التنويريفكر وفلسفة

المقدس الديني في زمن العربدة الرقمية

من نزع السحر عن العالم إلى اقتصاد الانتباه: كيف تحولت الرموز الدينية من مجال الوقار والرهبة إلى فضاء الفرجة والاستهلاك الرقمي؟

كيف أصبح المقدس، الذي كان يستدعي الوقار والرهبة ويحيط نفسه بمسافة رمزية تفصله عن التداول اليومي، مادة للسخرية والضحك والترفيه في منصات التواصل الاجتماعي؟ وكيف انتقلنا من التعامل مع الرموز الدينية بوصفها علامات تحيل على مجال متعال، إلى استهلاكها باعتبارها محتويات قابلة للمحاكاة وإعادة الإنتاج والتداول؟ هل يتعلق الأمر بتحرر الإنسان من سلطة المقدس، أم بتحول أعمق مسّ طبيعة علاقتنا بالأشياء والمعاني والرموز؟

لفهم هذه الظاهرة، لا يكفي أن نردها إلى تراجع التدين أو ضعف الوازع الأخلاقي، ولا أن نختزلها في انتشار التفاهة على مواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ يبدو أننا أمام تحول تاريخي أوسع، يرتبط بالطريقة التي أعادت بها الحداثة تشكيل علاقة الإنسان بالعالم والطبيعة والمقدس، وصولًا إلى التكنولوجيا الرقمية التي أصبحت تشارك في تنظيم مجال انتباهه وتوجيه استهلاكه.

١- من انهيار التراتبية الكونية إلى إعادة النظر في موقع الإنسان:

ظل التصور الكوني الأرسطي والبطلمي قائمًا على تمييز تراتبي بين العالم الأرضي والعالم السماوي؛ فالأرض تمثل مجال التغير والفساد، بينما تتميز الأفلاك السماوية بالكمال والثبات. ولم يكن هذا التمييز مجرد ترتيب مكاني، بل كان يحمل دلالات وجودية ورمزية تتصل بمفاهيم العلو والكمال والقداسة. غير أن الثورة الكوبرنيكية دشنت تحولًا عميقًا في صورة الكون، حين تخلت الأرض عن موقعها المركزي، ولم يعد الإنسان ينظر إلى العالم من المركز الكوني الذي اعتاد أن ينسبه إلى نفسه. يتعلق الأمر بانتقال من النظر إلى الكون بوصفه تراتبية وهرمية، إلى النظر إليه بوصفه كونًا لا فوق فيه ولا تحت ولا مركز… فالذي كان في الأعلى سيتساوى أو على الأقل سيختلط مع الذي في الأسفل (لاحظ كيف سيهبط المقدس)، وهكذا سيساهم هذا الكشف العلمي، بصورة غير مباشرة، في ظهور مفاهيم من قبيل المساواة والديمقراطية… وقد تعزز هذا التحول مع غاليليو، الذي أسهم في زعزعة التمييز الأرسطي بين العالمين الأرضي والسماوي، من خلال إخضاع الظواهر الطبيعية فيهما للملاحظة والبحث الرياضي.

ولا يعني ذلك أن كوبرنيك وغاليليو أسقطا الدين أو ألغيا المقدس، وإنما أسهما في تفكيك صورة كونية كانت تمنح الوجود مراتب ثابتة، وتربط بين الموقع الكوني والمرتبة الوجودية. لقد أصبح العالم، بصورة متزايدة، موضوعًا للبحث والقياس والتفسير، بدل أن يكون مجرد مجال للتأمل في مراتب الوجود وغاياته. ومن هنا يمكن أن نطرح فرضية مهمة تتمثل في أن تفكك التراتبية الكونية القديمة لم يكن مجرد تحول في علم الفلك، بل كان جزءًا من تحولات أوسع أعادت النظر في موقع الإنسان داخل العالم، وفي الحدود الفاصلة بين ما هو متعال وما هو أرضي، وبين ما يُنظر إليه باعتباره خارج التداول البشري وما يمكن إخضاعه للمعرفة والتدخل والسخرية لاحقًا.

٢- من تعطيل المادة إلى نزع السحر عن العالم:

تعمق هذا التحول مع الثورة العلمية الحديثة، خصوصًا مع غاليليو وديكارت؛ فقد أخذت الطبيعة تفقد، داخل التفسير العلمي الحديث، ما كان يُنسب إليها من قوى خفية وغايات وكيفيات غامضة، لتصبح موضوعًا للفهم الرياضي والميكانيكي. لقد دافع غاليليو عن قابلية الطبيعة للقراءة بلغة رياضية، بينما ميز ديكارت بين الفكر بوصفه جوهرًا مفكرًا، والمادة بوصفها جوهرًا ممتدًا. وأصبحت المادة، وفق هذا التصور، قابلة للفهم من خلال الامتداد والحركة والعلاقات الميكانيكية. إننا أمام انتقال مهم: لم تعد الطبيعة تُفهم بالضرورة باعتبارها عالمًا مسكونًا بقوى (قصد، غضب، رضا…) تشبه الإرادة الإنسانية، بل أصبحت نظامًا من الظواهر التي يمكن تفسيرها من خلال قوانين عامة.

وهنا نستحضر مفهوم ماكس فيبر الشهير: «نزع السحر عن العالم»؛ فالعقلنة الحديثة، في نظره، تجعل العالم أقل خضوعًا للتفسيرات السحرية، وأكثر قابلية للفهم والتوقع والحساب والتدخل التقني. لكن ينبغي ألا نخلط بين نزع السحر وتراجع الإيمان الديني؛ فهما ليسا شيئًا واحدًا، وإنما يتعلق الأمر بتحول في شروط فهم العالم والتعامل معه. ومع ذلك، يمكن توسيع دلالة هذا المفهوم، دون نسبته مباشرة إلى فيبر، لطرح سؤال مختلف وهو: هل امتد هذا التحول إلى علاقة الإنسان بالمقدس نفسه؟ وهل انتقلنا، بالتوازي مع تراجع سحرية الطبيعة، إلى تراجع المسافة الرمزية التي كانت تحيط بالمقدسات؟ يبدو أن هذه العلاقة ليست علاقة سببية مباشرة، لكنها تتيح لنا فهم أحد أوجه التحول الذي أصاب التجربة الإنسانية؛ فكلما اتسعت مجالات المعرفة والتدخل والتحكم، أعاد الإنسان النظر في علاقته بما كان يعتبره خارج قدرته على الفهم والتصرف.

٣- من تحرير الإنسان إلى تحرير المجالات كلها:

لم يتوقف التحرر الحديث عند إعادة تنظيم العلاقة بالطبيعة، بل امتد إلى السياسة والأخلاق والجنس والفن والمعرفة والدين. لقد أصبح التحرر من السلطات والقيود التقليدية أحد الشعارات الكبرى للحداثة، وانتقل تدريجيًا إلى مجالات الحياة المختلفة. وهنا نستحضر جان بودريار في كتابه «شفافية الشر»، الذي تحدث فيه عن «طقوس العربدة». إن بودريار لا يقصد بالعربدة معناها الجنسي الضيق، بل يستخدمها استعارة للحظة تاريخية انفجارية تحررت فيها المجالات كلها: تحرر سياسي وجنسي وفني واقتصادي، وتحرر للقوى المنتجة والمدمرة، بل وتحرر للنقد والنقد المضاد. إنها لحظة لم يعد فيها التحرر مقتصرًا على إزالة قيد معين، بل أصبح كل شيء قابلًا للتحرر والتداول وإعادة الإنتاج.

وتكمن المفارقة في أن التحرر، بعدما كان يستهدف إزالة الحدود التي تمنع الإنسان من ممارسة إمكاناته، أصبح يهدد بفقدان الحدود نفسها. لم يعد السؤال فقط: ممّ ينبغي أن نتحرر؟ بل أصبح: ماذا نفعل بعدما تحررت المجالات كلها؟ وهو السؤال الذي ينتهي إليه بودريار: «ماذا بعد العربدة؟» ومن هذا المنظور، يمكن أن نفهم جانبًا من التحول الذي أصاب علاقة الإنسان المعاصر بالمقدس. فالمقدس الذي كان يستمد جزءًا من حضوره الاجتماعي من المسافة الرمزية التي تفصله عن الحياة اليومية، أصبح بدوره قابلًا للإدراج في فضاء التداول العام، حيث يمكن تمثيله ومحاكاته وإعادة إنتاجه، بل وتحويله إلى مادة للضحك والترفيه. لم يعد الأمر يتعلق فقط بمساءلة المقدس أو التحرر من سلطته، بل أيضًا بتراجع الحدود الرمزية التي كانت تفصل بينه وبين مجالات الحياة اليومية.

٤- المقدس مادة للضحك والاستهلاك:

لننظر إلى بعض المحتويات التي تنتشر في منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتحول الممارسات الدينية والرموز والملابس والعبارات المرتبطة بالتدين إلى موضوعات للسخرية والمحاكاة الهزلية. يمكن أن نستحضر هنا بعض الشخصيات التي تقدم محتوى ساخرًا، (مثل شخصية «قردوش» [القرد]) التي تتخذ من السخرية من مختلف الموضوعات، بما فيها الموضوعات الدينية، مادة لصناعة الضحك وجذب المشاهدات.

إن ما يستحق التأمل في هذه الظاهرة ليس مجرد وجود شخص يسخر من الدين؛ فالسخرية من المعتقدات والمؤسسات والممارسات الدينية قديمة، ولها تاريخ طويل في الثقافة الإنسانية. الجديد نسبيًا هو السياق الذي أصبحت تندرج فيه هذه السخرية، والوظيفة التي تؤديها داخل الاقتصاد الرقمي. فالصلاة، واللباس الديني، والعبارات المأثورة، وبعض مظاهر التدين، تتحول إلى علامات قابلة للاقتطاع من سياقاتها الأصلية وإعادة توظيفها في مشاهد هزلية قصيرة. وما كان يستدعي في سياق معين الوقار والاحترام، يصبح في سياق آخر مادة للمحاكاة والضحك. وهنا لا بد من التمييز بين مستويين: الأول هو النقد الفكري للمقدس، بما يتضمنه من مساءلة للمعتقدات والتأويلات والمؤسسات والممارسات البشرية، وهذا يدخل في مجال حرية التفكير والتعبير. أما الثاني فهو تحويل المقدس إلى مادة للاستهلاك والترفيه، حيث لا يعود المتلقي معنيًا بمناقشة دلالاته أو نقدها، وإنما بما يمكن أن ينتجه من ضحك وإثارة ومتعة. والفرق بينهما جوهري؛ لأن النقد يفترض موقفًا وفهمًا وحجاجًا، بينما قد لا يتطلب الاستهلاك سوى الاستجابة الانفعالية للمحتوى.

وهكذا يمكن أن يشاهد الإنسان محتوى يسخر من الرموز الدينية، ويضحك منه، ويعيد مشاهدته، ثم ينتقل إلى محتوى مشابه، دون أن يكون قد اتخذ موقفًا فكريًا واضحًا من الدين أو من موضوع السخرية. إن المقدس هنا لا يُرفض بالضرورة، ولا يُناقش بالضرورة، بل يُستهلك. وهذه إحدى المفارقات التي تستحق الانتباه، فقد لا يكون التحول الأساسي هو انتقال الإنسان من الإيمان إلى الإلحاد، بل انتقال بعض الرموز الدينية من مجال الاعتقاد والوقار إلى مجال الفرجة والاستهلاك.

٥- من مجتمع الفرجة إلى مجتمع الاستهلاك الرمزي:

يمكن تعميق هذا التحليل باستحضار غي ديبور ومفهوم «مجتمع الفرجة». فالفرجة عند ديبور ليست مجرد كثرة الصور والمشاهد، بل هي نمط من العلاقات الاجتماعية التي تتوسطها الصور والتمثيلات. لم تعد علاقتنا بالعالم تقوم فقط على التجربة المباشرة، بل أصبحت تمر بصورة متزايدة عبر ما يُعرض علينا ويُقدم لنا باعتباره مشهدًا. وإذا نقلنا هذا التصور إلى المجال الديني، أمكننا ملاحظة أن الدين نفسه قد يتحول إلى موضوع للفرجة: لا باعتباره تجربة اعتقادية أو منظومة قيمية، بل باعتباره مجموعة من العلامات والرموز والممارسات التي يمكن تمثيلها وتصويرها وإعادة إنتاجها.

ومن جهة أخرى، يساعدنا بودريار على فهم اندماج هذه الرموز في منطق الاستهلاك والتداول؛ فالعالم المعاصر لا يستهلك الأشياء من حيث وظائفها المادية فقط، بل يستهلك أيضًا علاماتها وصورها ودلالاتها. وعليه، فإن اللباس الديني، والعبارات الدينية، والطقوس، والشخصيات المرتبطة بالتدين… يمكن أن تتحول إلى علامات متداولة داخل السوق الرقمي للمحتوى. وهنا تبرز خصوصية المنصات الرقمية؛ فهي لا تكتفي بإتاحة تداول المحتوى، بل تشارك خوارزميات التوصية فيها في تنظيم ظهوره وانتشاره، وفق مؤشرات التفاعل والانتباه. وبذلك يصبح الضحك والتعليق والمشاركة وإعادة المشاهدة عناصر تدخل في اقتصاد الانتباه، حيث لا تتحدد قيمة المحتوى بالضرورة بعمقه أو بمضمونه الفكري، وإنما أيضًا بقدرته على جذب المتلقي واستبقاء انتباهه. وقد لا يكون صانع المحتوى معنيًا بمناقشة الدين أو نقده، بقدر ما يكون معنيًا بإنتاج مادة قادرة على تحقيق المشاهدات والتفاعل. وهذا ما يجعل المقدس عرضة لمنطق جديد وهو أنه لم يعد ضروريًا أن يُرفض أو يُدان حتى يصبح مادة للاستهلاك، بل يكفي أن يتحول إلى علامة مثيرة للانتباه وقابلة للتداول. ولا يعني ذلك أن كل محتوى ساخر من الدين يمثل تسليعًا للمقدس، أو أن كل استعمال فكاهي للرموز الدينية يؤدي إلى النتيجة نفسها؛ إنما المقصود هو محاولة رصد تحول أوسع تصبح فيه العلامات الدينية قابلة للإدراج في دورة الإنتاج والتداول والاستهلاك، بصرف النظر عن المواقف الاعتقادية للمتلقين.

فهل انتهى المقدس بوصفه مجالًا متعاليًا، أم أنه لم يعد قادرًا على الاحتفاظ بخصوصيته الرمزية داخل عالم أصبح فيه كل شيء قابلًا للعرض والمحاكاة والتداول والاستهلاك…؟

رحو اليوسفي


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رحو اليوسفي

باحث مغربي وأستاذ للفلسفة بسلك التعـليم الثانوي التأهيلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى