التنويريفكر وفلسفة

في سوء فهم فلسفة التنوع والعيش المشترك

إشارات حول فلسفة فتحي التريكي

المسألة ليست: هل التريكي «مع» اليسار أو «ضد» اليسار؟ ولا: هل هو «مع» النهضة أو «ضدها»؟ وإنما: من أي أفق فلسفي ينبغي أن نقرأ مفاهيم الصديق والعدو، والأخلاق والأخلاقيات، والوطنية والكونية، والاختلاف والعيش المشترك؟

وهذا مهم خصوصًا أن مشروع التريكي يربط بالفعل بين فلسفة الحداثة وما بعد الحداثة وبين التنوع والعقل والحرية وجمالية العيش المشترك، كما تربط مشروعه بفكرة «أخلاقية العيش المشترك» وبالتعقّل بوصفه ممارسة عملية موجهة إلى حسن العيش.

من الأخلاق إلى الإيتيقا: في فلسفة فتحي التريكي وإشكال الصديق والعدو

ليس من اليسير أن يُقرأ موقف فلسفي خارج الأفق النظري الذي أنتجه. فكثير من سوء الفهم لا ينشأ من غموض العبارة في ذاتها، وإنما من إخضاعها لمفاهيم ومنظومات تصورية تنتمي إلى أفق آخر. وهذا ما يبدو أنه يحدث في بعض القراءات التي تتناول مواقف فتحي التريكي، حين تُقرأ عباراته السياسية المباشرة بمنطق الاصطفاف الإيديولوجي التقليدي، فيُسارع إلى وضعه في خانة «اليسار» أو «اليمين»، أو في خانة الدفاع عن هذه الحركة السياسية أو تلك، بينما قد يكون المطلوب فلسفيا هو الانتقال من سؤال الاصطفاف إلى سؤال الأفق الفلسفي الذي يجعل هذا الاصطفاف نفسه موضع نقد.

ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين مسألتين مترابطتين: الأولى تتعلق بموقع فلسفة فتحي التريكي من الأخلاق والإيتيقا، ومن الحداثة وما بعدها، ومن التنوع والاختلاف والعيش المشترك؛ والثانية تتعلق بإعادة التفكير في ثنائية الصديق والعدو في ضوء هذا الأفق الفلسفي. فإذا لم نحدد أولا طبيعة فلسفة التريكي، استحال علينا أن نفهم كيف يمكن أن يستعمل مفردات سياسية كلاسيكية مثل «الصديق» و«العدو» دون أن يعني ذلك بالضرورة العودة إلى المنطق السياسي الذي جعل من هذه الثنائية أساسا للسياسة.

مقالات ذات صلة

أولا: قبل الحكم على التريكي: أي فلسفة نقرأ؟

تكمن إحدى مشكلات القراءة في التعامل مع فتحي التريكي كما لو كان مجرد مثقف سياسي له موقف من هذا الحزب أو ذاك، أو كما لو كان امتدادا آليا لإيديولوجيا سياسية سابقة. والحال أن مشروعه الفلسفي أوسع من هذه الاصطفافات بكثير. فقد ارتبط مشروعه، في دراسات تناولت فلسفته، بفلسفة الحداثة وما بعد الحداثة، وبالتنوع والعقل والحرية وجمالية العيش المشترك، وبالسعي إلى جعل الفلسفة متصلة بالحياة العمومية لا منفصلة عنها.

لذلك فإن اختزال التريكي في «موقف إيديولوجي» يهدد بإضاعة السؤال الفلسفي الذي ينبغي أن يُطرح: ما الذي يجعل موقفا سياسيا ما منسجما أو متعارضا مع شروط العيش المشترك؟

إن الأمر هنا لا يتعلق بتبرئة التريكي مسبقا من أي نقد، فهذا ليس من وظيفة الفلسفة، وإنما يتعلق بتحديد مستوى النقد. فالفيلسوف لا يُحاكم فقط بالنظر إلى هوية الجماعة التي عارضها أو الجماعة التي وافقها، وإنما أيضا بالنظر إلى المفاهيم التي تحكم موقفه، وإلى الاتساق الداخلي بين هذه المفاهيم.

وهذا هو المدخل الذي يسمح بفهم التريكي باعتباره فيلسوفا للتنوع والتعدد والعيش المشترك، لا باعتباره منظرا لأخلاق الاصطفاف الإيديولوجي.

ثانيا: من الأخلاق إلى الأخلاقيات: التحول الذي يغير معنى الموقف

هنا تظهر المسألة المنهجية الأهم: الفرق بين الأخلاق والإيتيقا، أو بين الأخلاق بوصفها نسقا معياريا مغلقا، والأخلاقيات بوصفها تفكيرا في شروط العيش مع الآخر.

ليس المقصود بهذا التمييز مجرد اختلاف اصطلاحي بين morale وéthique. فالمسألة أعمق من ذلك. إن الأخلاق، في أحد استعمالاتها الكلاسيكية، تنطلق من منظومة من القواعد والمعايير التي تحدد مسبقا ما ينبغي فعله وما ينبغي رفضه، ومن ثم يمكن أن تتحول إلى منظومة مكتفية بذاتها، تستمد مشروعيتها من اعتقادها بامتلاك الحقيقة المعيارية. أما الإيتيقا فتضع العلاقة بالآخر، وبالاختلاف، وبالسياق، وبإمكان العيش معا في قلب السؤال.

لهذا فإن الانتقال من الأخلاق إلى الإيتيقا يعني، فلسفيا، الانتقال من سؤال:

ما السلوك الصحيح الذي ينبغي للجميع أن يلتزموا به؟

إلى سؤال أكثر انفتاحا:

ما الشروط التي تجعل إمكان العيش معا ممكنا رغم اختلافنا؟

والفرق بين السؤالين جوهري. فالأول قد ينتهي إلى توحيد البشر حول معيار واحد، بينما الثاني يبدأ من حقيقة أنهم مختلفون أصلا، وأن المشكلة السياسية والأخلاقية ليست في إزالة الاختلاف، وإنما في إنتاج شروط تجعل الاختلاف قابلا للعيش.

وهنا تحديدا يمكن فهم مكانة «العيش المشترك» في مشروع التريكي. فالدراسات التي تناولت فلسفته تربط بين مفهوم التعقّل عنده وبين بناء فلسفة إنسية غايتها بلوغ «أخلاقية العيش المشترك»، كما تجعل من التعقل ممارسة عملية وأخلاقية تتجه إلى حسن العيش في المدينة ومع الآخرين.

وبهذا المعنى، فإن فلسفة التريكي لا تنطلق من البحث عن مجتمع متجانس يمحو الاختلاف، بل عن وحدة لا تلغي التعدد، وكونية لا تلغي الخصوصية، وهوية لا تتحول إلى سجن للآخر.

ثالثا: التنوع ليس إضافة إلى فلسفة التريكي، بل هو شرطها

إذا كان الاختلاف واقعة إنسانية لا يمكن إلغاؤها، فإن العيش المشترك لا يمكن أن يقوم على مبدأ إزالة الاختلاف. إنه يقوم على تحويل الاختلاف من سبب للصراع إلى شرط للتعايش.

ومن هنا تتخذ مفاهيم مثل «جمالية العيش المشترك» و«أخلاقيات العيش المشترك» معناها الفلسفي. فالجمال هنا ليس مجرد وصف جمالي للعيش، والأخلاقيات ليست مجموعة أوامر سلوكية؛ إنهما يشيران إلى محاولة بناء نمط من الوجود المشترك يجعل من الآخر شريكا في العالم لا عقبة ينبغي التخلص منها.

ارتبط مشروع التريكي بفكرة أن العيش المشترك يقوم على الحوار، واحترام الاختلاف، والكرامة، والحرية، وعلى إمكان بناء أرضية مشتركة بين الأنا والآخر دون أن يفقد أحدهما هويته.

ومن ثم فإن الكونية التي يمكن نسبتها إلى هذا المشروع ليست كونية التجانس، ولا كونية إلغاء الخصوصيات باسم نموذج واحد، وإنما هي كونية تنشأ من التقاء الاندفاعات الخلاقة بين البشر؛ أي كونية لا تسبق التعدد وإنما تتشكل من داخله.

وهنا يصبح الاختلاف ليس نقيضا للوحدة، بل طريقا آخر إليها.

رابعا: حين تتخذ الأخلاق شكل الإيديولوجيا

من هذه الزاوية يمكن فهم المفارقة التي تكشفها التجارب السياسية الحديثة والمعاصرة. فليس كل خطاب أخلاقي بالضرورة خطابا إنسانيا، وليس كل من رفع راية التحرر قد تحرر من منطق الهيمنة.

إن التاريخ السياسي الحديث يبين أن مشاريع ادعت تمثيل الإنسان أو الثورة أو الدين أو الأمة أو التحرر استطاعت، في ظروف معينة، أن تنتج أشكالا جديدة من الإقصاء والعنف. ولذلك لا يكفي أن يعلن مشروع سياسي أنه يحمل قيمة أخلاقية حتى يصبح بالضرورة حاميا للإنسان.

هنا ينبغي أن نستعيد، بحذر وبتمييز تاريخي، أمثلة من تاريخ الفلسفة نفسها: فقد صدرت عن بعض الكتابات الأوروبية، بما فيها كتابات ماركس وإنجلز، مواقف من الاستعمار يمكن أن تبدو اليوم متعارضة مع المبدأ التحرري الذي يُنسب إلى المشروع الماركسي. وهذه المفارقات لا تثبت أن «الماركسية هي الاستعمار»، كما لا تثبت العكس، وإنما تكشف شيئا أكثر أهمية فلسفيا: أن الإيديولوجيا التحررية قد تحمل داخلها توترات بين مبدأها الكوني وتطبيقاتها التاريخية.

والأمر نفسه يصدق على التيارات الدينية السياسية حين تتحول قيمة دينية أو أخلاقية إلى معيار لإلغاء الآخر، أو حين تتداخل الشعارات الدينية مع مشاريع القوة والحرب والتدخل الخارجي.

المشكلة إذن ليست في الدين وحده ولا في اليسار وحده ولا في اليمين وحده. المشكلة في تحول الأخلاق إلى يقين مغلق يمنح صاحبه حق تعريف الخير والشر نيابة عن الجميع، ثم يحول الاختلاف في الرأي إلى خروج من دائرة الشرعية الإنسانية.

وهنا يصبح السؤال الإيتيقي أكثر صعوبة: ليس «هل نحن أصحاب الأخلاق؟»، وإنما «هل أخلاقياتنا تسمح للآخر بأن يكون مختلفا عنا؟»

خامسا: من نقد الإيديولوجيا إلى نقد احتكار الحقيقة

إذا كان ثمة ما ينبغي الدفاع عنه في فلسفة التريكي، فهو ليس انتماءه إلى هذا المعسكر أو ذاك، وإنما ضرورة عدم اختزاله في هذه المعسكرات أصلا.

فالفلسفة التي تجعل التنوع والاختلاف والعيش المشترك في مركز اهتمامها لا تستطيع أن تكون فلسفة احتكار للحقيقة. إنها تنطلق من الاعتراف بأن الإنسان لا يعيش في عالم أحادي الصوت، وأن الاختلاف ليس خللا ينبغي تصحيحه، وإنما هو أحد شروط وجود المجال العمومي ذاته.

ولهذا فإن من يقرأ التريكي بمنظار «التخندق» الإيديولوجي قد يكون، paradoxically، قد نقل النقاش من مستوى الفلسفة إلى مستوى الإيديولوجيا التي يدعي أنه ينتقدها.

فأن تقول إن التريكي «مع النهضة» أو «ضد النهضة»، أو «مع اليسار» أو «ضده»، لا يحسم السؤال الفلسفي. وحتى لو صحّ توصيف موقف سياسي بعينه، يبقى السؤال: ما المعيار الذي حكم هذا الموقف؟

سادسا: المسألة الثانية — الصديق والعدو

من دون هذا التمهيد يصعب فهم العبارة التي قالها فتحي التريكي بشأن اليسار الكلاسيكي ومشاركته في مظاهرة 20 أوت، حيث اعتبر أن بعض عناصر اليسار الكلاسيكي «ضائعون»، وربط العمل السياسي بضرورة «تحديد الصديق وتحديد العدو»، ثم رأى أن مشاركة اليسار في تلك المظاهرة «عبث ولخبطة» قد تمثل خطرا على مستقبل تونس.

إن قراءة هذه العبارة قراءة حرفية قد تقود إلى نتيجة مفادها أن التريكي يعود إلى السياسة الكلاسيكية القائمة على ثنائية الصديق والعدو. لكن هذه النتيجة تحتاج إلى قدر من التحفظ؛ لأن المفهوم نفسه لا يحمل المعنى ذاته في كل سياق فلسفي.

فـ«الصديق والعدو» مفهوم له تاريخ طويل في الفكر السياسي، ولا يمكن اختزاله في نموذج واحد. ويبلغ أحد أشهر أشكاله الحديثة ذروته مع كارل شميت، حيث تصبح التفرقة بين الصديق والعدو معيارا للسياسي ذاته. غير أن مجرد استعمال المفردتين لا يعني تبني النظرية الشميتية، كما أن استعمالهما في سياق فلسفة للعيش المشترك يقتضي إعادة تحديد دلالتهما.

وهنا يمكن اقتراح قراءة مختلفة لموقف التريكي: العدو، في أفق فلسفة العيش المشترك، ليس من يختلف معي، بل من يهدد إمكان الاختلاف نفسه.

وهذه نقطة فاصلة.

سابعا: العدو ليس المختلف

إذا كان الاختلاف قيمة مؤسسة للعيش المشترك، فلا يمكن أن يكون المختلف عدوا لمجرد اختلافه. بل إن تحويل المختلف إلى عدو هو بالضبط ما تهدف فلسفة التعدد إلى مقاومته.

فاليساري ليس عدوا لأنه يساري، والإسلامي ليس عدوا لأنه إسلامي، والقومي ليس عدوا لأنه قومي، والليبرالي ليس عدوا لأنه ليبرالي. إن الاختلاف السياسي، مهما بلغ، يدخل في صميم المجال العمومي الذي لا معنى له من دون تعدد.

لكن الأمر يتغير عندما لا يعود الاختلاف مجرد اختلاف، بل يتحول إلى ممارسة تهدم شروط الاختلاف ذاته.

هنا يمكن أن نعيد تعريف العدو داخل أفق فلسفة العيش المشترك: إنه ليس الشخص الذي يختلف عني، وإنما الفعل أو المشروع أو الممارسة التي تجعل العيش المشترك مستحيلا؛ أي التي تقوم على الإقصاء، أو العنف، أو نزع الإنسانية عن الخصم، أو تبرير القتل، أو رفض حق الآخرين في الوجود والاختلاف.

وبهذا المعنى، يصبح الصديق هو الآخر الذي يختلف معي ولكنه يقبل مبدئيا أن أكون مختلفا عنه؛ أما العدو فهو الذي يريد أن يجعل اختلافنا نفسه مستحيلا.

وهذا التعريف ينقل الثنائية من هوية الأشخاص إلى طبيعة الممارسات.

إنه انتقال فلسفي مهم: لسنا أمام «عدو» بالمعنى الأنطولوجي، أي شخص ولد عدوا أو ينتمي إلى جماعة هي بطبيعتها عدو، وإنما أمام موقف أو ممارسة يمكن أن تتحول إلى تهديد لشروط العيش المشترك.

ثامنا: هل يمكن للعيش المشترك أن يتسامح مع من يرفض التسامح؟

هنا نصل إلى المعضلة الأصعب.

إذا كان العيش المشترك قائما على الاختلاف، فهل ينبغي أن يقبل أيضا من يرفض الاختلاف؟ وإذا كان التسامح قيمة مؤسسة له، فهل يجب أن يتسامح مع من يجعل من التسامح نفسه هدفا للعداء؟

هذه ليست مسألة خاصة بالتريكي، بل هي واحدة من أعمق معضلات الفلسفة السياسية والأخلاقية الحديثة والمعاصرة. فالعيش المشترك لا يمكن أن يكون ساذجا إلى درجة أن يسمح لقوى تسعى إلى تدميره باستعمال حرياته لتقويضها.

ومن هنا يمكن أن يصبح موقف التريكي مفهوما على نحو أكثر دقة: إن التحالف أو التظاهر المشترك لا يُقاس فقط بهوية المشاركين فيه، وإنما بما قد يعنيه هذا الاشتراك بالنسبة إلى شروط المجال العمومي والتنوع والتعدد.

فإذا اجتمعت جماعات مختلفة سياسيا حول قضية واحدة، فالسؤال الفلسفي ليس فقط: «هل القضية عادلة؟»، وإنما أيضا: هل هذا الاشتراك يحمي شروط العيش معا أم يهددها؟

وهذا السؤال لا يسمح بإدانة اليسار أو تبرئة اليمين أو العكس. إنه يضع الجميع أمام المعيار نفسه.

تاسعا: من «الصديق والعدو» إلى «صديق العيش المشترك وعدو العيش المشترك»

إذا أردنا إذن أن نفهم العبارة ضمن فلسفة التريكي، فقد يكون من الأجدى ألا نستعمل ثنائية «الصديق/العدو» بمعناها الشميتي المباشر، بل أن نعيد صياغتها على النحو التالي:

صديق العيش المشترك هو من يحمي إمكان الاختلاف، وعدو العيش المشترك هو من يهدد هذا الإمكان.

وعندئذ يصبح معيار الصداقة والعداوة معيارا إيتيقيا-سياسيا لا معيارا حزبيا.

قد يكون شخص من اليسار صديقا للعيش المشترك، وقد يكون شخص من اليسار نفسه خصما له إذا تحول مشروعه إلى إقصاء وعنف؛ وقد يكون شخص من اليمين مدافعا عن التعدد في موقف ما، وقد يصبح خصما للعيش المشترك إذا رفض حق الآخرين في الاختلاف. وكذلك لا تكفي الهوية الدينية أو العلمانية أو القومية أو الاشتراكية لتحديد الصديق والعدو.

المعيار هو الموقف من العيش معا.

وهذا هو المعنى الذي يسمح بفهم فلسفة التريكي دون ردها إلى أخلاق الاصطفاف.

عاشرا: الوطنية والكونية: لا وطنية بلا انفتاح

من هنا أيضا يمكن فهم موقف التريكي من الوطنية والخصوصية والكونية. فالوطنية لا تصبح قيمة فلسفية لمجرد أنها وطنية، كما أن الكونية لا تصبح قيمة لمجرد أنها كونية.

الوطنية التي تنغلق على ذاتها يمكن أن تتحول إلى قومية إقصائية، والكونية التي تفرض نموذجا واحدا على الجميع يمكن أن تتحول إلى شكل من أشكال الهيمنة. لذلك فإن الرهان الحقيقي هو بناء علاقة جدلية بين الخصوصية والكونية: أن يكون للإنسان وطنه دون أن يتحول الوطن إلى ذريعة لإنكار إنسانية الآخر، وأن يكون منفتحا على الكوني دون أن يفقد خصوصيته.

وهنا يمكن استعادة أحد أهم رهانات فلسفة التريكي: الوحدة لا تكون بإلغاء التنوع، والكونية لا تكون بإلغاء الخصوصيات.

فالكونية الإيجابية ليست كونية القوة التي تقول للآخر: كن مثلي، وإنما كونية اللقاء التي تسمح لمختلف الذوات والثقافات بأن تلتقي دون أن تتحول إلى نسخة واحدة. وهذا ما يجعل «العيش المشترك» أكثر من مجرد تعايش سلبي؛ إنه مشروع إيجابي لإنتاج عالم يستطيع المختلفون أن يتقاسموا فيه المجال نفسه.

حادي عشر: في نقد القراءة الكلاسيكية لموقف التريكي

لهذا يبدو أن الاعتراض على موقف التريكي يصبح فلسفيا فقط عندما يتجاوز سؤال: «مع من وقف؟» إلى سؤال: أي تصور للعيش المشترك يحكم موقفه؟

فمن الممكن بالطبع نقد التريكي والقول إن تحديد «العدو» قد ينزلق إلى منطق الإقصاء، أو أن تقدير خطر سياسي معين قد يكون مبالغا فيه، أو أن تصنيف المشاركين في فعل جماعي تحت عنوان واحد قد يكون تبسيطا مفرطا. وهذه اعتراضات مشروعة.

لكن النقد يصبح أقل مشروعية حين يبدأ من افتراض أن استعمال مفهوم «العدو» يعني بالضرورة العودة إلى السياسة الشميتية، أو أن انتقاد مشاركة اليسار في تظاهرة معينة يعني الانحياز إلى خصومه السياسيين.

الفلسفة لا تعمل بهذه الطريقة.

فالمطلوب هو اختبار المفهوم داخل منظومته، ثم مساءلة اتساقه ونتائجه.

وهنا تظهر المفارقة: قد يكون نقد التريكي ممكنا من داخل فلسفة العيش المشترك نفسها، لكن لا يمكن إنصافه بإعادته إلى الإيديولوجيا التي يحاول تجاوزها.

خاتمة: ليس السؤال من الصديق ومن العدو، بل ما الذي يجعلنا قادرين على العيش معا؟

في النهاية، لا ينبغي أن تنتهي قراءة موقف فتحي التريكي إلى إعادة إنتاج ثنائية اليسار واليمين، أو النهضة والتجمع، أو العلمانية والدين، أو الوطنية والخيانة. فهذه الثنائيات قد تكون موضوعا للسياسة، لكنها ليست بالضرورة معيارا للفلسفة.

السؤال الفلسفي الأعمق هو: ما الذي يحفظ إمكان العيش المشترك؟

وعندما يصبح هذا السؤال هو نقطة الانطلاق، يتغير معنى كل شيء: يصبح الاختلاف قيمة لا جريمة، والتنوع شرطا لا عائقا، والآخر شريكا في العالم لا خصما يجب محوه، والوطن مجالا للمشاركة لا ملكية حصرية، والكونية أفقا للقاء لا أداة للهيمنة.

وعندئذ أيضا ينبغي أن نفهم عبارة «الصديق والعدو» بطريقة مختلفة: ليس الصديق هو من ينتمي إلى معسكرنا، وليس العدو هو من ينتمي إلى المعسكر المقابل؛ الصديق هو من يجعل الاختلاف ممكنا، والعدو هو من يجعل الاختلاف مستحيلا.

لكن هذا التعريف لا ينبغي أن يتحول هو الآخر إلى عقيدة مغلقة. فحتى الدفاع عن العيش المشترك يمكن أن يتحول إلى إيديولوجيا إذا ادعى امتلاك تعريف نهائي لمن هو «عدو العيش المشترك». لذلك تظل الإيتيقا أكثر انفتاحا من الأخلاق المغلقة: إنها لا تتخلى عن المعيار، لكنها تضعه باستمرار موضع الفحص؛ لا تتخلى عن القيم، لكنها ترفض تحويلها إلى وثوقية؛ ولا تتخلى عن الحكم، لكنها تجعل الحكم قابلا للتبرير والمراجعة.

ومن هنا تحديدا يمكن العثور على فتحي التريكي الذي يصعب العثور عليه إذا بحثنا عنه فقط داخل خرائط الاصطفاف السياسي: فتحي الحداثة وما بعدها، فتحي الوحدة والتنوع، فتحي الخصوصية والكونية، فتحي الحرية والعيش المشترك.

وعلى هذا الأساس، فإن السؤال الحاسم ليس: هل كان فتحي التريكي مع اليسار أم ضده؟ ولا: هل كان مع النهضة أم ضدها؟ وإنما: هل كان موقفه، في هذه اللحظة أو تلك، وفيا للمبدأ الذي يجعل فلسفته ممكنة: حماية إمكان أن نعيش معا رغم اختلافنا؟

هنا فقط ينتقل النقاش من السياسة اليومية إلى الفلسفة؛ ومن الأخلاق التي تحاكم الآخر وفق معيار مكتمل سلفا إلى الإيتيقا التي تسأل عن شروط إمكان الحياة المشتركة؛ ومن «الصديق والعدو» بوصفهما هويتين ثابتتين إلى «صديق العيش المشترك وعدوه» بوصفهما وظيفتين سياسيتين وأخلاقيتين قابلتين للفحص والنقد.

وهذا، في تقديري، هو المدخل الذي يسمح بقراءة موقف التريكي لا بوصفه تخندقا إيديولوجيا، وإنما بوصفه موقفا يحتاج إلى أن يُختبر من داخل مشروع فلسفي يجعل من التنوع والاختلاف والعيش المشترك أفقا للحياة السياسية والإنسانية.

أحمد الكافي يوسفي


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى