أوروبا هل هي شأن مصري وعربي وأي مستقبل ينتظرها؟
التحولات الاقتصادية والجيوسياسية في أوروبا وفرص بناء شراكة صناعية واستراتيجية جديدة مع مصر والعالم العربي

أوربا الجار الشمالي لعدد كبير من الدول العربية، لديها تاريخ مشترك مع العرب منذ قديم الأزل، لذا كل ما يمس أوربا أو يلحق بها هو شأن عربي، وعلينا أن نحلل الأوضاع الأوربية بدقة لكي نبني على هذه التحليلات سياسات المستقبل العربي الأوربي، السياسي والاقتصادي الألماني فريدريش ليست جادل في القرن التاسع عشر بأن “قوة الأمة ترتكز على تطوير قواها الإنتاجية” وبينما تواجه أوربا الآن أزمة هوية في خضم تحولات جيوسياسية، تواجه أزمة اقتصادية، فقد عرف عنها جاذبيتها الاقتصادية وهو بعد لم يعد بإمكانها الحفاظ عليه.
أوربا باتت في حاجة ماسة لتأكيد أهميتها الجيوسياسية والدفاع عن سيادتها، وبناء طريق ثالث بين الولايات المتحدة والصين، والتحدي الذي يواجه الاتحاد الأوربي هو إمكانية قدرتها على تحويل اقتصادها ليصبح منافسا موثوقا به في العصر الصناعي الجديد، لن تكون أوربا قوية دون تصنيع على أراضيها يواكب المتغيرات في عالم الصناعة وتحدياتها.
هذه التحولات تعيد تشكيل العالم، فهناك معطيات جديدة تحدد الآن الثقل الاستراتيجي منها: اقتصاديات المنصات، وحوسبة الذكاء الاصطناعي، والمعادن الحيوية، والشبكات المرنة، والنظم الصناعية منخفضة الكربون، تعرضت أوربا لظروف قسرية صعبة في السنوات الأخيرة بسبب سلاسل توريد الغاز وأشباه المواصلات وكلاهما أثر سلبا على الاقتصاد الأوربي.
رغم أن الرقائق الأوربية أقل إنتاجا بالمقارنة مع الأمريكية والآسيوية، إلا أن لديها في مجال صناعتها نقاط تميز، تعزز قدرة أوربا في العديد من المجالات خاصة صناعة السيارات الكهربائية، إن ما يدفع أوربا إلى الأمام هو ريادتها في مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة مثل طاقة الرياح والهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية، هذا ما أعطاها منظومة اقتصادية أقل كلفة وأكثر نظافة، وهذا المسار هو ما يشكل نموه تحديا تراه أوربا ضروريا.
إن أكثر ما يميز أوربا هو أسواق مترامية تعطي مساحة للازدهار، الابتكار الموجهة لأهداف محددة، فأوربا بعلمائها وخططها البحثية لديها الكثير من نقاط التميز، خاصة في مجالات الهيدروجين وأشباه الموصلات وحوسبة الذكاء الاصطناعي.
إن العقبات التي تواجه أوربا لا حصر لها، وأي محاولة لمواجهتها أشبه بالسير في حقل ألغام، فالقارة تحت تهديد سيطرة اليمين المتطرف على الحكم، فضلا عن التشرذم المالي فالمدخرات الأوربية لا تترجم إلى استثمارات لدعم الاقتصاد، فأوربا في حاجة لمصانع عملاقة في مجالات أشباه الموصلات أو الهيدروجين، أو الذكاء الاصطناعي الحوسبي، كانت أوربا متراجعة في سباق البطاريات ولكن الآن المصانع بدأت في أوربا لتغطية احتياجاتها في السويد، هذا ما يكشف أن أوربا تعيد بناء قدراتها الصناعية بعد عقود من نقل مصانعها إلى الصين، لكنها في حاجة إلى التكامل مع جيرانها فبريطانيا بجامعاتها المتقدمة أساسية، وخبرة سويسرا في مجال الذكاء الاصطناعي خاصة خبرة المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ أساسية، وهكذا، هنا يبقى الجوار الجنوبي وهو الدول العربية في حاجة ماسة إلى البحث عن كيفية التكامل مع أوربا الجار الأقرب لهم من الصين والولايات المتحدة، يعد المغرب الأكثر تفاعلا مع الاحتياجات الأوربية، لكن باقي الدول في حاجة لبناء شراكة تبادلية للمصالح والمنافع، فمصر التي لها علاقات وطيدة بالدول الأوربية لا بد أن تعيد بناء هذه العلاقات من جديد وفق معطيات جديدة، تقوم على دراسة أوربا واحتياجاتها خاصة في مجالات الصناعة فهذا الباب ضروري في ظل اعتماد مصر في علاقاتها مع أوربا على الصادرات الزراعية والسياحة، في حين أن التكامل الصناعي مع أوربا ضروري، فانخفاض أجور اليد العاملة المصرية والقرب الجغرافي يعطيان مصر مميزات نسبية، فضلا عن الصناعات الكثيفة العمالة هي نقطة الضعف الرئيسية في أوربا.
دكتور خالد عزب






