تصدّعات هايدغر وثالوث الحلم الإشراقي
هنري كوربن والطباطبائي والسهروردي: من أوروبا المشتعلة بحربين عالمتين إلى أروقة طهران ومطارحات الحكمة

مدخل: من المعرفة عن الله إلى المعرفة التي تغيّر الوجود
غالباً ما تتحول دراسة اللاهوت إلى ممارسة معرفية تنشغل بالله بوصفه موضوعاً للبحث، حتى نكاد أن ننسى أن السؤال الأعمق ليس فقط: ماذا نعرف عن الله؟ بل: كيف يقيم الإنسان علاقة حية مع الله؟ وكيف تتحول المعرفة الدينية من معلومات ومقولات وبراهين إلى أفق يغيّر وجود الإنسان، ويعيد تشكيل علاقته بذاته وبالعالم وبمخلوقات الله؟
إن هذا السؤال لا يتعلق بمضمون المعرفة وحده، بل بطبيعتها أيضاً: هل المعرفة الدينية امتلاك لمجموعة من الحقائق، أم أنها تحوّل في نمط حضور الإنسان في الوجود؟ وهل يستطيع الإنسان أن يعرف الحقيقة من دون أن تتغير علاقته بنفسه وبالعالم؟ وهل يمكن أن تكون المعرفة الروحية ضرباً من المشاركة الوجودية، لا مجرد نشاط ذهني يراقب موضوعاً يقع خارجه؟
من قلب هذه الأسئلة يمكننا الاقتراب من تجربة الفيلسوف والمستشرق الفرنسي هنري كوربن (1903-1978). فقد انشغل كوربن، طوال مسيرته الفكرية، بمشكلة العلاقة بين المعرفة والوجود، وبإمكان أن تكون الحقيقة الروحية مجالاً للتجربة والتأويل، لا مجرد موضوع للتاريخ أو الاعتقاد. ولم يكن اهتمامه بالفلسفة الإيرانية الإسلامية مجرد انتقال من دراسة نصوص فلسفية إلى دراسة نصوص دينية؛ بل كان بحثاً عن أفق ميتافيزيقي يستطيع أن يستوعب ما لم يكن التحليل الفلسفي الحديث، في نظره، قد استنفد إمكاناته. نشأ كوربن في بيئة أوروبية مسيحية، وتكوّن في فضاء فلسفي ولاهوتي شهد تحولات عميقة. ويمكن، من منظور قراءتنا، أن نربط اهتمامه اللاحق بالتجربة الروحية بسؤال العلاقة بين الإيمان والمعرفة، وبين العقيدة والتجربة الحية. لكن من المهم ألا نحول هذا الربط إلى ادعاء تاريخي غير موثق عن نشأته أو عن موقفه من التعليم الكاثوليكي؛ فالأجدى أن نقرأه بوصفه مدخلاً تفسيرياً إلى مشروعه، لا تفسيراً نفسياً نهائياً له. لقد عاصر كوربن الحربين العالميتين الأولى والثانية، وعاش في قارة شهدت انهياراً أخلاقياً وسياسياً هائلاً، على الرغم من ادعاءاتها المتواصلة امتلاك العقل والتقدم. ولا يعني ذلك أن الحروب وحدها تفسر اختياراته الفلسفية، لكنها تشكل خلفية تاريخية مهمة للسؤال عن الإنسان ومصيره، وعن حدود التصورات التي تختزل الوجود في العالم المحسوس أو تجعل المعرفة منفصلة عن التحول الأخلاقي والروحي.
في هذا السياق، اتجه كوربن إلى الفلسفة الألمانية، واشتغل بفكر مارتن هايدغر (26 سبتمبر 1889 – 26 مايو 1976)، وكان من أوائل من نقلوا أعماله إلى الفرنسية. لكنه كان، في الوقت نفسه، يشتغل على الفلسفة الإشراقية الإسلامية ()، ولا سيما فلسفة شهاب الدين السهروردي. ومن هنا لا ينبغي أن نروي مسيرته باعتبارها انتقالاً بسيطاً من هايدغر إلى السهروردي، بل باعتبارها مسارين متوازيين التقيا في سؤال واحد: كيف نفهم الوجود، وما الذي يستطيع الإنسان أن يعرفه منه، وما العلاقة بين الفهم ونمط وجود من يفهم؟ بهذا المعنى، لا تبدأ حكاية كوربن من خيبة أمل في الفلسفة الأوروبية، بل من محاولة توسيع السؤال الفلسفي نفسه. ومن هنا تتشكل ملامح ما يمكن أن نسميه ثالوث الحلم الإشراقي: هايدغر بوصفه أفقاً فلسفياً للتأويل والتحليل الوجودي، والسهروردي بوصفه أفقاً للحكمة الإشراقية ومراتب النور، والطباطبائي بوصفه محاوراً حياً يكشف عن استمرار هذا التقليد داخل الفلسفة الإسلامية المعاصرة.
تصدّعات هايدغر ومأزق الدازاين
يستعرض النص التالي تحليلياً لما تسميه المقالة بـ «تصدّعات هايدغر» ومأزق مفهوم «الدازاين» (Dasein) من منظور الفيلسوف والمستشرق الفرنسي هنري كوربن (Henry Corbin)، وتحديداً في رحلة انتقاله واستلهامه للميتافيزيقا الإيرانية الإسلامية (مثل فلسفة السهروردي وملا صدرا وابن عربي). وذلك عبر حدود الدازاين و«الوجود-نحو-الموت» ومأزق هايدغر: يرى هايدغر أن الوجود الإنساني (الدازاين) محكوم بالتناهي (Finitude)، وأن غاية هذا الوجود وأفق انكشافه الأقصى يتحدد بوصفه «وجوداً-نحو-الموت» (Sein zum Tode)؛ وهو ما يعطي الوجود الإنساني طابعاً مأساوياً أو راديكالياً متورطاً في حدود العالم الأرضي. تجاوز كوربن: وجد كوربن عند حكماء الإشراق والعرفان الإسلامي أن أفق الوجود الإنساني لا ينتهي عند عتبة الفناء البيولوجي، بل يتحول إلى «وجود لما وراء الموت» (Sein zum Jenseits des Todes)، مما يفتح الباب أمام عوالم وسيطة ومراتب أعمق للوعي والحضور لا يستنفدها التحليل الهايدغري وحده.
المفتاح والقفل: الاستفادة لا التبعية ويؤكد كوربن على أهمية التمييز بين الأداة الفلسفية والرؤية الكونية. فقد أفاد من الفينومينولوجيا والآليات التأويلية لهايدغر بوصفها «مفتاحاً»، لكنه لم يقع في فخ مطابقة هذا المفتاح مع «القفل» الشرقي؛ بمعنى أنه استخدم المنهج الهايدغري لقراءة نصوص الحكمة الإيرانية، من دون أن يذيب الأخيرة داخل الفلسفة الوجودية الألمانية.
عالم المثال والزمان الأنفسي وهو عالم المثال (Mundus Imaginalis): مرتبة وجودية قائمة بذاتها تقع بين عالم المحسوسات وعالم المجردات العقلية، وتُدار بواسطة «الخيال الخلاق» بوصفه أداة إدراكية حقيقية وليست مجرد وهم نفسي.
تعدد الأزمنة: يطرح النص تجاوزاً للزمن الفيزيائي أو الآفاقي (Zamân Âfâqî) لصالح الزمان الأنفسي (Zamân Anfosî) ومراتبه المختلفة، مما يحرر الإنسان من أسر التعاقب الزمني المادي البحت.
هايدغر وسؤال الوجود: ما الذي تعلمه كوربن؟
إن فهم المسافة بين هايدغر وكوربن يقتضي أولاً تجنب إصدار حكم عقدي مبسط على مشروع هايدغر. فهو لم يجعل الله، بمفهومه الديني التقليدي، موضوعاً مركزياً في تحليله الأنطولوجي، بل سعى إلى إعادة طرح سؤال الوجود، ونقد التصورات الميتافيزيقية التي تختزل الله في مفهوم العلة الأولى أو الموجود الأسمى. ويتصل ذلك بنقده لما يسميه تاريخ الفلسفة باللاهوت-الأنطولوجي (Onto-théologie). ومن ثم ينبغي التمييز بين تحييد السؤال اللاهوتي داخل مشروع فلسفي معين، وبين الإلحاد بوصفه موقفاً عقدياً. فعدم جعل الله موضوعاً للتحليل الوجودي لا يساوي بالضرورة إثبات عدم وجوده، كما أن نقد التصورات الميتافيزيقية التقليدية لا يعني أن الفيلسوف قد حسم المسألة الدينية في اتجاه واحد. لكن ما يهمنا هنا ليس إصدار حكم على هايدغر من خارج مشروعه، بل فهم ما أخذه كوربن منه، وما الذي أضافه إلى أفقه. وقد ترك لنا كوربن شهادة مباشرة في حواره مع فيليب نيمو، المعنون:
De Heidegger à Sohravardî: Entretien avec Philippe Némo (1976).
وفي هذا الحوار () يرفض كوربن صراحةً الرواية التي تزعم أنه اتجه إلى التصوف والفلسفة الإيرانية نتيجة خيبة أمله من هايدغر، ويصفها بأنها رواية «خاطئة تماماً». ويوضح أن منشوراته الأولى عن السهروردي تعود إلى عامي 1933 و1935، بينما ظهرت ترجمته لهايدغر عام 1938. وهذا يعني أن المسارين لم يكونا انتقالاً زمنياً بسيطاً من أحدهما إلى الآخر، بل كانا يتقدمان بالتوازي ضمن مسعى فلسفي واحد.
يقول كوربن:
«Ce que je cherchais chez Heidegger, ce que je compris grâce à Heidegger, c’est cela même que je cherchais et que je trouvais dans la métaphysique irano-islamique.»
أي: «إن ما كنت أبحث عنه عند هايدغر، وما فهمته بفضل هايدغر، هو نفسه ما كنت أبحث عنه وأجده في الميتافيزيقا الإيرانية الإسلامية». هذه العبارة مفتاح لفهم مشروع كوربن. فهو لا يقدم لنا قصة تلميذ اكتشف خطأ أستاذه ثم هجره، بل قصة باحث وجد أن سؤالاً فلسفياً واحداً يمكن أن يتكشف في تقاليد مختلفة، وأن ما تعلمه من التحليل الفينومينولوجي عند هايدغر يمكن أن يساعده على قراءة نصوص الحكمة الإيرانية الإسلامية، من دون أن يجعلها مجرد امتداد للفلسفة الألمانية. إن التشابه الذي يشير إليه كوربن لا يعني التطابق بين المشروعين. فالمسألة ليست أن السهروردي يقول ما يقوله هايدغر بلغة أخرى، أو أن الفلسفة الإيرانية تقدم نسخة شرقية من الفلسفة الوجودية. بل إن كوربن وجد أن الأداة التأويلية التي أفاد منها في الفلسفة الألمانية تستطيع أن تفتح له باباً إلى أسئلة أخرى، وإلى مراتب من الوجود لا تختزلها المفاهيم التي انطلق منها التحليل الهايدغري.
التأويلية: من فهم النص إلى تحوّل الوجود
يمنح كوربن هايدغر تقديراً واضحاً في الحوار؛ فهو يرى أن من إسهاماته الكبرى وضع التأويلية (Herméneutique) في قلب الفعل الفلسفي. ولم تعد التأويلية، وفق هذا الأفق، مجرد تقنية لغوية لاستخراج معنى من نص، بل أصبحت مدخلاً لفهم كيفية انكشاف الوجود للإنسان، وكيف يتحدد الفهم من خلال نمط وجود من يفهم. لكن كوربن يميز بين الاستفادة من الأداة التأويلية وبين تبني الرؤية الكونية (Weltanschauung) التي يقوم عليها مشروع هايدغر. ويستخدم لهذا الغرض صورة المفتاح والقفل، فيقول:
«Se servir d’une clef pour ouvrir une serrure, ce n’est tout de même pas confondre la clef avec la serrure.»
أي: «إن استخدام مفتاح لفتح قفل لا يعني، بطبيعة الحال، الخلط بين المفتاح والقفل». إن هذا التشبيه يتجاوز كونه دفاعاً عن استقلال كوربن الفكري؛ فهو يحدد منهجاً في التعامل مع التراث الفلسفي. فليس مطلوباً من الباحث أن يتبنى الرؤية الكونية لفيلسوف ما لكي يستفيد من أداته التحليلية. كما أن استخدام أداة فلسفية لا يفرض عليه البقاء داخل الحدود التي رسمها صاحبها لمجال السؤال. وهنا يمكننا أن نطور فكرة أساسية في مشروع كوربن: التأويل ليس نشاطاً ذهنياً محايداً يقع بين الذات والموضوع، بل يتصل بموقع الإنسان من الحقيقة التي يحاول فهمها. فطرائق الفهم (Modi intelligendi) ترتبط بطرائق الوجود (Modi essendi). وكل اختلاف في نمط الفهم يمكن أن يكشف عن اختلاف في نمط الحضور، وعن إمكانات جديدة في علاقة الإنسان بما يتجاوز إدراكه المباشر. ومن هذا المنظور، لا يكون تأويل النص الديني أو الفلسفي مجرد إعادة بناء لما قصده صاحبه في سياقه التاريخي، بل محاولة للكشف عن إمكاناته الوجودية. فالنص لا يكتسب أهميته من كونه وثيقة عن الماضي فقط، وإنما من قدرته على فتح مجال للتفكير والحضور في الحاضر.
وهذا هو أحد الجسور التي تصل هايدغر بكوربن، ثم تصل كوربن بالسهروردي والطباطبائي: الانتقال من سؤال «ماذا يقول النص؟» إلى سؤال «أي نمط من المعرفة والوجود يتيحه هذا النص؟».
مأزق الوجود-نحو-الموت وإمكان الوجود لما وراء الموت
تبلغ المقارنة بين هايدغر والحكمة الإيرانية الإسلامية ذروتها عندما يتناول كوربن مفهوم الحضور الإنساني، ويقارن بين أفق الدازاين في فلسفة هايدغر وأفق الحضور في الحكمة الإيرانية والعرفان.
يقول كوربن:
«Chez Heidegger, s’ordonne autour de ce situs toute l’ambiguïté de la finitude humaine caractérisée comme un “Être-pour-la-mort” (Sein zum Tode). Chez un Mollâ Sadrâ, chez un Ibn ’Arabî, la présence telle qu’ils l’éprouvent en ce monde […] n’est pas une Présence dont la finalité est la mort, un être-pour-la-mort, mais un “être pour au-delà-de-la-mort”, disons : Sein zum Jenseits des Todes.»
ومعنى ذلك: «عند هايدغر، تنتظم حول هذا الموقع كل إشكالية التناهي الإنساني، الذي يتحدد بوصفه وجوداً-نحو-الموت (Sein zum Tode). أما عند ملا صدرا وابن عربي، فإن الحضور الذي يختبرانه في هذا العالم ليس حضوراً تكون غايته الموت، أو وجوداً-نحو-الموت، بل هو وجود لما وراء الموت (Sein zum Jenseits des Todes)». هذه المقارنة لا تعني أن هايدغر لم يفهم الوجود، ولا أن مشروعه يفتقر إلى العمق، بل تكشف عن اختلاف في الأفق الذي يتحدد ضمنه معنى الحضور الإنساني. ففي تحليل هايدغر، يصبح الموت إمكاناً وجودياً أساسياً يكشف للإنسان تناهيه، ويعيده إلى فرادة وجوده ومسؤوليته عن إمكاناته. أما في قراءة كوربن لملا صدرا وابن عربي، فإن الحضور لا ينتهي عند هذا الحد؛ إذ يتصل بإمكان وجودي يتجاوز الموت، ويفتح المجال أمام مراتب أخرى من الحياة والوعي والحضور.
ومن المهم هنا ألا نختزل الفرق في مقابلة بسيطة بين فلسفة متشائمة وأخرى متفائلة؛ فهايدغر لا يقدم الموت بوصفه مجرد حدث بيولوجي، وكوربن لا يقدم ما وراء الموت بوصفه مجرد وعد أخروي. إن المقارنة تتعلق ببنية الوجود نفسه: هل يظل تحليل الحضور محكوماً بأفق التناهي، أم يمكن توسيعه ليشمل عوالم ومراتب لا يستنفدها الوجود الإنساني في صورته الأرضية؟
ويتابع كوربن هذا التمييز بسؤال بالغ الدلالة:
«Devrai-je me limiter au phénomène du monde qu’analyse Sein und Zeit ? Ou bien pressentir, accepter et amplifier ma présence à tous les mondes et intermondes, tels que me les découvre et révèle la Présence “orientale” de nos théosophes iraniens islamiques ?»
أي: «هل ينبغي أن أكتفي بظاهرة العالم التي يحللها كتاب الوجود والزمان؟ أم ينبغي أن أستشعر حضوري وأقبله وأوسعه ليشمل جميع العوالم والعوالم الوسيطة، كما تكشفها لي الحضورَة المشرقية لدى حكمائنا الإيرانيين المسلمين؟».
إن أهمية السؤال تكمن في أنه ينقل النقاش من حدود تحليل الدازاين إلى إمكان توسيع مجال الحضور. فالمسألة ليست رفض التحليل الوجودي، بل التساؤل عما إذا كان العالم الذي يحلله Sein und Zeit هو كل ما يمكن أن يكون موضوعاً للتجربة الوجودية، أم أن ثمة مراتب أخرى من الحضور لا تظهر إلا من خلال تقاليد معرفية وروحية مختلفة. ومن هنا يمكننا أن نقرأ عبارة «الوجود لما وراء الموت» بوصفها نقطة انعطاف في مشروع كوربن: إنها لا تعلن انتهاء الفلسفة الوجودية، بل تفتح سؤالاً جديداً حول ما إذا كان الوجود الإنساني قابلاً لأن يُفهم ضمن أفق أوسع من التناهي.
عالم المثال: حين يصبح الخيال مرتبة من مراتب الوجود
إذا كان توسيع أفق الحضور هو السؤال الذي يفتح الطريق من هايدغر إلى الحكمة الإيرانية، فإن مفهوم عالم المثال (Mundus Imaginalis) يمثل أحد أهم المفاتيح التي استخدمها كوربن لتفسير هذا الاتساع. لا يقصد كوربن بعالم المثال عالماً متخيلاً بالمعنى النفسي، ولا صوراً يصنعها العقل من عناصر العالم المحسوس. إنه يتحدث عن مرتبة وجودية وسيطة، لها نمطها الخاص من الحضور والإدراك، وتقع بين العالم المحسوس والعوالم الروحية المجردة. ولهذا حرص على التمييز بين Imaginal وImaginary: بين ما هو مثالي أو مثاليّ الوجود في اصطلاحه، وما هو وهمي أو متخيل بمعنى غير واقعي. وهنا تظهر أهمية الخيال الخلاق في قراءة ابن عربي، كما تظهر أهمية عالم المثال في فهم الحكمة الإشراقية. فالخيال لا يعود قوة لإنتاج صور لا وجود لها، بل يصبح قدرة إدراكية يمكن من خلالها أن تنكشف حقائق لا تقع تحت الحس المباشر، من دون أن تتحول إلى مفاهيم عقلية مجردة تفقد خصوصيتها التصويرية والروحية. إن عالم المثال، بهذا المعنى، يتيح التفكير في وجود لا ينحصر في الثنائية الصارمة بين المادة والعقل المجرد. فهناك مرتبة تتجسد فيها المعاني في صور، وتصبح الصور فيها حاملة لدلالات وجودية. ومن ثم لا يكون الرمز مجرد زخرفة لغوية، بل قد يكون نمطاً من أنماط انكشاف الحقيقة. وهذا التصور يكتسب أهمية خاصة حين نربطه بالتأويل. فإذا كان التأويل عند كوربن يعيد الشيء إلى أصله أو نموذجه (archétype)، فإن عالم المثال يوفر أفقاً يمكن فيه فهم العلاقة بين الصورة ومعناها، وبين الظاهر والحقيقة التي ينكشف عنها. فالتأويل لا يمحو الصورة لكي يصل إلى معنى مجرد، بل يعيدها إلى مرتبتها ومصدرها، ويكشف ما تحمله من دلالة.
وهنا نقترب من مفهوم التأويل في التراث الإسلامي، ولا سيما في سياق الحكمة الإشراقية والعرفان. فالتأويل ليس ترخيصاً لإسقاط أي معنى على النص أو الصورة، بل حركة معرفية تعيد الظاهر إلى أصله، وتكشف عن مستواه الأعمق من غير أن تلغي مستواه الأول.
الزمان الآفاقي والزمان الأنفسي: تعدد مقاييس الحضور
لا يقتصر توسيع الوجود عند هنري كوربن على تعدد العوالم ومراتبها، بل يشمل أيضاً تعدد أنماط الزمان (Modes of Temporality). ففي حواره مع فيليب نيمو، «من هايدغر إلى السهروردي» (De Heidegger à Sohravardî)، يستحضر كوربن تمييزاً ينسبه إلى العارف الإيراني علاء الدولة السمناني (ʿAlāʾ al-Dawla Simnānī، القرن الرابع عشر)، بين الزمان الآفاقي (Zamān Āfāqī)، الذي يسميه بالفرنسية Temporalité des horizons، أي زمن الآفاق أو الزمن الأفقي، والزمان الأنفسي (Zamān Anfusī)، الذي يسميه Temporalité des âmes، أي زمن النفوس أو الزمن النفسي الروحي (Psycho-spiritual Time). ويقصد بالأول الزمن المرتبط بالماكروكوزم (Macrocosm)، أي العالم الأكبر والكون الفيزيائي، بينما يرتبط الثاني بعالم النفوس وبمراتب التجربة الروحية. وبذلك لا يعود الزمن محصوراً في تعاقب الأحداث الخارجية، بل يصبح قابلاً للفهم من خلال العلاقة بين ما يقع في العالم وما يتحقق في باطن الإنسان من تحولات روحية.
ولا ينبغي أن نختزل الزمان الأنفسي في المعنى النفسي الحديث، أي في اختلاف الإحساس الذاتي بمرور الدقائق والساعات؛ فالمقصود في هذا السياق أوسع من التجربة الشعورية الفردية، إذ يتعلق بمرتبة من مراتب الوجود والإدراك الروحي. ومن ثم فإن التمييز بين الآفاقي والأنفسي يتيح التفكير في علاقة العالم الأكبر بعالم الإنسان الداخلي، وفي إمكان أن يكون للحدث الخارجي نظير أو دلالة في أفق النفس، من غير أن يعني ذلك تطابق الحدثين أو اختزال أحدهما في الآخر.
وفي السياق نفسه، يستحضر كوربن تمييز القاضي سعيد القمي (Qāḍī Saʿīd Qummī، القرن السابع عشر) بين ثلاث مراتب للزمان: الزمان الكثيف (Zamān Kathīf)، والزمان اللطيف (Zamān Laṭīf)، والزمان الألطف (Zamān Alṭaf). وقد عرض القاضي سعيد هذا التقسيم في كتابه شرح توحيد الصدوق، رابطاً الزمان الكثيف بالموجودات المادية ومدد الحركات المحسوسة، والزمان اللطيف بحركات الموجودات الروحانية المدبرة للعالم الجسماني، والزمان الألطف بحركة الأرواح العالية والأنوار المقدسة. ويستند في توضيح هذه المراتب إلى إشارات قرآنية، منها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ (الحج: 47)، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (المعارج: 4). ويشرح هذا التفاوت انطلاقاً من تصوره لمراتب العوالم، حيث يتضمن العالم الأعلى ما في العالم الأدنى ولكن على نحو ألطف وأعلى وأشرف.
ومن المهم التمييز بين التقسيمين: فالسمناني يلفت الانتباه إلى اختلاف أفق الزمان الكوني عن أفق الزمان المتصل بالنفوس، بينما يربط القاضي سعيد مراتب الزمان بمراتب الموجودات والعوالم. إنهما إذن تصوران متجاوران ومتكاملان من بعض الوجوه، لكنهما ليسا مصطلحات مترادفة ولا تقسيمًا واحدًا. ولا ينبغي تحويل هذه التصورات إلى نظرية فيزيائية حديثة، أو إلى ادعاء بوجود أزمنة قابلة للقياس التجريبي خارج الزمن الفيزيائي؛ فهي تصورات فلسفية وعرفانية تتعلق بمراتب الوجود والحركة والحضور. وتكمن أهميتها في أنها تزعزع افتراض أن الزمن مستوى واحد متجانس، وأن كل أشكال الوجود تخضع لنمط واحد من التعاقب والقياس. وهنا تبرز الصلة بمشروع كوربن التأويلي: فالعلاقة بين الزمن والوجود لا تُفهم من خلال الساعة والتقويم وحدهما، بل من خلال الأفق الذي يحضر فيه الإنسان، ومن خلال مرتبته الوجودية ونمط إدراكه. كما أن استحضار هذه التصورات إلى جانب تحليل هايدغر للزمانية (Temporality) لا يعني تطابق المشروعين؛ فهايدغر يحلل الزمنية بوصفها بنية أساسية للوجود الإنساني، بينما ينطلق السمناني والقاضي سعيد من تصور تعددي لمراتب العالم والوجود. إن المقارنة هنا تكشف اختلاف الأفقين بقدر ما تكشف إمكان الحوار بينهما.
وهكذا يتضح أن مشروع كوربن لا يضيف عوالم غيبية إلى خريطة الوجود فحسب، بل يعيد طرح العلاقة بين الإنسان والزمان والمكان والمعرفة. فالحضور الإنساني ليس مجرد وجود جسدي في نقطة من المكان وتعاقب من اللحظات، بل يمكن أن يتسع، وفق هذا الأفق، إلى مراتب من الإدراك والوجود لا تستنفدها المقاييس الحسية والتاريخية وحدها.
من هايدغر إلى الإشراق: انعطافة هنري كوربن
إذا جمعنا الخيوط السابقة، أمكننا أن نفهم انتقال كوربن إلى السهروردي لا بوصفه قطيعة مع هايدغر، بل بوصفه توسعاً في مجال السؤال الفلسفي. فقد وجد عند هايدغر أداة للتفكير في الوجود والتأويل، لكنه وجد في الحكمة الإشراقية إمكاناً للبحث في مراتب الوجود والنور، وفي العلاقة بين المعرفة والحضور الروحي. ولعل الفارق الأهم أن كوربن لم يكتف بالسؤال عن كيفية انكشاف الوجود للإنسان، بل أخذ يسأل عن مراتب هذا الانكشاف، وعن إمكان أن تكون المعرفة مشاركة في الحقيقة، لا مجرد تمثل ذهني لها. وهنا يكتسب السهروردي مكانته المحورية.
السهروردي: من الوجود إلى مراتب النور
يمثل شهاب الدين يحيى السهروردي (549-587هـ/1154-1191م) أحد أهم مداخل كوربن إلى الفلسفة الإيرانية الإسلامية. فلم يكن السهروردي بالنسبة إليه مجرد صاحب مذهب تاريخي في النور، بل فيلسوفاً أعاد بناء العلاقة بين المعرفة والوجود على أساس أن الحقيقة لا تُفهم من خلال التعريفات الذهنية وحدها، وإنما تتصل أيضاً بالحضور والكشف والإشراق. إن أهمية الإشراق لا تكمن في استبدال العقل بالتجربة، بل في إعادة التفكير في حدود المعرفة العقلية وفي علاقتها بنمط آخر من الإدراك. فالمعرفة البرهانية تظل ضرورية، لكنها لا تستنفد بالضرورة جميع وجوه انكشاف الحقيقة. ومن هنا تتصل فلسفة النور عند السهروردي بمسألة الحضور: أن يعرف الإنسان لا يعني فقط أن يمتلك مفهوماً عن الشيء، بل أن تكون له علاقة معرفية مباشرة به وفق مرتبته وإمكانه. وهذا ما جعل السهروردي ملائماً للسؤال الذي كان يشغل كوربن. فبعد أن استفاد من التأويلية والفينومينولوجيا في فهم كيفية انكشاف الوجود، وجد في الإشراق أفقاً يمكن من خلاله التفكير في مراتب هذا الانكشاف، وفي الصلة بين المعرفة والتحول الوجودي. لكن ينبغي ألا ننسب إلى السهروردي كل المفاهيم التي طورها كوربن لاحقاً، أو أن نجعل مشروع كوربن مجرد إعادة صياغة لفلسفة الإشراق. فبين الفيلسوف التاريخي وقراءة الباحث الحديث مسافة ينبغي الحفاظ عليها. إن كوربن أعاد قراءة السهروردي من داخل أسئلته الفلسفية الخاصة، وهذا ما يمنح مشروعه قيمته، وما يجعل قراءته في الوقت نفسه قابلة للنقد والمراجعة.
الحكمة الإيرانية ليست بديلاً جغرافياً عن الفلسفة الأوروبية
من الأخطاء التي ينبغي تجنبها أن نصوغ تجربة كوربن باعتبارها انتقالاً من «غرب عقلاني» إلى «شرق روحاني». فهذه المقابلة تختزل الطرفين، وتغفل التنوع الموجود داخل الفلسفة الأوروبية، كما تغفل تعدد التيارات العقلية والروحية داخل الفكر الإسلامي.
لم يكن كوربن يبحث عن شرق جغرافي يقابل غرباً جغرافياً، بل عن تقليد فلسفي يمتلك مفاهيم وأدوات وأسئلة مختلفة، ويستطيع أن يشارك في النقاش الفلسفي المعاصر. ولهذا فإن أهمية إيران في مشروعه لا ترجع إلى كونها مكاناً بعيداً عن أوروبا، بل إلى كونها فضاءً استمر فيه الاشتغال على الحكمة الإشراقية والفلسفة المتعالية والعرفان. لقد وجد في هذا الفضاء أن الفلسفة الإسلامية لم تتوقف عند ابن رشد، وأن تاريخها لا يمكن اختزاله في المسار الذي عرفته الفلسفة في الأندلس والمغرب. فهناك تقاليد فلسفية استمرت في إيران، وتفاعلت فيها أعمال ابن سينا والسهروردي وملا صدرا وغيرهم، ووجدت امتداداً في الدرس والتعليق والمناقشة.
وهذا الاكتشاف لم يكن مجرد تصحيح لخريطة تاريخ الفلسفة الإسلامية، بل كان اكتشافاً لإمكان استمرار الفلسفة بوصفها ممارسة حية. فالنص الفلسفي لا يعيش لأنه محفوظ في المخطوطات، بل لأنه يظل قادراً على إثارة الأسئلة، وإنتاج قراءات جديدة، والدخول في حوار مع الحاضر.
إيران وفضاء تجربة الوجود
وصل كوربن إلى إيران عام 1945، في لحظة كانت أوروبا تخرج فيها من الحرب العالمية الثانية، بينما كانت إيران تحتفظ بتقليد فلسفي وديني ظل فيه الاشتغال على الحكمة والإشراق والعرفان حاضراً. وأصبحت طهران، على امتداد السنوات التالية، مركزاً أساسياً في عمله العلمي إلى جانب باريس. لم يكن وصوله إلى إيران مجرد رحلة للعثور على مخطوطات أو استكمال تحقيق نصوص، بل كان مواجهة مع واقع فكري لم ينسجم مع الصورة التي شاعت في بعض الكتابات الاستشراقية عن نهاية الفلسفة الإسلامية بعد ابن رشد. فالفلسفة لم تكن قد توقفت، والحكمة لم تكن مجرد أثر تاريخي؛ كانت هناك حلقات للدرس والتفسير والتعليق والمناقشة، وكان هناك فلاسفة وعلماء يتعاملون مع نصوص السهروردي وملا صدرا وابن سينا بوصفها نصوصاً قابلة لمواصلة التفكير، لا مجرد وثائق عن مرحلة ماضية. وهنا ظهرت إحدى أهم نقاط الالتقاء بين كوربن ومحاوريه الإيرانيين: رفض الفصل الحاد بين تاريخ الفلسفة وحضورها الحي. فالنص الفلسفي في هذا الأفق لا يُقرأ فقط لمعرفة ما قاله صاحبه في عصره، بل لمعرفة ما يمكن أن يقوله اليوم، وما الأسئلة التي لا يزال قادراً على إثارتها.
لماذا رحّب به الإيرانيون؟ لقاء بين تقليدين لا بين مستشرق ومادة صامتة
لم يكن الترحيب بكوربن نابعاً من كونه باحثاً أوروبياً فحسب؛ فقد عرفت إيران باحثين أوروبيين كثيرين. لكن ما ميّز مشروعه في نظر عدد من مفكريها هو أنه لم يتعامل مع الفلسفة الإسلامية باعتبارها مرحلة تاريخية مغلقة، ولم يحصر اهتمامه في الفقه أو التاريخ السياسي أو المؤسسات الدينية، بل كان يبحث عن الحكمة، وعن الصلة بين الفلسفة والتجربة الروحية، وعن استمرار التفكير الميتافيزيقي في العالم الإسلامي. وتشير الدراسات المتعلقة بحياة الطباطبائي إلى أنه كان من أوائل علماء الحوزة الذين سعوا إلى إقامة علاقات علمية مع أساتذة أوروبيين وأمريكيين، وكان كوربن أبرز هؤلاء. وقد امتدت لقاءاتهما سنوات طويلة، وتناولا مسائل تاريخية ولاهوتية وفلسفية متعددة تتصل بالتشيع. وهذه المعلومة تجعل العلاقة بينهما أكثر من لقاء عابر بين مستشرق وعالم دين؛ إنها تضعها في سياق تواصل طويل الأمد بين تقليدين معرفيين، لكل منهما لغته ومفاهيمه وأسئلته. كان كوربن يرى أن اختزال الفلسفة الإسلامية في المسار الذي ينتهي بابن رشد يحجب تقليداً فلسفياً كاملاً، ولا سيما ما استمر في إيران من الحكمة الإشراقية والفلسفة المتعالية. وقد وجد الطباطبائي في هذا الاهتمام فرصة للحوار مع باحث غربي لا ينظر إلى الفكر الشيعي من الخارج التاريخي وحده، بل يأخذ أسئلته الفلسفية والروحية مأخذ الجد. لكن الترحيب لم يكن قبولاً مطلقاً بكل ما يقوله كوربن. فالحوار الحقيقي لا يعني التطابق، بل يعني الاعتراف بأن الطرف الآخر يمتلك ما يستحق الإصغاء إليه. كان كوربن يحتاج إلى معرفة لا يستطيع تحصيلها من قراءة النصوص وحدها، وكان الطباطبائي مهتماً بالتعرف إلى الفلسفة الغربية من خلال محاور يمتلك معرفة مباشرة بها. وهكذا لم تكن العلاقة مجرد انتقال للمعلومات من الشرق إلى الغرب، بل كانت تبادلاً في الأسئلة والمفاهيم وطرائق النظر.
الطباطبائي: المحاور الذي جعل الحكمة الإيرانية تتكلم
إذا أردنا اختيار شخصية واحدة تمثل مركز التجربة الإيرانية لكوربن، فإنها بلا شك العلامة محمد حسين الطباطبائي (1903-1981)، الفيلسوف والمفسر وصاحب الميزان في تفسير القرآن. وليس المقصود بذلك أن بقية الشخصيات كانت هامشية، بل إن الحوار مع الطباطبائي ترك لنا مادة مكتوبة تسمح بإعادة بناء جانب من الأسئلة التي شغلت الطرفين. تعود اللقاءات الأولى بينهما إلى عام 1958، وتذكر الروايات المتعلقة بهذه اللقاءات أن عدداً من الأكاديميين والمفكرين أسهموا في تيسيرها، ومن بينهم مهدي بازرگان ومحمد معين والسيد حسين نصر. ثم تطورت العلاقة إلى جلسات دورية كانت تُعقد في مواسم وجود كوربن في إيران، واستمرت سنوات طويلة. تكشف هذه التفاصيل عن أن الحوار لم يكن وليد المصادفة وحدها؛ فقد تشكلت حوله بيئة علمية واجتماعية أتاحت اجتماع شخصيات تنتمي إلى حقول معرفية مختلفة: الفلسفة، واللاهوت، والأدب، والعلوم الطبيعية، والدراسات الإسلامية. ولم يكن الطباطبائي مجرد مصدر يجيب عن أسئلة كوربن، بل كان محاوراً يمتلك مشروعه الفكري الخاص. فقد كان معنياً بالفلسفة الغربية، وبإمكان التعرف إليها من خلال الحوار، كما كان قادراً على عرض مفاهيم التشيع الإمامي والحكمة الإسلامية من داخل بنيتها المعرفية والعقدية. ومن هنا ينبغي أن نفهم الحوار بينهما بوصفه لقاءً بين مشروعين، لا مجرد مقابلة بين باحث أوروبي ومصدر للمعلومات. فكوربن كان يطرح أسئلته انطلاقاً من اهتمامه بالولاية والعرفان والتأويل وعالم المثال، بينما كان الطباطبائي يجيب من داخل تقليد فلسفي وتفسيري له أصوله ومقدماته ومناهجه. إن أهمية هذا الحوار لا تكمن في أن أحد الطرفين أقنع الآخر بكل ما يعتقده، بل في أنه أتاح لكل منهما أن يرى تقليده من خلال أسئلة الآخر.
أسئلة كوربن: القرآن والولاية والعقل واستمرار الحكمة
تكتسب المطارحات مع الطباطبائي أهميتها الخاصة من وجود نصوص منشورة تحفظ جانباً من أسئلة كوربن وأجوبة الطباطبائي. ففي كتاب الشيعة: نص الحوار مع المستشرق كوربان يوجد قسم مستقل بعنوان «أسئلة الدكتور كوربان». وهذا القسم يتيح لنا الاقتراب من الحوار نفسه، بدلاً من الاكتفاء بالحديث العام عن اهتمام كوربن بالفكر الشيعي. ومن أبرز المسائل التي تظهر في هذه المادة سؤال العلاقة بين ظاهر القرآن وباطنه. فقد اهتم كوربن بالحديث المعروف عن أن للقرآن ظهراً وبطناً، وللبطن بطناً، وسأل عن معنى الإدراك الباطني للقرآن في ضوء الحقيقة الداخلية للمذهب الشيعي، وعن صلة هذا الإدراك بمعرفة الإمام، من حيث شخصيته وظهوره المعنوي. هذا السؤال ليس مجرد استفسار عن مفهوم عقدي؛ إنه يمس طبيعة المعرفة الدينية نفسها: هل يتوقف فهم النص على الدلالة اللغوية والتاريخية، أم أن للنص مستويات من المعنى لا تنفتح إلا من خلال نمط آخر من المعرفة؟ وما موقع الإمام في هذا البناء التأويلي؟ وهل المعرفة الباطنية مجرد إضافة تفسيرية إلى ظاهر النص، أم أنها تكشف عن بنية أعمق للعلاقة بين الوحي والإنسان؟ كان كوربن مهتماً هنا بما يمكن تسميته أنطولوجيا التأويل؛ أي أن التأويل لا يقتصر على استخراج معنى من نص، بل يتصل بموقع الإنسان من الحقيقة التي يتلقاها. فالنص في هذا الأفق ليس مجموعة عبارات مغلقة، بل باب إلى مراتب من المعنى. ومع ذلك، علينا أن نميز بين صياغة كوربن الفلسفية وبين إجابات الطباطبائي. فالأخير كان يجيب من داخل البناء المعرفي والعقدي للتشيع الإمامي، ولم يكن ملزماً بتبني جميع افتراضات كوربن أو طريقته في قراءة النص. إن الاعتراف بهذه المسافة لا يضعف الحوار، بل يجعله أكثر صدقاً وعمقاً. ومن الأسئلة الأخرى التي شغلت كوربن مسألة نشأة الفكر الشيعي وعلاقته بتعاليم الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق، قبل التمايزات التاريخية اللاحقة بين الفرق الشيعية. وكان يريد أن يفهم ما إذا كانت هناك صلة أصلية بين المعرفة الباطنية والولاية، وكيف تبلورت هذه الصلة في تاريخ الفكر الشيعي. كذلك سأل عن استمرار الفلسفة في إيران، وعن أسباب بقاء هذا التقليد حياً في الوقت الذي كان فيه بعض مؤرخي الفلسفة الإسلامية يتحدثون عن نهايتها بعد ابن رشد. وقد أتاحت إجابات الطباطبائي استحضار أسماء ومراحل من تاريخ الحكمة، من السهروردي ونصير الدين الطوسي إلى الميرداماد وصدر الدين الشيرازي. لم تكن المسألة مجرد تعداد للفلاسفة، بل محاولة لتفسير كيف استمر التفكير الفلسفي داخل بيئة دينية وثقافية لم تفصل دائماً بين البحث العقلي والتأمل الميتافيزيقي.
من الطباطبائي إلى دائرة أوسع: شبكة اللقاءات الإيرانية
لا ينبغي أن نختزل التجربة الإيرانية في كوربن والطباطبائي وحدهما؛ فقد أحاطت بهما دائرة من الشخصيات التي أسهمت في تيسير اللقاءات، أو شاركت في المجالس، أو تأثرت بالمشروع الفلسفي لكوربن، أو تعاونت معه في أعمال علمية. كان السيد حسين نصر من أهم هذه الشخصيات؛ فقد أدى دوراً محورياً في تقديم كوربن إلى الطباطبائي، وأصبح وسيطاً علمياً وثقافياً مهماً في اللقاءات. كما ارتبطت بالمجالس أسماء مثل مهدي بازرگان ومحمد معين، اللذين أسهما في تهيئة البيئة العلمية التي أمكن فيها أن يحدث اللقاء الأول. وتظهر في هذه الشبكة أيضاً أسماء مرتضى مطهري ومحمد بهشتي وداريوش شايغان وجلال الدين آشتياني، وإن كانت طبيعة علاقة كل واحد منهم بكوربن ودرجة مشاركته في اللقاءات تحتاج إلى توثيق مستقل، حتى لا نجعل مجرد ورود الأسماء دليلاً على حضور متساوٍ أو دور واحد. إننا إذن أمام شبكة متعددة المستويات: محاورون فلسفيون، وعلماء دين، ومترجمون، ومنظمون للمجالس، وباحثون في التراث. وهذه الشبكة تكشف أن التجربة الإيرانية لم تكن مشروع فرد واحد، بل فضاءً معرفياً شاركت في تشكيله مؤسسات وشخصيات وتقاليد متعددة. ومن هنا يمكن أن نقرأ طهران في مشروع كوربن بوصفها مكاناً لالتقاء الأسئلة، لا مجرد موقع جغرافي للبحث. فقد أصبح المكان جزءاً من التجربة المعرفية نفسها؛ إذ لم يعد الباحث يقرأ الحكمة من بعيد، بل دخل في حوار مع أشخاص يعيشون تقاليدها ويمارسونها ويعيدون تفسيرها.
لماذا لم يكن الحوار مجرد استشراق؟
من السهل أن نصف كوربن بأنه مستشرق فرنسي درس الفلسفة الإسلامية، لكن هذا الوصف، على صحته من ناحية التخصص الأكاديمي، لا يكفي لفهم موقعه في التجربة الإيرانية. فقد كان اهتمامه بالفلسفة الإيرانية متصلاً بسؤال أوسع عن إمكان المعرفة الروحية، وعن العلاقة بين الحقيقة والإنسان، وعن حضور العوالم الرمزية في التجربة الإنسانية. ولعل هذا ما جعل بعض المفكرين الإيرانيين يجدون فيه محاوراً مختلفاً؛ فقد كان مستعداً لأن يأخذ مفاهيم مثل الولاية والعرفان والإشراق على محملها الفلسفي، لا أن يردّها مباشرة إلى ظروف اجتماعية أو سياسية أو تاريخية بحتة. لكن هذا المنهج لا يخلو من إشكالات نقدية. فقد اتجه كوربن أحياناً إلى إبراز الأبعاد الروحية والباطنية في الفكر الشيعي والإيراني، مانحاً إياها مركزية كبيرة على حساب جوانب أخرى في التاريخ الاجتماعي والسياسي. كما أن قراءته الفينومينولوجية قد تنتقي من التراث ما ينسجم مع أسئلته الفلسفية، وتعيد ترتيب بعض مفاهيمه ضمن أفقه الخاص. وهنا ينبغي أن نطرح سؤالاً نقدياً: هل كان كوربن يكتشف الحكمة الإيرانية كما هي، أم كان يعيد بناءها من خلال حاجاته الفلسفية وأسئلته الخاصة؟ وهل يمكن الفصل تماماً بين التراث الذي يقرأه الباحث وبين الأفق الذي يأتي منه؟ إن طرح هذا السؤال لا ينتقص من قيمة مشروعه، بل يساعدنا على قراءته قراءة أكثر نضجاً. فالحوار لم يكن لقاءً بين حضارتين متجانستين، ولا انتقالاً صافياً للمعرفة من الشرق إلى الغرب، بل كان لقاءً بين أفراد وتقاليد وأسئلة تتخللها مساحات اتفاق واختلاف. ومن هنا يمكن أن نرى في تجربة كوربن نموذجاً للحوار الفلسفي الذي لا يقوم على محو الاختلاف، بل على جعله مصدراً لتوسيع السؤال. فليس المطلوب أن يصبح هايدغر سهروردياً، أو أن يصبح الطباطبائي كوربنياً، بل أن يتيح كل تقليد للآخر أن يرى ما لم يكن يراه من قبل.
ثالوث الحلم الإشراقي وسؤال المعرفة التي تغيّر الإنسان
يمكننا الآن العودة إلى السؤال الذي بدأنا منه: ماذا وجد كوربن في إيران، وما الذي جعله يرى في الحكمة الإيرانية الإسلامية أفقاً فلسفياً يستحق أن يدخل في حوار مع الفلسفة الحديثة؟ وجد تقليداً فلسفياً لم يكن يفصل بالضرورة بين التفكير في الوجود والسعي إلى معرفة مرتبطة بتحول الإنسان. وجد نصوصاً لا تُقرأ بوصفها وثائق تاريخية فحسب، بل بوصفها إمكانات حية للتفكير في الحاضر. ووجد محاورين يستطيعون أن يجيبوا عن أسئلته من داخل خبرة معرفية ودينية حية. لكن قيمة التجربة لا تتحدد بمجرد العثور على تراث مختلف، بل بما تكشفه من إمكانات جديدة للسؤال الفلسفي. فهايدغر أتاح لكوربن أفقاً للتفكير في الوجود والتأويل عبر أدوات الفينومينولوجيا والتحليل الوجودي. والسهروردي أتاح له البحث في مراتب النور والحضور، وفي إمكان معرفة لا تنفصل عن علاقة العارف بالحقيقة. أما الطباطبائي فقد جسّد أمامه استمرار الحكمة الإسلامية في صورة محاور حي، يمتلك مشروعاً فلسفياً وتفسيرياً قادراً على الدخول في حوار مع أسئلة العصر. بهذا المعنى، لا يكون ثالوث هايدغر والسهروردي والطباطبائي ثلاث شخصيات متجاورة في سيرة كوربن، بل ثلاثة مداخل إلى مشكلة واحدة:
هايدغر: كيف ينكشف الوجود للإنسان؟
السهروردي: هل يمكن للمعرفة أن تكون حضوراً وإشراقاً، وأن تكشف عن مراتب الوجود؟
الطباطبائي: كيف تستمر الحكمة في تقليد حي، وكيف تتحول النصوص الدينية والفلسفية إلى موضوع للحوار والتفكير المعاصر؟ وهنا نصل إلى الفكرة التي يمكن أن تمنح المقالة وحدتها الفلسفية: المعرفة ليست دائماً امتلاكاً لمعلومات عن الوجود، بل قد تكون تحوّلاً في نمط حضور الإنسان فيه. فالمعرفة التي لا تغيّر شيئاً في علاقة الإنسان بالحقيقة وبذاته وبالعالم تظل معرفة ناقصة من منظور التجربة الروحية التي كان كوربن يحاول فهمها. إن انتقاله من هايدغر إلى السهروردي، ثم دخوله في حوار طويل مع الطباطبائي، يكشف عن محاولة لتوسيع مفهوم المعرفة من التحليل إلى التأويل، ومن التأويل إلى الحضور، ومن الحضور إلى إمكان المشاركة في مراتب من الحقيقة لا تستنفذها التجربة الحسية. ولعل هذا هو المعنى الأعمق للحلم الإشراقي: ألا تكون الحكمة مجرد معرفة بما قاله القدماء عن النور، بل أن تصبح سؤالاً عن إمكان انكشاف الحقيقة للإنسان، وعن كيفية عيشه في ضوئها. فالحكمة، في هذا الأفق، ليست ترفاً ذهنياً ولا استعادة رومانسية للماضي، بل محاولة لإعادة وصل المعرفة بالوجود، والعقل بالتجربة، والتأويل بتحول الإنسان. ومن هنا تبدو إيران في مشروع كوربن أكثر من موطن للبحث؛ إنها الفضاء الذي التقى فيه سؤال أوروبي ملتهب عن الوجود بتقليد فلسفي يرى أن المعرفة الحقة لا تنفصل عن مراتب الحقيقة والنور. وفي هذا اللقاء لا تختفي المسافة بين التقاليد، بل تتحول إلى مجال للحوار، وإلى فرصة لإعادة التفكير في الإنسان ومصيره وعلاقته بما يتجاوز العالم الظاهر.
د. محمد الزكري القضاعي
المصادر
Algar, Hamid. “Allamah Muhammad Husayn Tabataba’i: Philosopher, Exegete and Gnostic.” Foreword to Shiʻite Islam, by M. H. Tabataba’i, translated by S. H. Nasr, State University of New York Press, 1975, pp. 19–24.
Algar, Hamid. “ṬABĀṬABĀʾI, MOḤAMMAD-ḤOSAYN.” Encyclopædia Iranica, online edition, 2006.
Corbin, Henry. “De Heidegger à Sohravardî: Entretien avec Philippe Némo.” Entretien radiophonique, Radio France-Culture, 2 juin 1976. Association des Amis de Henry et Stella Corbin: https://www.amiscorbin.com/biographie/de-heidegger-a-sohravardi/
Corbin, Henry. En Islam iranien: Aspects spirituels et philosophiques. 4 vols., Paris: Gallimard, 1971–1972.
Corbin, Henry. L’Imagination créatrice dans le soufisme d’Ibn ‘Arabî. Paris: Flammarion, 1958.
Corbin, Henry. “Mundus Imaginalis ou l’imaginaire et l’Imaginal.” Cahiers internationaux de symbolisme, vol. 6, 1964, pp. 3–26.
Corbin, Henry. Shiʿa: Recueil de textes sur la pensée et la doctrine chiite. (الترجمة العربية: الشيعة: نص الحوار مع المستشرق كوربان، ترجمة حيدر نجف، بيروت: دار المحجة البيضاء).
Corbin, Henry. Sohravardi: L’Archange empourpré. Paris: Fayard, 1976.
Mirsepassi, Ali. Political Islam, Iran, and the Enlightenment: Philosophies of Hope and Despair. Cambridge: Cambridge University Press, 2010.
Nasr, Seyyed Hossein, with Ramin Jahanbegloo. In Search of the Sacred: A Conversation with Seyyed Hossein Nasr on His Life and Thought. Praeger, 2010.
Tiddia, Fabio. “Henry Corbin e ʿAllāmah Ṭabāṭabāʾī: Dialogo filosofico tra Oriente e Occidente in terra di Persia.” Desiderio e Trasgressione, 2024, pp. 371–403.
الزكري القضاعي، محمد. 2026، 1 نوفمبر. «جغرافية الروح: سيرة استكشافية لعقل وقلب هنري كوربن: من القلق الوجودي الغربي إلى أنوار الحكمة الإشراقية». التنويري. https://altanweeri.net/19957/
القاضي سعيد القمي. شرح توحيد الصدوق. الجزء الأول، المقطع المعنون: «إشارة إلى الزمان وطبقاته الثلاثة وأنه تعالى منزّه عن مصاحبته»، ص 168-169.
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






