطور الاتجاهات النقدية في علم الاجتماع المعاصر، مرجع سبق ذكره، ص(111).

[72] – رايت ميلز: الخيال العلمي الاجتماعي، مرجع سبق ذكره، ص(268) .

[73] – المرجع السابق نفسه، ص(268-269).

[74] – المرجع السابق نفسه، ص(270).

[75] – حسام الدين فياض: تطور الاتجاهات النقدية في علم الاجتماع المعاصر، مرجع سبق ذكره، ص(113).

[76] – السيد الحسيني: نحو نظرية اجتماعية نقدية، مرجع سبق ذكره، ص(187).

[77] – أحمد زايد: علم الاجتماع (النظريات الكلاسيكية والنقدية)، مرجع سبق ذكره، ص(270).

[78]–  Mills C.W: The Sociological Imagination, Oxford University Press, 1959, p.(179-181) .

[79] – أحمد زايد: علم الاجتماع (النظريات الكلاسيكية والنقدية)، مرجع سبق ذكره، ص(271).

[80]– Mills C.W: The Sociological Imagination, op.cit, p.(177) .

[81] – أحمد زايد: علم الاجتماع (النظريات الكلاسيكية والنقدية)، مرجع سبق ذكره، ص(272).

[82] – السيد الحسيني: نحو نظرية اجتماعية نقدية، مرجع سبق ذكره، ص(187).

[83] – المرجع السابق نفسه، ص(188).

[84] – Mills C.W: The Methodological Consequences of the sociology of Knowledge, in Horowitz, I; ( ed) The New Sociology, op.cit, p.(427).

[85]– Mills C.W: The Sociological Imagination, op.cit,  p.(119) .

[86] – السيد الحسيني: نحو نظرية اجتماعية نقدية، مرجع سبق ذكره، ص(189).

[87]–  Goldsen, R: Mills and the profession of Sociology, in horowitz .I; (ed) The New Sociology, op, cit; p.(89) .

[88] – سمير نعيم أحمد المنهج العلمي في البحوث الاجتماعية، جامعة عين شمس، القاهرة، بدون تاريخ، ص(89).
___________

*د. حسام الدين فياض/ الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة، قسم علم الاجتماع – كلية الآداب في جامعة ماردين – حلب سابقاً.

جديدنا