أنواع كتابة القدر وفق نظرية المشيئة
قراءة قرآنية استقرائية في التمييز بين مراتب الكتابة ووظائفها وسنن التدبير الإلهي

إن كتابة الأقدار لها أوقات مختلفة ووظائف متعددة تتجاوز مسألة العلم الخبري، فمنها الذي مضى وجف به القلم، ومنها ما يجري مجرى التاريخ، ومنها ما ينتظر دوره. وبعض الكتابة تدل على القوة القاهرة، وبعضها على الإحاطة بكل صغيرة وكبيرة، في حين توجد كتابة أخرى تدل على التدبير الاستراتيجي للكون… بخلاف ما تعتقده نظرية العلم التي تجعل كل الكتابات مجرد استنساخ من اللوح المحفوظ… وهذا الاختلاف راجع إلى كون الإله الذي صوره أفلاطون وأرسطو لا شك مختلف عن رب العزة كما يعرفه القرآن الكريم.
إن تتبع أنواع الكتابة واختلاف أوقاتها ووظائفها يحيلنا إلى أن الأمر يتعلق بمملكة الله سبحانه التي تحوي أسسًا ثابتة وكائنات قائمة إلى يوم القيامة (السماوات والأرض…) ونواميس مجردة وفعالة لا تتغير ولا تتبدل، وأنشطة مختلفة تارة يفعلها القيوم سبحانه بمشيئته وحكمته، وتارة يفعلها المستخلف إذا شاء الله وأذن، كما توجد أوامر ونواهٍ ربانية في الكتاب المسطور يمكن مخالفتها بمشيئة الله، ومقادير مبثوثة في الكتاب المنظور حاكمة على الكافر والمؤمن على السواء.
أولًا: اللوح المحفوظ أو أم الكتاب (الدستور)
لم ترد عبارة “اللوح المحفوظ” في القرآن الكريم بالتعريف بل جاءت مفردة ونكرة “لوح”، ومحفوظ نعت لها. وعبارة لوح محفوظ لا تفيد أن هناك لوحًا محفوظًا واحدًا يعرفه القرآن الكريم، بل إن سياق الآية يتحدث عن القرآن الكريم وليس عما أطلقنا عليه “اللوح المحفوظ”. وقد يكون المقصود كما جاء في بعض التفاسير هي الألواح التي كتب فيها القرآن، وقد جاء في الحديث “لا تكتبوا عني شيئًا إلا القرآنَ، فمن كتب عني غيرَ القرآنِ فلْيمْحُه” [1]. ولا يمكن أن يكون هذا اللوح إلا ما ورد في قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (الواقعة، 77-79)، وليس جبهة إسرافيل لاستحالة أن يمسها المطهرون الآدميون. أما الذي يرى أن المطهرين في الآية من الملائكة فسيعترضه واحد من أمرين: إما أن الاستثناء لا موجب له، وإما أن في الملائكة المطهرون وغير المطهرين.
ومهما يكن الأمر، فإن مفهوم اللوح المحفوظ الذي تواضع عليه العلماء هو ما ورد في القرآن الكريم بمسمى “أم الكتاب”. إنه الدستور الشامل لجميع قواعد وسنن الحياة والتي لا تقبل التغيير، لأنها الضامن للعدل والاستقرار بشكل دائم، والتلاعب فيها فيه مساس بالشفافية والنزاهة والحقوق…
هكذا نجد من علامات الأنظمة الدكتاتورية أنها تغير دستور البلاد كل مرة لتحقيق مآربها الخاصة، بينما الأنظمة الديمقراطية تغيره بشكل أقل لمواكبة التطور والحضارة ولتوسيع دائرة الحقوق، وهذا علامة على النقصان البشري الذي يتوق للكمال، بينما ربنا سبحانه كامل العلم بقدر ما هو عادل.
بعض المفكرين المعاصرين يميزون بين الذكر والقرآن، وأن الذكر هو الصيغة المنطوقة للقرآن الكريم. بمعنى أن القرآن هو مبادئ وقوانين ونواميس متضمنة باللوح المحفوظ بغض النظر عن ترجمتها اللغوية، والذكر هو الصيغة الصوتية [2] المنطوقة للقرآن الكريم، وهي التي بلغها الرسول الكريم لعموم المسلمين باللغة العربية، والمتعبد بتلاوتها والتي تكفل الله بحفظها. ودليلهم في ذلك أن الذكر محفوظ في الصدور يتلى آناء الليل وأطراف النهار عبر الزمان والمكان مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر، الآية: 9)، لكن أحكامه ومبادئه مضيعة ومعانيه مغيبة عند نسبة مهمة من المسلمين، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان، الآية: 30). فتعهد الذكر بالحفظ وقرن القرآن بالهجر، كما أن القرآن من قرن، أي جمع بين السبب والنتيجة، وبين العمل والجزاء، وبين الشيء ونظامه…
وفق هذا التحليل فإن القرآن هو المضامين التي نص عليها اللوح المحفوظ بلغة ما أو رموز ما، ثم عبر عنها ربنا باللغة العربية، ثم أنزلها سبحانه على الرسول الكريم عن طريق جبريل الأمين وهذا معنى ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ (الزخرف، الآية: 3) لأنه كان شيئًا مخالفًا ثم تشكل في صيغة جديدة، وكان ممكنًا أن يكون بلغة أخرى لإيصال نفس المبادئ والقوانين والنواميس والأحكام.
وهكذا يكون الذكر من ذكر إذا قال أو نبه أو تذكر، أو نطق أو تكلم، بين القرآن من القرء، وهو الجمع والضم، من قرن والقران، أي جمع بين سبب ونتيجة، وبين أمر ونهي، وبين شيء وما يرتبط به من سنن وعلل، وبين الخالق وما خلق، وبين الدنيا والآخرة، وبين العمل والجزاء… ولهذا فالقرآن بعد أن تحول إلى ذكر تكفل سبحانه بحفظه من التبديل والتحريف والزيادة والنقصان، وأصبح كذلك قابلًا للقراءة والترتيل، لكنه يحتاج إلى استماع وإنصات لتصل رسالته والتي تتجلى في الهداية والإرشاد والتقوى.
وروي عن ابن عباس أن الله عز وجل كتب اللوح المحفوظ كتابة لا تقبل محوًا ولا إثباتًا. ذلك معنى قوله تعالى: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد، الآية: 39). ولذلك قال شيخ الإسلام: “إن المكتوب في اللوح المحفوظ لا يتغير أبدًا” [3]. والمعنى أنه سبحانه وتعالى يمحو ويثبت -في باقي الكتب التي سنفصلها فيما بعد- وهذا المحو والإثبات وفق مبادئ أم الكتاب وليس عبثًا. وقد أطلعنا الله عز وجل على بعض هذه المبادئ الدستورية الكونية التي تشكل أساس العدل منها:
﴿ فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ (سورة القارعة، 6-11).
﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (سورة الشرح، 5-6).
﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (سورة العصر، 1-3).
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ (سورة الليل، 5-10).
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (سورة الشمس، 9-10).
﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف، الآية: 156).
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (العنكبوت، الآية: 57).
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر، الآية: 38).
﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير، الآية: 29).
هذه بعض القواعد العامة والتي لا تتبدل ولا تتغير، والتي اختارها الله عز وجل لتكون دستورًا للحياة، تضمن الحقوق والواجبات. فالله عز وجل خالق ورازق وحفيظ وقوي من جهة، وبالمقابل فهو المعبود بحق، قال سبحانه: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (سورة الذاريات، 56-58).
وبالتالي فإن اللوح المحفوظ يدل على عدل الله أولًا، حيث روحه ما جاء في الحديث القدسي: “يا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي وجعلتُهُ بينَكم محرَّمًا فلا تَظالموا” [4]. وهو يدل كذلك على قدرة الله التي ستخلق الخلائق وترعى شؤون الكون وتحييهم وتميتهم وتضمن التوازن بينهم، ثم بعد ذلك تبعثهم ليوم الفصل.
والله سبحانه وتعالى في سورة البروج جمع بين القرآن الكريم واللوح المحفوظ، قال سبحانه: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ (سورة البروج، 21-22)، فإذا قرأتها وجدتها تنبئك بالكثير مما هو في اللوح المحفوظ من قوانين عامة: فيها الخلق لله ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ (البروج، الآية: 1) ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ ﴾ (البروج، الآية: 9)، وفيها تشريع ﴿ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ (البروج، الآية: 2) الذي يفصل فيه جزاء الأعمال، وفيها قانون الشهادة ﴿ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ (البروج، الآية: 3) ﴿ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ (البروج، الآية: 7) ﴿ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (البروج، الآية: 9)، وفيها ﴿ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ (البروج، الآية: 5) تشريع أداة العذاب يوم القيامة، وفيها وجوب العبادة وما يمكن أن يلاقيه العابدون ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (البروج، الآية: 8)، وفيها سبب العبادة ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ ﴾ (البروج، الآية: 9) وفيها تحديد أصحاب الضلال ووسيلة محاسبتهم ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ (البروج، الآية: 10)، وفيها بيان مواصفات أصحاب الهداية وتشريع وسيلة مجازاتهم ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ (البروج، الآية: 11)، وفيها صفات الله تعالى المرتبطة بالخلق وبتدبير شؤونه وخلق الخلائق وميعادها ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (سورة البروج، 12-16).
لذلك كان هذا القرآن في روحه استنساخًا لما في “أم الكتاب”. وهو ما نطلق عليه في العادة اسم “اللوح المحفوظ”، لذلك جمع الله بينهما في آخر السورة ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ (سورة البروج، 21-22). أما الكتب السماوية الأخرى فكانت تحوي قليلًا من المبادئ لأنها كانت خاصة بقوم وتركز على ما يريده الله تعالى منهم، أما رسالة الإسلام فكانت أكثر بيانًا وتفصيلًا لأنها عامة وشاملة وصالحة لكل زمان ومكان.
في الأحاديث النبوية
عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “إنَّ اللَّهَ كتبَ كتابًا قبلَ أن يَخلُقَ الخلقَ: إنَّ رحمتي سبَقت غضَبي، فَهوَ مكتوب عندَهُ فوقَ العرشِ” [5]. واضح من الحديث أن الأمر يتعلق بقاعدة مجردة وسنة مضطردة.
روى البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ: “كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ غَيْرُهُ، وكانَ عَرْشُهُ علَى المَاءِ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شيءٍ، وخَلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ” [6]. والحديث جعل الكتابة قبل خلق السماوات والأرض. قال الحافظ ابن حجر: “إن المراد بالذكر هنا: هو اللوح المحفوظ”.
ثانيًا: كتاب الله يوم خلق الخلق (الكتاب المنظور)
لما وضع الله عز وجل دستور الحياة في اللوح المحفوظ الذي يشتمل على المبادئ الكبرى، كتب سبحانه في كتاب آخر اسمه “كتاب الله” أسماء الكائنات التي ستكون إلى يوم القيامة “فقال للقلم اكتب قال ما أكتب قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة” [7] من الأجرام وأنواع المخلوقات الكائنة إلى يوم القيامة، وكتب تفاصيلها، وأنواعها وأشكالها والعلاقات التي تربط بينها. فقوله ﷺ: “جفَّ القلمُ بما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ” [8]، وربط ذلك بخلق السماوات والأرض هو متوافق مع كونها من مكونات الكون الباقية إلى قيام الساعة. قال تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ ﴾ (الرعد، الآية: 2).
وربنا لما قال (وخلق كل شيء) ضرب لنا مثلًا للشيء المخلوق، مثل السماء والأرض والإنسان… قال تعالى: ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام، الآية: 101)، وقال سبحانه: ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان، الآية: 2)، وليس الوقائع والأحداث التي يأتي زمانها ثم تنقضي.
ومن خلال القرآن الكريم يمكننا اكتشاف عدة سنن مبثوثة في كتاب الله، أو ما نطلق عليه اسم الكتاب المنظور:
﴿ لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (سورة يس، 40).
﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ (سورة الشمس، 1-6).
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ ﴾ (البقرة، الآية: 258)، لذلك إبراهيم عليه السلام لم يقل للنمرود: لكي تعرف أن الله موجود، وأنه على كل شيء قدير، وأنني نبي مرسل، سأطلب من الله أن يأتي بالشمس من المغرب. فهو يعلم أن هذا مستحيل. فالنظام الكوني ثابت لا يتغير إلى يوم القيامة. ولكن قال له بكل نباهة وتبصر: تعلم أن عموم الناس تقول أن الله تعالى هو الذي خلق، وأنه رب السماوات والأرض، وهو الذي اختار بقدرته وإرادته أن يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها أنت من المغرب. فبهت الذي كفر.
﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (الأنعام، الآية: 96).
﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف، الآية: 54).
﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ ﴾ (يونس، الآية: 5).
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ ﴾ (الرعد، الآية: 2).
﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (الأنبياء، الآية: 33).
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ (الفرقان، الآية: 45).
﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (يس، الآية: 38).
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة، الآية: 22).
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (النمل، الآية: 88).
﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ (سورة النبأ، 6-13).
وبذلك يكون عز وجل خص هذا الخلق بكتاب يبين فيه أسماء وأشكال وأدوار المخلوقات وأحجامها وحركاتها كما أوضح القرآن الكريم. والكتاب من كتب وكتيبة إذا ألف وجمع وضم عناصر بعضها إلى بعض في إطار من التناسق والتكامل.
لماذا قلنا إن الكتاب المنظور يسمى كتاب الله في القرآن الكريم؟
يقول تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ﴾ (التوبة، الآية: 36).
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ ۖ فَهَٰذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَٰكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الروم، الآية: 56). وانظر لبلاغة القرآن الذي وظف كلمة كتاب الله لتجمع بين الكون (كتاب الله) وبين الديمومة (إلى يوم البعث). نفس الشيء في الحديث الشريف: (اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة).
وانظر لقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة، الآية: 44). إن فيها ربطًا عجيبًا بين الرسالة (التوراة) والخلافة (استحفظوا) والكون (كتاب الله) والتسخير (كانوا عليه شهداء).
غالبًا ما يرد في القرآن الكريم كلمة “خلق” مرتبطة بالكائنات الملموسة مثل الشمس والقمر والجبال… و”جعل” مرتبطة بالظواهر مثل الليل والنهار واليوم والظل… فالأيام والشهور هي حصيلة لأمرين: خلق السماوات والأرض والقمر من جهة، وعلاقاتهم وحركاتهم من جهة أخرى. وبالتالي فهناك مخلوقات وهناك نتائج متولدة عنها خلقت معها. أي أنها ليست شيئًا مستقلًا ولا جوهرًا خالصًا.
وهذا ما يؤكده قوله جل جلاله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ (الفرقان، الآية: 45)، وبذلك تكون من هذه الزاوية السماوات والأرض قضاء، والأيام والشهور تقديرًا، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ ﴾ (المزمل، الآية: 20) وقوله تعالى: ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (فصلت، الآية: 12).
ثالثًا: الكتاب المبين (التقرير اللحظي)
إذا كان كتاب الله جمع مفردات الكون وما يحكمها من سنن وما ينتج عنها من ظواهر، والتي عليها يتأسس النظام الكوني منذ خلقه ربنا إلى لحظة فنائه، والتي يمكن اكتشافها بالملاحظة والتجربة، ومع مرور الوقت بالاستفادة من التطور العلمي والتكنولوجي، فإن هناك كتابًا آخر يرصد كل الأحداث قبيل وقوعها في هذا الكون سواء الاختيارية أو الاضطرارية، والتي لا تقع إلا بإذنه تعالى. وهذه الأحداث تتجدد في الزمان والمكان، وتخضع للسنن وليست هي السنن ولا الكائنات بذاتها. وهذا ما نلاحظه في ما ورد في الذكر الحكيم:
﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام، الآية: 59).
﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (يونس، الآية: 61).
﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (هود، الآية: 6).
﴿ وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (النمل، الآية: 75).
﴿ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (سبأ، الآية: 3).
فإذا استقر لدينا عن طريق الاستقراء أن الكتاب المبين يشتمل على الأحداث التي تقع للمخلوقات، وأن الأحداث ليست هي المخلوقات التي يشملها كتاب الله، أمكننا أن نفسر كلمة “كتاب” في الآيات التالية على أنها تتعلق بالكتاب المبين وليس بغيره من الكتب.
﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحج، الآية: 70).
﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (فاطر، الآية: 11).
﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحديد، الآية: 22).
فالملاحظ أن الاسم الذي اختاره الله عز وجل لهذا الكتاب هو الكتاب المبين، وهو كتاب لكتابة كل ما يحدث في الكون لحظة بلحظة. وهنا يتم التركيز على مفهومي القيومية والمشيئة: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (يونس، الآية: 3) بدل العدل في القواعد والمبادئ التي جاء بها اللوح المحفوظ، وعوض القدرة على الخلق والتسخير في كتاب الله، ويحضر الفعل المضارع والزمن الحاضر والمشيئة في الكتاب المبين. كما يجوز في هذا الكتاب المحو والإثبات في كل لحظة ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ (فاطر، الآية: 11). يقول تعالى: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد، الآية: 39)، وهذا المحو والإثبات بعد مشيئة الله قد يكون بسبب العمل الصالح أو الدعاء أو الصدقة… كما جاء في الأحاديث النبوية.
إن هذا الكتاب هو بمثابة تقرير لحظي لما سيكون بعد لحظات، بعد أن يأذن الله لذلك أن يكون ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير، الآية: 29)، ﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ ﴾ (سورة الكهف، 23-24).
والذي يسمى بالكتابة العمرية في اصطلاح الفقهاء هو جزء من الكتاب المبين، والمقصود ما يكتب “عند تخليق النطفة في الرحم، فيكتب إذ ذاك ذكورتها أو أنوثتها، والأجل والعمل والشقاوة والسعادة والرزق، كما في حديث عبد الله بن مسعود، قال: “حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبِعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ” [9].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: “وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا قَالَ أَيْ رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الْأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ” [10].
فهذه كلها تقع في الكتاب المبين. فهي ليست من المبادئ والسنن التي تؤسس للعدل قبل البدء، وليست من الكائنات التي ستكون إلى يوم القيامة. بل هي أحداث تولد وتفنى عبر الزمن. والرزق والأجل والعمل والشقاوة والسعادة كلها بشهادة نصوص كثيرة يمكن أن تتعرض للنسخ بالزيادة والنقصان أو التبديل والتغيير.
وطبيعي أن يكون المقصود بالعمل والشقاوة والسعادة هو الحالة في الدنيا. فالله عز وجل يجعل الغني والفقير، والراعي والرعية، والرجل والمرأة، والسيد والعبد… وقد قال سبحانه: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون﴾ (الزخرف، الآية: 32).
فهذه الآية واضحة في هذا الأمر، دالة على الاختلاف في المكانة الاجتماعية، والدور الذي يقدمه بعضنا لبعض في تكامل بيننا، وأن ذلك قسمة الله بين خلقه، وأن هذا لا يمنع بأن نُحسِّن ونُطوِّر ونُقوِّم ما يمكن إصلاحه وتطويره. لكن الآخرة تتأسس على اختيار الإنسان وعمله ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (سورة الزلزلة، 7-8).
رابعًا: الإمام المبين (الأحوال الشخصية)
إذا كان “الكتاب المبين” لرصد كل حركة في الكون، فإن الإمام المبين أو صحائف الأعمال ترصد كل صغيرة وكبيرة من أفعال المكلفين والتي عليها يبني الثواب والعقاب. وهذا ما يبينه القرآن الكريم من خلال عدة آيات منها:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ (يس، الآية: 12).
﴿ وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ (سورة الحجر، 78-79). فعمل قوم لوط وأصحاب الأيكة مسجلة عليهم رغم ما نالوه في الدنيا: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (الحجر، 73-75).
﴿ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (الإسراء، الآية: 71)، ويمكن أن يكون المقصود هو نبيهم أو رسولهم، أو يكون المقصود هو صحيفة أعمالهم.
ومن خلال عملية الاستقراء يتضح أن الإمام المبين هو صحيفة الأعمال التي يكتب فيها الملكان الحسنات والسيئات، التي تفتح عند البلوغ والتكليف وتختم بالموت. وعليه فالإمام المبين هو المقصود في الآيات التالية:
﴿ هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية، الآية: 29).
﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء، الآية: 14).
﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ (سورة الانفطار، 10-12).
﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ (سورة ق، 17-18).
﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ﴾ (سورة القمر، 52-53).
﴿ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ (المجادلة، الآية: 6).
﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف، الآية: 49).
﴿ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ (التكوير، الآية: 10).
﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ (سورة الإسراء، 13-14).
جاء في الحديث القدسي: (يا عِبَادِي، إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ) [11].
وهذه الصحف تكتب فيها أعمال الناس من خير وشر، وتشهد عليهم يوم القيامة كما تشهد عليهم أرجلهم وأيديهم، وكما تشهد عليهم الأرض والملائكة، ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النور، الآية: 24)، ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (الحج، الآية: 17).
ومن مميزات هذه الكتابة أنها خاصة بأفعال العباد من فعل للخيرات وترك للسيئات، وهي بعدد الناس بحيث لكل واحد صحيفته التي تكتب فيها أعماله، تفتح عند التكليف وتطوى عند الموت، وتنشر وتقرأ يوم الحساب. فمن كان مؤمنًا أخذ كتابه بيمينه، ومن كان فاجرًا أخذ كتابه بشماله.
خامسًا: التقدير السنوي (ليلة القدر)
قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (سورة القدر، 1-5).
وقال سبحانه: ﴿ حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ (سورة الدخان، 1-5).
ولقد أقسم ربنا بالكتاب المبين لأنه من جهة كتاب ضخم يشمل كل ما حدث أو يحدث في الكون، ويتسع لما سيحدث إلى قيام الساعة، ومن جهة أخرى فإن “الكتاب المبين” هو موضوع النظر الرباني في ليلة القدر. حيث ينظر ربنا في أحداث الكون ليقرر فيها، فيضبط سيرها، ويعدل اعوجاجها، ويصحح مسارها. فهو سبحانه لا ينظر إلى “أم الكتاب” الذي لا يتغير لا في الدنيا ولا في الآخرة لأنه أساس الابتلاء في الدنيا وأساس الجزاء في الآخرة، كما أنه سبحانه لا ينظر في ليلة القدر إلى “كتاب الله” لأن ما فيه سيبقى ثابتًا إلى يوم القيامة، ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ ﴾ (إبراهيم، الآية: 48)، وهو سبحانه لا ينظر إلى الصحائف الفردية لأن جزاءها في الآخرة، إلا بقدر ما أحدثته من ظلم وبغي وفتنة وفساد في الأرض، فهذا إذا بلغ شأنًا يؤثر على مسار الأحداث في الإمام المبين يمكن أن يكون موضوعًا لنظر الله في ليلة القدر ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (السجدة، الآية: 21).
هنا يكون التقدير السنوي للأمور الهامة ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (سورة الدخان، 3-6). وبذلك ربنا سبحانه يميز بين الأحداث الصغرى المتعلقة بفرد واحد أو بشجرة أو حشرة لينظر فيها في حينها لحظة بلحظة، والتي الأصل فيها السنة الكونية بعد مشيئة الله، وبين الأمور الكبيرة التي الأصل فيها الإرادة الربانية مثل الزلازل والأعاصير والبراكين والمجاعات والجوائح التي تصيب الجماعات والدول.
وهذا التقدير مبني على التصحيح والتنقيح والإنذار والتوبيخ رحمة بالعباد وإرشادًا لهم بعد ضلالهم وفسادهم، ﴿ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الدخان، الآية: 6)، قال تعالى: ﴿ أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (التوبة، الآية: 126). فإذا كان التقدير في ليلة القدر فإن التطبيق يكون خلال عام أو أكثر، قال سبحانه: ﴿ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ (سورة يوسف، 47-49).
لقد شاءت مشيئة الله عز وجل ألا يترك الإنسان وحده يؤثر في الكون، فبعض المجتمعات قد يطغى فيها المنكر فيرسل لها تعالى الرسل، وهذا فعل رباني عظيم وحكيم. وقد تكذب هذه الأقوام رسول الله وما جاء به من الآيات، فتستحق العقوبة المخففة لعلها تتعظ ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ ﴾ (الأعراف، الآية: 133) وقد تتمادى في طغيانها فيمحقها الله عز وجل.
فالله عز وجل اختار وقتًا مناسبًا لعودة موسى من مدين ﴿ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ﴾ (طه، الآية: 40). والرسول الكريم ولد في عام الفيل، وهو الحدث الذي سيؤثر على ثقافة قريش ويعرفوا به قدرة الله تهيئة لنفوسهم قبل بعثة الرسول، وموت رسول الله ﷺ أخبر بها نفسه “لَعلِّي لا أراكم بعدَ عامي هذا” [12] كما فهمها أبو بكر رضي الله عنه من قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ ﴾ (المائدة، الآية: 3).
وقد خص الله عز وجل هذه الأمور العظيمة بليلة عظيمة هي ليلة القدر في التقرير، وبسائر الأيام في التنفيذ، وجعل لها حكمة بليغة هي إرجاع الصلاح للأرض، وإحياء العبادة، ونصرة الرسل، ونشر العدل بين الناس.
وهذه التقديرات تخضع بدورها للنسخ بالزيادة والنقصان والتغيير والتبديل قبل أن يحين أجلها، وينجي الله من أهوالها من شاء من أصحاب الصلاح والإصلاح، وتكون موضوع تقييم وتقويم في ليلة القدر الموالية.
لقد أخبرنا الله عز وجل أن امرأة لوط قد حسم أمرها في ليلة القدر، ليلة قضى فيها الله عز وجل بإهلاك قوم لوط بالحصباء، فكانت العجوز الطاعنة في السن من خلال أعمالها من الغابرين ﴿ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا ۙ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (الحجر، الآية: 60)، وهذا التقدير مبني على علم ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية، الآية: 23). والعلم هاهنا يشير إلى أمرين متلازمين: الأول أن طريق الكفر والضلال والفساد يكون بإرادة وقصد ومعرفة وعلم وهو ما يطلق عليه في علم الجريمة “الإصرار والترصد والعمد”، والثاني أن الذي كان هذا حاله ختم الله على قلبه بشكل طبيعي فتصعب عليه الهداية تدريجيًا حتى تصبح في حكم المستحيل. وهذا ما يشير إليه الحديث الشريف: “إنَّ المؤمنَ إذا أذنب ذنبًا كانت نُكتةٌ سوداءُ في قلبِه، فإن تاب، ونزع، واستغفر صقَل منها، وإن زاد زادت حتَّى يُغلَّفَ بها قلبُه، فذلك الرَّانُ الَّذي ذكر اللهُ في كتابِه: ﴿ كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (المطففين، الآية: 14)” [13].
وعلى خلاف امرأة لوط الميؤوس منها، نجد أن ابن نوح لم يذكر أنه من الهالكين، فأتيحت له فرصة أخيرة لكنه ضيعها: ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (سورة هود، 42-43)، ولم يعد ينفعه دعاء أبيه مع أن دعاء الأنبياء لا يرد: ﴿ وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (سورة هود، 45-46).
سادسًا: كتب الأنبياء
بعد أن سردنا أنواعًا من الكتابات بخصائص معينة ولأهداف مخصوصة، نختم بالكتب المنزلة على الرسل المرسلة للعباد حتى يتبينوا طريق الهداية من طريق الغواية.
﴿ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ (آل عمران، الآية: 48).
﴿ إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (سورة الإسراء، 9-10).
﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ (الإسراء، الآية: 41).
﴿ إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ﴾ (الأعلى، 18-19).
والسادة العلماء ذكروا أن الكتابة على خمسة أنواع، كلُّ واحدٍ منها تفصيل أو استنساخ لما جاء في التي قبلها. جاء في شفاء العليل لابن القيم: “وهذه الكتابة على خمسة أنواع: الأولى: التقدير الأزلي وهو الذي كان قبل أن يخلق الله الخلق، والثاني: التقدير يوم أخذ الميثاق كما في الحديث الذي رواه مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والثالثة: التقدير العمري كما في الحديث الذي في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، والرابعة: التقدير الحولي وهو الذي يكون في ليلة القدر كما في قوله تعالى: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ والخامسة: التقدير اليومي حين تنقل الملائكة من اللوح المحفوظ ما يكون في كل يوم من رزق وأجل وصحة وسقم وغير ذلك مما قدره الله جل وعلا” [14].
لكن تفصيل ذلك ليس كما ذكرنا، فهم يجعلون جميع الكتابات نسخًا من اللوح المحفوظ، وكلها ترتبط بعلم الله الأزلي. والحقيقة أن لكل كتابة مجالها وأهدافها وطبيعتها. فالقول بالنسخ من اللوح المحفوظ قول عبثي لا حكمة من ورائه.
وبذلك تكون عبارة (كل شيء) مقيدة بسياقها، فمثلًا ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة، الآية: 29)، فهو عليم سبحانه بما خلق وكيف خلق ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك، الآية: 14). فموضوع العلم هو نفسه موضع الخلق. ففي آية البقرة الموضوع هو ﴿ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ ﴾، وفي آية الملك فالموضوع هو: ﴿ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (الملك، الآية: 13)، وهي حقائق نفذ فيها قضاء الله وقدره، بينما هناك أمور لم يقض فيها ربنا بعد، فهي اليوم ليست شيئًا مذكورًا.
ففي قوله تعالى: ﴿ إِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (الأحزاب، الآية: 54) فالسياق هنا يتحدث عن خواطر النفس وأمراض القلوب وما يصرح به الإنسان أو يخفيه. أما في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (النساء، الآية: 32) فهو “أعلم بما يصلح عباده فيما قسمه لهم من خير” [15]. نفس الأمر في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ (يس، الآية: 12) فكل شيء هنا مما (قدموا وآثارهم).
فكل آية هي وحدة متراصة، عمومًا لا يجوز اجتزاء جزء منها كما لا يجوز فصلها عن سياقها. وإذا لم نحترم هذا الأمر، قد نخرج بخلاصات خاطئة. وفقه العقيدة مثل فقه الأحكام تأتي الآيات مبينة لبعضها البعض، ومقيدة ومفصلة في حين تولد الاختلاف عند إطلاقها بعد قراءتها منفصلة عن بعضها البعض.
خاتمة
إن القدرة على الخلق والاختصاص به نص عليه أم الكتاب “اللوح المحفوظ” في البدء إلى جانب الأسس الدستورية التي ارتضاها الملك لعباده، بينما خلق شيء بعينه مما ارتكز عليه الكون إلى يوم القيامة (السماوات والأرض والجبال والقمر…) فقد كتب في “كتاب الله” قبل خلقه بخمسين ألف سنة كما في الحديث، وخلق شيء بعينه بعد خلق الكون كخلق إنسان ما فيكتب في “الكتاب المبين” قبل خلقه، لكن عند قذف مني الذكر في رحم الأنثى وليس قبله، أما قذف المني في الفرج فلا يتم إلا برغبة من الإنسان وعزم منه لذلك يكتب في “الإمام المبين” الخاص به بعد أن ينتهي الإنسان من أسبابه ولم تعد له القدرة على ردها، وقبل أن يقع الفعل في الواقع لأنه يحتاج إلى الإذن والإبراء، وهو وقت كافٍ لينظر الله فيه بالقضاء والقدر أيمنعه فيعدم أم يأذن له فيمضي؟ فالفعل الرباني أسرع من كل سريع ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ (السجدة، الآية: 5).
لذلك ميز الله تعالى فعله عن فعلهم، وحصر كتابة أعمالهم في “الإمام المبين”، وباقي الأحداث في “الكتاب المبين”. وإذا كان “كتاب الله” لتحديد النظام الكوني فإن التدبير الاستراتيجي له يكون في ليلة القدر. وبينما كان “أم الكتاب” دستورًا شاملًا لكل العباد فإن “كتب الأنبياء” لا ينتفع بها إلا المؤمنون. والله تعالى أعلى وأعلم.
وأخيرًا فما كان من توفيق فمن الله صاحب الفضل والمنة، وما كان من خطأ فمن نفسي، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[1]- مسلم (2004).
[2]- يرى المرحوم الدكتور فريد الأنصاري أن القرآن هو الصيغة الصوتية المنطوقة لما في المصحف وليس المكتوبة أو المفهومة.
[3]- حسن أبو الأشبال الزهيري، أصول أهل السنة والجماعة، ج.6، ص: 8.
[4]- مسلم (2577).
[5]- البخاري (7553)، ومسلم (2751) باختلاف يسير.
[6]- البخاري (3191)، من حديث عمران بن حصين.
[7]- “أو قال “إلى قيام الساعة”، أخرجه أحمد في المسند (22759) وصححه محققوه، مصنف ابن أبي شيبة (35922). ومثله أخرجه الترمذي وصححه وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه، ونحوه كذلك أخرجه ابن جرير وابن المنذر.
[8]- أحمد (2804)، وابن أبي الدنيا في ((الفرج)) (7)، والطبراني (11/223) (11560) مطولًا واللفظ له.
[9]- البخاري (3208)، ومسلم (2643).
[10]- البخاري (6595)، ومسلم (2646).
[11]- مسلم، (2577).
[12]- النسائي (3062) وغيره.
[13]- الترمذي (3334)، وقال هذا حديث حسن صحيح، والمنذري في الترغيب والترهيب (4/120).
[14]- عمر العيد، شرح لامية ابن تيمية، ج.19، ص: 4 بتصرف.
[15]- التفسير الميسر، النساء، الآية: 32.
القرشي محمد
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






