متلازمة الهداية الإلهية والعدل الإلهي
إشكالية الهداية والمشيئة الإلهية بين حرية الإنسان ومسؤوليته في الفكر الكلامي والفلسفي الإسلامي

يُعّد موضوع الهداية الإلهية من أبرز المواضيع المثيرة لإشكاليات عقدية وفلسفية في الفكر الإسلامي، خاصة وأنها جاءت في الخطاب القرآني كقول الله تعالى: “اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ”، وقوله أيضا: ” وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ”، فإذا كان الله تعالى هو الذي يهدي من يشاء ويضّل من يشاء، إذا كيف يمكن تفسير عدم هداية فئات من الناس ؟ ثم محاسبتها وتحميلها مسؤولية كفرها وفسقها !? وأصلا إذا كانت الهداية التي تقود الإنسان إلى الإيمان والعمل الصواب مرتبطة بالمشيئة الإلهية، فما محل إرادته من الإعراب ؟ ومن أين يستمد قدرته على الاختيار باعتبار أن العدل الإلهي يتحقق على أساس الحرية الإنسانية ؟
حاول علماء العقيدة الإسلامية معالجة هذا الإشكال من خلال تصورات متباينة حول صفات الله تعالى من عدل وقدرة وإرادة، فقد رأى المعتزلة أن العدل الإلهي يقتضي عقلا عدم محاسبة الإنسان على فعل لا يملكه (تنزيه الله تعالى عن فعل الظلم)، ولذلك أكدوا قدرة الإنسان على أفعاله الاختيارية (الإنسان خالق أفعاله حسنها وقبيحها)، وربطوا استحقاق الثواب والعقاب بمسؤوليته عنها، ومن هذا الأصل العقدي عندهم فسّروا الهداية الربانية بوصفها بياناً للطريق وإقامة للحجة، وليست إكراهاً على الإيمان أو الكفر، ولا خلقاً قسرياً لهما في النفس.
أما الأشاعرة فقد ربطوا الهداية بالمشيئة الإلهية، وحاولوا التمييز بين خلق الفعل الإنساني واكتسابه من جهة، كما حاولوا الجمع بين شمولية القدرة الإلهية وإثبات المسؤولية البشرية من جهة أخرى، إلاّ أنهم لم يبتعدوا كثيراً عن الجبر ولم يتجاوزوا الإشكال العقدي: إذا كان الله خالق أفعال العباد، وكانت الهداية التي تفضي إلى الإيمان مرتبطة بمشيئته، فكيف يمكن تفسير التفاوت الموجود بين البشر في عقائدهم الدينية وأفعالهم ؟
ومن الناحية الفلسفية، سواء الإسلامية منها أو الغربية الحديثة، فإنها تعود بالإشكال إلى مبدأ الحرية والمسؤولية الأخلاقية، كما تعلق الجدل بحرية الإرادة والحتمية بوصفها أداة نقدية للتساؤل عن معنى الاختيار في ظل نظام من الأسباب الضرورية، ومن هذا المنطلق، لا يكفي في البرهان الفلسفي القول إن الله يهدي من يشاء ولا يهدي من يشاء لإغلاق النقاش، بل يبقى من الضروري تفسير العلاقة بين المشيئة الإلهية واستحقاق الإنسان للمحاسبة.
لا يمكن إنكار وجود توتر منطقي في بنية التصور العقدي للهداية، وخاصة حين يجمع بين ثنائية “شمولية القدرة الإلهية وعدم هداية بعض البشر”، و”مبدأ العدالة الإلهية في التكليف والجزاء”، كما أن التصور الذي يجعل الهداية فعلاً إلهياً محضاً سينتج عنه بالضرورة تصوراً خطيراً (إضعاف معنى تحمل المسؤولية لدى الإنسان)، بينما يؤدي التصور الذي يردّ الإيمان والضلال بالكامل إلى الاختيار الإنساني إلى تضييق مجال المشيئة الإلهية، بل وحتى إلى إعادة تفسير النص الديني بما لا ينسجم مع بنيته العقدية، وبالتالي فإن التوفيق بين العدل والقدرة هو إعادة تنظيم هذا التوتر داخل المنظومة الدينية أكثر منه حلّاً للمعضلة، بل لعّل الاعتراف بعمق الإشكال قد يكون أكثر نزاهة من ادعاء حسمه.
الأستاذ العفيفي فيصل
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






