المثقف والانتخابات حوار مع الشاعر: محمد شيكي
أو عندما تصبح الثقافة جزءًا من الأمن الديمقراطي للمجتمع

المناسبة شرط -كما يقال- فالمغرب يوجد على أبواب انتخابات برلمانية جديدة خلال شتنبر 2026. وهنا نطرح بعض الأسئلة على عينة من مثقفينا حول علاقة المثقف المغربي بالانتخابات والسياسة عموماً، وملاحظاتهم حول المشهد السياسي المغربي الحديث. ونقدم لكم هنا رأي الأستاذ الشاعر والأديب محمد شيكي.
س1: كيف تقرأون أداء الحكومة الحالية، وموقع الثقافة داخل تصورها للتنمية؟
حين نود تقييم أداء حكومة عزيز أخنوش، أعتقد أن علينا تجاوز لغة الحصيلة التدبيرية وحدها، لأن السؤال الأعمق يتعلق بالتصور الذي يحكم ترتيب الأولويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. يمكن للمرء أن يناقش أرقام الاستثمار والنمو والمشاريع الكبرى، لكن الاختبار الحقيقي لأي سياسة عمومية يبدأ من سؤال أكثر بساطة وقسوة: كيف يعيش المواطن هذه التحولات في حياته اليومية؟
ارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية، وتكاليف السكن، والنقل، والخدمات، وما يرافق ذلك من ضغط على القدرة الشرائية، جعلت قطاعات واسعة من المجتمع تعيش إحساسًا متزايدًا بالهشاشة. وحين يصبح المواطن منشغلًا بتدبير ضروريات الحياة، تتراجع مساحة الثقافة والقراءة والتفكير الحر في سلم الأولويات. هنا تتحول الثقافة من قضية تنمية إنسانية إلى قضية مؤجلة باستمرار.
أما المشكلة الثقافية فهي أعمق من حجم الميزانية المخصصة للقطاع. نحن أمام سؤال يتعلق بنموذج الإنسان الذي نريد بناءه. فالتنمية التي تشيد الطرق والملاعب والمنشآت الكبرى تحتاج، بالتوازي معها، إلى مدرسة قوية، وجامعة منتجة للمعرفة، ومكتبة عمومية، ومسرح، وصحافة مهنية، ومؤسسات ثقافية قادرة على صناعة مواطن يمتلك أدوات التفكير والنقد. وهنا تكمن إحدى مفارقات المرحلة: المغرب يستطيع أن ينظم تظاهرات كبرى ويستثمر في البنيات الرياضية والسياحية، بينما تظل أزمة المدرسة العمومية، وجودة التعليم، وعلاقة الشباب بالكتاب والمعرفة، من أكثر الأسئلة إلحاحًا. كرة القدم يمكن أن تمنح المجتمع فرحًا مشروعًا ومهمًا، لكن المجتمع يحتاج أيضًا إلى مدرسة تمنحه القدرة على فهم العالم.
ومن هذه الزاوية، تصبح الثقافة جزءًا من الأمن الديمقراطي للمجتمع. فالمجتمع الذي يضعف فيه التفكير النقدي يصبح أكثر قابلية للإشاعة والتضليل والتعبئة الانفعالية. الثقافة هنا ليست ترفًا نخبويًا، وإنما إحدى وسائل بناء المناعة المدنية.
س2: كيف تنظرون إلى الأحزاب السياسية والخريطة الحزبية المغربية؟
أعتقد أن الأزمة الحزبية في المغرب تحتاج إلى قراءة تتجاوز تعداد الأحزاب ومقاعد البرلمان. السؤال الحقيقي هو: ما الوظيفة التي تؤديها الأحزاب داخل المجتمع؟
الحزب في المعنى التاريخي مؤسسة للوساطة السياسية: ينظم المواطنين، ينتج الأفكار، يؤطر النقاش العمومي، يصوغ البرامج، ويقدم للمجتمع نخبًا قادرة على تحمل المسؤولية. وحين تنكمش هذه الوظائف، يتحول الحزب تدريجيًا إلى وسيلة للوصول إلى المؤسسات أو إلى إدارة الاستحقاقات الانتخابية. وهنا تظهر مفارقة مؤلمة: نحن أمام عدد كبير من الأحزاب والقيادات والخطابات، لكن المواطن كثيرًا ما يجد صعوبة في التمييز بين البرامج والمواقف والسياسات. وقد أصبحت بعض الحملات الانتخابية تعتمد على الشخصنة، والوعود السريعة، والعلاقات المحلية، وشبكات الوساطة، بدل التنافس حول تصورات واضحة لمستقبل التعليم والصحة والتشغيل والثقافة والعدالة الاجتماعية.
والأخطر أن المواطن يلاحظ أحيانًا الفجوة بين القول والفعل. خطاب انتخابي شديد الحساسية تجاه الفئات الشعبية، ثم مواقف حكومية أو برلمانية تثير استياء هذه الفئات؛ حديث عن محاربة الريع، ثم استمرار أشكال مختلفة من الامتيازات؛ دفاع عن الطبقات المتوسطة، بينما تواجه هذه الطبقات ضغط الأسعار وتكاليف التعليم والسكن والخدمات.
وهنا تظهر مسؤولية القيادات الحزبية. فالأمين العام للحزب يفترض أن يكون رجل فكر ومشروع وموقف، وأن يمتلك القدرة على شرح اختيارات حزبه والدفاع عنها ومراجعتها أمام المجتمع. أما حين ينخفض الخطاب السياسي إلى المناكفات الشخصية أو الحسابات الانتخابية الضيقة، فإن الحزب يفقد شيئًا من وظيفته التاريخية.
لهذا أقول إن الأحزاب وسائل ووسائط داخل الحياة الديمقراطية، وليست غايات في ذاتها. قيمتها تقاس بقدرتها على إنتاج المواطن الواعي، والسياسة العمومية الرشيدة، والنخب التي تستطيع الانتقال من المعارضة إلى المسؤولية دون أن تفقد مبادئها. والمشكلة هنا اجتماعية أيضًا. فضعف المدرسة، وارتفاع الهشاشة، والبطالة أو العمل غير المستقر، وضعف القراءة السياسية، كلها عوامل تجعل المواطن أكثر عرضة لمنطق الوساطة الانتخابية. حين يصبح الناخب محتاجًا إلى خدمة عاجلة أكثر من حاجته إلى برنامج سياسي، فإن بنية الانتخابات نفسها تتغير.
س3: ماذا تتوقعون بعد انتخابات 2026؟ وهل يمكن أن تحدث الانتخابات تحولًا حقيقيًا؟
لا أعتقد أن السؤال الأساسي هو من سيحتل المرتبة الأولى في انتخابات 2026، وإنما: هل ستغير الانتخابات شروط إنتاج السياسة نفسها؟ إذا بقيت الشروط الاجتماعية والسياسية ذاتها، فإن تغيير الوجوه قد ينتج تغييرًا محدودًا في الخريطة، بينما تستمر الآليات العميقة في إعادة إنتاج نفسها.
هناك اليوم ثلاث مسائل ينبغي أن تشغلنا: الهشاشة الاجتماعية، وأزمة التعليم، وأزمة الثقة السياسية.
الهشاشة تجعل المواطن شديد الحساسية تجاه الأسعار والعمل والسكن والخدمات. وأزمة التعليم تحد من قدرته على تفكيك الخطاب السياسي وتمييز البرنامج من الدعاية. وأزمة الثقة تجعل جزءًا من الشباب ينظر إلى السياسة باعتبارها مجالًا بعيدًا عن حياته اليومية.
يمكن فهم بعض الظواهر التي تبدو، للوهلة الأولى، متناقضة مع قوة الشعور الوطني. أحداث الهجرة الجماعية نحو سبتة في مايو 2021 ويوليوز 2026 كانت لحظات كاشفة؛ فقد ظهرت فيها مشاعر الإحباط الاجتماعي لدى فئات من الشباب، واستعداد بعضهم للمخاطرة بحياته بحثًا عن أفق آخر. هذه الواقعة تستحق قراءة أعمق من تحويلها إلى مادة للتجريم أو التبرير: كيف يصل شاب إلى اللحظة التي يصبح فيها عبور الحدود، مهما كانت مخاطره، أكثر إغراءً من البقاء داخل وطنه؟
هذا السؤال يقودنا مباشرة إلى المدرسة، والأسرة، وسوق الشغل، والعدالة الاجتماعية، والإعلام، والثقافة، وصورة المستقبل في المخيال الشبابي.
أما كرة القدم، ومونديال 2030، والمشاريع الكبرى، فهي في ذاتها عناصر مهمة في بناء صورة المغرب وفي تعزيز الشعور بالانتماء والفرح الجماعي. لكن الخطر يبدأ حين تتحول الفرجة إلى بديل عن السياسة، أو حين تصبح الإنجازات الرياضية وسيلة لتعليق الأسئلة الاجتماعية بدل مواجهتها.
تحدث المفكر والناقد والكاتب الفرنسي غي ديبور Guy Debord عن «مجتمع الفرجة» في سياق مختلف تاريخيًا، لكن مفهومه يساعدنا على التفكير في لحظة يصبح فيها المشهد أكثر حضورًا من الواقع. المباراة تخلق لحظة جماعية قوية، والاحتفال يوحد الناس، والنجاح الرياضي يمنحهم إحساسًا بالانتماء؛ لكن صباح اليوم التالي يعيد المواطن إلى المدرسة، والمستشفى، وسوق الشغل، والأسعار، والسكن، والإدارة.
لذلك لا أرى المشكلة في أن نفرح بكرة القدم؛ أرى المشكلة حين يُطلب من المواطن أن يكتفي بالفرجة بينما تتراكم الأسئلة المؤجلة.
س4: وماذا عن المواطن نفسه؟ أليس جزءًا من المسؤولية السياسية؟
بالتأكيد. المثقف الذي يحمل المسؤولية كلها للدولة أو للأحزاب يظل أسير تفسير ناقص.
المواطن أيضًا شريك في إنتاج الحياة السياسية. حين يقبل الناخب بيع صوته أو اختيار مرشح بناءً على منفعة شخصية عاجلة، فهو يساهم في إعادة إنتاج الآلية التي يشتكي منها. وحين يتعامل مع الانتخابات بمنطق «كلهم سواء»، ثم ينسحب من المشاركة، فإنه يترك المجال لمن يمتلكون التنظيم والمال وشبكات النفوذ. لكنني أرفض تحويل هذا الأمر إلى محاكمة أخلاقية للمواطن الفقير. علينا أن نسأل أولًا: ما الذي أنتج هذا السلوك؟
حين تكون الهشاشة مرتفعة، وحين يعاني المواطن من البطالة أو ضعف الدخل، وحين تفقد السياسة قدرتها على الإقناع، تصبح المنفعة المباشرة أكثر جاذبية من البرنامج البعيد.
وهنا نعود مرة أخرى إلى التعليم.
التعليم الذي لا يصنع مواطنًا قادرًا على السؤال والمقارنة والتحليل، يترك المجال واسعًا أمام التلقي السلبي. ومن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع أن تتحول المدرسة إلى مؤسسة لإعادة إنتاج المعرفة الجاهزة، بدل إنتاج القدرة على التفكير.
إن إعادة إنتاج الجهل السياسي أخطر من الجهل بالمعلومة؛ لأن المواطن قد يملك هاتفًا ذكيًا ويصل إلى ملايين المعلومات، لكنه يظل عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين النقد والإشاعة، وبين المعارضة للوطن والمعارضة لسياسة عمومية. وهذا ما يجعل الثقافة ضرورة سياسية.
س5: وما الدور الذي يستطيع المثقف أن يؤديه وسط هذه التحولات؟
المثقف مطالب اليوم بأن يستعيد وظيفة السؤال. وظيفته ليست أن يتحول إلى بوق للحكومة، ولا إلى بوق للمعارضة، ولا إلى تابع لحزب، ولا إلى صانع للعدمية. دوره أن يضع المجتمع أمام مرآته. عليه أن يسأل الحكومة عن نتائج سياساتها، ويسأل المعارضة عن بدائلها، ويسأل الأحزاب عن برامجها، ويسأل النخب عن تناقضاتها، ويسأل المواطن عن اختياراته، ويسأل المدرسة عن الإنسان الذي تنتجه، ويسأل الثقافة عن قدرتها على صناعة المعنى.
المثقف الحقيقي يستطيع أن يحب وطنه وأن ينتقد سياساته في الوقت نفسه. بل إن النقد المسؤول أحد أشكال الغيرة على الوطن.
أنا قلق على المغرب لأنني أريده أكثر عدالة، وأكثر تعليمًا، وأكثر قدرة على إنتاج المعرفة، وأكثر احترامًا للكرامة الإنسانية. وأخشى من مجتمع تتسع فيه الهوة بين الإنجازات المادية وبين قدرة المواطن على فهمها والمشاركة في صياغة معناها.
إن المغرب يحتاج إلى الطرق والملاعب والموانئ والاستثمارات، ويحتاج بالقدر نفسه إلى إنسان قادر على التفكير في معنى هذه المشاريع وموقعه منها.
وهنا أعتقد أن المعركة الحقيقية التي تنتظرنا بعد 2026 أعمق من تغيير حكومة أو حزب. إنها معركة حول نوع المواطن الذي نريد، ونوع المدرسة التي نريد، ونوع السياسة التي نريد، ونوع العلاقة التي نريدها بين الدولة والمجتمع.
إذا نجحنا في إعادة بناء الإنسان، ستكتسب الانتخابات معناها الديمقراطي الحقيقي. أما إذا بقي الإنسان أسير الهشاشة، والجهل السياسي، والفرجة، والوعود الانتخابية العابرة، فإن تغيير الخرائط الحزبية سيظل تغييرًا في الواجهة أكثر منه تغييرًا في العمق.
وهذه، في تقديري، هي المسألة التي ينبغي أن تشغل المثقف المغربي اليوم: كيف ننتقل من مجتمع يستهلك السياسة إلى مجتمع ينتجها، ومن مواطن يتلقى الخطاب إلى مواطن يشارك في صناعة القرار، ومن ثقافة تكتفي بوصف الواقع إلى ثقافة تمتلك الشجاعة الفكرية لإعادة مساءلته؟
عبد الجليل لعميري
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.





