اخترنا لكمالتنويريمنوعات

ذاكرة مطوبس .. العودة إلى الجذور

رحلة عبر الزمن: من جزيرة الفراعنة إلى مدينة التراث والسياحة

منذ أن التحقت بكلية الآثار جامعة القاهرة كنت أحاول أن أبحث عن إجابات حول المدينة التي وُلدت ونشأت بها، حملت معي من الحكايات التي نقلتها لي جدتي حكمة سلام الكثير، ومع الوقت كنت أُعِدُّ كتابًا عن مطوبس لكن سرقتني الأيام ولم أنتهِ منه، إلى أن رأيت مجهودًا طيبًا ورائعًا يبذله الأستاذ حمدي طه في صفحة أنشأها على الفيس بوك تحت اسم (ذاكرة مطوبس) يجمع من خلالها صورًا قديمة لأول مرة أراها ووثائق، وقدّم معلومات كانت جديدة بالنسبة لي حتى نصحته في مكالمة هاتفية أن يُعِدَّ هو كتابًا عن مطوبس.

كل ما سبق يدعوني إلى طرح بعض الآراء حول مطوبس، أولًا كنت أعتقد أن مطوبس تعود إلى عصر الأسرة 26 أي إلى نهايات عصر الفراعنة، لكن في السنوات الأخيرة ونتيجة لبحث جيولوجيا دلتا النيل صرنا نعتقد أن هذه المنطقة شهدت عمرانًا في العصر الحجري الحديث أي ما يقرب من عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، وأن مطوبس نشأت كجزيرة في أحراش دلتا النيل حيث دارت أسطورة إيزيس وأوزوريس، وبالتالي هذه الجزيرة سرعان ما ترسّب حولها طمي النيل حتى صار حولها أراضٍ متصلة، وصارت ميناءً تجاريًا سكنه بحارة من بلاد اليونان القديمة في عصر الأسرة 26 فعُرفت بمطوبس أي بلد البحارة الصغار، هؤلاء البحارة حوّلوا مطوبس لميناء على بحيرة البرلس التي كانت متصلة بالبحر المتوسط، فصارت مطوبس مركزًا لتصدير السلع إلى أوروبا وشرق المتوسط، ازدهرت مطوبس في حقبة البطالمة وفي عصري الدولة الرومانية والبيزنطية، ومع انتشار المسيحية في مصر شُيّدت بها كنيسة عُثر على بقاياها في تل مطوبس الأثري، وقد زار هذه الكنيسة القديس مينا المدفون في ماري مينا في جنوب الإسكندرية في رحلة سجّلها لنا، مطوبس هذه تهدّمت في تسونامي دمّر شمال مصر والإسكندرية في أوائل القرن 7 الميلادي فتحوّلت مع غيرها إلى تلال أثرية، هذا التل الأثري عثرت به بعثة جمعية استكشاف مصر على نقود وقطع فخارية وبقايا منازل وأرضيات من الفسيفساء لبيت شخصية عامة .. إلخ، ونُقلت هذه القطع للمتحف المصري.

دخل العرب مصر، لم يتبقَّ من سكان مطوبس غير من نجا من التسونامي، وهم قلة فسكنها سكان جدد على تلة طينية إلى الشمال الغربي من مطوبس القديمة، فعملوا بالزراعة، ثم بالتجارة، وظلت إلى العصر المملوكي قرية فتحوّلت لمركز تجاري نتيجة لهجرة بعض السكان لها وزراعتهم براري مطوبس، فصارت قلبًا تجاريًا لـ 50 قرية شمالها وجنوبها وشرقها وغربها، واشتهرت بصناعة الحرير، وعُثر في مطوبس على مرسوم يعود للعصر المملوكي لرفع الضرائب عن صناعة الحرير بها، لكن القفزة الحقيقية لمطوبس كانت مع هجرة عائلات أندلسية لها في القرن 10 الهجري / 15 الميلادي، ثم توافد المزيد منهم، فاستقروا بها وازدهرت معهم، حتى هُدم مسجدها الكبير وأُعيد تشييده عام 1031 ميلادية، وأُقيمت حوله الأسواق والصناعات كانت وقفًا على الجامع الكبير، وشُيّد إلى جواره حمام عام، ثم احتفى أهالي مطوبس بشيخها الجليل سيدي عبد الوهاب وهو من الأشراف فشيّدوا له قبة ليس لها مثيل في مصر، ومسجدًا كبيرًا كان له ثلاثة مداخل ومئذنة مرتفعة ما زالت باقية، وكان له حديقة ملحقة به، وفي مطوبس في ذلك كان بها قاضٍ نائبًا للقاضي في فوّة وعنده يُسجّل بها ما يُعرض عليه من قضايا، انقسمت مطوبس لقسمين: قسم عمل في التجارة وقسم عمل في الزراعة ومنهم عائلة سلام التي استقرت حول مسجد سيدي عبد الوهاب وشيّدت طاحونة لطحن الحبوب، كانت ذكراها باقية إلى القرن العشرين، ولأن محيط مطوبس اشتهر بزراعة الرمان فعُرفت في المصادر القديمة بنطوبس الرمان، وكانت أراضي مطوبس تنتج أجود أنواع الأرز في مصر، ثم القطن ثم الموالح في القرن 19، ولأن مطوبس مركز تجاري جاذب فقد اشتهرت بصناعة الحلويات خاصة الهريسة وما زالت تتميز بها إلى اليوم، لكن الأهم في هذا السياق هو الوعي لدى أهلها، ففُتحت بها صيدلية حديثة في أواخر القرن 19، ثم عرفها الطب الحديث، ثم كانت رغبة أهلها في تعليم أولادهم دافعًا لهم للتبرع ببيوتهم لتكون مدارس ابتدائية، واستمرت هذه العادة لديهم إلى اليوم فتبرعت عائلة سلام بأرض المدرسة الثانوية التجارية، والأستاذة نجية سلام بأرض لمدرسة ابتدائية، وأخيرًا المهندس صلاح نافع بأراضٍ لبناء مستشفى ومكتبة عامة ما زالت محافظة كفر الشيخ تعرقل بناءها إلى الآن.

مطوبس ليست مدينة عادية، فوعي أهلها السياسي كان به نضج، فقد اختاروا نائبهم في برلمان 1950 وهو الدكتور محمد بلال وهو شاب صغير لإيمانهم أنه المستقبل، وهم الذين اختاروا النائب محمد عبد العليم داود ووقفوا إلى جواره لمواقفه الوطنية، لكن أيضًا وعيهم هذا يجب أن يُدرس، كيف لقرية خاضت معركة كبيرة منذ عشرينيات القرن العشرين ليتم الاعتراف بها كمدينة ثم مركز، هذا جانب يجب استعادته في تاريخ مطوبس، فقد كان رجالات مطوبس وأعيانها يجمعون التوقيعات ويذهبون لكبار المسئولين، ويخوضون نقاشات، فقريتهم لم تكن قرية مدينة بها أطباء ومدارس ومستشفى عام وصناعات حرفية وخطوط مواصلات ونخبة من الأدباء والمثقفين .. إلخ، انتصرت مطوبس في معركتها في سبعينيات القرن العشرين فصدر قرار بتحويلها لمدينة ثم إلى مركز، لكن منذ ذلك التاريخ فقدت مطوبس الكثير من معالمها فمنزل الحاج كامل النزهي الذي كان مثلًا فريدًا بين عمارة منازل مطوبس هُدم، ومسجد سيدي عامر الأثري هُدم، وقسم كبير من مسجد سيدي عبد الوهاب الأثري هُدم، ومسجد سيدي علي الأثري بقبته الكبيرة الرائعة هُدم، كما صارت المدينة كبيرة ففقدت روحها روح العائلات المترابطة التي كان الجميع يعرف أفرادها فردًا فردًا، ومع مشروع ذاكرة مطوبس بدا وكأن مطوبس تستعيد هذه الروح ذكّرنا بالأجداد والآباء، بالشوارع والحياة البسيطة.

كل ما سبق يجعلني في النهاية أرى أن مطوبس التي تحدّها من الشمال قناطر إدفينا وحدائقها مدينة سياحية بامتياز، ما تحتاجه هو متحف ويمكن أن يكون قصر الملك فاروق في الضفة الأخرى لنهر النيل هو متحف لكل ما يُعثر عليه في تل مطوبس الأثري والتلال القريبة منه، كما أن بحيرة البرلس إلى الشمال الشرقي من مطوبس بها آثار يمكن أن تُضم لهذا المتحف، إننا أمام مدينة تعانق النيل والنيل يعانقها في عاطفة جياشة تعطينا روحًا تجعل من ينظر لصفحة النيل بها ينسى هموم الدنيا وتصفو نفسه، إذا أضفنا لهذا تراث المطبخ لدى أهالي مطوبس فسنكون أمام مدينة تجذب كل من يزورها فيكرر زيارتها.

دكتور خالد عزب


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى