التنويريتربية وتعليم

التداخلية في علوم التربية: التربية مع علم النفس

من النظرية الفلسفية إلى التطبيق الصفي: كيف يسهم علم النفس واللسانيات في تجديد طرائق التدريس وحل صعوبات التعلم؟

تقديم

من المبادئ الأولية التي ينبغي أن يُشار إليها، هو كون المفاهيم هي مفاتيح ومداخل العلوم، ومن هذه المفاهيم تتشكل المعارف، ومنها تتركب الحقائق العلمية، وعلوم التربية لا تتضح مصطلحاتها، ولا تتحقق دلالتها المفهومية لدى المتلقي لها والمشتغل بها بدون وضوح الدلالة المصطلحية والمفهومية للمفاهيم والمصطلحات التربوية المتداولة فيها، والحاضرة في علومها بفروعها المختلفة وبأقسامها المتعددة.

العلوم الإنسانية: الدلالة – الحقيقة

من العادة السائدة بين الباحثين والدارسين أن يتم اختزال العلوم الإنسانية وتوصيفها بأنها تلك العلوم التي تشتغل على الإنسان في أحد جهاته الأساسية المشكلة لشخصيته، وقد ظهرت هذه العلوم في سياق خاص يتحدد في ظهور النزعة الإنسانية التي عرفها العالم، وارتبطت بشكل خاص بعصر الأنوار الأوروبية الذي أظهرت العناية بالإنسان بأبعاده المتعددة.

وأكبر ما تحقق في العلوم الإنسانية في مسارها التاريخي البعيد، هو استقلالها وانفصالها بشكل كلي عن الفلسفة التي كانت محتضنة لها، ومتعايشة معها لفترة طويلة وبعيدة، فكانت العلوم الإنسانية هي آخر العلوم التي استقلت عن الفلسفة وانفصلت عن مباحثها وقضاياها.

هذا الاعتبار جعل العلوم الإنسانية تتبوّأ مكانةً علميّة مهمّة، وموقعاً خاصاً بين العلوم الحديثة، ولتعبر عن التحول الكبير، وتجلي النقلة العلمية العميقة التي طرأت في المجتمعات الغربية على المستوى الثقافي والفكري والاجتماعي والمؤسساتي والتربوي والقيمي من جهة، ولتجيب على مجمل المشاكل الحياتية المتراكمة التي أعقبت هذا التحول العميق والكبير في المجتمع المعاصر من جهة أخرى.

علم النفس في علاقته بالتربية

من الجهات البارزة التي كانت موضوع اشتغال العلوم الإنسانية جهة علم النفس في علاقته بالتربية في أبعادها المتعددة وبفروعها المختلفة، وكذا علاقة علم النفس بمهن التدريس في بعدها المؤسساتي والتنظيمي والمجالي، إذ انخرطت العلوم الإنسانية جميعها وبشكل مشترك في هذه الخدمة المتعلقة بقطاع التربية والتعليم، ومنها بالأخص: علم النفس، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا (علم الثقافة)، والاقتصاد، واللسانيات التطبيقية، واللسانيات التعليمية، وعلم اللغويات التطبيقي المعاصر.

تداخل التربية مع علم النفس

من العلوم التي تداخلت مع علم التربية علم النفس التربوي، فهو من أبرز فروع علم النفس العام، جاء الاشتغال بهذا العلم في الغرب في سياق الدعوة المعرفية الداعية إلى تقريب العلوم الإنسانية والنفسية والاجتماعية في فهم المجتمع وفي معرفة الإنسان، وكذا في الجهة المتعلقة بالمجال التربوي والتعليمي بشكل أخص.

فكانت أكبر نقلة معرفية في مسار العلوم الإنسانية هو استفادتها واقترابها من البحوث الميدانية التطبيقية التي تحققت بفضل النقلة المعرفية التي رفعت شعار العلوم التطبيقية أولاً، أي الأسبقية في الاشتغال بالعلوم المتجهة نحو الجهة العملية التطبيقية في حياة الإنسان عامة، وعلى قضايا التربية ومهن التعليم والتدريس بشكل خاص.

أهداف علم النفس التربوي

من أهداف هذا العلم ومراميه البعيدة الاستجابة لحاجيات الإنسان، والعمل على تلبية متطلباته، وحل لمشاكله والتخفيف من حدة الإكراهات التي وقعت في المجتمعات المعاصرة، والتخفيف من حجم الضغوطات والصعوبات التي أخذت تواجه الإنسان في هذه الحياة بسبب التغير السريع والتحولات الكبيرة في العلاقات الاجتماعية، وهذه التحولات التي عرفها عالم اليوم جاءت نتيجة للتغيرات الثقافية والقيمية والاجتماعية العميقة التي شهدها العالم اليوم وفي السنوات الأخيرة، فكانت وجهة هذا العلم الجديد – علم النفس – هو اعتماد الأسس المنهجية والنتائج العلمية التجريبية، والعمل على استثمارها وتقريبها في دراسة السلوك البشري، وفي فهم وتفسير الشخصية الإنسانية.

ولم يكن قطاع التربية والتعليم ببعيد عن هذا التقريب، فقد حضر هذا العلم بقوة في القطاع التربوي والتدريسي، لأنه أداة مساعدة وشكل معين على تدبير العملية التعليمية، وتنزيلها في الممارسات الصفية.

وتحضر هذه العلاقة – علم النفس مع قطاع التربية والتعليم – بشكل قوي في الجوانب الآتية:

  • التشخيص النفسي والعقلي للمتعلم.
  • الأمراض العقلية والنفسية والانحرافات السلوكية عند المتعلم.
  • مناهج العلاج النفسي.
  • التخلف الدراسي وأسبابه.
  • الفشل الدراسي.
  • التعثر الدراسي في التعلمات الأساس.
  • الدعم للمتعلمين المتأخرين.
  • صعوبات التعلم.
  • الطفولة والمراهقة.
  • الإرشاد النفسي.
  • التأخر الدراسي عند المتعلم.
  • الانحراف عند المتعلمين.

علم النفس اللغوي

إن دخول علم النفس التربوي مجال قطاع التربية والتعليم وسّع هذه العلاقة بين اللغة والتعليم، علماً أن اللغة كانت موضوع اشتغال علم النفس التربوي، وبموجب هذا الارتباط والعلاقة بين المحورين، فقد اشتغلت كثير من العلوم والمعارف على اللغة في أفق تدريسها ومناهج تعليمها والإكراهات المصاحبة لتنزيلها في الممارسات الصفية، مما أهّل درس اللغة في قطاع التعليم لأن يكون موضوعاً للمقاربات العلمية المتعددة، منها خاصة المقاربة السيكولوجية، والمقاربة اللسانيات التعليمية، والمقاربة البيداغوجية التي تهتم بوظائف اللغة الأساسية، مع البحث على إمكانيات استثمارها وتقريبها في جهة حقل التربية والتعليم والتدريس، من خلال البحث عن الأشكال والطرق الجديدة في تعليمها وتدريسها في مختلف المستويات التعليمية.

وعلم النفس التربوي موضوعه هو الاشتغال على المنهجية التدريسية والطريقة التعليمية في التدريس، لأن المنهجية كانت دائماً هي المفتاح في تحقيق جانب مهم من النجاح الدراسي في تعليمية اللغات

ومن شأن تطبيق الأساليب الجديدة في تدريس اللغات، من أن ييسر من تجاوز الطرق التقليدية المستخدمة في تدريس اللغات، والتي كانت تعتمد على ما هو معياري في تدريس اللغة…

بحيث دلت البحوث في الدراسات النفسية والسيكولوجية واللسانية المنجزة والمعدة مؤخراً، عن مدى أهمية اللغة في الأقسام الأولية والإعدادية في التعليم من حيث دورها الهام في بناء المعالم النفسية والعقلية والوجدانية لشخصية الطفل والمتعلم على حد سواء…

تداخلية اللسانيات مع علوم التربية

أما عن علاقة اللسانيات بعلوم التربية، فهي علاقة مشتركة ومتداخلة، فكل جهة فهي تخدم الجهة الأخرى، فاللغة بكل علومها ومجالاتها ومكوناتها وقطاعاتها تسعى إلى خدمة العملية التعليمية التعلمية في جميع أطرافها ومكوناتها، بالمقابل يعمل التعليم على تطوير اللغة وتحديثها وتحيينها حتى تكون أكثر انسجاماً وتوافقاً مع حاجيات ومتطلبات المتعلم في جميع مراحل تعلمه، وفي جميع الأسلاك التعليمية التي يتعلم فيها.

فالحاجة اليوم تزداد وتتسع في جعل المدخل العلمي والمعرفي والتكنولوجي من الأولويات ومن الضروريات في إعداد وبناء المناهج والبرامج التعليمية، بما في ذلك طرائق تدريس اللغة الذي ينبغي أن يكون مستجيباً لحاجيات العصر ومستلزماته.

ومما يزيد من أهمية هذا الموضوع هو التدني الكبير والملحوظ في المكتسبات الدراسية للمتعلمين، في محور اللغات والعلوم.

دراسات وبحوث للاستئناس

  • إكراهات تدريسية اللغة العربية، لغالي أحرشاو، محاورة في موقع الأستاذ، السنة: 2019.
  • أوراق أعمال الندوة الدولية: ديداكتيك التعدد اللغوي: تعليم وتعلم اللغات، منشورات كلية علوم التربية، المغرب: 2015.
  • دراسات في اللسانيات التطبيقية، للدكتور خليل حلمي، دار المعرفة الجامعية، السنة: 2000.
  • اللسانيات التطبيقية وقضايا تعلم وتعليم اللغات، للدكتور حسن مالك، منشورات مجلة مقاربات المغربية: 2013.
  • المنجز اللغوي لتلميذ المدرسة المغربية: دراسة ميدانية للتعثرات التعليمية: بحث ميداني.

محمد بنعمر


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

محمد بنعمر

استاذ التعليم العالي في المغرب باحث في الفكر الاسلامي وقضايا التراث

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى