التنويريسلايدرفكر وفلسفة

في مفهوم التنمية المستدامة

من التّنمية الإنسانيّة إلى التّنمية المستدامة

إنّ التنمية المستدامة ليست بالعبء، وإنما هي فرصة فريدة؛ فهي تتيح، من الناحية الاقتصادية، إقامة الأسواق وفتح أبواب العمل؛ ومن الناحية الاجتماعية، دمج المهمشين في تيار المجتمع؛ ومن الناحية السياسية، منح كل إنسان، رجلاً كان أم امرأة، صوتاً وقدرة على الاختيار لتحدّي مسار مستقبله”.

كوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة

1- مقدمة: 

استقطب مفهوم التنمية المستدامة الاهتمام الدولي في العقود الأربعة الماضية، وفرض حضوره بقوة في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية محورا لاهتمام العلماء والمفكرين، وقد أصبح الشغل الشاغل للمنظمات الدولية والإنسانية. وتجسد هذا الاهتمام الدولي في تواتر المؤتمرات والندوات والقمم الدولية التي عقدت لمناقشة قضايا التنمية المستدامة واستحقاقاتها التاريخية في مختلف أرجاء المعمورة. وأثارت هذه القضايا التنموية اهتمام المؤسسات الاقتصادية الدولية مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، التي توجهت إلى تمويل منظومات متكاملة من برامج التنمية المستدامة في مختلف أنحاء العالم.

 وفي إطار هذا الاهتمام الدولي والأكاديمي بقضايا التنمية المستدامة ولدت قناعة راسخة بأنه يمكن للتنمية المستدامة أن تشكل المنطلق الموضوعي والمنهج الفعال في مواجهة أغلب المشكلات والتحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تواجه المجتمع الإنساني المعاصر، ولاسيما تلك التي تواجه البلدان النامية كقضايا: التخلف، والفقر، والأمية، والعدالة الاجتماعية، والتصحر، والتلوث، وغيرها من المشكلات الاجتماعية والبيئية. 

 وتأتي هذه الحظوة الّتي تكتسبها التّنمية المستدامة بتأثير الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة والتحديات الاجتماعية التي يواجهها الكوكب في هذه المرحلة الحيوية من تاريخ الإنسانية. فالعالم الذي نعيش فيه يتميز بخاصّيتي الازدحام والتكاثف السكاني الهائل. وعلى هذا سطح هذا الكوكب يعيش اليوم أكثر من 7.5 مليار إنسان، أي ما يقارب 9 أضعاف سكان الكرة الأرضية الذين عاشوا في بداية الثورة الصناعية عام 1750. وما تزال هذه النسب السكانية تتزايد بوتائر متسارعة جدا. ويقدر خبراء السكان أن عدد سكان الكرة الأرضية سيصل إلى 9 مليارات في عام 2040 ميلادية. 

 وبسبب هذه الكثافة السكانية الهائلة، فإن الملايين من الناس يبحثون عن موطئ قدم لهم في مجال الحياة الاقتصادية والمادية. ومن أجل هذه الغاية يكافح الفقراء من أجل الحصول على الغذاء، والمياه الصالحة للشرب، والرعاية الصحية، والمأوى، وهي الحاجات الأساسية التي تمنحهم شروط الاستمرار على قيد الحياة. أما الميسورون من الناس الذين يعيشون في شروط حياة آمنة فإنهم يعملون على تحقيق مزيد من الرخاء، وعلى تحسين شروط الحياة بحثا عن مستقبل أكثر إشراقا لأبنائهم. وضمن صيرورة التقدم التكنولوجي الهائل فإن سكان البلدان المتقدمة ذات الدخل المرتفع يأملون أن تقدم لهم التطورات التكنولوجية مستويات أعلى من الرفاهية والرخاء.

 وفي هذا السياق يمكن القول إن مشكلة الفقر هي من كبريات التّحدّيات التي تواجهها الإنسانية، فالعالم منشطر إلى نقيضين اجتماعيين: الثراء الفاحش للأغنياء من جهة، والفقر المدقع للفقراء من جهة أخرى، يتمتعون بطول العمر والصحة الجيدة التي تفوق حدود التصور مقارنة بالأجيال السابقة، وفي طرف هذه المعادلة يترامى عالم بائس آخر عالم يعيش فيه ما لا يقل عن مليار نسمة يعيشون في فقر مدقع ويكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة يوما فيوما. ويواجه أكثرهم فقرا تحديات الموت والحياة في كل يوم بسبب الفاقة الهائلة التي تتمثل في الجوع وعدم كفاية التغذية، ونقص الرعاية الصحية، وحالة التشرد، والافتقار إلى مياه الشرب المأمونة والمرافق الصحية الصالحة.

وفي مواجهة هذه المخاطر الكبرى البيئية والاجتماعية اندفعت النخب السياسية والفكرية إلى وضع تصورات جديدة ونظريات اجتماعية استثنائية، فانبثق مفهوم “التنمية المستدامة” كحصاد للجهود والفعاليات العلمية والفكرية والأممية التي بذلها المفكرون والباحثون في مختلف أنحاء العالم. وشكل هذا المفهوم المنطلق المنهجي والمنصة العلمية والفكرية في مواجهة التحديات الإنسانية المصيريّة، وبرهن عن فعالية كبيرة وقدرة على الاستجابة للمتطلّبات الجديدة للمجتمع الإنسانيّ. 

والأسئلة الحيوية التي فرضت نفسها، وكانت في أصل ولادة مفهوم التنمية المستدامة، هي: كيف نواجه هذه التحديات التي تتعلق بنضوب الثروات الطبيعية وزيادة عدد السكان؟ أي كيف يمكن تحقيق هذا التوازن الخلاق بين تزايد البشر وتزايد احتياجاتهم من جهة، وبين تراجع الموارد الطبيعية والاقتصادية في المعمورة من جهة أخرى؟ ما السبل الكفيلة بتلبية الاحتياجات الإنسانية المتنامية دون إلحاق الضرر بالموارد والبيئة والمحيط الحيوي؟ كيف نلبّي احتياجات النّاس الرّاهنة ونحافظ في الآن نفسه على حقوق الأجيال القادمة دون استنزاف البيئة والموارد الطبيعية؟ 

ضمن هذا الحقل من التفكير والبحث عن حلول شاملة للاختناقات والأزمات والتحديات الكبرى اتجه المفكرون والعلماء لإيجاد نمط من التنمية لا يؤدي مع مرور الزمن إلى تناقص الرأسمال البشري والطبيعي والبيئي سواء على الصعيد المحلي أو العالمي، أي تنمية حقيقية متوازنة تقوم أساسا على وضع استراتيجيات تقلل من التلوث وحجم النفايات والمخلفات والاستهلاك الراهن للطاقة، وتحد من الإسراف في استهلاك الماء والهواء والموارد الحيوية.

فالاقتصاد العالمي في صيروراته وآليات اشتغاله لا يأخذ صورة اقتصاد غير عادل فحسب بل صورة اقتصاد يهدد الحياة على الكوكب كله بما يشتمل عليه من بشر وكائنات حيّة، لأنه ببساطة اقتصاد يقوم على استنزاف البيئة وتدمير الموارد الطبيعية التي تشكل المصدر الحيوي للبشر من أجل البقاء على قيد الحياة، فالتنمية الكلاسيكية الجائرة بدأت تشكل تهديدا للبيئة والطبيعة والموارد ومصدرا للأوبئة والكوارث الطبيعية التي تواترت بقوة تدميرية هائلة في الآونة الأخيرة. 

ومما لا ريب فيه أن الاقتصاد العالمي الضخم بفعالياته المدمرة يولد أزمة بيئية هائلة، تهدد رفاهية الإنسان وبقاءه. ويشمل هذا التهديد مختلف أنواع الكائنات الحية الموجودة على هذا سطح الكوكب. وهذه المخاطر البيئية الحيوية ترتد بدورها لتشكل خطرا على الحياة الإنسانية وغيرها من أشكال الحياة في عدة مستويات واتجاهات وجبهات. فالإنسانية بفعالياتها وأنشطتها الصناعية والبيئية تحدث تغييرات سلبية عميقة وجوهرية في مناخ الأرض، وتؤثر على مصادر المياه العذبة، وتهدد كيمياء المحيطات والبحار وغير ذلك من مكونات البيئة التي تتعلق بالشجر والماء والغذاء والنبات والحيوان. وقد تعاظمت هذه الآثار السلبية وتواترت بشكل مخيف يهدد الحياة على الأرض ويعطل دوراتها الطبيعية في تجديد مواردها ومصادرها، مثل: المياه، والنيتروجين والأوكسجين والكربون ومختلف المكونات الكبرى للطبيعة التي تشكل المصادر الأساسية للحياة النباتية والحيوانية. ونحن بالتأكيد لا نعرف بدقة درجة هذه التغيرات ومستوياتها وتوقيتها وآثارها، ولكننا نعرف ما يكفي لنفهم أنها خطيرة جدا ومدمرة للغاية، وهي تغيرات مدمرة لم يسبق لها مثيل منذ بداية الحضارة الإنسانية التي يؤرخ لها من عشرة آلاف عام.

وفي غمرة هذه التحديات والوضعيات الإشكالية التي فرضت نفسها على الحياة الإنسانية المعاصرة بدأ العلماء والمفكرون يبحثون عن السبل الكفيلة بإنقاذ المجتمع الإنساني من الكوارث الكبرى المحتملة، وطرحوا نسقا من الأسئلة الإشكالية في محاولة منهجية لتقديم إجابات موضوعية وتاريخية عنها، ومنها: كيف يمكن للمجتمع الإنساني أن يرسم حدود العلاقات الآمنة بين الناتج العالمي الإجمالي وتزايد سكان الأرض مع مرور الوقت وحركة الزمن؟ ما عوامل النمو الاقتصادي ومتغيراته ومساراته الإنمائية في إطار علاقاته مع التنمية المستدامة؟ لماذا يستمر الفقر ويتزايد في الوقت الذي تتزايد فيه الثروات الإنسانية؟ كيف يمكن للمجتمع الإنساني أن يعمل ضمن مؤسساته وسياساته على الحد من مفارقات التفاوت الحاد في الدخل والثروة والسلطة بين الدول والناس في المجتمع الإنساني؟ هل يستطيع الفقراء الهروب من مصيرهم؟ وهل يمكن للبشر التغلب على مفارقات الصراعات الطبقية والتفاوت في الموارد والمشاركة في السلطة؟ وكيف يمكن للإنسانية أن تواجه تحديات التصادم الكبرى بين الاقتصاد العالمي وبين البيئة الطبيعية المادية؟ وهل هناك طريقة لتغيير مسارات هذا التصادم وإيجاد السبل المناسبة لتحقيق التوافق بين التنمية الاقتصادية والاستدامة البيئية؟ هذه هي الأسئلة الحيوية التي تطرحها التنمية المستدامة بوصفها منهجا فكريا وإطارا نظريا يبحث في إشكالية الماهية والوجود بين البشر ومكونات الطبيعة. 

لقد شكل مفهوم التنمية بمشتقاته ومضاعفات تطوره وانشطاراته في دائرتي الزمان والمكان تحديا فكريا وإشكاليا أمام الباحثين والدارسين. ومن يراقب تطور المفاهيم التنموية منذ نهاية الحرب الثانية حتى اليوم سيجد تدفقا كبيرا في المفاهيم وتكاثفا أعظم في الدلالات والمعاني المتداخلة بين هذه المفاهيم، حتى أصبح من الصعوبة بمكان إدراك أبعاد هذه المفاهيم المشوشة المتداخلة ولاسيما في مستويات الدلالة والمباني والمعاني. فالباحث يجد نفسه إزاء مفاهيم متعددة للتنمية مثل: النمو، والتنمية، والتنمية الاقتصادية، والتنمية الإنسانية، والتنمية البشرية، ثم التنمية الشاملة، والتنمية المستدامة، والتنمية الثقافية، والتنمية الاجتماعية، والتنمية السياسية. وأمام هذا التدفق من المعاني والدلالات لمفاهيم التنمية تنشأ حالة من التّشويش والفوضى وينتاب الدّارسَ شعور بالقصور عن إدراك هذا التّضخّم في مفاهيم التّنمية وعن تبيّن الحدود بينها.. ومما لا شك فيه أن هذه المفاهيم متّسمة بالتّداخل والتّشابك والتّجانس، فيصعب أن نفصل بينها، ونحدد معالمها وحدودها. وهذه الفوضى في المفاهيم، وهذا التداخل والتشويش الحادث في معانيها هو بذاته مثير – في رأينا – لإشكاليّة معرفية تحتاج إلى من ينظر فيها ويجلوها ويتأمل في دلالاتها وإسقاطاتها التاريخية. وإذا كان التداخل بين هذه المفاهيم عميقا شاملا على هذا النّحو فإن أكثرها تطورا، وهو مفهوم التنمية المستدامة، يطرح نفسه مفهوما عالميا شموليا لمعنى التقدم والتطور، حيث أصبح الشغل الشاغل للمؤسسات العلمية والدولية. وهذه الشمولية التي يتميز بها هذا المفهوم جعلته واحدا من أكثر مفاهيم العصر تعقيدا وتموجا، وجعلت من فهمه في سياقاته التاريخية والحضارية هاجسا علميّا ومعرفيّا بالغ الأهمية والخطورة. ويتطلّب هذا المفهوم تأويلا وتحليلا وتأملا في نشأته وتطوره كي يصبح واضحا ومستساغا وحيا في دائرة الوعي المعرفي والأكاديمي للطلبة والباحثين والدارسين. 

 ولا يعني هذا الإشكال الحضاريّ في مفهوم التّنمية المستدامة أنّه لم يحظ بنصيبه من البحث والتحليل والمقاربات الأكاديمية، بل يمكن أن نرصد مئات الدراسات والبحوث والمقاربات العلمية، فالتنمية المستدامة مفهوم العصر بامتياز، وما نعنيه أن المشكلة ليست في قلة البحوث والدراسات التي تناولت المفهوم بل في كثرتها وتعددها، وهي نوع من الكثرة التي زادت من التعقيد في إدراك أبعاد المفهوم نظرا للتعدد الهائل في النظرة إليه من منصات إيديولوجية وفكرية فائقة في تنوعها وتعددها وتشاكلها. 

2- مفهوم التنمية من منظور سوسيوتاريخي: 

لم يولد مفهوم التنمية المستدامة في فراغ سديمي، ولم ينبت كفطر بري في أرض قفراء، فللمفهوم تاريخ وجذور تمتد إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث ظهر مفهوم النمو أولا، ثم تلاه مفهوم التنمية الاقتصادية، فأعقبه مفهوم التنمية البشرية أو التنمية الإنسانية، ثم جاء مفهوم التنمية المستدامة تتويجا علميا وتاريخيا للمفاهيم السابقة. لم يكن مفهوم التنمية المستدامة على هذا النّحو وليد ساعته” بل كان نتاج مخاض طويل في رحم الفكر التنموي، ويشكل هذا المفهوم استجابة موضوعية للتحديات والمشكلات التي يواجهها المجتمع الإنساني، ويأتي انعكاسا حقيقيا للخبرات الدولية التي تراكمت عبر الزمن في هذا المجال، والتي سعت لإيجاد حلول عاجلة للأزمات البيئية وتحسين الظروف الاجتماعية للسكان من أجل ضمان استدامة التنمية (). وقد شهد مفهوم التنمية ثلاث مراحل تاريخية:

تصدر مفهوم التنمية الاقتصادية (Economic development) في المرحلة الأولى الزمنية الأولى، وهي المرحلة التي امتدت من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى نهاية الستينات (). وكان مفهوم “النمو” (Growth) في البداية يركز على قياس مستويات الدخول المادية ولا سيما الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد من هذا الناتج، وقد عرّف بأنه ما يحققه الناتج القومي من نمو دون الاهتمام بالجوانب الاقتصادية الاجتماعية للحياة الإنسانية (). وقد اتضح القصور الكبير في دلالة هذا المفهوم الذي اتخذ طابعا أحاديا في المجال الاقتصادي. ثم تطور المفهوم ليأخذ صورة مفهوم “التنمية الاقتصادية” (Economic development) حيث عرفت التنمية “أنها العملية التي من خلالها نتحقق في متوسط نصيب الفرد من الدخل الحقيقي على مدار الزمن، والتي تحدث من خلال تغيرات في كل من هيكل الإنتاج ونوعية السلع والخدمات المنتجة، إضافة إلى إحداث تغيير في هيكل توزيع الدخل لصالح الأفراد” (). وهذا التعريف يدل على تطور جديد لمفهوم التنمية الذي يراعي التحولات الأساسية في الاقتصاد وبنيته التحتية. ويمكن القول لمزيد التّوضيح إنّ التنمية الاقتصادية تهدف إلى تغيير بنيوي في الاقتصاد من أجل توفير حياة اجتماعية أفضل، في حين يقتصر النمو على توزيع مكاسب التنمية على أفراد المجتمع لرفع مستوى الرفاهية. ومن هذا المنطلق فإن التنمية الاقتصادية أشمل من النمو، فهي تعني نموّا، إضافة إلى التغيير البنيوي في البنية التحتية للاقتصاد. ويمكن أن نورد المثال التّالي من أجل التّفرقة بين المفهومين: يعود النمو الكبير في الدخل القومي في الدول المصدرة للنفط إلى ارتفاع أسعاره في الأسواق أو إلى زيادة الإنتاج، وهذا ارتفاع في الدخل القومي لكن بدون تنمية لأن هذا التغيير في الدخل القومي لم يأت نتيجة تغيير في الأبعاد المختلفة للمجتمع من اقتصادية، اجتماعية، سياسية وغيرها ().

وتمحورت المرحلة الثانية حول مفهوم التنمية الإنسانية (Human development) التي غطت الفترة الزمنية الممتدة من بداية السبعينات حتى نهاية الثمانينات في القرن الماضي، حيث تطور مفهوم التنمية الاقتصادية ليشمل أبعادا اجتماعية وثقافية إضافة إلى مكوناته الاقتصادية فصار له عنوان “التنمية الإنسانية”. لقد تجاوز مفهوم التنمية بعده الاقتصادي المحض ليشمل مختلف القضايا الاجتماعية والثقافية والإنسانية، فبدأ يركز على تحقيق الرفاهية الإنسانية بمختلف تجلياتها الاجتماعية والإنسانية، وشكل منصة لمواجهة مشكلات الفقر، البطالة، والأمية، والتي سميت بالثلاثي الخطير(). 

في المرحلة الثالثة ساد مفهوم التنمية المستدامة (Sustainable development) وانتشر بصورة غير مسبوقة. ويؤرخ لهذه المرحلة من بداية التسعينات حتى أيامنا هذه. ويأتي هذا المفهوم تعبيرا عن تطورات جديدة تتعلق بمنظومة من التحديات البيئية والاجتماعية التي تتمثل في استنزاف الموارد وغياب العدالة بين الدول والأجيال المتلاحقة وتفاقم الأوضاع البيئية والاقتصادية على نحو تراجيدي. فالتنمية الاقتصادية أدت إلى استنزاف كبير في مكونات المحيط الحيوي للإنسان، وإلى تدمير الغلاف الجوي وتلوث الهواء والماء والفقر وتفاقم المشكلات المتعلقة بالحروب. وفي مواجهة هذه الوضعية المأساوية التي تهدد البيئة والوجود، تبرز أهمية الحديث عن “التنمية المستدامة” بوصفها شرطا إنسانيا لمواجهة التحديات والصعاب التي فرضها التطور الصناعي والبشري ضد الحياة. فهذه التحديات والمخاطر التي تواجهها الإنسانيّة استوجبت البحث عن تنمية جديدة من طراز جديد، نعني تنمية شاملة متوازنة تقوم على مبدأ الاستدامة (Sustainability). وتشكّل هذه التّنمية المستدامة منظومة فكرية تعمل على تحقيق التوازن بين تفاعلات ثلاثة أنظمة كونية معقدة: الاقتصاد العالمي، والمجتمع العالمي، والبيئة الطبيعية للأرض. ومن منطلق التقصي في هذه الأزمة تحاول التنمية المستدامة بوصفها منهجا للتفكير أن تبحث في التغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وأن تدرس العلاقة بين الانفجار السكاني للأرض (نحو سبعة مليارات نسمة وبين الناتج العالمي الإجمالي الذي بلغ وفقا لآخر الإحصائيات 90 تريليون دولار. 

 وتخضع العلاقة بين التنمية المستدامة والتنمية البشرية إلى منطق التضمين والتجاوز، فمفهوم التنمية المستدامة يتضمن مفهوم التنمية البشرية ويتجاوزه إلى آفاق إنسانية وثقافية أعمق وأرحب. وعلى هذا الأساس لا يمكن أن نجد أي تناقض جوهري بين المفهومين، وهذه القاعدة تنطبق على مختلف المفاهيم التنموية في مختلف مستويات ترحلها وتطورها. وضمن هذا التوجه المنهجي يمكن التأكيد على أن التنمية المستدامة تشمل مفهوم التنمية البشرية وتؤسس عليه رؤية جديدة للتنمية في منظور تكاملي شمولي يضمن أبعاد الاستدامة والتوازن بين مختلف مكونات الوجود، وفق معادلة حيوية تضمن تفاعلا وتخاصبا ثرّا بين الإنسان والبيئة والطبيعة والاقتصاد للحفاظ على معالم وجود الإنسان ضمن أطر الحياة الطبيعية المتوازنة. فالتنمية المستدامة تركز على الرّهان المستقبلي للمحافظة على البيئة والطبيعة والإنسان. 

3- مفهوم التنمية المستدامة: 

 يجمع مفهوم التنمية المستدامة بين بعدين أساسيين هما: التنمية كعملية للتغيير، والاستدامة كبعد زمني حاضن لفعاليات التغيير التنموي ومتطلباته. 

 وغالبا ما نجد أن الباحثين يركزون جوهريا على مفهوم التنمية وأصوله اللغوية والتاريخية، ويهملون في الغالب معنى الاستدامة الذي يشكل عماد المفهوم وركيزته الأساسية. ووجب علينا على سبيل التّمهيد المنهجيّ لتحليل مفهوم التّنمية المستدامة أن نأخذ بعين الاعتبار طبيعة هذا التزاوج الخلاق بين لفظتي التنمية Development والاستدامة Sustainability بوصفهما الركيزتين الأساسيتين في مفهوم “التنمية المستدامة” (Sustainable development). ومن أجل هذا الكشف عن طبيعة المفهوم يترتب أن نعرف بوجهيه “التنمية” من جهة و”الاستدامة” من جهة أخرى. 

4- في أصل الاستدامة – نضوب الموارد: 

 نقرّر بدءا أن مفهوم الاستدامة ولد تحت ضغط ما يسمى بنضوب الموارد الطبيعية واستنزافها في المستوى الاقتصادي، حيث أدرك الباحثون ولاسيما الاقتصاديون منهم أن المجتمعات الإنسانية تتفاعل مع البيئة بطرائق جائرة مختلّة مما يؤدي إلى تدمير الموارد الطبيعية في الكوكب بصورة كلية. وهنا يجب علينا أن نستعرض العلاقة بين النضوب والاستدامة من خلال الدراسات والنظريات الاجتماعية والاقتصادية. 

 لقد انبثق مفهوم “الاستدامة” Sustainability في جوهره من صلب مشكلات قطع أشجار الغابات التي واجهت المجتمعات الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث كان الاقتصاد الأوروبي يعتمد على الخشب كمادة أولية في بناء المساكن والتدفئة وإنشاء المصانع والأثاث. ونتيجة للتحطيب المستمر تراجعت مساحة الغابات وأصبح ما تبقى منها غير قادر على تلبية الاحتياجات الصناعية في أوروبا. ومن صميم هذه المشكلة ولدت فكرة الغابات المستدامة وذلك في عملية البحث عن حلول جديدة للخروج من الأزمة. وكان الحلّ الأمثل الذي فرض نفسه هو العمل على إعادة إنتاج الغابات عن طريق استنبات الأشجار في المساحات المقطوعة من الغابات، وغرس الأراضي الجرداء بالأشجار لتعويض النقص في الشجر المقطوع، وذلك من أجل المحافظة على ديمومة الغابات واستمرارها. 

 وسجل مفهوم الاستدامة أول ظهور له في اللغة الإنجليزية في مرسوم برونوي (Ordonnance de Brunoy) عام 1346، وهو المرسوم الذي أصدره ملك بريطانيا فيليب السادس (Philippe VI) لحماية الغابات من التحطيب المفرط الذي كانت تتعرض له غابات المملكة في ذلك الحين، وذلك من أجل الحفاظ على الثروة الشجرية كقوة إنتاجية اقتصادية. 

وفي ألمانيا استخدم مفهوم الاستدامة (Nachhaltig) لأول مرة باللغة الألمانية في عام 1713 من قبل هانز كارل فون كارلويتز (Hans Carl von Carlowitz) في كتابه المشهور اقتصاد الغابات (Sylvicultura oeconomica)، ثم استخدم في أول منظومة قانونية وضعت من أجل حماية الغابات والحفاظ على الغطاء الحيوي النباتي في ألمانيا. وقد اعتمد هذا المفهوم وأصبح واسع الانتشار والاستخدام بين العلماء البريطانيين والفرنسيين في علم الغابات، وأشاروا إلى أن الاستمرار في قطع أشجار الغابات إلى إفنائها وتدمير الغطاء النباتي، وهذا بدوره يهدد موارد الحياة الاقتصادية والاجتماعية. 

وإذا كانت التنمية المستدامة فكرة تؤكد أهمية الوفاء باحتياجات الحاضر والمستقبل، فإن لهذا المفهوم جذورا فكرية تضرب في مضامين :. الفكر المالتوسي في أواخر القرن الثامن عشر؛ إذ كان لمالتوس Thomas Malthus () قصب السبق بين المفكرين في تناول قضية العلاقة التناكسية بين السكان والموارد بطريقة عبقرية مبتكرة، في مقاله المشهور “مبدأ السكان” (Principle of population) الذي نشر في عام 1798، ثم أعيد نشره بعد تعديلات هامة عليه في عام 1803. وأحدث ذلك المقال دويا اجتماعيا وفكريا هائلا في مختلف القطاعات الفكرية الدينية والسياسية والاجتماعية ما زال صداه يضرب بقوة في مسامع المعاصرين. 

 ويكمن جوهر المعضلة عند مالتوس في التناقض بين قدرة السكان على التزايد وقدرة الأرض على إنتاج الغذاء، فالسكان يتزايدون وفقا للمتوالية الهندسية التضاعفية (1، 2، 4، 8، 16، 32…الخ)، في حين تزداد الموارد وفقا للمتوالية الحسابية التراكمية (1-2-3-4-5-6… الخ ) وبالمقارنة بين عدد السكان والموارد سيكون الوضع كارثيا بامتياز. وقد أوضح مالتوس بناء على معادلة التزايد التضاعفي للسكان أن عدد سكان الكرة الأرضية سيتضاعف كل ربع قرن، وهذا التضاعف سيستمر إلى ما لا نهاية ما لم يُعرقل هذا النمو بموانع معيّنة. وشرح مالتوس في نظريته أن هذا التزايد في أعداد السكان لن يواكبه تزايد مماثل في الموارد الغذائية، لأن قدرة الأرض على إنتاج الغذاء محدودة للغاية؛ وذلك بالنظر إلى قانون الغلة المتناقصة الذي يجعل من إنتاج الموارد الزراعية بطيئا. وممّا يعنيه هذا أنّ الفجوة بين عدد السكان والموارد الغذائية ستزداد اتساعا وستكون النّسبة بينهما مقدّرة بـ: (256 إلى 9) بعد قرنين من بداية زمنية مفترضة. وفي مثل هذا الوضع الذي يختل فيه التوازن بين عدد السكان وموارد العيش، فإن النتيجة الحتمية ستكون الزيادة في مآسي البشرية وآلامها وتعقد المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، كالجوع والبطالة والفقر وتدهور أحوال الصحة العامة وانتشار الرذيلة وفساد الأخلاق. 

 ومن أجل تجنب المخاطر الكبيرة لزيادة السكان، الناجمة عن تناقضات النمو بين معادلة نمو السكان الهندسية ونمو الموارد الغذائية الحسابية، ومن ثم تحقيق التوازن بينهما، أكد مالتوس أن هذا الوضعية ستجد لها مخرجا عبر ما يسميه “الموانع أو الحدود” التي تكبح نمو السكان وتُنقص أعدادهم، وهي ما أطلق عليها الموانع الأخلاقية والموانع الإيجابية. تقوم الأولى على إرادة الإنسان في منع الشر قبل وقوعه، وذلك بتعقل الإنسان وتبصره وبعد نظره، مثل العفة والزهد والرهبنة وإرجاء سن الزواج، غير أن هذه الموانع لا تكفي وحدها لموازنة أعداد السكان مع الموارد لأن كثيراً من الأفراد لا يملكون النظرة الثاقبة والبصيرة النافذة، ولا تتوافر عند الجميع قوة العزيمة والقدرة على التّحكّم في الشّهوات، وخاصة الطبقات الدنيا، متمثلة بالفقراء، لعدم وصولهم إلى تلك الدرجة من العلم والثقافة التي تمكنهم من ذلك، ولذلك لا بدّ من تدخل العوامل الخارجية الطبيعية التي يسميها الموانع الإيجابية، مثل الفقر المدقع والأمراض والأوبئة والعمل بالمهن الضارة بالصحة والقحط والمجاعات والحروب وغير ذلك. ويمكن اعتبارها من عوامل البؤس التي تزيد نسب الوفيات وتنقص أعداد السكان.

ونظر مالتوس إلى هاتين المجموعتين من الموانع على أنها أمور حتمية ينبغي تحقيقها لإعادة التناسب بين حجم السكان وحجم الموارد، ونظر إلى الموانع الإيجابية على أنها رد فعل من الطبيعة تقوم به لإحداث هذا التناسب إذا لم يعمل الإنسان بوعي منه للحدّ من الزيادة السكانية. وقد نصح الدولة بألا تقدم أي معونة للسكان أو أن تساعدهم؛ لأن التحسن في مستوى معيشتهم سيعمل على ارتفاع نسبة الزواج عندهم ومن ثم على زيادة عدد الأولاد على نحو لا يتناسب مع الإمكانات المتاحة؛ فيعيدون الدّورة الأبديّة من الشقاء والبؤس(). 

وهذه الرؤية التي يقدمها مالتوس حول نضوب الموارد نجد صداها عند عالم الاجتماع المعروف جون ستيوارت ميل من (John Stuart Mill) () إذ يرى أن “الموارد الناضبة أو المحدودة يمكن أن تمثل حاجزا أو قيدا على زيادة الإنتاج في المستقبل” (). وقد استند ميل في مبادئه إلى التنمية المستقبلية في قطاع الزراعة وإلى دور المؤسسات في تحقيق الرفاهية الاقتصادية. ويذهب في هذا السياق إلى أنه عندما تستغل موارد البيئة بصورة كاملة، أي عندما يتم استنفادها في الأغراض الصناعية وغيرها، فإن هذا العالم لن يكون مثاليا.

وفي هذا السياق يقرّ تيودور روزفلت (Theo dore resevelte) بوجود نسق من القيود التي يصعب تجنبها حتى مع التقدم التكنولوجي، وبأنّ الإسراع الكبير في استغلال الموارد الطبيعية الناضبة يعتبر تهديدا لحقوق الأجيال القادمة، وبأنّه كلما تم استغلال هذه الموارد بمعدل أقل كان أفضل ولاسيما إذا كان ذلك التحكم يتم بإشراف حكومي(). 

ويعدّ هارولد هوتلينغ (Harold Hoteling) أحد أوائل الاقتصاديين الذين وضعوا الأسس العامة لنظرية نضوب الموارد (The Economic of Exhaustible Resources) في عام 1931، إذ نشر دراسة له حول “اقتصاديات الموارد الناضبة” ()وضع فيها نموذجا تحليليا نظريا حول كيفية الاستخدام الأنسب للموارد الطبيعية الناضبة، وكيفية استغلالها والاستفادة منها على المدى الطويل. ويشير هوتلينغ بوضوح في الدراسة إلى ضرورة مراعاة الأجيال القادمة في هذه الموارد، داعيا إلى تنميتها والمحافظة عليها عند القيام بعمليات استثمارها واستغلالها، وهو الأساس النظري الذي انطلقت منه فيما بعد الأمم المتحدة في العقد الأخير من القرن العشرين عندما تبنت مفهوم التنمية المستدامة (). ويعدّ هوتلينغ مؤسس نظرية اقتصاديات الموارد الناضبة (البترول والغاز والفحم والمعادن النفيسة) في العصر الحديث()، وهي النظرية التي حوّلت علم الاقتصاد من علم وصفي إلى علم تجريبي لا يقل مكانة عن بقية العلوم كالفيزياء وغيرها من العلوم الدقيقة، حيث مَهَرَ في استخدام النماذج الرياضية لإثبات القوانين العلمية في مجال الاقتصاد وحسابات الموارد الطبيعية، واستطاع أن يوظف الإحصاء كمختبر تجارب للتعرف على مدى انطباق النظرية الاقتصادية على الواقع وقدرتها على القياس والاستقراء والتنبؤ(). 

5- من الاستدامة إلى مفهوم التنمية المستدامة: 

يعتقد كثير من المفكرين والباحثين أن مفهوم “التنمية المستدامة “ظهر لأول مرة في مضمار المناقشات العلمية التي كانت تدور بين أعضاء نادي روما The Club of Rome() في عام 1968، حيث شكلت هذه المناقشات مخاض الانطلاق في التفكير التنموي بمنهجية الاستدامة. ولاحقا تبلورت صورة المفهوم وصيغته بوضوح في التقرير الشهير للنادي في عام 1972 تحت عنوان “حدود النمو The Limits to Growth” الذي شكل نقطة الانطلاق في التفكير التنموي حول طبيعة العلاقة الجائرة بين الإنسان والمحيط الحيوي الذي يحتضنه. وعنوان هذا التّقرير -“حدود النّموّ”- مستوحى من عنوان البحث الّذي قدّمه جاي فرستر Jay Forrester() ومتطابق معه. وهو يتضمن تصورا علميا للتحديات التي تواجه التنمية المتوازنة عالميا. وتأخذ هذه التحديات صورة نموذج رياضي للعلاقة بين خمسة تحديات أساسية معطلة للنمو ومعيقة لحركته هي: استنزاف الموارد الطبيعية، النمو السكاني، التصنيع، سوء التغذية، تدهور البيئة. وبيّن فوستر في بحثه تأثير هذه المتغيرات الخمسة وأثرها السلبي على الكوكب خلال العقود الثّلاثة المقبلة. 

ويتضح أن التّقرير الموسوم بـ “حدود النمو” يتبنى رؤية متشائمة لمسارات المستقبل الإنساني وتنذر هذه الرّؤية باحتضار المحيط الحيوي للبشرية وفق معادلة التناقض بين زيادة السكان ونقص الموارد المستمرين. وقد افترض التقرير أن استنزاف الموارد الحيوية الناضبة، مثل الماء والنفط الخام والغابات، سيؤدي في نهاية الأمر إلى كوارث طبيعية وإنسانية في آن واحد. فالموارد الطبيعية تُستنزف باستمرار وبسرعة ويقابل ذلك حركة نمو سكانية مطّردة ومتسارعة. وهذا التناقض العدمي سيؤدي إلى تدمير البيئة والسكان معا، وهذا يعني أن الإنسانية ستصل ضمن هذه المعادلة إلى طريق مسدود تنمويا، وستجد نفسها مُحاصَرة بعدد هائل من الأزمات والاختناقات على صورة نزاعات وحروب وكوارث طبيعية وبشرية(). 

 واستطاع هذا التّقرير المفزع أن يحظى باهتمام العلماء، وأن يستفزّ المفكرين في مجال الاقتصاد وعلم الاجتماع التنموي، وأن يحفزهم للبحث في التفاعلات الموجودة بين البيئة والإنسان والنمو الاقتصادي في مختلف أنحاء العالم. وضمن هذا السياق أقر بعض العلماء بخطورة النمو السكاني المتسارع المترافق بتناقص الموارد، وأشار عدد منهم إلى إمكانية إيجاد الحلول من خلال بناء استراتيجيات تنموية مؤسسة على مبدأ الديمومة والاستدامة، ويمكنها أن تحقق التوازن الخلاق بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي ضمن معادلة المحافظة على البيئة ومكوناتها الطبيعية ().

6- التنمية المستدامة في سياق أممي: 

في يونيو من عام 1972 عقدت قمة الأمم المتحدة حول البيئة في ستوكهولم، وهي القمة التي احتضنت فعاليات فكرية عالمية حول التنمية والبيئة والعلاقة بين الاقتصاد والتنمية المستدامة وضرورة الترابط بين البيئة والمشكلات الاقتصادية الاجتماعية. وطالبت الدّول النّامية في هذه القمّة بحقوقها التنموية، وشددت على أهمية تضييق الفجوة ما بين الدول الغنية والفقيرة. واختُتمت القمة بإنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وهو توجه أصيل في ميدان العمل التنموي(). وقد مهّد هذا اللّقاء الدّوليّ فعليا لظهور مفهوم التنمية المستدامة في سياقه الأممي إثر المناقشات والمداولات الهامة خلال فعالياته. 

 وفي عام 1980، قام الاتحاد العالمي للمحافظة على الطبيعةInternational Union for the Conservation of Nature (IUCN)، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة، والصندوق العالمي للحياة البرية United Nations Environnemental Program (UNEP) بصياغة الاستراتيجية العالمية لحفظ الطبيعة وحماية البيئة. وفي تلك الاستراتيجية ظهر مفهوم “التنمية المستدامة” رسميا للمرة الأولى، وبدا أن هذه الاستراتيجية أخذت بعين الاعتبار تناقص قدرة الكوكب على دعم الحياة الإنسانية والوفاء باحتياجاتها تدريجيا تحت تأثير استنزاف الموارد الطبيعية والإفراط في تدميرها، متضمنة بقناعة مفادها أن الفقر المدقع يجبر الناس على تدمير الموارد من أجل البقاء على قيد الحياة. وتأسيسا على هذه الرؤية تم الإعلان عن إنشاء اللجنة العالمية المعنية بالبيئة والتنمية World Commission on Environnement and Development (WCED) تحت رعاية السيدة غرو هارلم برونتلاند (Harlem Brundtland Gro) في عام 1983. 

 وفي عام 1982 أصدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة تقريرا عن حالة البيئة العالمية وأوضاعها المتردية، وقد بني هذا التقرير على دراسات علمية وبيانات إحصائية تبين حالة التدهور البيئي والخطر الذي يحيط بالعالم. وذكر التقرير أن أكثر من 25 ألف نوع من الخلايا النباتية والحيوانية كانت في طريقها إلى الانقراض، وأن ألوفا غير معروفة ربما اختفت نهائيا، وأن الأنشطة البشرية أطلقت عام 1981 في الهواء 990 مليون طن من أكسيد الكبريت ،و68 مليون طن من أكسيد النتروجين، و57 مليون طن من المواد الدقيقة العالقة، و177 مليون طن من أول أكسيد الكربون من مصادر ثابتة ومتنقلة(). وفي العام نفسه – أي 1982 – أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الميثاق العالمي للطبيعة، الذي يهدف إلى توجيه النشاطات والفعاليات البشرية نحو المحافظة على البيئة وحماية الطبيعة وإلزام الدول والشركات بوضع الخطط الكفيلة بحماية النظام الطبيعي عند وضع الخطط التنموية.

وفي عام 1983 شكلت الجمعية العامة للأمم المتحدة لجنة أممية برئاسة برونتلاند () وعضوية 22 شخصية من النخب السياسية والاقتصادية وخبراء التنمية والتخطيط في العالم، وكلفت هذه اللجنة بدراسة تأثير السياسات التصنيعية والاقتصادية لدول العالم في الموارد الطبيعية والبيئية ووضع الخطط والاستراتيجيات المناسبة لحماية البيئة بمواردها الحيوية وتطوير إمكاناتها من أجل ضمان مستقبل الأجيال المستقبلية وتلبية احتياجاتها. 

في عام 1987، نشرت هذه اللجنة تقريرها الشهير “مستقبلنا المشترك” “Our Common Future”() وهو التقرير الشهير الذي عرف باسم تقرير برونتلاند “”Brundtland Report نسبة إلى رئيسة اللجنة. وفي ذلك التقرير، تم إقرار مصطلح “التنمية المستدامة” Sustainable development واعتمد في الاستخدامات الرسمية للمنظمة الدولية(). وعرّفت اللجنة العالمية للتنمية التنمية المستدامة بأنها “التي تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتهم الخاصة” ().

 يبحث تقرير برونتلاند جوهريا عن الكيفية التي يمكن فيها للتنمية الإنسانية المنشودة أن تلبي احتياجات الألفية القادمة في مواجهة هذا التضاعف البشري الهائل في عدد السكان الذين يعتمدون على الموارد البيئية الحيوية نفسها على كوكب واحد مشترك][. وانتهى التقرير بإقرار الحاجة إلى نمط إنساني جديد للتنمية المستدامة من شأنه الإبقاء على التقدم الإنساني والمحافظة على حيوية الاقتصاد والبيئة من أجل الأجيال التي لم تولد بعد. ولم تغفل هذه اللجنة عن تنامي ظاهرة الفقر فوضعت مسألة تلبية احتياجات الفقراء في العالم ضمن أولوياتها أيضا، وجعلت من هذه المسألة أولوية في توصياتها؛ فهذه الاحتياجات – وفقا للتقرير – يجب أن تأخذ الأولوية القصوى. واستطاعت اللجنة أن ترسم نسقا من القيود والضوابط التي يجب على الدول والمنظمات البيئية أن تُراعيَها في مجال الاحتياجات المذكورة. وأثار هذا التقرير مناقشات دولية غير مسبوقة حول الإشكاليات الكبرى للعلاقة بين الاقتصاد والبيئة في مختلف أنحاء العالم، وأسهمت هذه المناقشات في توليد عدد كبير من الرؤى والنظريات والاتجاهات الفكرية في مجال التنمية المستدامة. 

وفي عام 1990 أٌنشئ المعهد الدولي للتنمية المستدامة International Institute for Sustainable Development (IISD). وبعد ذلك – وفي عام 1992 – تمّ تأسيس مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة World Business Council for Sustainable Development (WBCSD) in 1992. 

وفي العام نفسه، 1992، – وعلى خلفية الأصوات والصرخات المدوية للمفكرين والمنظمات وبعض السياسيين والمؤتمرات المحلية والعالمية التي تنادي بوضع إجراءات فعالة لحماية كوكب الأرض من مخاطر التهور البيئي، وبضرورة إعادة النظر في اتجاهات التنمية الحالية نظرا لما يشهده العالم من تدمير ذاتي لأسس بقائه واستمراره- عقد مؤتمر الأمم المتحدة الشهير حول البيئة والتنمية في ريو دي جانيرو بالبرازيل، وأطلق عليه “قمة الأرض” (). وانطلق المؤتمر كما ورد في إعلانه المعروف بـ “إعلان ريو” من مركزية شعار قوامه “أن البشر هم صميم ومركز التنمية المستدامة، وأن من حقهم أن يحيوا حياة صحية ومنتجة في وئام مع الطبيعة”.

وخلال أعمال المؤتمر كان مفهوم “التنمية المستدامة” حاضرا في مختلف نشاطاته وفعالياته، وشكل الكلمة المفتاح والمفهوم الرئيسي في أعماله. وكانت التنمية المستدامة هي الموضوع الأساس في كافة الوثائق الصادرة عن “مؤتمر ريو”، حيث ركز اثنا عشر مبدأً من المبادئ السبعة والعشرين الأولى في “إعلان ريو” على مفهوم التنمية المستدامة باعتبارها محور الاهتمام الأساسي. واستطاع المؤتمر في النهاية أن يصدر وثيقتين هامتين():

– إعلان ريو بشأن البيئة والتنمية Rio Declaration on Environment and Development: وهو بيان يتكون من سبعة وعشرين مبدأً وضعت لتحديد الأساس الذي يتعين على الدول والأفراد أن تتعاون فيه من أجل تطوير القانون الدولي في مجال تطوير التنمية المستدامة. 

– جدول أعمال القرن الحادي والعشرين Agenda 21: وهو مخطط أو خطة عمل لتحقيق التنمية المستدامة وتطبيقها، حيث تتضمن مختلف المعايير الاقتصادية والاجتماعية والبيئية الكفيلة بتحقيق التنمية المستدامة كبديل تنموي للإنسانيّة لمواجهة احتياجات وتحديات القرن الحادي والعشرين. 

واستطاع المؤتمر أن يؤكد أهمية العمل على تطوير القانون البيئي الدولي الذي يعكس المبادئ التي تعتبر التزامات أساسية للدول. وأسفرت نتائج المؤتمر أيضا عن إنشاء مجلس الأرض Earth Council في العام نفسه 1992. وقد خرج المؤتمر بعدد من النتائج الهامة التي تمثلت في وضع معاهدة للمناخ وأخرى للتنوع البيولوجي، وإعلان ميثاق الأرض. 

 ومن الأمور الهامة التي أقرها المؤتمر مبدأ الحق في التّنمية، حيث نص المبدأ الثالث على “ضرورة إنجاز الحق في التنمية”. وهذا الحق المتكافئ يشمل الحاجات التنموية والبيئية لأجيال الحاضر والمستقبل. ووجدت المسألة البيئية أهميتها الكبيرة في المؤتمر حيث أشار المبدأ الرابع الذي أقره المؤتمر إلى أنه:” لكي تتحقق التنمية المستدامة ينبغي أن تمثل الحماية البيئية جزءاً لا يتجزأ من عملية التنمية ولا يمكن التفكير بمعزل عنها”. وهذان المبدآن اللذان تقررا باعتبارهما جزءا من جدول أعمال مؤتمر الأمم المتحدة الحادي والعشرين، ينطويان على بعض الدلالات الدقيقة بالنسبة لاستخدام وإدارة الموارد الطبيعية والنظام الإيكولوجي والبيئة (). 

وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا المؤتمر رسّخ مفهوم “التنمية المستدامة” في مختلف جلساته ومناقشاته وفي الوثائق التي صدرت عنه، وأصبح “هذا المفهوم منذ انعقاد تلك القمة مرجعاً لكل المؤتمرات الدولية المنظمة تحت رعاية الأمم المتحدة، مثل مؤتمر السكان في القاهرة، ومؤتمر كوبنهاجن حول التنمية الاجتماعية، ومؤتمر بكين حول المرأة، ومؤتمر استانبول حول السكن والتجمعات البشرية والمدن”(). وأحدثت “قمة الأرض” نقلة نوعية في مفهوم العلاقة بين التّنمية والبيئة. يضاف إلى ذلك أن القمة أكدت على قيم ومعايير التنمية المستدامة، وعلى أهمية العلاقة الجوهريّة المذكورة، وكرست أعمالها من أجل حماية البيئة بمختلف مكوناتها الحيوية والطبيعية، 

ولم تتوقف المسيرة التنموية لأنشطة هيئة الأمم المتحدة، حيث عقد مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية في عام 1995، كما عقد الاجتماع الأول للجنة التنمية المستدامة في السنة نفسها. وتم الاتفاق أيضا في تلك الفترة الزمنية على بروتوكولات دولية مختلفة فيما يتعلق بالتنمية المستدامة والقضايا البيئية. 

وفي ديسمبر 1997 تم إقرار بروتوكول “كيوتو” الذي يهدف إلى الحد من انبعاث الغازات الدفيئة (Greenhouse gases)، والتحكم في كفاءة استخدام الطاقة في القطاعات الاقتصادية المختلفة وزيادة استخدام نظم الطاقة الجديدة والمتجددة، إضافة إلى زيادة المصبات المتاحة لامتصاص الغازات الدفيئة ().

 وفي عام 1999، تم بناء المؤشر العالمي للقدرة على الاستدامة، وفي عام 2000، عقد مؤتمر قمة الأمم المتحدة للألفية United Nations Millennium Summit الذي أبرز أهمية إقامة اقتصاد عالمي أكثر إنصافا في عصر العولمة.

وفي 2002، عقد مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة World Summit on Sustainable Development (WSSD) في جوهانسبرغ لدراسة التغير العالمي الحاصل في السنوات العشر التي تلت قمة ريو دي جانيرو (1992). وقد عقد هذا المؤتمر تحت شعار “الناس والكوكب والازدهار” “People, planet and prosperity” وركز على خمس قضايا مثيرة للقلق: المياه والصرف الصحي، والزراعة، والصحة، والطاقة، والتنوع البيولوجي.

 وإن يكن كثير من المراقبين قد اعتبروا أن تلك القمة نجحت إلى حدّ كبير في وضع استراتيجية مستقبلية للتنمية المستدامة على الصعيد العالمي، فإن آخرين وجهوا النقد لها ورأوا أنها أخفقت في تنفيذ المقررات والتوصيات في مختلف القضايا التي طرحت فيها. 

وفي عام 2012 عقد مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة في ريو دي جانيرو الذي عرف باسم ريو + 20. وتضمّن مناقشات قيّمة للمستجدّات الحيويّة في مجال التّنمية المستدامة، وخلص إلى إصدار وثيقة هامّة جدّا بعنوان” المستقبل الّذي نصبو إليه”(The future we want). وركز ذلك المؤتمر على الاقتصاد الأخضر وأهميته في سياق التنمية المستدامة والقضاء على الفقر(). ويعد ذلك المؤتمر خلاصة جهود هيئة الأمم المتحدة خلال ثلاثة عقود من النشاط في مجال العمل على تأصيل مفهوم التنمية وتطور نظريتها إلى مستوى التنمية المستدامة. 

7- البعد الأكاديمي لمفهوم التنمية المستدامة: 

إذا كان الحقل الأكاديمي غالبا ما يعنى بالجانب المعرفي في بنية المفاهيم فإن مفهوم التنمية المستدامة يحظى بأهمية فارقة في المستويات الأكاديمية. وهو يحمل في ذاته طاقة معرفية منهجية ويشكل أداة معرفية تساعد في فهم العلاقة الجدلية ما بين الإنسان والإنسان من جهة وما بين الإنسان والطبيعة من جهة أخرى، كما يساعد في إيجاد أفضل الطرق لحل المشكلات المصيرية التي تواجه الإنسانيّة اليوم. ومن هذا المنطلق المعرفي للمفهوم يأتي تناول المفكرين والباحثين للمفهوم كحقل معرفي يوظف في عملية فهم أبعاد العملية الحضارية في المجتمع. ومن هنا كرس الباحثون والدارسون أعمالهم في عملية الكشف عن طبيعة المفهوم ودلالاته وإمكاناته كطاقة معرفية يمكن توظيفها في استكشاف مناحي التطور الفكري في مجال النّشاط التّنمويّ المعاصر. 

وضمن هذه التوجهات المعرفية، يرى كثير من الباحثين، في المستوى الأكاديمي، أن الأصل في ولادة مفهوم التنمية المستدامة يكمن في حالة الشعور بالقلق الوجودي الكبير الذي داهم المفكرين والباحثين إزاء التدهور البيئي الناجم عن نموذج التنمية ذات البعد الواحد، بوصفها تنمية جائرة تفرض بالقوة من قبل الدول الرأسمالية والمؤسسات المالية والاقتصادية المهيمنة في المجتمع الدولي. وشكلت هذه المخاوف المنصة الأساسية التي انطلق منها المفكرون والسياسيون بحثا عن نماذج أو أنماط تنموية جديدة مرنة وفعالة في مواجهة هذه التحديات البيئية للنمو الاقتصادي. وبعد العراك ضد النّماذج أو الأنماط التنموية الجائرة، والنّضال من أجل البحث عن البديل أثمرت هذه الجهود في تحقيق الولادة الصعبة لمفهوم “التنمية المستدامة” بوصفها المنهج التنموي الأمثل والأقدر على مواجهة التحديات وترسيخ أساليب وطرائق جديدة في ميدان العمل الإنمائي يمكنها أن تحقق التوازن بين الإنسان والطبيعية، فلا يكون هناك إلا الوئام والانسجام والتوازن الخلاق. 

 فالدراسات والبحوث والتحذيرات الأكاديمية التي أطلقها الباحثون والمفكرون حول إشكالية التنمية ضمن معادلة التناقض القاتل بين الإنسان والبيئة هي التي أسست فعليا لولادة مفهوم التنمية المستدامة، وهي التي فرضت على المجتمع الدولي الاهتمام بالمسألة ضمن مؤسساته الدولية. وقد أدركنا الكيفية التي تمت بها عملية احتضان المفهوم الجديد في هيئة الأمم المتحدة وبرامجها الإنمائية، والتي أضفت الشرعية الكاملة على المفهوم منذ تقرير برونتلاند في عام 1987. 

 وبالتّكامل مع ما طرحته المنظمات الدولية في هذا الميدان، فإن الباحثين الأكاديميين خارج المنظمات انهمكوا في دراسة أبعاد التنمية المستدامة، وفي تقديم تعريفات متنوعة حول أبعادها ومكوناتها ونظرياتها. ومن المهم جدا في حقل تناولنا للمفهوم أن نستعرض بعض التصورات والتعريفات الأكاديمية حول مفهوم التنمية المستدامة. ويبدو لنا هذا الأمر ضروريّا للتّفكير المنهجيّ في الموضوع، لأنّه من شأن التّصوّرات الأكاديميّة أن تُغني الفكر التّنمويّ الجديد وتَمضي به نحو آفاق أرحب وأوسع. وفي كل الأحوال فإن هذه التعريفات الأكاديمية قد تكون انعكاسا أو تطويرا لصورة المفهوم في وعي الباحثين والدارسين في هذا الميدان. وتشهد الساحة الفكرية حاليا عددا كبيرا جدا من التعريفات التي أعطيت لمفهوم التنمية المستدامة، وقد أورد جون بيزي John Pezzy أكثر من أربعين تعريفا لها ().

لننطلق بداية من التعريف الذي قدمه قاموس ويبستر Webster حيث يعرف “التنمية المستدامة على أنها تلك التنمية التي تستخدم الموارد الطبيعية دون أن تسمح باستنزافها أو تدميرها جزئياً أو كلياً” . ويلاحظ في هذا المستوى القاموسي للمفهوم أن وبستر يركز بوضوح على أهمية الاستدامة في الموارد الطبيعية، وهذه الاستدامة هي جوهر المفهوم وهو الأصل الموضوعي الذي انطلق منه في مسار حضوره الأكاديمي والأممي. فالتنمية المستدامة كما يعرب عنها هي وليدة التحديات البيئية التي تواجه الإنسان ضمن مسار تفاعله المجحف مع الطبيعة والبيئة. 

ويركز وليم رولكز هاوس W.Ruckelshaus مدير حماية البيئة الأمريكية في تعريفه للتنمية المستدامة على التوازن الخلاق في علاقة الإنسان بالطبيعة والبيئة، وذلك عندما يعرف التنمية المستدامة بأنها “تلك العملية التي تقرّ بضرورة تحقيق نمو اقتصادي يتلاءم مع قدرات البيئة، وذلك من منطلق أن التنمية الاقتصادية والمحافظة على البيئة عمليتان متكاملتان بمقتضى الضرورة التنموية المستدامة”(). ومن الواضح أن جوهر هذا التعريف – كسابقه – يركز على ذلك التّوازن الخصيب بين الإنسان والفضاء الطبيعي الذي يعيش فيه. 

ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى ما يقدمه المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حيث يعرف التنمية البشرية المستدامة “بأنها التنمية التي لا تكتفي بتوليد النمو فحسب، بل توزع عوائده بشكل عادل أيضا، وهي تجدد البيئة بدل تدميرها، وتمكن الناس بدل تهميشهم، وتوسع خياراتهم وفرصهم، وتؤهلهم للمشاركة في القرارات التي تؤثر في حياتهم”(). ونلاحظ أن هذا التعريف يركز على العدالة الاجتماعية التي تعد أحد أركان مفهوم التنمية المستدامة. 

فمفهوم التنمية المستدامة كما أوضحنا آنفا يرتكز إلى بعدين أساسيّين هما: التنمية كعملية للتغيير، والاستدامة كبعد زمني، ونجد تأكيدا على هذين البعدين في محاضرة ألقتها برونتلاند في أكتوبر عام 1986 وقد بيّنت فيها “أن التنمية المستدامة لها أبعاد متعددة وتتطلب: أولا مكافحة الفقر، وثانيا الحفاظ على قاعدة الموارد وتحسينها، وتتطلب ثالثا توسيع مفهوم التنمية ليشمل النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية والثقافية، ورابعا تتطلب تضمين الاعتبارات البيئية والاقتصادية في عملية صنع القرار على كافة المستويات”(). وهنا تتضح النزعة الشمولية التي رسختها برونتلاند في أنشطتها وفعالياتها من أجل تقديم تصور واضح لمفهوم التنمية المستدامة. 

ومن التعريفات التي أكدت على الطابع الغائي الاستراتيجي العادل للتنمية المستدامة تعريف ماري كلود سموتث Marie Claude SMOUTS التي تعرف التنمية المستدامة بأنها “التأسيس لمنظومة من الأهداف الاستراتيجية ضمن التخطيط البعيد المدى لتحقيق التوازن التنموي في توزيع الموارد وتلبية الحاجات الإنسانية بعدالة بين أجيال الحاضر والأجيال المقبلة على كوكب الأرض بكامله في مختلف أنحاء المعمورة، دون التمييز بين الدول والمجتمعات الإنسانية والتأكيد ضمن هذه الرؤية على المناطق والشعوب الفقيرة بمواردها وإمكاناتها” (). ويؤكّد هذا التّعريف على مبدأ عدالة التوزيع بين الأجيال وبين مختلف المجتمعات الإنسانية. 

وتقتضي الضرورة الإشارة إلى مساهمة الاقتصادي الأمريكي المعروف هيرمان دالي (Herman daly) الذي يعرّف التنمية المستدامة بأنها “العملية التي يتم بمقتضاها الحفاظ على التنمية النوعية في الفترة الطويلة التي يصبح فيها النمو الاقتصادي مقيدا بدرجة متزايدة بطاقة النظام البيئي الاقتصادي الاجتماعي لأداء وظيفتين رئيسيتين في الأجل الطويل هما: إعادة توفير الموارد الاقتصادية والبيئية، واستيعاب فضلات النشاط البشري”. وهو يركّز من خلال منظوره هذا على أهمية التوازن بين الفعالية الاقتصادية والاستدامة البيئية عبر وظيفتي توفير الموارد الاقتصادية وتدوير السلع المستهلكة. 

ويمكن أن نختتم المساهمات الأجنبية بالتعريف المميز الذي قدمه المجلس العالمي للبيئة والتنمية التابع للأمم المتحدة الذي عرّف التنمية المستدامة بأنها “كل الإجراءات والعمليات المتناسقة والمتجانسة اللازمة لتغيير استغلال الموارد باتجاه الاستثمارات وتوجيه التنمية التكنولوجية والثغرات المؤسسية، بما يضمن إشباع الحاجات والأنشطة الإنسانية الحالية والمحتملة مستقبلا”. وهو يركز على الفعالية الإنسانية وعلى الأنشطة المنظمة الذي يمكن للإنسانية أن تمارسها في اتجاه الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية. ويبدو أن هذا التعريف يتسع من حيث شموله لأغلب عناصر الاستدامة والتنمية على الاستدامة التي نجدها في مختلف التعريفات السابقة. 

ومن الواضح أن هناك توافقا كبيرا في الآراء بشأن أهداف التنمية المستدامة ومبادئها الأساسية، ولكن هناك اختلافا كبيرا في التفاصيل المتعلقة بكيفية تحقيق هذه التنمية والمحافظة على مبدأ الاستدامة حيث إن التصورات والإجراءات الضرورية اللازمة لتحقيق التنمية المستدامة تختلف بين السياقات الاجتماعية والثقافية والسياسية وتغيرها بصورة مستمرة وعلى مدار الزمن، ومن الواضح أن أغلب هذه التعريفات التي أوردناها لا تأتي بجديد بل هي نوع من التركيز على بعض الجوانب الأساسية التي شملتها التعريفات الأممية وكانت صدى لها. 

8- انتقادات لمفهوم التّنمية المستدامة:

لا يمكن لمفهوم التنمية المستدامة وما تفرع عنه من تعريفات أن ينجو من سهام النقد، فالنقد روح فكرية متوثبة تثور دائما في عقول المفكرين من البشر، وهو يشكل طاقة التجاوز التي يُعرَف بها الفكر النقدي الأصيل. وممّا يمكن أن يقال في هذا الاتّجاه أنّ المفهوم في جوهره تعبير سياسيّ نشأ في ظل أوضاع سياسية واجتماعية متقلبة، وهو أيضا تعبير عن طائفة من المشكلات والتحديات التي تواجهها المجتمعات الإنسانية المتقدمة منها والنامية. 

فالمسافة كبيرة بين ما ترسمه تعريفات التنمية المستدامة وبين الواقع الفعلي لحياة المجتمعات الإنسانية، ولا سيما تلك التي تعيش أوضاعا متردية موغلة في مضارب الجهل والتخلف والحروب والتعصب والكوارث البشرية. إنّ المؤتمرات الأممية تقدم لنا تصورات تغري بالرفاهية الإنسانية، وتوحي بالقضاء على الفقر والجوع، وتلبية الحاجات الإنسانية، ولكن أين هي هذه التصورات الطوباوية الحالمة من الواقع التراجيدي للبلدان الفقيرة المصدومة بكل أنواع الجهل والتخلف والفاقة والمرض؟ 

يجب أن نعترف بوجود التناقض الحاد بين النظرية التي تقوم عليها التصورات التنموية وبين الواقع الاجتماعي المتردي، وإنّ هذا التّناقض ليأخذ صورة مخيفة مروّعة حين نرى أنّ الفقر والمرض والجهل في تزايد، والحال أنّ هذه التصورات التنموية الحالمة بقيت في أبراجها الأممية العاجية لا تضر ولا تنفع. فالعالم المتقدم بسياساته الرعناء ما زال ينشر الخوف والحرب ويفتعل الأزمات في سبيل تحقيق تنميته الجائرة القائمة على بيع السلاح ونشر الفتن وقهر الشعوب المظلومة بصورة مستمرة ودائمة. وضمن هذا التوجه هناك من يرى أن مفهوم التنمية المستدامة “يأخذ بعدا فلسفيا أكثر منه مفهوما قابلا للتطبيق، ولكي ننقل هذا المفهوم إلى صيغته القابلة للتطبيق فإنه يجب عليه أن يكون أحد مكونات ثقافة المجتمع وجزءاً من تركيبته المعرفية” . ومن الواضح أن هذا النقد يغمز من طرف الدول الغنية التي تريد جذب البلدان النامية ضمن دورتها الاقتصادية التنموية وفق شروطها الثقافية الخاصة دون اعتبار أهمية الثقافات الوطنية للبلدان الجنوبية في المعادلة التنموية. 

 وممّا لا شكّ فيه أنّ مجمل هذه التّعريفات والتّصوّرات التّنمويّة المنضوية ضمن مفهوم التّنمية المستدامة، تختزن في ذاتها تلك الصورة المثالية الطوباوية الرائعة، ولكن أدوات التنفيذ غائبة وضعيفة، والدول الكبرى تصول وتجول في العالم الفقير فتدمر أركانه وتهدم بنيانه ومن ثم تستنزفه حتى آخر قطرة من دم تجري في عروقه. وصورة القفا هذه تكشف عن البشاعة، وهي تمثل الطابع النقدي الأساسي ل الموجّه لمفهوم التّنمية المستدامة ذي السّمة المثاليّة الحالمة.

لقد شكل تعريف برونتلاند دريئة للسهام النقدية العنيفة، وتعد الانتقادات التي أوردها أمارتين صن Amartyn Sen في تناوله لهذا المفهوم من أكثرها شدة وقوة حيث يرى صن أن تعريف برونتلاند (WCED) لمفهوم التنمية المستدامة تعريف متقن وجيد، ومع ذلك فإنه يعاني من بعض أوجه الضعف ولاسيما في ارتكازه على مفهوم تلبية الاحتياجات “Need”. وفي معرض النقد الذي يوجهه صن يرى أن علينا أن ننظر إلى الأفراد بوصفهم “كائنات مبدعة تفكر وتتصرف وتنتج، وليس بوصفهم مجرد كائنات تحتاج إلى تلبية احتياجاتها”. وهذا يعني وفق صن أنه علينا النظر إلى الناس والتعامل معهم بوصفهم أناسا قادرين على “التفكير، والتقييم، والحل، والإلهام، والفعل، والقدرة على تشكيل العالم” .

 ومن هذا المنطلق أعاد صن تعريف التنمية المستدامة وذهب إلى أنّها “التنمية التي تعزز قدرات الناس الحاليين دون المساس بقدرات الأجيال المقبلة”، وهذا المنظور الذي ينطلق منه صن يعزز فكرة “القدرة الإنسانية” بديلا لفكرة الحاجة، كما يعزز فكرة الدمج في مفهوم التنمية المستدامة ويوائم بقوة بين فكرتي الاستدامة والحرية، فالبشر وفقا لهذا المنظور ليسوا مجرد مخلوقات لهم احتياجات تسد وتلبى بل أشخاص يتمتعون بالحريات والقدرات قادرون على الفعل والإنتاج في المقام الأول. 

ولقي هذا التوجه النقدي صداه في موقف تشوماخر Schumacher حيث يقول:” إن التنمية لا تبدأ مع السلع والأشياء بل مع الناس فيما يتعلق بتعليمهم، وقدرتهم على التنظيم والانضباط. وبدون هذه العوامل الثلاثة ستبقى الموارد جميعها مجرد إمكانية مفترضة”(). وهو هنا يفترض – كما فعل صن – أن التركيز يجب أن يكون على الجوانب الفعالة في الإنسان، فالإنسان كيان فاعل ومنتج أكثر منه كيانا منفعلا مستلبا. 

ومن الانتقادات الكبيرة التي وجهت إلى تعريف برونتلاند أنّه يفتقر إلى الأساس العلميّ والفكريّ، وحري بهذا المفهوم أن يعطى فرصة أكبر للبحث والتقصي من قبل العلماء والمفكرين، أي “ما دام أن علماء الاقتصاد لم يسهموا جيدا في بناء هذا المفهوم بناء على رؤية اقتصادية وإنسانية معمقة فإن المفهوم لا يرقى إلى مستوى المفهوم العلمي الرصين(). لذا أصبح من الضروري على الاقتصاديين المعاصرين الشروع في التفكير في بناء نظرية اقتصادية جديدة للتنمية المستدامة().

 وذهب عدد من الباحثين إلى إضفاء بعد أيديولوجي على مفهوم التنمية المستدامة، فالمفهوم برأيهم تعبير عن إيديولوجية رأسمالية تم صوغها بإحكام في دهاليز الأمم المتحدة وكواليسها الرأسمالية المظلمة، وهي تمثل في جوهرها نوعا من الدهاء السياسي المغلف بأيديولوجيا استعمارية لاستقطاب الدول النامية ودفعها للانخراط في البرنامج البيئي لدول الشمال. وانسجاما مع هذه الرّؤية ولد تيار تنموي يمثله مفكرو البلدان النامية يدعون فيه إلى تنمية مختلفة أطلقوا عليها التنمية المستقلة تارة أو التنمية الذاتية تارة ثانية أو التنمية الداخلية تارة أخرى، وهي أنماط من التنمية ترفض النظام التنموي الجديد للهيئات الرأسمالية التي تسود وتهيمن في هيئات الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية. 

9- الأبعاد السوسيولوجية في مفهوم التنمية المستدامة:

لا يمكن النظر إلى مفهوم التنمية المستدامة بوصفه مفهوما عاديا، بل هو مفهوم ريادي شديد التعقيد. لقد فرض هذا المفهوم بقوته الدلالية نفسه مفهوما للعصر بلا منازع، فاستقطب في مداراته العلوم الإنسانية برمتها، كما أن العصر بتجلياته الحضارية أصبح حاضنا للمفهوم. ولا ريب أن المفهوم – كما أوضحنا – يستقطب في أفلاكه مدارات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي الوقت نفسه استقطب العلوم الإنسانية توليدا لذاته حيث تجسد في علوم عدة كفلسفة التنمية، وعلم اجتماع التنمية، واقتصاديات التنمية، والتربية التنموية، والتنمية السياسية، وأنتروبولوجيا التنمية. وربما لا نجد حقلا من الحقول المعرفية لا يحفل بعلم يختص بدراسة التنمية في المجتمع والحياة. ويضاف إلى ذلك أن الجامعات والمؤسسات الأكاديمية بدأت تؤسس فروعا وعلوما مستقلة للتنمية في مختلف التخصصات العلمية. 

ومهما يكن الأمر فالمفهوم يحمل في ذاته طاقة معرفية فلسفية في مدارات التأسيس وفي مسارات التوظيف. لقد لاحظنا أنّه جاء تتويجا للتطور المعرفي في العصر واستجابة تاريخية للتحديات التي تواجه الإنسانية برمتها، ولمّا كان متشكّلا في إطار التّفاعل بين العقل البشريّ والتّحدّيات الكونيّة فإنّه تحوّل إلى طاقة فلسفيّة ومعرفيّة منهجيّة في الآن نفسه، وأصبح أداة تحليل فائقة في الاستكشاف والبحث والتقصي والفهم العلمي للحقائق الاجتماعية ضمن سياقاتها التنموية. 

 ويُتّخذ المفهوم اليوم منهجا ووسيلة لفهم العالم وإدراك التفاعل المعقد بين مكوناته الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والسياسية. يضاف إلى ذلك أنه يشكل البعد الجوهري لنظرية التنمية المستدامة التي هي في حقيقتها رؤية فلسفية معيارية وأخلاقية للعالم الذي نعيش فيه، ومن صلب هذه الفلسفة يمكن تحديد أهداف المجتمع المنشود الذي يعمل على توفير الرفاهية لمواطنيه في الحاضر والمستقبل. وأصبحت نظريّة التّنمية المستدامة تمدّنا اليوم بالأسس المعياريّة الّتي تحدّد لنا تصوّرا شاملا لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع في صورته التنموية الجديدة. 

9-1- البعد المنهجي – تحليل النظم:

فرضت العلاقة بين النمو من جهة والبيئة من جهة أخرى نسقا من التصورات والأفكار والمبادئ التي تؤسس للمنهجية الفعالة في مجال التنمية المستدامة. وقد عرفت التنمية المستدامة بقدرتها على توظيف أسلوب النظم في إعداد الخطط التّنمويّة المستدامة وتنفيذها. ويعد هذا الأسلوب من أكثر الأساليب فعالية في هذا المجال، ويَرشَح هذا المنهج بملامح الضرورة التنموية لأن البيئة الإنسانية هي نظام فرعي لأنظمة حيوية أكثر شمولا، وهذا يتطلب فعليا تحقيق التوازن الحيوي بين البيئة الإنسانية والبيئة الطبيعية التي تحيط بها. والقصد هو السّعي إلى الحفاظ على حياة المجتمعات الإنسانية وتكاملها مع مختلف الأنظمة الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، وذلك من أجل إضفاء الطابع الحيوي على هذه الأنظمة وربطها بمختلف أشكال التنمية الاقتصادية الاجتماعية. وضمن هذه المنهجية يمكن للتنمية المستدامة المحافظة على البيئة بمختلف تنوعاتها الطبيعية وتحقيق ديمومتها الوجودية مع إشباع عقلاني متوازن للحاجات الإنسانية، مثل المحافظة على مياه الشرب، ومحاربة التلوث، والمحافظة على التربة، والمحافظة على الغطاء النباتي الحيوي للأرض، والمحافظة على الكائنات البحرية… الخ. 

وتأسيسا على هذه الرؤية يمكن النظر إلى التنمية المستدامة بوصفها علما في مجال النظم المعقدة. فالنظام عبارة عن مجموعة من العناصر المتفاعلة، التي تشمل في الوقت نفسه القواعد المتحكّمة في تفاعلها لتشكل تكوينا متضامّا مترابطا. فالدماغ – على سبيل المثال – هو نظام من الخلايا العصبية المتفاعلة. والجسم البشري هو نظام يتكون من حوالي 10 تريليونات خلية منفردة، والخلية هي نظام من العضيّات المتفاعلة. وعلى هذا المنوال يمكن النظر إلى الاقتصاد بوصفه نظاما يتكون من ملايين من الأفراد والشركات والعمليات والشّبكات والممارسات والقوانين والانتهاكات التي تترابط فيما بينها وتتفاعل عبر الأسواق والعقود والقوانين واللوائح وغير ذلك من ضروب العلاقات

ونحن إذ نتحدث عن هذه النظم المعقدة فذلك لأن تفاعلاتها العميقة تؤدي إلى سلوكيات وأنماط سلوكية مختلفة عن المكونات الأساسية لهذه الأنظمة نفسها. إذ لا يمكننا – على سبيل المثال – اختزال الدماغ الإنساني في مجموع مكوناته من الخلايا والناقلات. وكذلك تكون الخلية الحية أكثر من مجموع مكوناتها النووية. وتلك هي الصورة نفسها التي تتجلى في النظام الاقتصادي الذي لا يمكن أن يساوي مجموع مكوناته وفعالياته. وعلى هذا النحو يمكن القول مع القائلين بإنّ خصائص الظواهر المعقدة هي أكثر من مجموع أجزائها متفرّقةً. وهناك دائما صعوبة كبيرة في إخضاع الأنظمة المعقدة للتوقعات لأنها صعبة على الرصد والتحليل، ولديها العديد من الخصائص التي تخرج عن دائرة التوقع. ومثل هذه الأنظمة غالبا ما تستجيب بطريقة غير خطية للصدمات أو التغييرات، وهذا يعني أنه حتى التغيير الطفيف في البيئة يمكن أن يسبب تغيرا كبيرا ربما يكون كارثيّا في أداء النظام ككل. فأي تغيير طفيف في كيمياء الخلية في الجسم قد يؤدي إلى وفاة الإنسان، وقد يُحدث تغيرٌ طفيف في البيئة الفيزيائية تغيرات كبيرة ومهمة تتعلق بالوضع البيئي وتهدد حياة الأنواع في الطبيعة. وهذا يجري في عالم الاقتصاد والمال؛ فقد يؤدي فشل في مجال واحد من المجالات الاقتصادية إلى حدوث حالة من الذعر المالي والانكماش الاقتصادي في المستوى العالمي، مثلما حدث عندما فشل مصرف الاستثمار للإخوة ليمان (The Lehman Brothers investment bank) في سبتمبر 2008.

فالتنمية المستدامة – كما ذكرنا آنفا- تنطوي على أربعة نظم معقدة، وهي تباشر بالتحليل والدراسة أبعاد الاقتصاد العالمي ومكوناته في مختلف أطراف الكوكب. ومن الطبيعي أن تركز هذه التنمية على التفاعلات الاجتماعية التي تتعلق بمختلف المظاهر الاجتماعية، مثل المساواة والفقر والتفاعل الاجتماعي وثورة المعلومات والاتصالات. كما تتجه التنمية المستدامة إلى تحليل التغيرات في المناخ وفي مجال التنوع البيولوجي، وتدرس مشكلات الحوكمة والتنظيم وأداء الحكومات والشركات. 

وتتطلب النظم المعقدة تعقيدا أكبر في نظم التفكير أيضا، إذ إنه لمن الخطأ الاعتقاد بإمكان التغلب على مشكلات التنمية المستدامة في العالم بحل واحد، أو حتى مجموعات كبيرة من الحلول، إذ يبدو من الصعوبة بمكان أن نفهم ظاهرة الفقر في خضم عالم الوفرة، فمثل هذه الظاهرة – وغيرها كثير – تكون معقدة في أسبابها كما هو الحال في مكوناتها، وليس بالمستطاع إخضاعها لمجرد تشخيص أحادي الاتجاه، وذلك هو الحال مع المشكلات البيئية أو المجتمعات الإنسانية الممزقة بعوامل العنف والإكراه والاستغلال وغياب التعاون والثقة.

ففي مجال الطب يتم تدريب الأطباء على فهم الأنظمة المعقدة للجسد، وهم يتعلمون أن أسباب المرض أو الألم كثيرة جدا، ويبقى على الطبيب ضمن إطار عمله ووظيفته أن يجري التشخيص المناسب ضمن مجموعة واسعة من الخيارات المعقدة. وعلى هذه الصورة يحتاج المتخصصون في التنمية المستدامة إلى خبرة مركّبة ومتقدّمة جدا لفهم الظّواهر المعقدة بالطريقة ذاتها التي نجدها عند الطبيب، حيث يجب الاعتراف ببنية التعقيد في القضايا والأنظمة التي يعالجونها، وبناء على ذلك يمكن وضع حلول كثيرة ضمن سيناريوهات متعددة لكل حالة من الأوضاع التنموية المدروسة لرسم التشخيص المحدد والمناسب للوضعيّة المعنيّة.

9-2- البعد الغائي: 

تأخذ التنمية المستدامة صورة رؤية معيارية للعالم سعيا إلى تحقيق مجموعة من الأهداف التي تمثل طموحا إنسانيا. ومن هذا المنطلق المعياري (أو الأخلاقي) تنشد التنمية المستدامة عالما يفيض بالتقدم الاقتصادي والازدهار الاجتماعي النّاتجين عن القضاء على الفقر المدقع، كما تروم بناء التوافق الاجتماعي من خلال سياسات ساعية إلى تحقيق منعة المجتمع وتكامله، ترسيخا للقيم التي تؤدي إلى حماية البيئة من التدهور الذي يسببه الإنسان. وهذا يعني أن التنمية المستدامة تتصف بالكلية والشمول في سعيها إلى تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. ويمكن التعبير عن هذا التصور اختزاليا بالقول: إن التنمية المستدامة تسعى إلى تحقيق نمو اقتصادي شامل اجتماعيا ومستدام بيئيا.

9-3- البعد السياسي: 

 من نافل القول أنّ تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للتنمية المستدامة يتطلب بالضرورة تدخلا سياسيا توجهه حكومات نشطة فاعلة وعادلة تتسم بالرشد والعقلانية، أو ما يمكن أن نطلق عليه الحكم الرشيد. وهنا يجب على الحكومات الرشيدة أن تضطلع بمهام أساسية عديدة لتمكين المجتمعات من تحقيق التكامل والازدهار، ومن بين هذه الوظائف الأساسية يمكن الإشارة إلى أهمية توفير الخدمات الاجتماعية في المجتمع: مثل الرعاية الصحية، والتعليم. وهذا يقتضي أيضا تطوير البنية التحتية مثل الطرق والموانئ والمنشآت الاقتصادية والاجتماعية. ولا بد لنا في هذا السياق من الإشارة إلى أهمية حماية المجتمع من الجريمة والعنف والمخدرات وتجارة السلاح، كما يبدو ضروريا الإشارة إلى أهمية أن تقوم هذه الحكومات الرشيدة بتطوير العلوم الأساسية والمعارف والتكنولوجيات الجديدة، وتنفيذ اللوائح الخاصة بحماية البيئة ورعاية الطبيعة. وهذه القائمة تطول بطبيعة الحال. وما ذكر منها لا يعدو أن يكون مجموعة فرعية قصيرة من هذه الأمور التي يأملها الناس من حكوماتهم في جميع أنحاء العالم. وما يؤسف له أن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، فالشعوب تعاني الأمرّين جرّاء السّياسات الّتي تتبعها حكومات بلدانهم، وهي سياسات تقود في أغلب الأحيان إلى الفوضى والعدمية والسلب والنهب وانتشار الفساد واندلاع الحروب وغياب الخدمات العامة الأساسية.

ولا بد من التّأكيد في هذا السّياق على أن الحكم الجيد الرشيد لا يقف عند حدود الحكومات المحلية فحسب، بل كثيرا ما تكون الشركات المتعددة الجنسيات في العالم هي أقوى الجهات الفاعلة في المجتمع. ومن أجل تحقيق رفاهية المجتمع وتقدمه يجب على هذه الشركات القوية أن تتعاون مع الحكومات لتحقيق التكامل والازدهار في المجتمع وذلك من خلال امتثالها للقانون، ورعايتها للبيئة الطبيعية، ومساعدة الحكومات والمجتمعات المحلية على مغالبة الفقر وتطوير سبل الحياة وتعزيز التعليم والمساعدة في تحقيق التنمية المستدامة الشاملة. لكنّ شأن هذه الشّركات العالميّة هو كشأن الحكومات، فهذه وتلك غالبا ما تؤدي دورا معكوسا؛ وهي المسؤولة في الغالب عن أكثر عوامل الفساد والتدمير في المجتمعات المحلية، إذ تكرس القيم السلبية في المجتمع؛ فهي التي تقوم غالبا برشوة المسؤولين الحكوميين وغيرهم ودفعهم إلى خرق الأنظمة القانونية – بهدف التملص من الواجبات – والتهرب الضرائبي وغسل الأموال وإلحاق الضرر بالبيئة والطبيعة والصحة العامة للإنسان، من أجل تحقيق المزيد من الربح والثراء غير المشروعين.

وهكذا، فإن الجانب المعياري للتنمية المستدامة يقوم على أربع ركائز أساسية من أجل مجتمع متطور: الرخاء الاقتصادي؛ والاندماج الاجتماعي؛ والاستدامة البيئية؛ والحوكمة الرشيدة. وإنّ تحقيق هذه الغايات الأربع مسألة شاقة وصعبة وتتطلب الكثير من الجهد والعمل، فالتحديات كثيرة والعقبات التي تواجه ترسيخ التنمية المستدامة عمليا هائلة وكبيرة، ومع ذلك كله ورغم كل التحديات والصعوبات فإن تحقيقها على كوكبنا المزدحم والمتدهور هو المسؤولية الكبرى التي يجب على جيلنا والأجيال القادمة أن تضطلع بها. 

9-4- البعد التكنولوجي: 

يرى بعض الباحثين أن الحل الأمثل في مواجهة نضوب الموارد الحالية يكمن في البحث عن حلول تكنولوجية لمشكلات عدة، من قبيل نفاد الموارد والتلوث، حيث يرى روبرت سولو R.Sollow أن رأس المال الطبيعي القابل للفناء يمكن استبداله كليا بمرور الزمن برأس المال التكنولوجي أو المالي لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة(). فعلى سبيل المثال، يعد القطار “ماغليف” (JR-Maglev ) الذي يربط بين شنغهاي ومطارها الدولي نمطا من الإنتاج التكنولوجي المذهل، إذ ينطلق لينقل الركاب بسرعة تصل إلى أكثر من 300 ميل في الساعة. وهذا القطار النّموذجيّ نتاج عمل مشترك بين شركات الهندسة في أوروبا والصين، وقد تم العمل على إنجازه على مدى العقد الماضي. وهو مثال مميز للكيفية التي يمكن بها للتكنولوجيا الجديدة أن تساعد على تحقيق التنمية المستدامة. و”ماغليف” مزود بالكهرباء بدلا من الفحم أو النفط المستخدم عادة في الصين ولا سيّما في الأجيال السابقة من قطارات السكك الحديدية. وإذا ما تم إنتاج الكهرباء التي تولد طاقة ماغليف من مصدر نظيف للطاقة (بدلا من الفحم المستخدم في الصين حاليا)، فقد يكون السفر بين المدن عبر وسائل تعمل بالطاقة الكهربائية جزءا لا يتجزأ من حلول مشكلات تغير المناخ والتّلوّث اللّذين يسبّبهما إفراط الإنسان. ويمكننا في هذا السياق التحدث عن ثلاثة جوانب للتكنولوجيا في مجال التنمية المستدامة: 

 أولا، التقدم التكنولوجي: يشكل التقدم التكنولوجي المهماز المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي العالمي على المدى الزمني الطويل، فالنمو المتسارع في مجال الاقتصاد العالمي هو حصاد فعالية اقتصادية مستمرة على مدى 250 عاما من التقدم التكنولوجي، أي منذ بداية الثورة الصناعية في عام 1750. وقد شمل هذا التطور اختراعات صناعية كثيرة بدأت بالمحرك البخاري، ثم محركات الاحتراق الآلي الذاتي، وكهربة المدن، وتطور الصناعات الكيميائية، كما هو الحال في مجال الهندسة الزراعية، والطيران، والطاقة النووية. ونحن اليوم شهود على ثورة المعلومات والاتصالات. وبدون هذه التطورات التكنولوجية، كان من المستحيل على الاقتصاد العالمي أن يحقق ما نراه اليوم من عبقرية التقدم في مختلف مجالات الحياة.

ثانيا، الآثار الجانبية: غالبا ما يكون للتقدم التكنولوجي آثار جانبية سلبية، حتى عندما تكون آثاره المباشرة إيجابية للغاية. فالفحم الحجري كان بمثابة شعار الثورة الصناعية، لكنه كان – ولا يزال – تهديدا للبيئة وسببا رئيسيا في أزمتها. لم أفهم جيّدا. أقترح: وصحيح أنّه انطوى على خطر وتهديد، لكنّه مثّل بشكل معيّن دافعا إلى توطيد الحضارة الحديثة من خلال اختراعها للمحرّك البخاريّ. لكنّه الآن يُستخدم على أوسع نطاق ويهدد الإنسانية برمتها. ففي عام 2010 بلغت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناجمة عن إحراق الفحم 14 مليار طن، أي ما يقرب من نصف إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم. وبالنتيجة فإنه ما لم يتم التخلص من الفحم بسرعة، أو يستخدم بطريقة آمنة مع التكنولوجيات الجديدة التي يمكنها حبس ثاني أكسيد الكربون واحتجازه، فإن الأضرار التي ستلحق بالكوكب والاقتصاد العالمي ستكون ساحقة مدمرة.

ثالثا، يمكن لنا في حقيقة الأمر توجيه التقدم التكنولوجي في مسارات عديدة، ففي بعض الأحيان يتم تصوير التقدم التكنولوجي باعتباره فوزا في قرعة اليانصيب للمخترعين والعلماء. وأحيانا أخرى يوصف التقدم التكنولوجي بأنه يلبي حركة السوق عبر الاستثمار في البحث والتطوير من أجل تحقيق الأرباح. ومع ذلك هناك جانب آخر للتغيير التكنولوجي وذلك عندما يتم توظيفه في تحقيق الأهداف الإنسانية.

لقد اعتدنا على التفكير بأن الحكومات توجه التكنولوجيا “لأغراض الدولة” أي لأغراض عسكرية، حيث استعانت هذه الحكومات منذ فترة طويلة بالمهندسين والمخترعين لتصميم وبناء أسلحة وأجهزة ودفاعات جديدة، وكثير من هذه الاختراعات ينطوي على إبداعات مهمة رائدة في مجال التكنولوجيا. وقد أدت الحرب العالمية الأولى إلى تقدم كبير في مجال تكنولوجيا الطيران، وحققت الحرب العالمية الثانية تقدما في مجال الكمبيوتر والرادار الموصلات أم المواصلات؟ والصواريخ والمضادات الحيوية والاتصالات، وفي عدد لا يحصى من أوجه التقدم والاختراعات الرائدة في ميدانها والتي جرت بدعم الحكومات للأبحاث العلمية. وخير مثال على ذلك مشروع مانهاتن في أميركا، الذي جمع بين كبار الرواد في مجال الفيزياء لتصميم أولى القنابل الذّريّة وبنائها.

 وممّا لا شك فيه أن الصناعة العسكرية أدت إلى تقدم العلم والمعرفة والتكنولوجيا، و أن هذه الصناعة حظيت بحظّ أوفر من الدعم الحكومي المخصص للتقدم التكنولوجي المدني في العقود الأخيرة. ويلاحظ اليوم أن كثيرا من هذا التقدم التكنولوجي السلمي يدين بوجوده إلى الدعم المالي الحكومي المستمر في مختلف المجالات العلمية، كما هو الحال في مجال الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات والطيران وتكنولوجيا الفضاء (مثل أنظمة تحديد المواقع العالمية)، وعلم الجينوم، وتكنولوجيا النانو، وفي غير ذلك من مجالات التقدم التكنولوجي. 

ونحن في عصر التنمية المستدامة نحتاج في حقيقة الأمر إلى هذا النمط من التطور التكنولوجي، أملا في استحداث تكنولوجيات جديدة للطاقة المستدامة والنقل والبناء وإنتاج الأغذية وتقديم الخدمات الصحية وتطوير التعليم، وغير ذلك من الاحتياجات الخاصة بالتنمية. ومن المؤكد أننا في حاجة متأكّدة لتوجيه الابتكارات التكنولوجية نحو التنمية ولخدمة أغراضها، بما في ذلك التمويل العام للبحث العلمي والتطوير في المختبرات العامة وفي مجال الاختراعات الجديدة التي يمكن توظيفها فعليا في مجال الصحة والمياه والنقل والزراعة…الخ. 

10- الخصائص الفلسفية في مفهوم التنمية المستدامة: 

ولد مفهوم التنمية المستدامة في أحضان رؤية فلسفية إلى العالم والوجود، وهي رؤية تتكامل فيها صورة الإنسان على إسقاطات الوجود الطبيعي، وتحاول هدم الهوة الانفصامية بين الإنسان والطبيعية كما بين الإنسانية والمحيط الحيوي للوجود. وتميّز المفهوم بشموليته التاريخية لمختلف جوانب الحياة الإنسانية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في نسق من علاقات التوازن الخلاق بين الإنسان والطبيعة فيما تشتمل عليه من فضاءات البحار والأعماق واليابسة بغطائها النّباتيّ وثرواتها الحيويّة. تلك هي الجوانب التي يغطيها مفهوم التنمية المستدامة. وهو بهذه الصورة يرتدي حلته الفلسفية الشمولية التي تتميز بها الفلسفة عن سائر العلوم. وتتجسّد هذه الرّؤية فعليا في الظهور الأكاديمي لفلسفة التنمية كعلم أو فرع معرفي يدرس في الجامعات والأكاديميات في مختلف أنحاء العالم. ويمكن للباحث أن يقع على المئات من أطاريح الدكتوراه في مجالات التنمية والاقتصاد والتربية والفلسفة التنموية. وقد تطور الأمر إلى الحد الذي اتخذ فيه كل فرع معرفي فلسفة تنموية تغطي مجاله الخاص. وأصبحت هذه الفلسفة التنموية حاضرة في مختلف المشاريع الدولية والحكومية والأممية، حيث توجب على كل مشروع أو فعالية سياسية كانت أو اجتماعية التّشكّل في فلسفة تنموية محددة الأبعاد والاتجاهات لتحديد المسارات الأساسية للتنمية المستدامة ضمن مشاريعها وقوانينها. 

والمفهوم – كما أوضحنا في مَواطن عدة من هذه المقالة يتجلى في صورة معرفية، فالتنمية المستدامة نهضت على رافعات العلوم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وكنتيجة طبيعية لهذا التفاعل الخلاق مع المعرفة الإنسانية تحول مفهوم التنمية المستدامة بذاته إلى قوة معرفية؛ إذ يحمل في ذاته القدرة على أن يكون أداة فاعلة في فهم وإدراك مكونات الوجود الإنساني في علاقته مع الطبيعة وما تنطوي عليه من مكونات الوجود. لقد تحول المفهوم بصورته المعرفية إلى أداة تحليل ومنهج فعال في دراسة الظواهر وتحليل مكوناتها والكشف عن مبانيها وجوهر وجودها. وتتجلى صورته على نحو معرفي في استقطابه لمختلف العلوم الإنسانية والطبيعية، وتحوله إلى معرفة علمية وشمولية. 

10-1- الغائية الإنسانية: 

يمثل البعد الإنساني في غائيته الفلسفية روح التنمية المستدامة، فالتنمية في جوهرها ومظهرها فعالية إنسانية جعلت من الإنسان هدفا لها وغاية. وقد بدا واضحا في مختلف تضاريس المفهوم وتعرجاته أن التنمية المستدامة سعي للمحافظة على الإنسان والحياة الإنسانية، وعلى التّوازن الخلاق مع المحيط الحيوي للوجود، إنها إعلان احتجاج ضد الفقر والظلم والجوع والقهر، وبحث عن الحياة والحب وعشق للجمال وحب للطبيعة هدفها الغائي إسعاد الإنسان ورفاهيته. 

10-2- الغائية الأخلاقية: 

إذا كانت الأخلاق تتجذر في الفلسفة روحا وقيما فإن البعد الأخلاقي حاضر ومكين في فلسفة التنمية، فهي سعي إلى تحقيق العدالة والقيم والحق والمساواة. والتّنمية في مختلف تجلياتها نداء إلى العدالة ما بين الأجيال الحضارة والقادمة، إلى عدالة بين الأمم والشعوب، إلى رفض الظلم والقهر، إنها نداء للتوازن الخلاق، وحرب على الفقر، وتلبية لحاجات الإنسان. وهذا غيض من فيض من قيم أخلاقية تسعى التنمية المستدامة إلى تحقيقها. أقترح حذفه ويشمل ذلك معظم ما تنطوي عليه الأرض من أنساق حيوية تتعلق بالطيور والنبات والماء والثروة.

10-3-أنسنة التنمية: 

 التنمية المستدامة فعل مشاركة حيوية لا تكون إلا بمشاركة جميع أفراد المجتمع في مسيرتها ونهضتها. وتؤكد التّنمية المستدامة على الأهمية الكبيرة ل لانضمام أبناء المجتمع عبر منظماتهم في تنفيذ استراتيجيّاتها، ولا سيّما في مجال في الحد من الزيادة في ارتفاع درجة حرارة الأرض، وفي معالجة النفايات البيئية التجارية والصناعية، وفي تقليص انبعاث الغازات التي تؤثر على طبقة الأوزون، والعمل على تخفيض الاستهلاك البيئي ضمن إطار التوظيف الأمثل الضروري للموارد الاقتصادية. والمستفاد من هذه المشاركة أن التنمية المستدامة تؤمن بالإنسان فردا ومجتمعا في آن واحد، وترى أن التنمية حقل اجتماعي لا تتفرد به الحكومات والشركات، وهذا يعني أن أبناء المجتمع أنفسهم هم المعنيون في نهاية الأمر بتحقيق التنمية والحصول على نتائجها وثمرات تحققها.

 10-4- تحقيق الرفاهية الإنسانية: 

 يمثل مفهوم الرفاهية الإنسانية أهم الخصائص الفلسفية لمفهوم التنمية المستدامة. ويتجلى هذا التصور في دورة عامة تأخذ ثلاثة مستويات واضحة المعالم :

يتمثل المستوى الأول في عملية تكوين القدرات البشرية من خلال التعليم والتأهيل والتدريب والعمل على تكوين رأس المال الثقافي والبشري. 

ويتجسد المستوى الثاني في عملية توظيف القدرات البشرية المتاحة الممثلة في رأس المال البشري في عملية الإنتاج الشامل في مختلف ميادين الحياة العلمية والمعرفية والاقتصادية. 

ويرتبط المستوى الثالث بالغائية الفلسفية التي تتمثل في ترسيخ الحياة الإنسانية الحرة الكريمة ورفع مستواها وكفاءتها الإنسانية والأخلاقية، أي العمل على تحقيق الرفاهية الإنسانية للمجتمع على نحو كلي .

وعلى هذه الصورة تتحقق الغائية الفلسفية في ترسيخ العلاقة بين التنمية المستدامة ونوعية الحياة بهدف إشباع الحاجات الإنسانية الأساسية والوصول إلى مستوى عال من الرّفاهة الإنسانيّة يقوم على تلبية الاحتياجات الإنسانية المتمثلة في التعليم والصحة والسكن وضمان الحريات العامة وترسيخ القيم الخلاقة التي تتصل بالخير والحق والجمال، وهي القيم التي تمثل الغايات الفلسفية العامة للحياة الإنسانية . 

10-4- الطابع النقدي للمفهوم: 

ومن البديهيّ أنّ هذا المفهوم باستخدامه وشيوعه يمكن أن يُحمّل بوظيفة نقديّة تهيّئها له قدرته على أن يكون أداة تحليليّة، ولا يخفى بناء على ذلك أن الباحثين والدارسين يوظفون هذا المفهوم في رصد التحولات التّنمويّة ونقدها والحكم عليها، وغالبا ما يُعتَمد على الصّيغة الشّموليّة الّتي يتضمّنها المفهوم لمؤاخذة المجتمعات الإنسانيّة وفضح ممارساتها الاستنزافيّة للثّروة. 

ويرى كثير من الباحثين أن مفهوم التنمية المستدامة يحتاج إلى تأسيس نظرية جديدة تكون قادرة على مواكبة الأوضاع التنموية في العالم. وثمة من يعتقد أن الفكر المعاصر لم يصل بعد إلى مستوى صياغة نموذج للتنمية المستدامة يتميز بالوضح والاستقرار . وهناك من يرى أن مفهوم التنمية المستدامة “هو ذو بعد فلسفي أكثر منه مفهوما قابلا للتطبيق، ولكي يرقى الى البعد الثاني، أي القابلية للتطبيق، فإنه يجب أن يكون أحد مكونات ثقافة المجتمع وجزءا من تركيبته المعرفية” . 

 ويمكننا أن نقول باختصار إنّ هذا الفلسفة التنموية بخصائصها الإنسانية والمعرفية والنقدية تبدو لنا اليوم ضرورية وملحة لحياة أكثر من سبعة مليارات إنسان يعيشون على الأرض بحثا عن الرفاهية والحياة الحرة الكريمة. وهم جميعهم ينتمون إلى منظومة اقتصادية عالمية واحدة متكاملة تتعمق روابطها بصورة مطردة من خلال التجارة والتمويل والتكنولوجيات وتدفقات الأموال والإنتاج وإعادة الإنتاج والهجرة والشبكات الاجتماعية. 

11- مؤشرات التنمية المستدامة: 

 ورغم من انتشار مفهوم التنمية المستدامة ووضوح تعريفاته، فما زال يحتاج عمليا إلى بناء المؤشرات (Indicators) التي تجعله واضحا ومحددا في مجال الاستخدام العملي لقياس مدى التقدم في مجال التنمية وتقييم مدى تقدم الدول والمؤسسات في مجالات تحقيقها بشكل واضح. ويشكّل تحديد هذه المؤشّرات المنطلق الأساسيّ لعملية وصف الوضعية التنموية لكل دولة من الدول في مختلف أنحاء العالم. ويمكن لمثل هذه المؤشرات – إذا كانت واضحة – أن تبين لنا سلامة العمل في مجال التنمية المستدامة في مختلف الدول والمجتمعات. يضاف إلى ذلك أن هذه المؤشرات تمكننا من تفهم حالة التنمية المستدامة في مختلف الدول والمؤسسات الدولية. ويمكن لهذه المؤشرات أيضا أن تساعد السلطات القائمة في عملية اتخاذ القرارات الصحيحة من ناحية توجيه العمل نحو الأهداف المنشودة بشكل عملي وفعّال، كما يمكّن هذا السلطات وأصحاب القرار من تجنب الارتجال والعشوائية في اتخاذ القرارات التنموية. وتصنف مؤشرات التنمية المستدامة عمليا في ثلاث فئات رئيسية تغطي الجوانب الماثلة في المفهوم ذاته. ووفقا لهذا التصنيف يمكننا أن نقع على مؤشرات اقتصادية واجتماعية وبيئية متكاملة في جوهرها وبنيتها، وغالبا ما يتم بناء هذه المؤشرات لتقوم بوظيفة الدلالة على القضايا التنموية التي تضمنتها الفصول الأربعون لوثيقة جدول أعمال القرن 21 الصادر عن مؤتمر ريو دي جانيرو عام 1992.. 

 وتبنى المؤشرات التنموية في مجال التنمية المستدامة على المعايير التالية: 

1- أن تكون قادرة على ترجمة فعلية للإنجازات التنموية التي تحققها الحكومات والمجتمعات الإنسانية. 

 2- أن تكون واضحة بذاتها ويمكن تطبيقها، وأن تكون إجرائيا مطابقة لمعطيات الواقع وقادرة على قياسه.

3- أن تكون قادرة عمليا على قياس مختلف الجوانب التنموية بدقة وموضوعية على حد سواء. 

4- أن تكون قادرة على تمكين أصحاب القرار من التنبؤ بمسارات التنمية وتوقعاتها .

5- أن تكون قائمة على أسس منهجية واضحة في بنيتها وتوجهاتها. 

6- أن تكون قابلة للتوظيف والاستخدام بسهولة ووضوح لقياس مختلف الحالات التنموية. 

وتتنوع هذه المؤشرات بتنوع المبادرات الحكومية والمؤسسات التي تقوم بوضعها لتقويم مدى التقدم الذي يتحقق في مجالات التنمية المستدامة. وقد تخضع عملية بناء مثل هذه المؤشرات إلى خلفيات سياسية وأيديولوجية. ومما لا شك فيه أنه يصعب وضع مؤشرات واحدة متجانسة لقياس التنمية المتحققة، ولكن يمكن بصورة عامة الإشارة إلى أهم المؤشرات وأكثرها شيوعا. 

ومن أهم مؤشرات الجانب الاجتماعي في التنمية يشار إلى: نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر، وتوزيع الدخل، ومعدلات البطالة، و نسبة أجور الإناث إلى الذكور، ومستوى التغذية لدى الأطفال، ومعدل وفياتهم، والعمر المتوقع للفرد عند الولادة، ونسبة السكان المشمولين بنظام الصرف الصحي والحاصلين على مياه صالحة للشرب، و نسبة السكان المتمتّعين بنظام الرّعاية (أو التّغطية) الصحية الأولية، ومستوى تعليم الأطفال، ومعدلات الأمية لدى البالغين.

وفي الجانب البيئي غالبا ما تعتمد المؤشرات التالية: مستوى الانبعاثات الغازية ولا سيّما في مجال الصناعة، ومدى استخدام الموارد الضارة بطبقة الأوزون والغلاف الجوي للأرض، ومدى التلوث في المناطق السكانية، ومؤشر حالة الأراضي الزراعية، ومدى استخدام المبيدات الزراعية، ونسبة مساحة الغابات والأراضي القاحلة، ونسبة استنزاف المياه الجوفية والسطحية، ونسبة مساحة المحميات الطبيعية، ومدى التنوع في الأنواع الحياتية الحيوانية البرية. 

ومن أهم المؤشرات في الجانب الاقتصادي نذكر: نسبة الناتج المحلي للفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ونسبة العجز للناتج القومي الإجمالي، وكثافة استخدام المواد، ونسبة استهلاك مصادر الطاقة المتجددة، ونسبة استخدام الطاقة لقطاع الإسكان،  ونسبة استخدام الطاقة للنقل، ومعدل إنتاج النفايات الصناعية، ومعدل إنتاج النفايات الخطرة، ومعدل إنتاج النفايات المشعة، وتدوير و إعادة استخدام النفايات.

12- خاتمة، ورؤية إجمالية: 

حاولنا في هذا الدراسة استكشاف معالم مفهوم التنمية المستدامة وتضاريسه التاريخية والإنسانية بوصفه رؤية فلسفية سوسيولوجية لتحقيق التوازن بين الإنسان والطبيعة والمجتمع. وقد عملنا ضمن مسارات تحليلنا ومستوياته على ترسيخ منهجية واضحة في تناول المفهوم في مختلف تجلياته اللغوية والتاريخية والإنسانية. وأوصلنا البحث إلى أنّ مفهوم التنمية المستدامة وظف في التجاوب مع متطلبات العصر وفي الاستجابة لمختلف تحديات الوجود الإنساني هولا وخطرا. 

فالمفهوم يشكل رؤية استراتيجية تبنتها الإنسانية في مواجهة التحديات، وهو المفهوم الذي تتبلور فيه صورة التقدم الإنساني في أشمل تجلياته وأعمق معانيه ودلالاته، وقد أوضحنا في معترك التفاعل مع المفهوم هذه الطاقة الخلاقة التي مكّنته من التجاوب مع مشكلات العالم وفق منظور شمولي يضمن تحقيق التوازن الخلاق بين الإنسان والطبيعة، إنه باختصار استجابة تاريخية لوضعية تاريخية إنسانية متأزمة ضمن فيض من التحديات التي تتعلق بالبيئة والاقتصاد والتنمية. 

د. علي أسعد وطفة


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

علي أسعد وطفة

علي أسعد وطفة أكاديمي وأستاذ في جامعة الكويت، يحمل شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة كان في فرنسا. يتولى إدارة مركز نقد وتنوير للدراسات الإنسانية، ويدير برنامجاً فكرياً تنويرياً مهماً عبر المركز ومجلته الفكرية المحكمة المعروفة بـ "نقد وتنوير". حصل على عدد من الجوائز العلمية منها: جائزة الباحث المتميز لجامعة الكويت في مجال الآداب والعلوم الإنسانية، وشهادة تقدير من صاحب السمو سلطان بن محمد القاسمي، وجائزة حميد بن راشد للعلوم الاجتماعية. ألف عدداً من الكتب منها: (علي أسعد وطفة، من الاغتراب إلى التشيُّؤ في منظور كارل ماركس: "التشيُّؤ" منهجًا ماركسيًا لتحليل الرأسمالية ونقدها)، بنية السلطة وإشكالية التسلط التربوي في الوطن العربي، التربية والتنمية المستدامة: تحديات الوجود والمصير، سوسيولوجيا التربية: إضاءات نقدية معاصرة، رأسمالية المدرسة في عالم متغير، العنف والعدوانية في التحليل النفسي، الجمود والتجديد في العقلية العربية، التربية إزاء تحديات التعصب والعنف في الوطن العربي، التربية الأخلاقية في الفلسفة الكانطية، الأمية الأكاديمية في الفضاء الجامعي العربي، مستقبل التعليم العالي الخليجي في ضوء الثورة الصناعية الرابعة، وأوهام المقدس ومطلقاته في زمن الأوبئة: ما بين الدين والأيديولوجيا الدينية في مواجهة كورونا!

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى