التنويريسلايدرفكر وفلسفة

الأسطورة وتمييزها عن الأجناس السردية القريبة منها: الحكاية الشعبية والخرافة نموذجاً

قراءة في المفهوم والمعايير، مع تطبيق على نماذج من الحكايات المتداولة داخل المجتمع المغربي

المقدمة

تُعدّ الأسطورة من أقدم الأشكال التي عبّر بها الإنسان عن علاقته بالعالم وبذاته وبالقوى التي تتجاوز قدرته على الفهم والسيطرة. فمن خلالها حاول أن يمنح تفسيراً لأصل الكون والإنسان، ولنشأة الموت والمرض والخصب، ولعلاقته بالآلهة والقوى الخفية، كما حاول أن يفهم الظواهر الطبيعية والاجتماعية ضمن تصوّر رمزي تتداخل فيه الحقيقة الدينية بالخيال والحكاية. لذلك لا تظهر الأسطورة مجرد قصة عجيبة، بل بناءً ثقافياً يحمل دلالة خاصة داخل الجماعة التي أنتجته وتناقلته عبر الأجيال.

غير أن مفهوم الأسطورة يظل من أكثر المفاهيم التباساً، لقربه من أجناس سردية أخرى كالحكاية الشعبية والخرافة والحكاية البطولية والملحمة. فكثيراً ما يُطلَق اسم الأسطورة على كل قصة تتضمن أحداثاً خارقة أو شخصيات غير عادية، مع أن حضور العجيب وحده لا يكفي لتحديد طبيعة النص. فقد نجد الخارق في الأسطورة كما نجده في الخرافة والحكاية الشعبية، غير أن وظيفته ودلالته تختلف من جنس إلى آخر؛ إذ يرتبط في الأسطورة بالمقدس وتفسير أصل العالم، بينما يؤدي في الحكاية الشعبية وظيفة الإمتاع أو العبرة، ويظهر في الخرافة ضمن عالم عجائبي لا يشترط ارتباطه بعقيدة دينية محددة.

ومن هنا تقتضي دراسة الأسطورة تجاوز الحكم عليها من خلال مضمونها الظاهر، والبحث بدلاً من ذلك عن بنيتها ووظيفتها وموقعها داخل الثقافة. فالسؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت الحكاية تتضمن آلهة أو جنّاً أو قوى خارقة، بل يتصل كذلك بموقف الجماعة منها، وبنوع الزمن الذي تجري فيه أحداثها، وبعلاقتها بالمقدس والطقس، وبالقضايا التي تعالجها، وبالوظيفة التي تؤديها في تفسير العالم وتنظيم علاقة الإنسان به. وعلى هذا الأساس، تصبح القداسة، والارتباط بزمن أصلي أو كوني، والوظيفة التفسيرية والرمزية، من أهم المعايير التي تميّز الأسطورة عن غيرها من الأجناس السردية.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عند دراسة الحكايات المتداولة داخل المجتمع المغربي، لأن الثقافة المغربية، شأنها شأن غيرها من الثقافات، تزخر بأشكال متنوعة من السرد الشفهي الذي يمزج بين الواقعي والعجائبي. ففي الحكايات الشعبية المغربية تحضر شخصيات كالغول والجنّ والأولياء والكائنات الخارقة، كما تحضر موضوعات الفقر والحيلة والزواج والصراع الأسري والظلم والنجاة. غير أن وجود هذه العناصر لا يكفي وحده لإطلاق وصف الأسطورة على كل حكاية شعبية؛ إذ ينبغي النظر في طبيعة الاعتقاد الذي تستند إليه، وفي مدى ارتباطها بالمقدس، وفي وظيفتها داخل الوعي الجماعي المغربي.

وعليه، لا تسعى هذه المقالة إلى جمع الحكايات العجيبة وتصنيفها تصنيفاً وصفياً، بل إلى تحديد مفهوم الأسطورة تحديداً اصطلاحياً وثقافياً، ثم وضع مجموعة من المعايير التي تسمح بتمييزها عن الأجناس القريبة منها، ولا سيما الحكاية الشعبية والخرافة. وسنستفيد في ذلك من التصوّر الذي يقدّمه فراس السوّاح في كتابه “الأسطورة والمعنى”، مع العودة إلى مصدر مغربي يهتم بالحكايات الشعبية، بغية اختبار هذه المعايير في ضوء بعض النماذج المتداولة داخل المجتمع المغربي.

وتنطلق المقالة من فرضية أساسية مفادها أن الأسطورة ليست مرادفة لكل ما هو خيالي أو خارق، بل هي حكاية ذات طابع مقدس، تؤدي وظيفة تفسيرية ورمزية، وتعبّر عن تصوّر الجماعة لأصل العالم والإنسان والظواهر الكبرى. أما الحكاية الشعبية والخرافة فقد تشتركان معها في العجيب والشفهي والتداول الجماعي، لكنهما تختلفان عنها في الموضوع والوظيفة ودرجة الارتباط بالمقدس.

الإشكالية

ما الأسطورة؟ وما المعايير التي تمكّن من تمييزها عن الأجناس السردية القريبة منها، خاصة الحكاية الشعبية والخرافة؟ وكيف يساعدنا تطبيق هذه المعايير على بعض الحكايات المتداولة داخل المجتمع المغربي في تحديد ما هو أسطوري فيها وما هو شعبي أو خرافي؟

أولاً: تعريف الأسطورة عند فراس السوّاح

يطرح فراس السوّاح، في كتابه “الأسطورة والمعنى”، إشكالية غياب معايير دقيقة متفق عليها لتمييز النص الأسطوري عن غيره من الأقاصيص، ويعزو هذا الالتباس إلى أن مصطلح “الميثولوجيا” نفسه نشأ أصلاً من داخل مشكلة أوسع تتعلق بمناهج دراسة الأسطورة وتصنيفها وتبويبها. ولتجاوز هذا الغموض، يقترح جملة من الخصائص التي يمكن اعتمادها في التعرف على النص الأسطوري، يمكن تلخيصها فيما يلي:

١. من حيث الشكل لأسطورة قصة تخضع لقواعد السرد من حبكة وعقدة وشخصيات، وكثيراً ما تُصاغ في قالب شعري يعين على ترتيلها في المناسبات الطقسية وتداولها شفاهياً، وهو ما يمنحها سلطاناً على العواطف والقلوب لا يتوفر عادة للنص النثري.

٢. يحافظ النص الأسطوري على ثباته وتتناقله الأجيال ما دام محتفظاً بطاقته الإيحائية بالنسبة للجماعة؛ كما يتضح من الأسطورة السومرية “هبوط إنانا إلى العالم الأسفل” التي دُوّنت في النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد، واستمرت متداولة في صيغتها الأكادية إلى أواسط الألف الأول قبل الميلاد تقريباً. غير أن هذا الثبات لا يعني الجمود، فالفكر الأسطوري يظل قادراً على خلق أساطير جديدة، والتخلي عمّا فقد منها طاقته الإيحائية أو تعديلها.

٣. لا يُعرف للأسطورة مؤلف بعينه، لأنها ليست نتاج خيال فردي بل ظاهرة جمعية يخلقها الخيال المشترك للجماعة وعواطفها وتأملاتها، وإن كان ذلك لا يمنع خضوعها أحياناً لتأثير شخصيات روحية متفوقة تطبعها بطابعها، بل قد تُحدث فيها انعطافاً دينياً جذرياً.

٤.يلعب الآلهة وأنصاف الآلهة الأدوار الرئيسية في الأسطورة، فإذا ظهر الإنسان على مسرح الأحداث، كان ظهوره مكمّلاً لا رئيسياً.

٥.تتميز تدور الأسطورة حول قضايا كبرى بالجدية والشمولية، كالتكوين والأصول، والموت والعالم الآخر، ومعنى الحياة وسر الوجود، وهي مسائل التقطتها الفلسفة فيما بعد؛ فهمّ الأسطورة والفلسفة واحد، لكنهما تختلفان في طريقة التناول: فبينما تلجأ الفلسفة إلى المحاكمة العقلية والمفاهيم الذهنية، تلجأ الأسطورة إلى الخيال والعاطفة والترميز والصور الحية المتحركة.

٦. تجري أحداث الأسطورة في زمن مقدس يغاير الزمن الحالي، ومع ذلك تكون مضامينها أكثر صدقاً بالنسبة إلى المؤمن بها من مضامين الروايات التاريخية؛ فقد يشكك في رواية تاريخية ويعطي لنفسه الحق في تصديقها أو تكذيبها، لكن الشك لا يتطرق إلى أساطيره عن أصل الكون والآلهة. ويترتب على هذه اللاتاريخية أن رسالة الحدث الأسطوري خالدة تنطق من وراء تقلبات الزمن الإنساني، فهو لا يقص عن أمر جرى في الماضي وانتهى، بل عن حدث مثالي متجدد الحضور: فعل الخلق يتجدد كل عام مع تجدد الكون وحياة الإنسان، وموت إله الخصب وبعثه يتكرران في دورة الفصول، وصراع الإله بعل مع الحية لوتان ذات الرؤوس السبعة صراع دائم بين قوى الخير والحياة وقوى الشر والموت. وحتى حين تتحدث الأسطورة عن حدث محدد كما في أسطورة الطوفان الرافدية، يظل مغزاها خارج الزمن؛ فالطوفان عند السومريين لا يتحول إلى مجرد نقطة تأريخية، بل يبقى نذيراً دائماً بسطوة القدر، وتحذيراً من غضب إلهي يفوق إدراك البشر.

٧.  ترتبط الأسطورة بنظام ديني معين، وتسهم في توضيح معتقداته وتتغلغل في صميم طقوسه، وتفقد صفتها الأسطورية إذا انهار هذا النظام، لتتحول عندئذ إلى حكاية دنيوية تنتمي إلى جنس آخر من الأجناس الشبيهة بالأسطورة.

٨. تتميز الأسطورة بقداسة وسلطة عظيمة على عقول الناس ونفوسهم، لا يضاهيها في العصر الحديث سوى سلطة العلم؛ فكما نؤمن اليوم بما يخبرنا به العلم عن الذرات والجراثيم والمجرات دون أن نراها بأعيننا، آمن الإنسان القديم بما نقلته له أسطورته من عوالم، وكان رفض مضامينها انفصالاً عن منظومة القيم التي تشد الفرد إلى جماعته وثقافته، وفقدنا للتوجه السليم في الحياة.

لا يميّز فراس السوّاح الأسطورة عن غيرها من الحكايات بمجرد حضور العجيب والخارق، لأن الخوارق قد نجدها كذلك في الخرافة والحكاية الشعبية والحكاية البطولية، وإنما يحددها من خلال اجتماع مجموعة من الخصائص مجتمعة. فالأسطورة، من حيث الشكل، قصة لها شخصيات وأحداث وصراع وحبكة، وقد صيغت في قالب شعري أو إيقاعي يساعد على حفظها وترتيلها وتداولها شفوياً، غير أنها ليست إبداعاً فردياً منسوباً إلى مؤلف معروف، بل هي نتاج الذاكرة الجماعية، تتوارثها الأجيال وتعيد صياغتها كلما احتفظت بقدرتها على التعبير عن معتقدات الجماعة وأسئلتها الكبرى. وتتمحور أحداثها غالباً حول الآلهة وأنصاف الآلهة والقوى الكونية، بينما يظهر الإنسان فيها جزءاً من نظام يتجاوزه، ولذلك لا تنشغل الأسطورة بمغامرة فردية أو حادثة يومية، بل تعالج قضايا شاملة كأصل الكون والإنسان، ونشأة الموت والخصب، وطبيعة الشر، ومصير الإنسان. كما تجري أحداثها في زمن مقدس هو زمن البداية والتكوين، لا في زمن تاريخي عادي؛ فالحدث الأسطوري لا يُنظر إليه باعتباره واقعة انتهت، بل باعتباره نموذجاً يتجدد في الطقوس ودورات الطبيعة وحياة الجماعة. ومن هنا يتضح أن المعيار الحاسم في الأسطورة هو ارتباطها بنظام ديني معين، إذ تفسر معتقداته وتمنح طقوسه معناها، وتحظى بسلطة اعتقادية ووجدانية لدى الجماعة. فحكاية تروي صراع قوة مقدسة مع قوى الفوضى لتفسير خلق العالم تقترب من الأسطورة، أما حكاية الغول التي تُروى لتخويف الأطفال، أو قصة البطل الذي ينتصر بذكائه على خصمه، فهما أقرب إلى الخرافة أو الحكاية الشعبية، حتى لو اشتركتا مع الأسطورة في حضور العجيب. وعلى هذا الأساس، لا يكون كل خارق أسطورة، بل تصبح الحكاية أسطورة حين يكون الخارق فيها مقدساً، وحين تؤدي وظيفة تفسيرية وتأسيسية داخل معتقد الجماعة وطقوسها. وبهذا يخلص السوّاح إلى تعريفه للأسطورة:

«إن الأسطورة هي حكاية مقدسة، ذات مضمون عميق يشف عن معاني ذات صلة بالكون والوجود وحياة الإنسان»

ويلاحظ السوّاح أن الشعوب القديمة لم تكن تطلق على حكاياتها المقدسة اسماً خاصاً بها ولم تجمعها في سفر واحد يفرقها عن بقية الحكايات، إلا أنها كانت تميّز بدقة بين نوعين من القصص المتداولة: قصص حقيقية ترتبط بالمعتقدات الدينية وتتناول أصول العالم والكون، وهي التي تقابل الأسطورة بمفهومها الاصطلاحي؛ وقصص زائفة ذات مضمون دنيوي بحت، غرضها الأدبي أو الترفيهي أساساً، مثل الحكايات التي ترافق مغامرات الأبطال الذين يخلصون أقوامهم من الوحوش، أو التي تتصل بنشأة السحر ومؤسسة الشامانية. وما يميز القصص الحقيقية في نظر هذه الشعوب هو الإيمان الجماعي بصدق روايتها منذ البداية، بحيث لا يُلزم أحداً بتصديقها أو الإيمان برسالتها، بينما يجوز رواية القصص الزائفة في أي زمان ومكان دون قيد.

ثانياً: الخرافة أكثر أنواع الحكايا التقليدية شبهاً بالأسطورة

تأتي الخرافة، في تصوّر فراس السوّاح، في مقدمة الأجناس السردية القريبة من الأسطورة، لأنها تشترك معها في حضور العجيب والكائنات الخارقة والانتقال بين العالم الطبيعي والعالم فوق الطبيعي. غير أن الخرافة تقوم أساساً على الإدهاش والمبالغة والتهويل، وتستمد تأثيرها من المغامرة والعجائب لا من القداسة والاعتقاد. فقد يظهر فيها الجنّ والعفاريت والأرواح، بل قد تدخل الآلهة نفسها في أحداثها، لكنها لا تظهر بوصفها قوى مقدسة متعالية، وإنما باعتبارها شخصيات خارقة تشبه البشر المتفوقين. ولذلك فإن المعيار الحاسم للتمييز بين الخرافة والأسطورة هو معيار القداسة نفسه؛ فالأسطورة حكاية مقدسة يؤمن أهل الثقافة المنتجة لها بصدق روايتها إيماناً راسخاً لا يتزعزع، ويرون في مضمونها رسالة سرمدية موجهة للبشر، تكشف عن حقائق خالدة وتقيم صلة دائمة بين العالم الدنيوي والعوالم القدسية. أما الخرافة، فراويها ومستمعها يدركان منذ البداية أنها تقص أحداثاً لا تُلزم أحداً بتصديقها أو الإيمان برسالتها.

ومن ثمّ فإن وجود الخارق وحده لا يحوّل الحكاية إلى أسطورة، كما أن حضور الآلهة لا يكفي لإضفاء الطابع الأسطوري عليها؛ إذ لا تصبح الحكاية أسطورة إلا إذا ارتبطت بمعتقد ديني وطقس مقدس ووظيفة تأسيسية، بينما تظل الخرافة حكاية تخييلية هدفها الأساسي الإدهاش والإمتاع والمبالغة. وقد تتبادل الحكايتان التأثير، فتحمل المؤسسة الدينية خرافةً مضامين مقدسة، أو تفقد الأسطورة قدسيتها فتتحول إلى حكاية عجائبية متداولة ضمن الأدب الشعبي.

ويقرّ السوّاح بإمكان اعتبار حكاية الأميرة ذات الهمة، وعدد لا بأس به من حكايا ألف ليلة وليلة، من الأمثلة الأقرب إلى الخرافة في ثقافتنا العربية، إلى جانب حكاية سيف بن ذي يزن.

تطبيق: سيف بن ذي يزن بين روايتين

خلاصتها كما وردت في السيرة النبوية لابن هشام هي كالتالي: بعد موت أبرهة ثم يكسوم، تولّى مسروق بن أبرهة حكم اليمن، وطال بلاء الأحباش على أهلها، فخرج سيف بن ذي يزن الحميري يطلب العون لإخراجهم، فتوجّه أولاً إلى قيصر ملك الروم فلم يستجب له،

ثم قصد كسرى عن طريق النعمان بن المنذر فشكا إليه استيلاء الأحباش على اليمن. فأرسل معه كسرى ثمانمئة رجل من الفرس بقيادة وهرز، فخرجوا إلى اليمن وانضم إليهم سيف ومن استطاع من قومه. وفي المعركة أصاب وهرز مسروقاً بسهم في رأسه فانهزم الأحباش، ودخل وهرز صنعاء رافعاً رايته. واستقر الفرس بعد ذلك في اليمن، وعُرفوا بـ“الأبناء”، وتعاقب على حكمها عدد من أمرائهم حتى باذان، الذي بقي والياً عليها حتى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم ومن معه من الفرس بعد أن تحقق خبر مقتل كسرى على يد ابنه شيرويه، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

وللإشارة، فالحكاية كما وردت في هذا المصدر رواية تاريخية سياسية-عسكرية صرفة: لا آلهة فيها ولا جنّ ولا سحر؛ بل ملك يستنجد بقيصر فيرفضه، ثم بكسرى فيرسل معه جيشاً بقيادة وهرز، ومعركة حقيقية ينتصر فيها الفرس. الأحداث مؤرَّخة، والشخصيات بشرية بالكامل، وحتى الشعر المُدرج فيها وظيفته توثيقية لا سحرية. فهي لا تحقق شرط القداسة ولا الزمن الأسطوري المقدس، وتخرج تماماً من دائرة الأسطورة، لكنها أيضاً أقرب إلى الواقع من الخرافة، وتحمل وظيفة توثيقية-تمهيدية إذ قُدّمت كخلفية سياسية لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم. هذا يجعلها مطابقة لما أسماه السوّاح “الحكاية البطولية الإخبارية”: نوع أدبي يعتمد على عدد من الحقائق التاريخية، ويكسوها بقالب أدبي، دون أن يبلغ حدّ الخرافة.

أما الذي أشار إليه السوّاح حين ضرب المثل بسيف بن ذي يزن على الخرافة العربية، فهو حكاية سيف الذي يُسخّر عشرات الجن بسيفه الموروث عن سام بن نوح، ويهزم جيوش الفيلة بمفرده، وتلتقط له العفاريت الطائرة في الهواء. هذه ليست رواية ابن هشام، بل هي “السيرة الشعبية” المتأخرة (سيرة الملك سيف بن ذي يزن)، وهي عمل أدبي شعبي من جنس سيرتَي عنترة وذات الهمة، تراكمت فيه عبر قرون من التداول الشفهي عناصر عجائبية وسحرية لم تكن في الخبر التاريخي الأصلي. وتشير مقالة ويكيبيديا عن هذه السيرة إلى أنها تُخرج شخصية سيف عن حدود التاريخ، فتنسب له أصلاً جنياً من جهة أمه التي تُصوَّر ملكة من ملكات الجن، وتجعل له أختاً من الجن أيضاً،

مع الإشارة إلى أنه لا يوجد مصدر موثوق ينقل هذه القصة بطابعها الخرافي الأسطوري.

وينبغي أن نشير إلى أن الخرافة قد تكتسب طابعاً من القداسة، خاصة في فترات ضعف المؤسسة الدينية، فتُقدَّم في صورة أسطورة، كما أن الأسطورة قد تهبط إلى مستوى الخرافة، خاصة مع حدوث تغيرات في بنية المعتقدات.

ثالثاً: الحكاية البطولية أقرب إلى الخرافة

يمكن التمييز بين الحكاية البطولية والخرافة رغم ما قد يبدو بينهما من تقارب. ويوضح السوّاح أن الحكاية البطولية، وإن كانت أقرب الأجناس السردية إلى الخرافة، تختلف عنها في أمرين: أولهما أن أحداثها أقرب إلى الواقع رغم ما فيها من مبالغة وتهويل، وثانيهما، وهو الأهم، أن بطلها يمثل صورة مثالية للإنسان تستثير في المتلقي الرغبة في محاكاتها ولو بدرجات متفاوتة لا تبلغ النموذج الأعلى الذي ترسمه الحكاية. وذلك خلافاً لبطل الخرافة الذي يُقدَّم كنموذج متخيَّل بعيد عن الواقع إلى درجة لا يصلح معها مثالاً يُحتذى على أي صعيد. فأبطال الحكاية البطولية، رغم ما يكتنف سيرهم من مبالغات، بشر عاديون يتحركون في جوّ إنساني، وتظل أعمالهم نموذجاً سامياً يمكن للأفراد أن يطمحوا إليه، وعواطفهم وانفعالاتهم مما يشعر به السامع ويختبره فعلاً. ويضرب السوّاح مثال عنترة بن شداد من التراث العربي، وأبطال الإلياذة الإغريقية كأخيل وأغاممنون وباتروكلس وهيكتور.

تطبيق: عنترة بن شداد

عنترة بن شداد فارس وشاعر عربي من بني عبس، عاش في العصر الجاهلي، وهو ابن شدّاد العبسي من جارية حبشية اسمها زبيبة، ما جعله يُلقَّب في قومه بـ“عنترة العبد” قبل أن يعترف به أبوه ويُلحقه بنسبه بعد أن أبلى بلاءً حسناً في الدفاع عن قبيلته. اشتهر بحبه لابنة عمه عبلة، ورفض أهلها تزويجه إياها لسواد لونه ووضعه الاجتماعي، فجعل مهرها إثبات فروسيته وكرمه ونجدته، فخاض لأجلها ولأجل قبيلته حروباً ومعارك عديدة أشهرها حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان، وقد خلّد شجاعته وحبه في شعر فصيح بلغ ذروته في معلقته المشهورة.

ومن أهم الأحداث المفصلية في هذه الحكاية البطولية، الحوار الذي دار بين عنترة وأبيه، والذي لم يعترف بأبوته له إلا بعد عناء كبير: إذ استنجد شدّاد بابنه وهو يرى نساءه تُسبى وقومه يُصرعون، فتحدّاه عنترة بأنه ليس من حقه أن يقاتل عن قوم لا ينتسب إليهم رسمياً، فما كان من شدّاد إلا أن أقرّ أمامه بأن الحرية لا تُوهب عطاءً بل تُنتزع انتزاعاً في مثل هذا الموقف، ونادى عليه أخيراً باسمه “عنترة بن شداد”، فانطلق عنترة عندئذ على فرسه الأجدل يشق صفوف الأعداء وحده، ويصرع الفرسان واحداً بعد آخر، حتى تراجع من بقي منهم، فيما التحق به فرسان عبس الذين استرد الأمل قلوبهم بمرآه، فولّى العدو الأدبار تاركاً وراءه ما كان قد جمعه من أموال وسبايا.

كان هذا موجز ما يمكن سَوقه مثالاً على الحكاية البطولية، توفرت فيه المعايير التي حدّدها السوّاح. ثم ينتقل السوّاح للحديث عن شكل أدبي مجاور، هو الحكاية البطولية الإخبارية: حكاية تقص أحداثاً تاريخية أو شبه تاريخية، تعتمد على عدد من الوقائع الفعلية، لكنها تراكم فوقها أحداثاً خيالية إضافية إلى أن يغيب التاريخ في ضباب الخيال. ويضرب لذلك مثال حرب طروادة، ومثلها في الأدب الشعبي العربي تغريبة بني هلال، التي تصف بطولات فرسانها الأفراد، لكنها تهدف في العمق إلى تقديم حدث تاريخي في قالب أدبي مشبع بالخيال. ويقترح السوّاح مصطلحين غربيين يمكن إدراجهما ضمن هذه الزمرة: الليجندة (Legend)، وهي قصة غير محقق من صحتها التاريخية رغم اعتقاد الناس بصحتها، تدور غالباً حول حياة شخصيات محبوبة شعبياً كالقديسين وكراماتهم؛ والملحمة (Epic)، وهي تأليف شعري رفيع يسرد بإسهاب منجزات أحد الأبطال في نص مضطرد.

رابعاً: الحكاية الشعبية

يفرّق السوّاح الحكاية الشعبية عن الخرافة والحكاية البطولية أساساً بهاجسها الاجتماعي؛ إذ تنحصر موضوعاتها في العلاقات الأسرية والاجتماعية، كزوجة الأب الحقود، وغيرة الإخوة أو الأخوات من الأصغر المفضَّل، وهي حكاية واقعية إلى حدّ بعيد، تخلو من التأملات الفلسفية والميتافيزيقية، وتركز على تفاصيل الحياة اليومية. ويظل بطلها إنساناً عادياً يعتمد على الحيلة والفطنة لا القوة الخارقة، حتى حين يحضر فيها الجنّ أو الغول لغرض التشويق. وهي من حيث الصياغة بسيطة البنية، خطية التسلسل، تجري في زمان ومكان واقعيين، خلافاً للخرافة المعقدة البنية غير المقيدة بذلك، كما تتميز برسالتها التعليمية التهذيبية التي تحض على قيم كفضح الخيانة وتقدير الإحسان وذمّ الحسد.

نماذج من الحكاية الشعبية المغربية

تُقدَّم الحكاية الشعبية لحظات لنسيان الواقع القاسي عن طريق اللجوء إلى المتخيَّل الذي يملأ الفراغ الواقعي؛ فهي ليست مجرد نقل للواقع أو استعادة لأحداثه، وإنما إعادة بناء له بواسطة الخيال، بما يسمح بإقامة عالم مغاير للعالم المألوف، عالم تتجاوز فيه الأشياء حدودها المعتادة، فيتكلم الحيوان وتتحرك الأشياء، بينما تستعيد حكمة السنين قدرتها على إعادة تنظيم أحوال البشر وفق تصورات الجماعة وقيمها.

ويسمّي المجتمع التقليدي في المغرب الحكاية الخرافية باللهجة العربية الدارجة “حجاية” أو “خريفة”، وبالأمازيغية “أمشهوس”، وهي تُروى عادة في سهرات السمر الليلية داخل الأسرة، في جوّ شبه طقوسي حول موقد النار أو تحت الأغطية الصوفية، ويُعتقد أن روايتها نهاراً تجلب الأذى للراوي أو لذريته. ويجتمع الأطفال عادة حول الجدة أو الأم أو الأخت الكبرى لسماع مغامرات الأبطال الخرافيين، وإن كان أداؤها لا يقتصر على النساء، بل يشاركها الرجال والشباب أحياناً، مع بقاء النساء الراويات الأصليات لهذا النمط.

وتُجسِّد الحكاية الشعبية الصراع بين الخير والشر عبر مبدأ الجزاء: فالشر يفضي إلى العقاب، بينما ينتصر المظلوم في النهاية ويُكافأ فاعل الخير خير مكافأة، قد تبلغ الزواج بالأميرة أو نيل نصف المملكة. وبذلك تؤدي الحكاية وظيفة أخلاقية واضحة، ترسّخ لدى المتلقي التمييز بين الخير والشر وتؤكد انتصار العدل.

ويمكن تلخيص أبرز القيم التي تتضمنها الحكايات الشعبية المغربية فيما يلي:

– ضرورة استعمال الحيلة لتأمين المنافع ومواجهة الأخطار

– عدم احتقار الإنسان لمن هو أضعف منه

– عدم التفكير في الإساءة إلى الآخرين

– احترام روابط الدم والقرابة

– ضرورة إصلاح الإساءة رغم ما تكلفه من جهد

– ضرورة مكافأة الإحسان بالإحسان

– اجتناب الحسد

– احترام وصية الأب

– احترام العهد

– القناعة والرضى بالقدر

– اجتناب الطمع

– التحلي بالشجاعة

– الخيانة تؤدي إلى الهلاك

– عدم تصديق المظاهر

– اجتناب الظلم

نموذج: حكاية عابر سبيل

تحكي هذه الحكاية القصيرة عن رجل مُنع من دخول عرس بسبب ثيابه البالية، فعاد بعد أن ارتدى بُرنساً جديداً فرحّب به الحاضرون وقدّموا له الطعام، فأخذ يغمس كمّ برنسه في الصحن قائلاً إن الدعوة كانت لثيابه لا له، بعدما رفضوا استقباله قبل أن يلبسها. وهي حكاية تحمل نقداً اجتماعياً لاذعاً لثقافة تقديس المظاهر على حساب الجوهر.

نموذج: حكاية الولي الصالح علي بن قاسم

تروى في منطقة دكالة عن مرابط يُدعى علي بن قاسم كتب تميمة حفظت مدينته من غزو الكفار عبر البحر، فتمكن أحد اليهود بالحيلة من سرقتها، فعلم الوليّ بالأمر وغادر المدينة تاركاً إشارة يفهمها أهلها ليتبعوه. وتتوالى في الحكاية كرامات منسوبة إليه في طريقه نحو مراكش، من تمييزه الصادقين عن غير الصادقين في التعامل معه، إلى ترويضه حيّة كانت تمنع الأذان في صومعة الكتبية وتقتل من دخلها، وصولاً إلى استقباله من طرف السلطان ومكافأته. وتنتمي هذه الحكاية إلى نمط حكايات الأولياء والصالحين المتداولة شعبياً في المغرب.

نماذج أخرى متداولة في المجتمع المغربي

١. حكاية الجن: تدور حول عالم الجن وعلاقته بالإنسان، وما ينشأ عن هذا الاحتكاك من أحداث ومواقف تتداخل فيها عناصر الخوف والغرابة والخيال، وتعكس بعض التصورات الشعبية حول العالم الغيبي.

٢. حكاية بغلة القبور: تحكي عن كائن غريب يرتبط بالقبور والأماكن الموحشة، ويظهر بوصفه مصدراً للخوف والرهبة، بما يعكس حضور الموت والعالم الغيبي في المخيال الشعبي.

٣. حكاية عيشة قنديشة: تتناقلها الذاكرة الشعبية المغربية عن امرأة غامضة تظهر في صورة فاتنة تستدرج الرجال، ثم تنقلب صورتها إلى هيئة مخيفة، وترتبط في بعض رواياتها بالأماكن المعزولة والمياه، ما يجعلها نموذجاً بارزاً للشخصية الغرائبية في المخيال الشعبي المغربي.

خامساً: جدول تركيبي للتمييز بين الأجناس السردية

قبل الخلوص إلى الخاتمة، يمكن تلخيص أهم الفروق بين الأسطورة والخرافة والحكاية البطولية والحكاية الشعبية، بحسب المعايير التي فصّلناها أعلاه، في الجدول التالي:

المعيارالأسطورةالخرافةالحكاية البطوليةالحكاية الشعبية
العلاقة بالمقدس والاعتقادمقدسة؛ يؤمن أهل الثقافة بصدق روايتها إيماناً راسخاًغير مقدسة؛ راويها ومستمعها يعلمان أنها لا تُلزم أحداً بالتصديقغير مقدسة؛ الإعجاب بالبطل لا يرقى إلى اعتقاد دينيغير مقدسة؛ ذات غاية تعليمية-أخلاقية بحتة
طبيعة الزمنزمن أصلي كوني مقدس، متجدد الحضور خارج الزمن التاريخيزمن عجائبي غير محدد، منفصل عن الواقعزمن تاريخي أو شبه تاريخي مغلَّف بالخيالزمن ومكان واقعيان، ضمن الحياة اليومية العادية
طبيعة الشخصياتآلهة وأنصاف آلهة؛ الإنسان حضوره مكمِّل لا رئيسيجنّ وعفاريت وكائنات خارقة أقرب لبشر متفوقينإنسان عادي بمزايا مثالية (شجاعة، نبل) قابل للاقتداءإنسان عادي يعتمد الحيلة والفطنة لا القوة الخارقة
الوظيفة الأساسيةتفسيرية تأسيسية: أصل الكون والإنسان، الموت، الخصبالإدهاش والإمتاع والتهويلتقديم نموذج مثالي للفروسية والبطولة يُحتذى بهتربوية أخلاقية: دروس في القيم الاجتماعية
درجة الارتباط بالواقعبعيدة كلياً عن الواقع (زمان ومكان مقدسان)بعيدة عن الواقع (عالم عجائبي محض)قريبة نسبياً من الواقع رغم المبالغةقريبة جداً من الواقع اليومي المعيش
المعيار الحاسم للتمييز عند السوّاحاجتماع القداسة والوظيفة التفسيرية والارتباط بنظام ديني وطقسيغياب القداسة رغم حضور الخارق والعجيبإنسانية البطل وقابليته للاقتداء، خلافاً لبطل الخرافة الخارقالهاجس الاجتماعي والانشغال بالعلاقات الأسرية اليومية
مثال من المقالةإنانا وهبوطها للعالم الأسفل؛ صراع بعل ولوتان؛ أسطورة الطوفانسيف بن ذي يزن (الرواية الشعبية)؛ ذات الهمة؛ ألف ليلة وليلةعنترة بن شداد؛ أبطال الإلياذة؛ سيف بن ذي يزن (رواية ابن هشام)حكاية «عابر سبيل»؛ حكاية «الولي الصالح علي بن قاسم»

الخاتمة

تبحث المقالة في مفهوم الأسطورة وتمييزها عن الخرافة والحكاية الشعبية والحكاية البطولية، وتؤكد أن الأسطورة ليست كل حكاية تتضمن أحداثاً خارقة، بل هي حكاية مقدسة ذات وظيفة تفسيرية ورمزية، تفسر أصل الكون والإنسان والموت والخصب والشر، وتعبّر عن رؤية الجماعة للعالم والوجود. وتتميز بارتباطها بزمن مقدس، وبنظام ديني وطقوس محددة، وباعتقاد الجماعة في صدق مضمونها.

أما الخرافة فتشترك معها في العجيب، لكنها تقوم أساساً على المبالغة والإدهاش ولا تفرض الإيمان بمضمونها. وتختلف الحكاية البطولية عنها في تركيزها على بطل بشري يقدم نموذجاً للشجاعة والكرامة والبطولة، بينما تهتم الحكاية الشعبية بالعلاقات الاجتماعية والأسرية ومشكلات الحياة اليومية، وتوظف الخيال والحيلة لتقديم دروس أخلاقية، مثل رفض الظلم والحسد والطمع والخيانة.

وتبيّن النماذج المغربية أن حضور الجنّ أو الغول أو الوليّ الصالح لا يجعل الحكاية أسطورة تلقائياً. وتخلص المقالة إلى أن معيار التمييز الأساس هو اجتماع القداسة والاعتقاد والوظيفة التفسيرية والارتباط بالطقس، لا مجرد وجود الخارق.

عبد الغفور بن شقرون

قائمة المصادر والمراجع

أولاً: الكتب

ابن هشام، أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري. السيرة النبوية. بيروت: دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة، 1410هـ/1990م.

أبو حديد، محمد فريد. أبو الفوارس عنترة بن شداد. القاهرة: وزارة التربية والتعليم – مركز تطوير المناهج والمواد التعليمية، 2018-2019م.

السواح، فراس. الأسطورة والمعنى. دمشق: دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة، (د.ت).

فخر الدين، محمد. الحكاية الشعبية المغربية. (د.م): دار المعرفة للنشر، 2005م.

ثانياً: المواقع الإلكترونية

ويكيبيديا، الموسوعة الحرة، مقالة “سيف بن ذي يزن”، تاريخ الاطلاع: 20/09/2026، الرابط:

https://ar.wikipedia.org/wiki/سيف_بن_ذي_يزن


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

عبد الغفور بن شقرون

السيد عبد الغفور بن شقرون، مغربي الجنسية، وأستاذ للفلسفة بالتعليم الثانوي التأهيلي، وخريج المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مراكش-آسفي. درس بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن زهر بأكادير، تخصص علم الاجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى