التنويريسلايدرفكر وفلسفة

من اللذّويّ إلى العرفانيّ في الثقافة المعاصرة

بحث في إشكالية الموضوعية والذاتانية

“إن الحضارة المادية ستخسر كل شيء إذا فقدت روحها، وأن البشرية ستصبح مهددة بالفناء في ظل جسد بلا روح وعندما تصبح الحضارة بلا قلب فإنها ستفقد أهم مقومات الحياة “ طاغور. 

1- مقدّمة:

لم أجد ما أستهلّ به هذه المقدّمة أبلغَ تعبيرًا وأعمقَ دلالةً من استحضار واقعةٍ ثقافيّةٍ مؤلمةٍ شغلت وسائل التواصل الاجتماعيّ هذه الأيّام، تتمثّل في مشهدٍ فكريٍّ وثقافيٍّ موجعٍ. ويتجلّى هذا المشهد في صورة الكاتب الجزائريّ التبّسيّ حامد ياسين (*) وهو يبكي بحرقةٍ ولوعةٍ في بهو القاعة المخصّصة لتوقيع كتابه الجديد الموسوم بـ«الصحراء عاصمة الضباب»، وهو عملٌ يتناول فيه قضايا اجتماعيّةً وثقافيّةً وتربويّةً، ولا سيّما قضايا الثقافة والتربية والتعليم. وكان الكاتب، كما يبدو في المشهد، يتوقّع حضورًا كبيرًا للمهتمّين بالثقافة والفكر في هذه القاعة للاحتفاء بإنتاجه الفكريّ الجديد، ولكنّ الكاتب لم يجد في قاعة التوقيع إلّا صديقًا واحدًا يقف إلى جانبه ليرفع معه بعضًا من الهمّ والحزن. وعلينا أن نتخيّل درجة الإحساس بالبؤس والشقاء الإنسانيّ والوجع الوجدانيّ الذي أصاب مقتلًا في قلب الكاتب وعقله، وقد قضى ربّما سنواتٍ طوالًا وهو يعيش كدحًا بين ركام الكتب وأكوام الورق ليؤسّس فكرًا ويبني معرفةً ويؤلّف كتابًا اعتقد أنّه سيكون له صداه الفكريّ والمعرفيّ بين القرّاء والمفكّرين. ربّما كان الكاتب يحلم بلحظةٍ جميلةٍ تضجّ فيها القاعة بالحضور؛ ولكنّه، مع الأسف، لم يجد في انتظاره إلّا الفراغ والكراسي الممدّدة أمامه في صمتٍ وجوديٍّ. فلا جمهور يحيّيه، ولا أكفٌّ تصفّق له، ولم يكن هناك سوى الصمت والسكون والجمود والفراغ. ولعلّ الأمر الأشدّ إيلامًا في هذا المشهد أنّ دموع الكاتب لم تكن، وفقًا لما نُقل عن تصريحاته، وليدة خيبةٍ عابرةٍ أمام مقاعد خاليةٍ، بل كانت تعبيرًا عن سنواتٍ من المكابدة الثقافيّة والشعور بالتهميش وغياب المساندة. وهكذا تحوّلت لحظةٌ شخصيّةٌ من الانكسار الوجدانيّ إلى مشهدٍ رمزيٍّ كثيف الدلالات، يطرح أسئلةً موجعةً عن منزلة الكاتب في مجتمعاتنا، وعن المسافة التي تفصل بين الإبداع الفكريّ والتقدير الاجتماعيّ، وعن المصير الذي ينتظر الثقافة حين يجد المبدع نفسه وحيدًا في مواجهة الصمت واللامبالاة.

والآن دعنا نتأمّل هذه الوضعيّة من زاويةٍ أخرى، ونتأمّل في المشهد من جديدٍ، ونتصوّر معًا أنّ هذا الحفل قد أُقيم لراقصةٍ مغمورةٍ، أو كان حفلًا غنائيًّا لأحد المطربين. لنتصوّر كم كان سيكون عدد الحضور، وعواصف التصفيق، والزحام الذي يقطع الأنفاس.

وهذه الصورة التراجيديّة لوضعيّة الكاتب والإنتاج الفكريّ تجسّد وضعيّة الفكر والثقافة التي تسود وتهيمن في عالم العولمة وما بعد الحداثة، إذ تسود ثقافة اللذّة والرغبة والهيمنة اللذّويّة التي أصبحت الغذاء الروحيّ للجماهير والناس. نعم، لقد أصبحت الثقافة الحقيقيّة غريبةً في زمننا هذا، منبوذةً قصيّةً، ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ؛ لقد أصبح الإنسان المعاصر عدوًّا للثقافة الإنسانيّة وخصمًا للفكر. فاللذّويّة تنتصر، والبعد الإنسانيّ في الثقافة يُهزَم؛ إنّها في حقيقة الأمر هزيمة الروح ونكوص العرفان في عالمٍ لا يعرف اليوم سوى ثقافة اللذّة والمتعة والوهم والخرافات الأسطوريّة التي أطبقت على عقل الإنسان وقلبه. نعم، هذا هو وضع الثقافة المضادّة للإنسان والإنسانيّة في زمن العولمة وما بعد الحداثة. وهذه الحادثة تذكّرنا بحادثةٍ أخرى مشهورةٍ في سوريا في ثمانينات القرن الماضي، إذ دلّت إحصائيّات وزارة الثقافة وميزانيّتها في إحدى السنوات على أنّ حصّة راقصةٍ واحدةٍ لرقصةٍ في حفلة سمرٍ كانت أكبر من جميع المكافآت الماليّة المخصّصة للكتّاب والمؤلّفين والمفكّرين في الميزانيّة الكلّيّة لعامٍ واحدٍ.

والأمر ليس بعيدًا جدًّا، ففي الأمس القريب جاءت المطربة السوريّة أصالة نصري تغنّي في بلدٍ مشؤومٍ مضروبٍ مثقوبٍ يعاني من الويلات والجوع والخطف، لتجد أنّ آلاف الناس من أصحاب الياقات البيضاء ينتظرون بلهفة قدومها المظفّر، وقد حضروا ببذلاتهم البرّاقة وعطورهم الفوّاحة، يرقصون ويصفّقون على أجساد الجوعى والمخطوفين والمعذّبين والمقهورين في خيام اللجوء تحت وابل المطر والخوف والجنون. نعم، هذه هي ثقافة المتعة واللذّة التي لا تبالي بالوجع الإنسانيّ، وتلك التي لا تأبه لعذابات الروح وآلام الإنسان المقهور المغدور. لقد أصبحت الثقافة الحقيقيّة التي تغذّي أرواح الناس غائبةً، وتركت المساحة الكبرى لثقافة الغرائز الوحشيّة والنزعات الساديّة الراقصة على أوجاع الناس وهمومهم وشقائهم. والمثقّفون المطاطون اليوم – كما هي عادتهم – لا يأبهون بأوجاع الخلق والبشر، بل تركوا مواقعهم الإنسانيّة واتّخذوا لهم مواقع الانتصار للقبح والساديّة والمرض والجنون في عالمٍ أصبح باللذّة والساديّة مقهورًا مجنونًا. والفكر الإنسانيّ أصبح غائبًا خائبًا مرذولًا مهزومًا مأزومًا. ومع ذلك، لا أريد أن ألوم الناس وحدهم؛ فحين تغيب ثقافة القراءة، فالمسؤوليّة مسؤوليّة مجتمعٍ ومؤسّساتٍ ومدارسَ لم تجعل من الكتاب رفيقًا للحياة.

وهذه الحادثة المؤلمة ترافقت اليوم مع مشهدٍ ثقافيٍّ آخر مضادٍّ يتمّ فيه تكريم العلماء والمفكّرين، وقد أخذ صداه في وسائل الإعلام، إذ يتمثّل في قرارٍ ثقافيٍّ صينيٍّ يحظر وضع صور الفنّانين والمشهورين في شوارع الصين وساحاتها واستبدالها بصور العلماء والمفكّرين والمبدعين. والهدف تنشئة أجيالٍ تؤمن بالعلم بين الأطفال والناشئة والشباب والمجتمع، وهكذا تتقدّم الشعوب بعلمها وعلمائها ومفكّريها، وتسقط الأمم بسقوطهم.

وأخيرًا، إلى الروائيّ والكاتب الجميل حامد ياسين نقول له مع القائلين: لا تدع الكراسي الفارغة تنال من عزيمتك، وإذا كان عملك الفائق لم يلقَ التبجيل المناسب، فكن على يقينٍ بأنّ كتابك سيجد غايته غدًا في قلوبٍ متفتّحةٍ وعقولٍ تفتح لك أبوابها. أمّا نحن وهم، فعلينا جميعًا أن يأخذنا الخجل والأسى من مشهدٍ صاعقٍ في زمنٍ مؤلمٍ حارقٍ يضطرّ فيه الكاتب إلى البكاء كي نلتفت إليه. وإنّنا لعلى يقينٍ بأنّ المجتمعَ الذي لم يعرف كيف يحتضن مبدعيه ومفكّريه ليس جديرًا بأن يحظى باحترام الشعوب والأمم.

ونذكّرك، يا صديقي، بأنّ المصائب تهون، وإن كانت القاعة خاليةً من المشجّعين والمحتفين، فتأسَّ، يا صديقي، فحسبُك أنّ كتبك لم تُحرَق كما أُحرقت كتب ابن رشد، وقد رُوي عنه أنّ صاحبه بكى حين شاهد الكتب تلتهمها النيران؛ فسأله ابن رشد: لِمَ تبكي يا صديقي؟ فقال: وكيف لا أبكي وكتبك تُحرَق أمام ناظريّ؟ فنظر إليه ابن رشد نظرةً تشوبها ابتسامةٌ متفائلةٌ، قائلًا: «يا صديقي، إذا كنت تبكي على الكتب، فللكتب أجنحةٌ تطير بها وتبلغ غاياتها، أمّا إذا كنت تبكي على بؤس هذه الأمّة، فلن تكفيك البحار دموعًا». وقد طارت كتب ابن رشد إلى غاياتها في أوروبا، وانتشرت الرُّشديّة التي أسهمت في التمهيد للنهضة والتنوير الأوروبيَّين، وما زلنا نحن نبكي وننتحب، وفي البحار متّسعٌ لدموعنا وأحزاننا. فلا تبكِ، يا صديقي، ولا تقهر نفسك؛ فالكتب التي تحمل فكرًا أصيلًا قد تتأخّر في الوصول إلى قرّائها، ولكنّها لا تفقد أجنحتها، ولا تموت أحلامها

2- في مفهوم الثقافة :

تبيّن الأعمال الواسعة في مجال الأنتروبولوجيا البنائيّة إلى أيّ درجةٍ يتّسم مفهوم الثقافة بالتنوّع والتعقيد. فهناك ثقافاتٌ عديدةٌ وليست ثقافةً إنسانيّةً، كما يعتقد ليفي شتراوس (Claude Lévi-Strauss)، الذي يرى أنّ الإنسانيّة تتجلّى في ثقافاتٍ متعدّدةٍ، وأنّ الحضارة العالميّة لا تعني ذوبان هذه الثقافات في ثقافةٍ واحدةٍ متجانسةٍ، بل تعاونها مع احتفاظ كلٍّ منها بخصوصيّتها【1】. وتعدّد هذه الثقافات يعبّر عن وجوهٍ متعدّدةٍ للحياة الإنسانيّة، حيث يرتبط تعدّدها بتعدّد اللغات والعقائد والأديان والأخلاق والقيم الإنسانيّة. لقد كان القرن الثامن عشر فخورًا بثقافته العلميّة التقنيّة، حيث جرى الاعتقاد يومها بوجود ثقافةٍ غربيّةٍ قطبيّةٍ واحدةٍ، وبأنّ الثقافات الإنسانيّة الأخرى ما هي إلّا ثقافاتٌ بربريّةٌ متوحّشةٌ وبدائيّةٌ. ولكنّنا الآن ندرك، ويدرك أهل الثقافة، بأنّ الثقافة الغربيّة المزهوّة بنفسها ما هي إلّا واحدةٌ من الثقافات الإنسانيّة القائمة التي تتّصف بثرائها وغناها الأخلاقيّ والروحيّ 【2】. 

وقد رافق الاعتراف بتنوّع الثقافات وتعدّدها وتباينها مفهوم النسبيّة الثقافيّة. فاليوم يجري الانتقال من الثقافة التقليديّة إلى ثقافة ما بعد الحداثة. فالإنسان في ثقافة ما بعد الحداثة اعتاد النظر إلى أيّ شيءٍ على أنّه ثقافةٌ، وهذا يشمل شعارات الحائط والأزياء وثقافة الروك وأقراص الليزر وأشرطة الفيديو وبرامج التلفزيون وعمليّات التجميل وتناول المخدّرات والعنف والجنس؛ كلّ هذا يُثمَّن ويُقدَّر على أنّه ثقافةٌ.

وفي ظلّ هذا التحوّل، أصبح من الصعب جدًّا إعادة الاعتبار إلى المفهوم التقليديّ لمفهوم الإنسان المثقّف، أي الإنسان الذي كان يمثّل نموذجًا معياريًّا مرجعيًّا للتفكير التقليديّ، وهو صيغة المثقّف الذي كان قد تشكّل في سياق تفاعله مع الآثار الفنّيّة والفكريّة النموذجيّة العليا للروح الإنسانيّة، فتكاثفت في تشكّله المعاني الإنسانيّة الرفيعة والخلّاقة الدالّة على الطابع الإنسانيّ.

ومن أجل أن تكون مثقّفًا تقليديًّا، كان يجب عليك أن تحظى بنصيبٍ كبيرٍ وبقاسمٍ مشتركٍ من الفكر الفلسفيّ الأصيل، وأن تحظى بنصيبٍ لا يُستهان به من التربية الفنّيّة، وأن تُصقَل بمعارفَ أساسيّةٍ وأوّليّةٍ حول الدين والحقّ والخير والجمال، وأن تكون منفتحًا على ثقافة الآخرين وأعمالهم الفكريّة والفنّيّة. ومن الواضح اليوم في عالمنا المعاصر أنّ هذه الصورة للإنسان المثقّف أصبحت صورةً نخبويّةً بامتيازٍ تنطبق على عددٍ قليلٍ جدًّا من الناس في المجتمع.

والآن، ألا يجب علينا اليوم أن نعيد النظر في مفهوم الإنسان المثقّف؟ وهل يقتضي منّا الأمر في هذه الأجواء الثقافيّة الجديدة أن نشعر بالقلق لاختفاء النموذج التقليديّ لمفهوم الإنسان المثقّف؟ أم يجب علينا أن نشعر بالقلق لتراجع مفهوم الثقافة ذاته بدلالاته الإنسانيّة؟ هل يجب علينا أن نعتقد بأنّ عالم ما بعد الحداثة قد أصبح عالمًا من غير ثقافةٍ حقيقيّةٍ، أو عالمًا يعاني من الأمّيّة الثقافيّة؟ والسؤال الجامع الممكن: من هو الإنسان المثقّف في زمن ما بعد الحداثة؟ وأين هي التربية في معترك هذه الوضعيّات الجديدة لثقافة العولمة والحداثة الجديدة 【3】؟ 

ليس ضروريًّا الآن أن نخوض في تفاصيلَ تاريخيّةٍ حول مفهوم الثقافة بدلالاته وتعيّناته وإسقاطاته عبر الزمن. فنحن الآن نعيش في عصرٍ تشكّل فيه قيمة الاستهلاك القيمة العليا في المجتمع، وهو زمن سقوط الأيديولوجيّات الكبرى، أو كما يطلق عليه جيل ليبوفسكي (Gilles Lipovetsky): “عصر تراجع الأيديولوجيّات الكبرى والمشروعات الجماعيّة، وصعود الفردانيّة والنرجسيّة”؛ أو كما يطلق عليه **”عصر الفراغ” (L’Ère du vide)، أو الزمن الثقافيّ لما بعد الحداثة (Postmodernité) 【4】. **

تقرّ حنا أرندت (Hannah Arendt) في كتابها “شرط الإنسان الحداثيّ” (La condition de l’homme moderne) بوجود ثقافتين متمايزتين في الجوهر: الثقافة التقليديّة في عصر الحداثة، وثقافة الاستهلاك في عالم ما بعد الحداثة 【5】. وفي كتابها “أزمة الثقافة” (La Crise de la culture)، تميّز بين الثقافة بوصفها نمطًا ثقافيًّا حيويًّا يتميّز بطاقته الإبداعيّة، وبين ثقافة الترفيه التي يستهلكها المجتمع الجماهيريّ في زمن ما بعد الحداثة؛ وتحذّر من تحويل الأعمال الثقافيّة إلى مجرّد موادّ استهلاكيّةٍ (6). 

3- ثقافة اللذة والمتعة:

يقول ماركوز مبينا الوضعية المأساوية للثقافة المعاصرة قولا معبرا إذ يكتب ” يعثر الناس على ذواتهم في سلعهم؛ ويجدون أرواحهم في سياراتهم، وأجهزة الصوت، والمنازل المتعددة المستويات، وتجهيزات المطابخ. لقد تغيّر النظام الذي يربط الفرد بمجتمعه، وأصبح التحكم الاجتماعي متجذرًا في الحاجات الجديدة التي ينتجها هذا النظام نفسه”(). 

 ويقول إريك فروم: هناك أشياء كثيرة أكرهها في المجتمع المعاصر، وأول ما أودّ أن أُعبّر عنه هو كرهي لحقيقة أن كلّ شيء، وكلّ شخص تقريبًا… بات معروضًا للبيع. ليس فقط السِّلع والخدمات، بل الأفكار، والفن، والكتب، والأشخاص، والقناعات، حتى الشعور والابتسامة تحوّلا إلى سِلَع، وكذلك الإنسان كلّه، بكلّ جراحه وإمكاناته. ويترتّب على ذلك أن قلّة قليلة من الناس يمكن الوثوق بها. ولا أقصد بالضرورة عدم النزاهة في العمل أو الاستخفاف بالعلاقات الشخصية، بل أقصد شيئًا أعمق: عندما يكون الإنسان للبيع، كيف نثق أنّه سيكون غدًا هو نفسه الذي نعرفه اليوم؟ كيف أعرف من هو؟ ولمن سأمنح ثقتي؟!” (). 

فعالم ما بعد الحداثة، كما ترى أرندت، يمثّل نهاية الثقافة السامية وهيمنة الاستهلاك بوصفه ثقافةً، إذ يتمّ قياس الثقافة بمعيار الاستهلاك والمتعة والانبهار وتحقيق اللذّة العابرة. وفي عصرنا اليوم، أصبحت القيمة العليا هي القيمة الاقتصاديّة بامتيازٍ، فقيمة الأشياء، وقيمة الأشخاص، تُحسب اليوم بمعايير الاستهلاك أو بالقدرة على تحقيق اللذّات العابرة. وعليه، تكون لذّة الاستهلاك هي معيار سعادتنا ومعدن إحساسنا بالوجود. ونحن اليوم لا نزهو، كهؤلاء الرجال ما بعد الحرب، بعملنا وثقافتنا، ولسنا من هؤلاء الذين تبهرهم الأيديولوجيّات السياسيّة وتسحرهم العقائد الفكريّة، كما هو حال الأجيال المثقّفة في الستّينات، ولم نعد هؤلاء الذين تسحرهم شعارات الثورة والتقدّم. ونحن في سياق ذلك كلّه لا نريد تغيير العالم، بل نريد أن نحقّق الفوائد ونستفيد ونتلذّذ. لقد تحوّلنا إلى أطفال المتعة الصناعيّة؛ إنّنا نعيش في عصر الدعاية والإعلان والإعلام، والإعلان هو اليوم آخر معاقلنا، حيث يتمّ تشكيلنا منذ نعومة أظفارنا تحت مطارقه وتأثيراته. وما تعلّمنا إيّاه الإعلانات هو أنّ الحياة تعني الاستفادة والربح وتأكيد الذات. فالحياة أصبحت كالحركة في داخل صالات التلفزيون وقاعاته الفاخرة، وفي الكليب فيديو، حيث كلّ شيءٍ يكون على ما يرام، أو حيث يمضي كلّ شيءٍ سريعًا وخاطفًا، حيث تكون الصورة سريعةً جميلةً برّاقةً خاطفةً في المكان الذي يلهو فيه الناس ويستمتعون. لقد تمّ تعميدنا في مياه النزعة إلى اللذّة، وتمّ غمسنا في ماء الحياة القائمة على الربح والاستهلاك والإثارة. ولا ريب أنّ هاجس الحياة اليوم هو اللهو واللذّة والمتعة، وقد أصبحت هذه هي المعايير النموذجيّة لنمط الحياة الثقافيّة المعاصرة. ففي العشرينيّات من القرن العشرين، كانت ثقافة المتعة هي ثقافة فئةٍ من الطبقة الاجتماعيّة الثريّة في أمريكا، ولكنّها اليوم تحوّلت إلى طابعٍ ثقافيٍّ عامٍّ في مختلف مستويات الحياة الثقافيّة الجارية، وأصبحت هذه النزعة تعبيرًا عن التحوّلات الثقافيّة المعاصرة في مختلف المجتمعات الإنسانيّة؛ فنحن نعيش فيما بعد الحداثة التي تمثّل إمبراطوريّة القيم اللذّويّة التي تأخذ الأشياء فيها قيمتها وفقًا لمعيار الاستهلاك وتحقيق اللذّة والمتعة 【7】. 

فالعقليّة فيما بعد العولمة تأخذ لغةً جديدةً قوامها أنّ قيمة كلّ الأشياء تنطوي في قابليّتها للاستهلاك السريع وتوفير المتعة السريعة، وهذا المعيار يأتي على كلّ الأشياء الجميلة التي تشكّل عالم الكتب والأفلام والموسيقى والعمل الفكريّ والإنتاج الأدبيّ والفنّيّ، وهو ذات العالم الذي يمور ويتفتّح بمختلف مظاهر الحياة الثقافيّة ومستلزماتها. وقد أصبحنا اليوم في عالمٍ تكتسب فيه الأشياء قيمتها وتحظى بأهمّيّتها وفق معايير الاستهلاك والإثارة والمتعة السريعة العابرة.

إنّ مذهب المتعة في عصرنا هذا يتجلّى اليوم في مجال استهلاك المخدّرات والإدمان على الممنوعات، وهي تشكّل نزعةً ثقافيّةً مندفعةً تتمثّل في إعادة بناء الحياة كلّها على مبدأ اللذّة والنفع والمتعة. وعندما نركّز اهتمامنا اليوم حول ما يجري حولنا، سنجد حضورًا صارخًا لنزعةٍ لذّيّةٍ شبقيّةٍ متقدّمةٍ تلهبها دورةٌ إعلاميّةٌ مسعورةٌ دافعةٌ إلى قيم الاستهلاك والمتعة والسطوة. وفي دائرة هذا الجنون الاستهلاكيّ والنزعة الرغبويّة الشبقة، يفقد كلّ نشاطٍ أو فعلٍ ثقافيٍّ يعتمد على التأمّل والتعقّل والنظر والصبر والانتظار قيمته ودلالته ومعناه. وهذا يعني أنّ كلّ النشاطات الإنسانيّة التي لا ترتبط بالاستهلاك واللذّة والسرعة تصبح مدعاةً للسخرية والازدراء والاحتقار. وهذا الانحسار القيميّ يشمل اليوم كلّ صيغ التربية التقليديّة وكلّ معاني الثقافة التقليديّة القائمة على معاييرَ إنسانيّةٍ ساميةٍ ومختلفةٍ.

**فالشباب اليوم يأكل سريعًا، ويعيش سريعًا، ويتحرّك وفقًا لمبدأ المتعة واللذّة، ويعاني من تحصيلٍ دراسيٍّ بطيءٍ ومتراجعٍ، إن لم يكن معدومًا.**وسيكون صعبًا اليوم على أبناء هذا الجيل أن يركّزوا انتباههم؛ لأنّهم اعتادوا نوعًا من الحياة الصاخبة التي تعتمد الإثارة السمعيّة البصريّة المستمرّة، كما هو الحال في ألعاب الفيديو والديسكو وموسيقى الجاز الجنونيّة.

وها نحن نشاهد بأمّ أعيننا أنّ الطلّاب في القاعات الدراسيّة يمسكون بهواتفهم الذكيّة، يتنقّلون عبر شاشاتهم من موقعٍ إلى آخر خارج سياق الاهتمام بالدرس والبحث والحوار والمحاضرات؛ إنّهم يعيشون وضعيّةً زومبيّةً، يستهلكون المعلومات الرخيصة بسرعةٍ وشبقيّةٍ لا تتوقّف عن استهلاك الصور والفيديوهات والرسائل واللايكات. وهم في هذه الوضعيّة يعيشون حالةً من السلبيّة والغفلة والشرود المذهل في معظم الأوقات، والتعليم بالنسبة إليهم لا يختلف عن عمليّة استهلاك الكوكا كولا والتشيبس والبيتزا والشاورما، والهوت دوغ، والكوكيز، ومشروبات الطاقة واللاتيه والآيس كوفي. والمدرسة في نظرهم ما هي غير آلةٍ توزّع المعرفة كما توزّع الآلة علب الشيكولا والكوكا كولا. والفرق الوحيد بين الكوكا كولا والمعرفة أنّ الأولى تتميّز بلذّتها وقدرتها على الإمتاع والإنعاش، أمّا الثانية، أي المعرفة، فإنّها تُمارَس قهرًا ومعاناةً وإكراهًا.

إنّ البحث عن اللذّة الفوريّة، المقترن باكتشاف الجنسانيّة والسقوط في عالم الرغبة، أمرٌ طبيعيٌّ. فهذه خصائص تجد مكانها المناسب في مرحلة المراهقة (Adolescence)، وفي المراهقة أيضًا يتأكّد الإحساس بالأنا (Ego) بأشدّ حدّته، قبل أن يخفّفه الانتقال التدريجيّ إلى الاستقلاليّة (Autonomie). ولكن حين يجعل مجتمعٌ بأكمله من البحث عن اللذّة الفوريّة، ومن إثارة الجنسانيّة والرغبة، ومن تأكيد الأنا، نمطًا لتمثّله، فإنّ ذلك لا يمكن أن يعني سوى شيءٍ واحدٍ: أنّه “يركض بجنونٍ وراء المراهقة”. لقد استقرّت ما بعد الحداثة في الانكفاء داخل شرنقة الراحة المنزليّة بوصفه نمطًا للحياة؛ فهي مصنوعةٌ للشباب، وبأيدي الشباب، وتعيش متمركزةً حول صورة الشباب. وقد تبنّت رغبته في الترفيه، ورفعتها إلى مرتبة الثقافة. فكيف ينتهي بنا الأمر إلى المطابقة بين الترفيه والثقافة؟ وإلى أيّ حدٍّ تجري هذه المطابقة؟

4- وسائل الإعلام وتربية الترفيه:

تتمثّل الوظيفة الرئيسة لوسائل الإعلام في عالمنا، ضمن السياق ما بعد الحداثيّ، في توفير الترفيه من الصباح إلى المساء. **ووسائل الإعلام هي التي تعزّز وجود الثقافة اللذّويّة الجديدة وتؤكّد حضورها وهيمنتها الواسعة.**ومن الناحية الإحصائيّة، يقضي أطفالنا اليوم أمام الموبايلات وقتًا أطول ممّا يقضونه في المدرسة. فما الذي يؤثّر فيهم أكثر؟ بالتأكيد ليس التعليم الذي يتلقّونه في المدرسة. فالأطفال والناشئة تتمّ تهيئتهم إعلاميًّا ليكونوا مستهلكين مطيعين، يسهل السيطرة عليهم بدفعهم إلى إشباع اللذّات، وتحت هذا الإكراه الإعلاميّ الإعلانيّ الهائل، تفقد الأجيال الحاضرة قدرتها على ممارسة النقد في عالم المتعة والاستهلاك الذي تتماهى به 【8】. 

لقد اعتدنا جميع الأشكال الممكنة من النقد والتهكّم على التربية، والسخرية من الثقافة الكلاسيكيّة (Culture classique)، كما لا تزال تُدرَّس في المدرسة أو المرحلة الثانويّة أو الجامعة. وفي خضمّ مديح الكسل، وتمجيد الهروب والخمول، يصعب اليوم على تلميذ المرحلة المتوسّطة، أو الثانويّة، أو الطالب الجامعيّ، أن يجد شغفًا للتعلّم والتثقّف الحقيقيّ، ويفقد لذّة البحث والاكتشاف أو الشعور بجاذبيّة الثقافة بما تنطوي عليه من غنًى وثراءٍ.

5- ضدّ الثقافة:

يقول آلان فينكلكروت (Alain Finkielkraut): “حين تصبح كراهية الثقافة نفسها ثقافةً، تفقد الحياة مع الفكر كلّ معنًى” 【9】. لقد أصبحنا في حقيقة الأمر لا نبالي بأيّ فكرٍ رفيع المستوى. لقد انعكست العلاقات تمامًا؛ فلم يعد هناك تعارضٌ بين الحياة الهامشيّة خارج الثقافة والثقافة نفسها، بل أصبحت الثقافة هي الهامشيّة. وأمام قوّة الإنتاج الجماهيريّ لصناعات اللذّة (Industries du plaisir)، ماذا تساوي أرقى منجزات الروح؟ لا شيء. إنّنا نعيش عصرًا يمكن فيه اختزال “أعمال الروح إلى مجرّد سلعٍ تافهةٍ”. وحتّى لو عُرض عملٌ عظيمٌ على الشاشة الصغيرة، فإنّه سيفقد قيمته فورًا، لمجرّد كونه معروضًا عليها، بفعل منطق وسائل الإعلام نفسه، ما دامت خاضعةً، جسدًا وروحًا، لاتّجاهات ما بعد الحداثة.

6- عبادة المظاهر:

تخترق عبادة التمثيل المجرّد (Représentation) ما بعد الحداثة من أقصاها إلى أقصاها؛ والثقافة في هذا العالم الرهيب بدأت تتحول إلى مرح وفرح ولهو وخدع وأوهام. وقد فقد الإنسان في ظل هذه الثقافة إحساسه الإنساني العميق فتراجع الإحساسٌ بالجميل والنبيل والمشوق والمقدس، وجاءت الصورة والفيديو لتحل مكان المعاني والدلالات، بل جاءتا تصميما رهيبا لإنتاج الأوهام وتبجيلها، إنها تعمل في مجال انتاج مجتمع الفرجة الذي يتدفق بالمظاهر والإظهار والخزعبلات والأوهام والتظاهر، والمحاكاة الزائفة للواقع والتقليد الأصم للمظاهر والصرعات الإعلامية والدعائية【10】. 

وقد أورد لودفيغ فيورباخ (Ludwig Feuerbach)، في كتابه “جوهر المسيحيّة” (L’Essence du Christianisme)، هذه العبارة المدهشة: “لا شكّ أنّ عصرنا… يفضّل الصورة على الشيء، والنسخة على الأصل، والتمثيل على الواقع، والمظهر على الوجود… وما هو مقدّسٌ بالنسبة إليه ليس سوى الوهم، أمّا ما هو دنيويٌّ غير مقدّسٍ فهو الحقيقة. بل إنّ المقدّس يتعاظم في عينيه كلّما تراجعت الحقيقة وازداد الوهم، بحيث تصبح ذروة الوهم أيضًا، بالنسبة إليه، ذروة المقدّس” 【11】.

وعلى هذه الصورة تصبح إمبراطوريّة التمثيل هذه صارخة الوضوح، ما إن نتفحّص مكانة وسائل الإعلام ودورها في العالم ما بعد الحداثيّ، ولا سيّما الهواتف اللوحيّة حتى ندرك أنّ أطفالنا وقعوا فريسة سهلة لتأثير الميديا، وأصبحوا على ترابط وجودي بشاشات الهواتف الذكيّة، وأنّ معظمهم يقضون ساعاتٍ في مشاهدة الصور والفيديوهات والأوهام والفقاعات الإعلامية. وهم في سياق هذه المشاهدة العمياء يتعرّضون لقصفٍ إعلانيٍّ يدفعهم قهرًا إلى الجنون الاستهلاكي دون توقّفٍ. إنّهم يتعرّضون يوميًّا لسيلٍ من مشاهد العنف الخياليّ والاستعراضيّ، كما يحدث في أفلام الخيال العلميّ وألعاب الفيديو، وهم يُغرَقون يوميًّا بمشاهد الليزر المطهِّر، والعراك السرياليّ، والساديّة والدم، والاستعراض الجنسيّ؛ وهم في هذا المسار يتلقّون يوميًّا كمًّا هائلًا من مشاهد القتل بأشعّة الليزر والمعارك الخياليّة، التي تحوّل العنف إلى فرجةٍ ممتعةٍ؛ وقد وصل بهم الأمر إلى التماهي والشغف بمشاهد الدم والعري والجنون. ثمّ إنّ هذه الثقافة الهمجيّة لا تجد أيّ صعوبةٍ في اقتحام عقول الأطفال والناشئة والسيطرة عليهم. فنحن لم نعد نتحدّث بعضنا إلى بعضٍ، ولا نتواصل، ولكنّنا نشاهد المسلسل نفسه! ونتذوّق، داخل الأسرة، حالة الاستغراق التنويميّ نفسها، وهو ما يمنحنا الشعور بأنّنا نتشارك شيئًا: البرنامج التلفزيونيّ نفسه. وبعد ذلك نذهب مطيعين إلى المتجر الكبير لشراء السلع التي امتدحها الإعلان. وسنواصل معًا مشاهدة الحماقات والسخافات نفسها، مع شعورٍ بالرضا، لأنّنا نكون في الحماقة والسخافة داخل “المشترك”، فنحن “نتواصل” (؟!). وأخيرًا… نكون مع الآخرين.

7- التربية والترفيه الانزلاقيّ:

ينظر مصمّمو الإعلانات التجاريّة إلى المستهلك بوصفه كائنًا يتساقط متهالكًا على أريكةٍ، وأمامه عبوةٌ من زجاجات الجعّة أو الكوكاكولا على طاولةٍ منخفضةٍ في غرفة الجلوس، يشاهد المسلسلات التلفزيونيّة أو الرياضة. والسؤال: كيف يمكن لهذا الكائن المتراخي أمام التلفزيون أن يمارس دور المربّي، وهو النسخة المنتجة لثقافة اللذّة والتراخي والترفيه؟ ألا يبدو لنا ذلك وكأنّه ضربٌ من الاستحالة! والسؤال: كيف يمكن لهذا الكائن اللذّويّ الاستهلاكيّ أن يواجه هول ما هو فيه من ذهولٍ أمام التلفزيون أو شاشة الهاتف؟ كيف له أن يستيقظ وينتصب ويتخلّى عن الكسل والخمول ليُعنى بنفسه أو أطفاله؟ ومن المهمّ أنّ المجتمع الاستهلاكيّ ليس من مصلحته أن يخرج هذا الكائن من سقوطه اللذّويّ وذهوله الإعلاميّ وأن يستيقظ، بل من مصلحة هذا المجتمع أن يبقى تحت سطوة الذهول والسقوط والمتعة الدائمة! لأنّه سيكون بالنسبة للمنتجين مستهلكًا مطيعًا يدرّ الأرباح في جيوب المنتجين.

وقد أصبحت اليوم الهواتف اللوحيّة الذكيّة في متناول أفراد الأسرة جميعًا، وهذا يشمل الأطفال الصغار الذين اعتادوا ألعاب الفيديو وغيرها من الألعاب التي لا تتوقّف عن الومض أبدًا على أسطح الشاشات الصغيرة، وهي ألعابٌ أخّاذةٌ مشوّقةٌ تأسر قلوب الأطفال وعقولهم. وهذا الانقطاع إلى المشاهدة سيجعل من حياة الأطفال مجرّد تمثّلاتٍ وهميّةٍ للحياة؛ فهي تغذّيهم بالأحلام والأوهام بدلًا من العيش في كنف الحياة الحقيقيّة، وهم في كلّ الأحوال يعيشون بالوكالة داخل الصور والفيديوهات المسحورة.

والناشئة في ظلّ هذه الوضعيّة يعيشون ثقافة الوهم ما بعد الحداثيّ! إنّهم أبعد ما يكونون عن قراءة المعرّي وابن رشد والمعلّقات، أو أبعد ما يكونون عن قراءة شكسبير (Shakespeare)، أو بروست (Proust)، أو أفلاطون (Platon)، ولا علاقة لها بإيقاظ الفهم (Intelligence)، أو معرفة الذات (Connaissance de soi)، أو معرفة عجائب الكون؛ إنّها تملأ الذهن بكلّ أنواع الأشياء: صورٍ، وآراءٍ، وقوالبَ جاهزةٍ، ومعلوماتٍ مبعثرةٍ، وأخبارٍ راهنةٍ، وشذراتٍ من التاريخ. إنّه خليطٌ شديد التشوّش، ولكنّه يقوم مقام “الثقافة”. لا أحد جاهلٌ فيما بعد الحداثة، بمعنى أنّه لا يوجد ذهنٌ فارغٌ أبدًا، ففي الرأس أكداسٌ مكدّسةٌ من الصور والفيديوهات والشذرات والأخبار واللايكات؛ إنّها ذاكرةٌ متخمةٌ بالصورة والترّهات والألعاب والأشكال الوهميّة والتخريفات.

ومع ذلك، تتزاوج الثقافة الوهميّة القائمة على فوضى الصور بسهولةٍ مع الأمّيّة الوظيفيّة (Illettrisme)، بل إنّها تشجّعها. ففي فرنسا، يُقدَّر أنّ ما بين 10 و12% من الأشخاص يواجهون صعوباتٍ في مجرّد ملء استمارةٍ أو تحرير شيكٍ، ولا تميل هذه النسبة إلى الانخفاض. وتواصل الأمّيّة الوظيفيّة تقدّمها حتّى داخل الجامعة، حيث أصبح التمكّن من اللغة غير كافٍ إلى حدٍّ بعيدٍ، وحيث يثير افتقار الطلّاب إلى الثقافة خوف المدرّسين. ووفق الإحصاءات نفسها، هناك ما لا يقلّ عن 25% من الأشخاص، في معظم البلدان التي تعيش وفق النظام الغربيّ، لا يقرؤون أبدًا. ومع ذلك، فهم ليسوا “غير مثقّفين”. وليس لديهم من مرجعيّاتٍ سوى تلك التي يغرسها التلفزيون 【12】.

ولكنّ المفارقة أنّ ثقافة الترفيه قد حقّقت انتصارها في المدرسة في مختلف أنحاء العالم. ومن الواضح اليوم أنّ الذكاء الاصطناعيّ يستوعب مختلف الأنشطة الذهنيّة والفكريّة والعمليّة وكلّ نشاطٍ فكريٍّ ذي طابعٍ آليٍّ. واليوم تستطيع الآلات الذكيّة والروبوتات والبرمجيّات تأدية وظائفَ هائلةٍ أفضل منّا وأسرع. ولذلك فإنّ ما نحتاج إليه في العالم الحاليّ هو تحديدًا ازدهار إبداعٍ إنسانيٍّ مميّزٍ، ينتمي مباشرةً إلى الثقافة العامّة الحقيقيّة، ثقافة الإبداع والازدهار الفكريّ، لا ثقافة الصورة وتخريفاتها المدمّرة.

ولكن ما الذي يمكن لنا أن نقوم به في مواجهة الإعلام بطاقته الهائلة؟ وماذا نفعل بعد أن فقدنا المرجعيّات الثقافيّة الأساسيّة التي فرضت نفسها في المراحل السابقة لما بعد الحداثة؟ ماذا نستطيع أن نفعل بعد أن تهاوى الحسّ النقديّ والتفكير الحرّ وسقط التفكير القائم على الاستقلال الإبداعيّ؟ ماذا نفعل بعد أن فقدنا الثقافة الحقّة؟ ماذا نفعل وقد فقدنا القدرة الحقيقيّة على القراءة وحين نواجه صعوباتٍ في الكتابة؟ ماذا نفعل وقد فقدنا شغف التعلّم والشوق إلى الاطّلاع الأدبيّ والفكريّ والجماليّ؟ ماذا نستطيع أن نفعل تحت وطأة الكسل والمتعة واللذّة والترفيه؟ ماذا نستطيع أن نفعل حين يفقد المجتمع القدرة على تغذية الفهم وتنمية الإبداع؟ وكيف يمكننا حتّى أن نتكيّف إبداعيًّا مع هذه الوضعيّة المكسورة تحت وطأة الصورة والأوهام الإعلاميّة؟ وكيف يمكننا الخروج من المأزق إذا كان الذهن الثقافيّ خاويًا فارغًا مترعًا بالأوهام؟ ماذا نفعل وقد اندفعت أجيالنا إلى الترفيه هروبًا من المعرفة والدراسة والتحصيل الفكريّ والجماليّ؟

ونظامنا المدرسيّ، في ظلّ هذا الواقع المتروس بالصورة وأوهامها وتحت وطأة الإعلان وترّهاته، يجد نفسه عاجزًا كلّيًّا عن المواجهة وغير قادرٍ على إيجاد ومضة النور في نهايات الأنفاق. فالنظام التعلّميّ برمّته يجد نفسه محاصرًا في عالمٍ يحثّ على نسيان ما تعلّمناه حتّى القراءة والكتابة، ولذا فإنّه لن ينجح إلّا في إنقاذ أقلّيّةٍ من الأفراد: أولئك الموهوبين جدًّا الذين تعطيهم ظروف الحياة إمكانيّاتٍ مختلفةً جدًّا.

8- الثقافة والوهم الاستعراضيّ – مجتمع الفرجة:

تفصل مرحلة ما بعد الحداثة بين الوعي الذاتيّ (Conscience subjective) والوعي الموضوعيّ (Conscience objective)، إذ تُختزل الحياة الذاتيّة إلى حيويّتها الأكثر بدائيّةً، ويُحصر الفهم في معرفةٍ أخذت تنفصل شيئًا فشيئًا عن الحياة في بُعدها الثقافيّ.

يرى غي ديبور (Guy Debord) أنّ ثقافة ما بعد الحداثة تأخذ صورة “مجتمع الفرجة” (La société du spectacle)، وهذا يعني أنّ حياة المجتمعات التي تسود فيها شروط الإنتاج الحديثة بأسرها تتبدّى بوصفها تراكمًا هائلًا من المشاهد الاستعراضيّة البصريّة التي تعتمد على الصور والفيديوهات. ويرى أيضًا أنّ كلّ ما كان يُعاش مباشرةً على نحوٍ ثقافيٍّ في مجتمع الحداثة قد غرق داخل العروض التمثيليّة لما بعد الحداثة 【13】. 

إنّ عالم التمثيل ما بعد الحداثيّ يشمل كلّ ما يؤدي إلى قمع القوى الداخليّة النفسية والأخلاقية والروحية للحياة. وهذا يعني أنّ ثقافة ما بعد الحداثة قد تحوّلت إلى صورٍ وتمثيلاتٍ وأوهامٍ منفصلةٍ عن التجربة الإنسانيّة الحيّة، بحيث تصبح الصور بديلًا من الواقع، والمظاهر بديلًا من الوجود الحقيقيّ. فالإنسان لا يعيش الواقع مباشرةً في جميع الأحوال، بل يعيش أيضًا من خلال الصور التي يُنتجها عنه، والأفكار التي يُكوّنها حوله. وفي الثقافة ما بعد الحداثيّة، يزداد حضور هذه الصور والتمثيلات إلى درجةٍ قد تجعلها أكثر تأثيرًا في الإنسان من الواقع نفسه. فعلى سبيل المثال: قد يعيش شابٌّ تجربة السفر لا من أجل الاستمتاع بالمكان والتعرّف إلى ثقافة الشعوب الأخرى، بل من أجل تصوير نفسه ونشر صوره على وسائل التواصل الاجتماعيّ. وهنا تصبح صورة التجربة أهمّ من التجربة نفسها. فالحياة الإنسانيّة غنيّةٌ بقوًى داخليّةٍ متعدّدةٍ، مثل الحبّ والخوف والرغبة والفرح والألم والخيال والإبداع. لكنّ الذهن يستطيع أن يصنع لهذه القوى صورًا وتمثيلاتٍ قد تبدو وكأنّها تضاعف الحياة وتوسّع إمكاناتها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يمكن للفرد أن يشاهد عددًا لا محدودًا من أفلام الحبّ والهيام، وأن يغتذي يوميًّا بعددٍ كبيرٍ من مشاهد المغامرات والنجاح والحكايات السعيدة. ومع ذلك، فإنّ هذه المشاهدات لا تؤدّي إلى تعميق تجربته الوجدانيّة. وهذا يعني أنّ مشاهدة قصص الحبّ والوجد لا تعني أنّ الفرد قد أدرك تجربة حبٍّ إنسانيّةٍ أصيلةٍ. وهنا يظهر الفرق بين التجربة الوجدانيّة والتجربة الإعلاميّة السطحيّة. فعالم التمثيلات لا يمثّل الحياة نفسها، بل يمثّل صورةً ذهنيّةً تعبّر عنها. وهذا يعني أنّ الذهن يمكنه أن يبدع صورةً موازيةً للحياة الحقيقيّة التي تتدفّق بالصور والأحداث والانفعالات، لكنّ الفرد قد يظلّ منفصلًا عن التجربة الحيّة التي يُفترض أنّه يعيشها في حقيقة الأمر. فالفرد المعاصر قد يؤسّس عددًا كبيرًا من وسائل التواصل ويبني صداقاتٍ هائلةً، ومع ذلك لا يمكنه أن يخرج من عزلته النفسيّة القاتمة. فالصداقات الافتراضيّة هنا ليست سوى صورةٍ مزيّفةٍ للعلاقات الحقيقيّة التي يبنيها الإنسان مع الآخرين، ولا تعدو هذه العلاقات أن تكون أكثر من وهمٍ وجدانيٍّ، أي مجرّد مظاهرَ خادعةٍ تريد أن تحلّ محلّ الروابط الإنسانيّة الحقيقيّة.

 لقد أصبح عالم الصورة عالمًا بديلًا للعالم الحقيقيّ، عالمًا مكتفيًا بذاته، يستمدّ طاقته ووجوده من عمليّة إنتاجٍ وإعادة إنتاج الصور، وهو عالمٌ يفقد صلته بالحياة الحقيقيّة للإنسان. فالصورة في هذا العالم تُنتج دوالًّا تتدفّق من الصور دون أن تحمل في ذاتها أيّ معنًى حقيقيٍّ أو دلالةٍ وجدانيّةٍ. 

إنّه عالمٌ سطحيٌّ خفيفٌ؛ لا ثقل فيه، كما يتمّ تصويره في رواية ميلان كونديرا (Milan Kundera) 【14】. والسطحيّة هنا تعني أنّ هذا العالم يفتقد ثقله الوجوديّ، أي عمقه وجذوره وروابطه ومسؤوليّاته وعلاقته بحرّيّة الإنسان وكرامته. ولذلك فهي مفهومٌ أكثر تعقيدًا من مجرّد السطحيّة. فالحياة الإنسانيّة بوصفها تمثيلًا تتميّز بمتابعة صور الحبّ وقصصه، استهلاك صور الإبداع، الاكتفاء بمظاهر التواصل، استهلاك تمثيلاتهما الإعلاميّة، البحث المتواصل عن صور المعنى لا عن معنى الصور. فالحياة الحيّة، على خلاف الحياة المفعمة بالصور، تتميّز بتجربةٍ يمتلك فيها الإنسان ذاته ليمارس الفعل والإبداع، فيبني علاقاتٍ إنسانيّةً عميقةً، ويختبر الفرح والألم في الواقع والإحساس بمعنى الوجود.

ويمكن ربط هذه الفكرة، على سبيل المقارنة الفلسفيّة، بنقد غي ديبور (Guy Debord) لمجتمع الاستعراض (La Société du spectacle)، وبأطروحات جان بودريار (Jean Baudrillard) حول المحاكاة (Simulation) والصور التي قد تستقلّ عن مرجعها الواقعيّ.

ويمكن القول في هذا السياق إنّ عالم التمثيل في الثقافة ما بعد الحداثيّة يشكّل عالمًا ذهنيًّا موازيًا للحياة، تتكاثر فيه صور الوجود الإنسانيّ وتمثيلاته، وتبدو فيه القوى الحيويّة وكأنّها تتضاعف وتتّسع بلا حدودٍ؛ لأنّ الصور والتمثّلات قد تنفصل عن التجربة الوجوديّة المباشرة، وتتحوّل إلى منظومةٍ من الصور والأوهام التي تعيد إنتاج نفسها. وهكذا ينشأ عالمٌ يتّسم بالخفّة الوجوديّة، إذ تتراجع معاني الحياة ودلالاتها وأصالتها أمام تضخّم مظاهرها وصورها، وقد يفقد الإنسان الصلة العميقة بذاته وبالعالم.

فالعالم الذي نعيشه اليوم عالمٌ يحيا بالصورة والتمثّلات الوهميّة في مختلف مستويات الحياة، ومع ذلك فإنّ هذه التجلّيات الصوريّة الشكليّة تفقد رمزيّتها الإنسانيّة المفعمة بالطابع الذاتيّ المتفرّد للحياة الإنسانيّة المخصبة بالمعاني والدلالات. وهذا العالم الزائف (Pseudo-monde) عالمٌ يفقد صلته بالحياة الحقيقيّة الوجدانيّة للإنسان. إنّه عالم مَرَضٍ زائفٍ بالمعنى الفينومينولوجيّ (phénoménologique) المحض، وذلك لأنّه نقيضٌ للحياة التي تفقد قدرتها على تحقيق التوازن الداخليّ في ذاتها فتخسر حيويّتها. ويصوغ غي ديبور ذلك بقوله: “إنّ الفرجة عمومًا، بوصفها قلبًا ملموسًا للحياة، هي الحركة المستقلّة لما ليس حيًّا”. ثمّة صورٌ كثيرةٌ، وتجسيداتٌ افتراضيّةٌ كثيرةٌ بالتأكيد، ولكن أين الصلة بما أنا عليه؟ وبما أعيشه 【15】؟ 

وسيكون من الخطأ أن نرى في الوجود الإعلاميّ مجرّد تجسيدٍ للمتخيَّل (Imaginaire)، لأنّ في التمثيل بالفعل نسيجًا يقوم على الوعي الجمعيّ (Conscience collective)، وعلى الطريقة التي يفكّر بها في نفسه بوصفه مجتمعًا. وهذا يعني أنّ الفرجة ليست مجموعةً من الصور، بل علاقةٌ اجتماعيّةٌ بين أشخاصٍ تتوسّطها الصور؛ إنّها “رؤيةٌ للعالم أصبحت فعليّةً، وتُرجمت مادّيًّا على أنّها رؤيةٌ موضوعيّةٌ للعالم .

وفي أصل إنتاج الحياة بوصفها نتاجًا موضوعيًّا محضًا، تتجلّى الصيرورة الاقتصاديّة وفق ديبور الذي يربط الرأسماليّة (Capitalisme) بالتدهور الذي يهبط بالحياة من الوجود (Être) إلى الامتلاك (Avoir)، ومن الامتلاك إلى الظهور (Paraître) 【16】. “لقد أدّت المرحلة الأولى من هيمنة الاقتصاد على الحياة الاجتماعيّة، في تعريف كلّ تحقّقٍ إنسانيٍّ، إلى تدهورٍ واضحٍ من الوجود إلى الامتلاك. أمّا المرحلة الراهنة من الاحتلال الكامل للحياة الاجتماعيّة بالنتائج المتراكمة للاقتصاد، فتؤدّي إلى انزلاقٍ معمّمٍ من الامتلاك إلى الظهور، الذي ينبغي لكلّ امتلاكٍ أن يستمدّ منه مكانته المباشرة ووظيفته النهائيّة”. ولا شكّ في أنّ فكَّي الاقتصاد قويّان بالفعل، لكي تستمرّ هذه الهيمنة للظلّ على حياةٍ سُطّحت في التمثيل المحض【17】.

9- الثقافة السلعيّة وصناعة النجوميّة:

ويبلغ الانقلاب الذي تولّده الرأسماليّة ذروته حين “يتعيّن على الثقافة، التي أصبحت بكاملها سلعةً (Marchandise)، أن تصبح أيضًا السلعة النجمة (Marchandise vedette) في “مجتمع الفرجة”. فالنجوميّة، كما في صناعة العروض والترفيه (Show business)، فئةٌ متوَّجةٌ في مجتمع الاستهلاك، لا توجد إلّا في المظهر المحض، وفي التمثيل المحض الفارغ لدورٍ مصطنعٍ: “إنّ فاعل الفرجة الذي يُقدَّم بوصفه نجمًا هو نقيض الفرد”، أي الفرد الحيّ. “إنّ وضع النجم هو التخصّص في المعيش الظاهريّ (Vécu apparent)”، وحين تُقدَّم الثقافة في اصطناعيّة النجوميّة، فإنّها تُسطَّح، بحكم ذلك ذاته (Ipso facto)، داخل الصورة والتمثيل. ومن ثمّ لا يتردّد ديبور في الحديث عن “نهاية تاريخ الثقافة” في صورتين 【18】:

أ) في مشروع تجاوزها داخل التاريخ الكلّيّ (Histoire totale)، وهو ما يحيل إلى التصوّر الماركسيّ للأيديولوجيا (Idéologie) وتجاوزها. فالفرجة هي الأيديولوجيا بامتيازٍ، لأنّها تعرض وتُظهر، في تمامه، جوهر كلّ نظامٍ أيديولوجيٍّ: الإفقار، والاستعباد، ونفي الحياة الواقعيّة.

ب) “في الإبقاء عليها بوصفها موضوعًا ميّتًا”، على هيئة نوعٍ من العبادة التي تحفظها في وضع موضوعٍ مودَعٍ في المتاحف (Musées)، موضوعٍ معروضٍ لنظرةٍ تمثيليّةٍ محضةٍ، كفّت الحياة عن المشاركة فيه. “إنّ الاستهلاك الفُرجويّ… يُبقي الثقافة القديمة مجمّدةً”. ومن اللافت أنّ ديبور يصوغ، في تتمّة النصّ، هذا الانقطاع بين الحياة والثقافة بعبارات فقدان التجذّر في الأسطورة (Mythe)، التي هي اللغة المشتركة للثقافة التقليديّة: “حين يفقد المجتمع جماعة مجتمع الأسطورة، فإنّه لا بدّ أن يفقد جميع مرجعيّات لغةٍ مشتركةٍ حقًّا”. ألا يعني ذلك أنّ في الأسطورة لغةً تلتقي الحياة فيها بذاتها في عمقها غير الزمنيّ، تحت صورةٍ مشحونةٍ بالرموز؟ وما الذي تعارضه لغة الأسطورة إن لم يكن لغة التمثيل؟ وماذا تحمل في داخلها ممّا يفتقر إليه التمثيل… إن لم يكن الإحساس بالمقدّس؟

أليس الموضوع الميّت الذي يُسمّى في ما بعد الحداثة “ثقافةً” قد انفصل، بفعل التمثيل الذي يموضعه، عن الحياة التي كفّت عن التعرّف إلى نفسها فيه؟ إنّ عملًا فنّيًّا يُقدَّم في عرضٍ فُرجويٍّ داخل متحفٍ يُنظر إليه من الخارج، بحيث يبقى في وسعنا دائمًا ألّا نتعرّف فيه إلى تلك الحياة الذاتيّة اللامتناهية التي تنبض فينا، بل أن نرى فيه مجرّد موضوعٍ.

يتساءل ديبور في نصّه السابق: هل الثقافة تجربةٌ حيّةٌ تغيّر الإنسان وتشارك في تشكيل حياته، أم أصبحت أشياء وصورًا يكتفي بمشاهدتها واستهلاكها؟ وهو هنا لا يعني بعبارته “تجاوز الثقافة داخل التاريخ الكلّيّ” إلغاء الفنّ والأدب أو التخلّص من التراث، بل تجاوز انفصال الثقافة عن الحياة الاجتماعيّة. فبدلًا من أن يبقى الإبداع نشاطًا محصورًا في الفنّانين، وأن يبقى الآخرون جمهورًا متفرّجًا، تصبح القدرة على الإبداع والتواصل وتغيير العالم جزءًا من الحياة التي يصنعها الناس معًا. و”التاريخ الكلّيّ” (Histoire totale) هنا لا يعني كتابة تاريخٍ يشمل جميع الأحداث، بل تاريخًا يستعيد الناس معه القدرة على صنع حياتهم الاجتماعيّة في مجموعها، بدلًا من الخضوع لقوًى اقتصاديّةٍ تبدو مستقلّةً عن إرادتهم. ومثال ذلك: يمكن لمسرحيّةٍ عن الاستغلال أن تبقى عرضًا يشاهده الناس ثمّ يعودون إلى حياتهم المعتادة. ويمكن أن تدخل أفكارها في وعيهم وممارساتهم، فتساعدهم على تغيير علاقاتهم وظروف عملهم. وهذا يعني خروج الثقافة من مجال المشاهدة إلى حيّز المشاركة في الحياة.

ولماذا يقول ديبور إنّ “الفرجة هي الأيديولوجيا بامتيازٍ”؟ يقول ذلك لأنّ الفرجة (Spectacle) عنده ليست مجرّد الهاتف الذكيّ أو الصورة التلفزيونيّة أو الصور؛ إنّها وضعٌ اجتماعيٌّ يصبح فيه الإنسان متفرّجًا على حياةٍ تُصنع له، بدلًا من أن يكون مشاركًا في صنعها، حياةٍ تُقدَّم له فيها السلع وصور النجاح والسعادة بوصفها الطريق الطبيعيّ لتحقيق ذاته؛ ومثال ذلك حين تصبح قيمة الصداقة عند الفرد مرتبطةً بصوره المنشورة وعدد الإعجابات التي ينالها، وقد ينشغل الفرد نفسه بالحصول على أصدقاء وهميّين أكثر من اهتمامه ببناء صداقةٍ يعيشها فعلًا.

ثمّ ماذا يعني “الإبقاء على الثقافة بوصفها موضوعًا ميّتًا”؟ إنه يعني الاحتفاظ بالأعمال الثقافيّة، مع تعطيل قدرتها على مخاطبتنا وإثارة أسئلتنا وتغيير نظرتنا. فالعمل يبقى موجودًا، لكنّ العلاقة الحيّة به تضعف. قد نحتفظ بكتابٍ ينتقد الظلم، ونحتفل بمؤلّفه، ونطبع عباراته على الهدايا، من دون أن نسمح لنقده بمساءلة الظلم الذي نمارسه. بهذا المعنى، نحفظ الكتاب ونُجمّد فاعليّته. فالثقافة تتحول إلى رصيد من الصور والماركات والإعلانات واللايكات والتغريدات بدلًا من أن تكون قوّةً حيّةً في الحاضر. وهذا لا يعني أن وجود العمل الفني في المتحف يجعله ميّتًا بالضرورة؛ فالحياة تبقى قائمة في العمل الفني ولكن قيمة العمل الفني ترتهن بقدرته على إيقاظ المشاعر وتنبيه الحواس وخلق الروح الفكرة في أعماق الإنساني، إذ يمكن للوحة ما معروضة في متحف أن توقظ في المشاهد شعورًا وجدانيًا عميقًا وأن تحرك فيه فهما أو على خلاف ذلك قد تُختزل إلى خلفيّةٍ لصورةٍ تذكاريّةٍ.

كانت الأساطير القديمة مفعمة بالمعاني إذ كانت تتجلى في قصص شعرية وحكايا وإبداعات ذهنية اعتمدها الإنسان في تفسير قضايا الوجود التي تتمثل في الحياة والموت والخلود والعمل والمصير. ولم تكن هذه الأساطير مجرد حكايات يتداولها الناس بصورة تلقائية جامدة بل كانت حكايا أصيلة تضرب جذورها في طقوسهم وعلاقاتهم وفهمهم لأنفسهم. ولكن مع وضعية التفكك التي شهدها عالمنا الجديد فقدت هذه الأساطير ومختلف الأعمال الفنية رمزيتها الإنسانية وتجردت من معانيها الخلاقة التي كانت تشكل المنطلق الأساسي لحياة الناس ووجودهم، وكانت هذه الأساطير تغذي مشاعرهم على نحو رمزي يتدفق بالمعاني والدلالات، فالطقوس الأسطورية كانت تمثل الفعاليّات الإنسانيّة التي تحقق الترابط الوجداني بين الناس في مواسم الحصاد والعمل وطقوس الحب والزواج والحياة. ولكنّها اليوم تحولت إلى مجرد عروض شكلية صماء يستعرضها الجمهور لالتقاط الصور والذكريات السطحية. فالأسطورة القديمة كانت ترتبط بحياة الناس تعمل على توليد مشاعرهم الإنسانية وتحفيز خيالهم ومخاطبة عقولهم وإحياء مشاعرهم إزاء المعاني والقداسة【19】. أما اليوم فإن فالأمر مختلف كليا فالناس يشاهدون الأساطير والأعمال الفنية بطريقة سطحية لا عمق فيها ولا دلالة أو معنى، وهذه الرؤية السطحية للعمل الفني تختزله إلى مجرد مادة جادة إلى شيء لا تبقى منه سوى أشلاء الاسم والشهرة والتاريخ. وهذا يعني أن المشاهدة السطحية تفقد العمل الفني قيمته وتجرده من معناه ودلالته، والإنسان في معترك هذه السطحية والسذاجة الفنية يفقد القدرة على تحسس الجمال الفني الكامن في اللوحات والصور والمسرحيات والسينما والكتب، وقد يفقد لا يستطيع أن يتلمس الطاقة المعنوية والجمالية لهذه الأعمال وما يمكن لها أن تولده من مشاعر نبيلة في النفوس والعقول والوجدان. ومن غير هذه التجربة الانفعالية الإنسانية مع العمل الفني أيا كان نوعه فإنه يتحول إلى مادة جامدة صماء. فعندما يقف الناس اليوم أمام لوحة فنية جميلة لا يتفاعلون معها في الغالب شعوريا أو معنويا إذ يكتفي المشاهد بالسؤال عن الفنان الذي رسمها وسعرها وتاريخها. وهذا يعني غياب اللقاء الإنساني الحيّ بالعمل الفني وهو الشعور الذي يأخذنا عندما نشاهد عملا جميلا يتدفق بالمعاني لأن الحياة لا “تتعرّف إلى نفسها” إلا في الثقافة بما تنطوي عليه من دلالات ومعاني. إنّ هذه الصيرورة التي تفقد فيها الحياة الإنسانية القدرة على إدراك ذاتها والتعرّف إلى نفسها فيما تبدعه هي مفتاح فهمنا لعمليّة تدمير الثقافة. وهنا علينا أن ندرك أنّه لا يكفينا لفهم النكوص الثقافيّ وتراجع معنى الثقافة فيما بعد الحداثة، أن نتّبع تحليلًا يستند إلى النقد الاقتصاديّ وحده. فمن الضروريّ فهم الانفصال الذي حدث بين الثقافة والحياة، وهذا هو الأمر الذي يقترحه المفكّر الفرنسيّ ميشيل هنري (Michel Henry) في كتابه “البربريّة” (La Barbarie) 【20】. 

10- بين موضوعيّة المعرفة وحيويّة الثقافة:

تشير الثقافة الحقيقيّة إلى التحوّل الذاتيّ للحياة (Auto-transformation de la vie)، أي الحركة التي لا تكفّ الحياة من خلالها عن تعديل نفسها بنفسها، كي تحقّق أبلغ صورةٍ من صور اكتمالها وجمالها في عمق التجربة الإنسانيّة ذاتها. ولا تُختزل الثقافة في تعليمٍ يقوم على معرفةٍ موضوعيّةٍ  (Savoir objectif)  منفصلةٍ عن الذات. ولا علاقة لها بمجرّد تبحّرٍ معرفيٍّ موضوعيٍّ. إنّ الثقافة تُعرَف في جميع أشكالها من خلال التحوّل الداخليّ العميق الذي تُحدثه في كلّ واحدٍ منّا، في صميم ذاتيّته (Subjectivité)، وفي إشراقات فهمه وإحساسه. فما المشترك بين قراءة كتابٍ تُحدث فينا هزّةً في الفهم وارتجاف غي والقلب، والشغف الروحي عند الاستماع إلى عملٍ موسيقيٍّ عظيمٍ، والفرح الذي تثيره لوحة في مشهد  يخاطب الروح لا الجسد ؟  إن هذا المشترك يتمثل في تجلّيات  الحياة الإنسانية الخلاقة بما تنطوي عليه من قيم ودلالات ومعاني وإيحاءات ورموز ومشاعر وطفرات وجدانية ، وهنا في عمق هذه الفعاليّات الفنيّة يتّحد الشعور (Sentiment) والفهم اتّحادًا وثيقًا في موكب وجودي جمالي واحد ..

لا يوجد انفصالٌ حقيقيٌّ بين مجالي الثقافة والحياة. فالحياة تتحقّق بوصفها ثقافةً والحياة الحقّة تتجلى بوصفها ثقافة .  وفي جميع الثقافات الحقيقيّة تتجلّى الحياة بوصفها حركةً حيويّةً متواصلةً للتحوّل الإنسانيّ وتحقيق الذات، وهذه الحركة الإنسانيّة تجسّد جوهر الثقافة ذاتها وتستقرّ في أعماقها. ومن ثم**، فإنّ الفصل بين المعرفة والحياة يهدّد وحدة الثقافة وجوهرها الإنسانيّ. فالمعرفة تتحوّل إلى ثقافةٍ عندما تعبّر عن جوهر الحياة، إذ يجب على المعرفة كي تكون ثقافةً أن تندمج في التجربة الذاتيّة الروحيّة للفرد، وأن تكون غذاءً روحيًّا له في مختلف ممارساته الوجوديّة.** وهذا يعني أنّه لا بدّ لنا من دمج المعرفة في الحياة كي تتحوّل إلى ثقافةٍ حقيقيّةٍ. فالمعرفة الموضوعيّة الخالصة التي تكون غريبةً عن الحركة الداخليّة الحيّة للذاتيّة لا تستطيع أن تلج في العمق الحيويّ للتجربة الإنسانيّة، ويصعب عليها أن تلامس العمق الداخليّ للإنسان. وفي المستوى التربويّ، غالبًا ما يشعر الطالب دائمًا بأنّه خارج سياق ما يتعلّمه وما يترتّب عليه أن يفهمه ويدركه، وهنا يمتلكه شعورٌ بالاغتراب والإحساس بالإكراه والملل. إنّ المعرفة التحصيليّة (Savoir) ليست معرفةً حقيقيّةً (Connaissance)، لأنّها تفتقر إلى العنصر المفتاحيّ للمعرفة الحقيقيّة، أي الإحالة الواعية إلى الذات (Auto-référence consciente). ولا تكون المعرفة غذاءً للفهم إلّا بقدر ما ينجح الطالب في إدماجها في نفسه، وفي جعلها جزءًا من حياته الخاصّة؛ أي بقدر ما تكون مفهومةً حقًّا. فالفهم (Comprendre) هو وحده ما يبقى من التعليم الذي تلقّيناه: ما فهمناه حقًّا في العمق، لا مجرّد ما تعلّمناه، ولا ما يظلّ مودَعًا في حالة تمثيلٍ مجرّدٍ.

ويعود تحليل ميشيل هنري إلى ما يسمّيه الحدث التأسيسيّ الأوّل (Archi-événement) لهذا الانفصال: لقد ظهر العلم الحديث انطلاقًا من الطلاق الذي اكتمل بين الذاتيّة والموضوعيّة عند غاليليو (Galilée). وجاء تمثيل العلم الحديث للعالم ليرفع الموضوعيّ إلى مرتبة الواقع الجامد ، وينزع المصداقيّة عن الذاتيّ، مع أنّ هذا الأخير هو سنده الدائم. وعلى هذه الصورة تمّ فهم العالم انطلاقًا من مثاليّاتٍ رياضيّةٍ (Idéalités mathématiques) تتيح تمثيله وقياسه. وبذلك يُصاب العلم الذي لم يتجذّر حيا في الوعي  بوصفه  علما ناقصا لم يكتمل. إنّ وهم غاليليو، ووهم جميع الذين يعدّون العلم، من بعده، معرفةً مطلقةً، كان تحديدًا أنّهم أخذوا العالم الرياضيّ والهندسيّ، المعدّ لتوفير معرفةٍ أحاديّة الدلالة بالعالم الواقعيّ، على أنّه هذا العالم الواقعيّ نفسه؛ ذلك العالم الذي لا يمكننا إلّا أن ندركه حدسيًّا ونختبره في الأنماط الملموسة لحياتنا الذاتيّة 【21】.

ويقصد ميشيل هنري (Michel Henry) أنّ العلم يقدّم معرفةً دقيقةً بالعالم من خلال القياس والحساب، لكنّ المشكلة تبدأ حين نعتقد أنّ هذه المعرفة تستنفد حقيقة العالم وحقيقة الإنسان، وأنّ كلّ ما لا يمكن قياسه ليس حقيقيًّا أو ليس جديرًا بالاعتبار. فالموسيقى التي تتشكّل من تردّداتٍ صوتيّةٍ أمرٌ صحيحٌ، ولكنّ هذه التردّدات وحدها لا تصف ما نشعر به حين نستمع إليها. هذا الفارق بين الواقع كما نقيسه والواقع كما نعيشه هو المدخل الأساسيّ لفهم الفقرة.

ويرى هنري أنّ مفهوم الذاتيّة (Subjectivité) يرمز هنا إلى الحياة كما يختبرها الإنسان من الداخل: الألم الذي يتألّم به، والفرح الذي يعيشه، والخوف الذي يشعر به، والجهد الذي يبذله. ولا تعني “الذاتيّة” في هذا السياق مجرّد رأيٍ شخصيٍّ متحيّزٍ أو حكمٍ غير دقيقٍ. وعلى خلاف ذلك، فإنّ الموضوعيّة (Objectivité) ترمز إلى تناول الظاهرة بوصفها موضوعًا يمكن ملاحظته وقياسه، ومقارنة نتائجه بين أشخاصٍ مختلفين. ومثال ذلك أنّ الطبيب يستطيع قياس ضغط الدم، وتصوير العضو المصاب، ورصد نشاط الجهاز العصبيّ. هذه معطياتٌ موضوعيّةٌ مهمّةٌ. ولكنّ ألم المريض، كما يشعر به المريض نفسه، تجربةٌ معيشةٌ لا يستطيع جهاز القياس أن يتألّم بها بدلًا منه. وهنا يريد هنري أن يقول لنا إنّ الألم حقيقيٌّ أيضًا لأنّه يُعاش من الداخل، وقد يكون أشدّ ما هو يقينيٌّ بالنسبة إلى صاحبه، حتّى عندما يصعب تحديد سببه أو قياس شدّته بدقّةٍ.

ويبدو أنّ مفهوم “الحدث التأسيسيّ الأوّل” عند غاليليو يحتاج إلى شرحٍ وتفسيرٍ؛ فالحدث التأسيسيّ (Archi-événement)، في هذا السياق، هو تحوّلٌ عميقٌ في الطريقة التي يُحدَّد بها ما يستحقّ أن يُسمّى معرفةً حقيقيّةً. لقد اعتمد غاليليو (Galilée) اللغة الرياضيّة في دراسة الطبيعة والأجرام السماويّة، إذ عمل على قياس الحركة والمسافة والزمن والسرعة والشكل والمقدار بلغةٍ ومنهجيّةٍ فيزيائيّةٍ رياضيّةٍ. وبناءً على نظريّته ونظريّة كوبرنيكوس، تمكّنت الإنسانيّة من بناء علمٍ فيزيائيٍّ رياضيٍّ يشتمل على قوانينَ دقيقةٍ تفسّر الظواهر الجوّيّة الفلكيّة وتتنبّأ بها. فعندما يسقط جرمٌ من الأعلى، يمكن قياس حركته وطريقة سقوطه والعوامل المؤثّرة في السقوط والسرعة والمسافة التي قطعها. ولا تتطلّب القوانين الفيزيائيّة مشاعرَ إنسانيّةً تتمثّل في مشهد السقوط وتأثيراته الوجدانيّة التي تتعلّق بالدهشة والفرح والشعور بالسعادة أو غير ذلك من المشاعر الإنسانيّة. فالقانون في الفيزياء لا يُعنى بالمشاعر، وهو الحال في سائر المعارف الموضوعيّة والعلوم. وغنيٌّ عن البيان أنّ إقصاء المشاعر يشكّل ضرورةً منهجيّةً في البحث العلميّ، ولا سيّما في مجال العلوم الدقيقة، لأنّ الموضوعيّة ضرورةٌ قصوى تسمح بصياغة قانونٍ لا يتأثّر بمشاعر الأفراد والعلماء والباحثين. ومع ذلك، فإنّ هنري يعتقد أنّ الفصل بين المشاعر الذاتيّة والقانونيّة الموضوعيّة يجب ألّا يكون نهائيًّا، لأنّ المشاعر كما يراها تتّصل بطريقةٍ أو أخرى بالظاهرة المدروسة، وهذا يعني أنّ “المشاعر ليست موضوع القانون”، ولكنّ ذلك لا يمنع من أن تكون جزءًا من المشهد الواقعيّ؛ فالإنسان هو عينه الذي يرى الظاهرة ويشاهدها ويراقبها وينفعل بها دون أن تكون مشاعره جزءًا من القانون الفيزيائيّ. وهذا يعني أنّ الفصل المنهجيّ الذي يتيح دراسة جانبٍ معيّنٍ من العالم يتحوّل إلى فصلٍ تعسّفيٍّ حين نجعله حكمًا على حقيقة العالم بأسره 【22】. وهذا يعني أنّنا قد نقع في خطأٍ كبيرٍ عندما نأخذ الجانب القابل للقياس بوصفه الحقيقة الوحيدة، وننظر إلى التجربة الإنسانيّة الشعوريّة بوصفها مجرّد إضافةٍ شخصيّةٍ ثانويّةٍ. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، يمكن وصف البيت فيزيائيًّا، إذ نقدّر مساحته وارتفاعه وفسحته وقيمته التجاريّة، وهذا يمثّل الجانب الموضوعيّ من الحقيقة. لكنّ المنزل بالنسبة إلى سكّانه يعني أكثر من واقعةٍ فيزيائيّةٍ حسابيّةٍ مادّيّةٍ؛ فقد يكون محطّ الذكريات والإحساس بالأمن والراحة والشعور بالألفة. وهذه المعاني ليست أرقامًا في مخطّطٍ هندسيٍّ، بل هي حقيقةٌ إنسانيّةٌ لا يمكن تجاهلها. وعلى خلاف ذلك، إذا قلنا إنّ البيت لا يعدو أن يكون أكثر من مساحةٍ وجدرانٍ وموادّ، نكون قد أغفلنا جزءًا كبيرًا من الحقيقة التي تأخذ طابعًا إنسانيًّا، وعليه نكون قد استبعدنا جانبًا مهمًّا من الحقيقة الكلّيّة لمعنى المنزل. وهذا هو موضع الاعتراض: صواب الوصف في مجاله لا يعني كفايته لتفسير التجربة كلّها. ومن الطبيعيّ أنّ هنري يقصد بـ”المثاليّات الرياضيّة” (Idéalités mathématiques) كياناتٍ وعلاقاتٍ مجرّدةً، مثل النقطة والخطّ والدائرة والعدد والمعادلة. وكلمة “مثاليّات” هنا لا تعني المُثُل الأخلاقيّة أو الأشياء الأفضل، بل الأشكال التي يصوغها الفكر في صورةٍ رياضيّةٍ دقيقةٍ. فالدائرة الهندسيّة، مثلًا، محدّدةٌ بعلاقةٍ دقيقةٍ بين مركزها وجميع نقاط محيطها. أمّا الدائرة المرسومة على ورقةٍ فلها سُمكٌ، وقد تكون غير منتظمةٍ قليلًا. تتيح هذه الأشكال المجرّدة قياس الأشياء الواقعيّة ودراستها. ومثال ذلك الشجرة: يمكن قياس ارتفاع شجرةٍ، وحساب حجم جذعها، ودراسة سرعة نموّها. ولكنّ هذه القياسات لا تشمل، وحدها، تجربة الجلوس تحت ظلّها، ورؤية حركة أوراقها، والشعور بالسكينة قربها. إنّ النموذج الرياضيّ يلتقط خصائص محدّدةً من الشجرة. ويبدأ “الوهم”، بحسب هنري، حين نعتقد أنّ الشجرة ليست في حقيقتها سوى تلك الخصائص. ويبقى السؤال: كيف تكون الذاتيّة “السند الدائم” للمعرفة الموضوعيّة؟ والجواب: لأنّ العلم نفسه نشاطٌ يقوم به بشرٌ أحياءٌ: يلاحظون، ويفهمون، ويطرحون الأسئلة، ويحسبون، ويختبرون، ويصحّحون أخطاءهم. فعلى سبيل المثال، قد نجد عرضًا لبيع جهازٍ إلكترونيٍّ  يحمل الرقم (50)، ولكن لكي يصبح هذا الرقم معرفةً، ينبغي أن يعرف الباحث ما الذي يقيسه هذا الجهاز، وما وحدة القياس، وهل الجهاز سليمٌ، وما دلالة النتيجة. فالرقم لا يفهم نفسه، ولا يفسّر نفسه. إنّه يدخل في معرفةٍ من خلال نشاط الإدراك والفهم. وبالمثل، يمكن كتابة معادلةٍ على السبّورة، ولكنّ وجود الرموز أمام الطالب لا يعني أنّه فهمها. لا بدّ من فعل فهمٍ يقوم به الطالب.

لهذا يرى هنري أنّ المعرفة الموضوعيّة تفترض ذاتًا حيّةً تستطيع أن تعرف. فالوعي الذي نستبعده من وصف الموضوع يظلّ حاضرًا في فعل معرفته. وهذا لا يعني أنّ الإنسان يخلق الطبيعة بإرادته، أو أنّ القوانين الفيزيائيّة تتغيّر بحسب مشاعره؛ المقصود أنّ معرفتنا بالطبيعة تتحقّق من خلال خبراتٍ وإجراءاتٍ يقوم بها فاعلون أحياءٌ.

فالوهم الذي أراده هنري هنا هو الخلط بين النموذج الذي يمثّل العالم والعالم الذي نعيش فيه. ويمكن تقريب الفكرة بمثال الخريطة: الخريطة الدقيقة تساعدنا على معرفة الطريق، ولكنّها لا تتضمّن تعب السير، أو رائحة المكان، أو الخوف من الضياع، أو فرح الوصول. وهذا يعني أنّ معرفتنا بالخريطة وأبعادها لا تعني أنّنا عشنا المكان أو تمثّلنا صورته الكلّيّة في وعينا وشعورنا. وينسحب الأمر نفسه على معرفتنا بالمدوَّنة الموسيقيّة (النوتة) ورموزها، وبالصوت وخصائصه الفيزيائيّة؛ فوصف الصوت بمعادلاتٍ لا يجعلنا نسمع الموسيقى ونستمتع بها ونستغرق في معانيها بما تثيره من مشاعر انفعالية قلقة أو جميلة .  كما أنّ وصف الألم بوصفه نشاطًا عصبيًّا لا يعني أنّنا عشنا تجربة الألم ذاتها. لا يجعلنا نختبر ألم صاحبه. وهذا يعني أن المشكلة لا تكمن في الخريطة أو في المدوَّنة الموسيقيّة أو بالصوت وخصائصه بل في إشكالية العلاقة بين الذات والموضوع وهي إشكالية الحقيقة السيكولوجية الأعمق لما تمثله هذه المعايير والصور والخرائط والمقاييس؛ العلم يجرّد الظاهرة من بعض أبعادها كي يدرس أبعادًا أخرى محددة بدقة، لكنّ التجريد لا يثبت أنّ الأبعاد المستبعَدة غير موجودةٍ.

فالمعرفة أحاديّة الدلالة ترمز إلى نمطٍ معرفيٍّ دقيقٍ ومحدّدٍ لا يحتمل تأويلاتٍ متعدّدةً داخل السياق نفسه. فقولنا: “**طول هذه الطاولة متران” أوضح من قولنا: “هذه طاولةٌ كبيرةٌ”، لأنّ “كبيرةً” تختلف باختلاف المقارنة والانطباع.**هذه الدقّة ميزةٌ أساسيّةٌ للعلم. لكنّ هنري يريد في هذا السياق أن ينبّه إلى أنّ وضوح القياس لا يجعله وصفًا شاملًا للتجربة. ومثال ذلك الساعة التي تقيس الزمن بستّين دقيقةً، سواءٌ قضيناها في انتظار خبرٍ مقلقٍ أم في لقاء شخصٍ نحبّه. ولكنّنا لا نعيش الحالتين بالطريقة نفسها: قد تبدو الأولى طويلةً ثقيلةً، والثانية قصيرةً خاطفةً. والقياس الزمنيّ صحيحٌ في الحالتين، والاختلاف في الزمن المعيش حقيقيٌّ أيضًا. وهذا يعني أنّ العالم لا يُختبَر إلّا في “الأنماط الملموسة لحياتنا الذاتيّة” التي تعني أنّ علاقتنا بالعالم تتحقّق من خلال الرؤية والسمع واللمس والحركة والشعور والفهم. وكلمة “ندركه حدسيًّا” (intuitionner) لا تعني هنا التخمين، بل حضور الشيء في الخبرة المباشرة: أن ترى لونًا، أو تسمع صوتًا، أو تشعر بحرارةٍ. فيمكن أن تعرف معلوماتٍ كثيرةً عن طعم ثمرةٍ، من تركيبها الكيميائيّ إلى نسبة السكّر فيها، ولكنّ معرفة طعمها بالتذوّق تظلّ خبرةً مختلفةً عن قراءة هذه المعلومات.

11- الذاتيّ والموضوعيّ في الفعل التربويّ:

والسؤال المركزيّ المهمّ الذي يَطرح نفسه هنا هو: “كيف ترتبط هذه الفكرة بأزمة الثقافة والتربية؟” فالثقافة، في منظور هنري، ترتبط بنموّ الحياة الداخليّة: تنمية الحساسيّة، والفهم، والقدرة على الإبداع والتذوّق. فإذا اعترفنا فقط بما يُقاس، فقد نهمل هذه الأبعاد لأنّ قياسها أصعب. إذ يمكن تقويم قراءة قصيدةٍ بعدد المفردات التي حفظها الطالب، وعدد الصور البلاغيّة التي استخرجها، والدرجة التي حصل عليها. ولكن قد يحصل على علامةٍ مرتفعةٍ من دون أن يتأثّر بالقصيدة أو يفهم التجربة الإنسانيّة التي تعبّر عنها. وقد يقرأ طالبٌ آخر القصيدة فتتّسع قدرته على فهم الحزن أو الغربة أو الظلم، ومثل هذا الأثر الثقافيّ والتربويّ لا تُظهره الدرجة وحدها.

وبذلك تصبح المشكلة التربويّة شبيهةً بالمشكلة التي تصفها الفقرة: حين نختزل التعلّم إلى مؤشّراته القابلة للقياس، قد نغفل ما يحدث في حياة المتعلّم نفسه. ويمكن إعادة صياغة الفقرة بلغةٍ أبسط بالقول: إنّ ميشيل هنري يرى أنّ العلم الحديث نجح في وصف العالم بلغة القياس والحساب، لكنّ الخطأ يبدأ حين يُعتقَد أنّ هذا الوصف هو العالم نفسه بكلّ أبعاده. فالعالم الذي نعيش فيه يتضمّن أيضًا الألم والفرح والجمال والمعنى، وهي خبراتٌ لا تستنفدها المعادلات. بل إنّ بناء المعادلات وفهمها يفترضان أصلًا وجود إنسانٍ حيٍّ يدرك ويفكّر. لذلك لا ينبغي أن تنسينا معرفة العالم من الخارج حياتنا التي نختبره من خلالها.

وهكذا اتّخذت المعرفة العلميّة، في الحداثة، منعطفًا أبعدها عن اختبار الذات، الذي يشكّل الحياة في أصلها، وهو ما يسمّيه ميشيل هنري وجدانيّتها (Affectivité). إنّ المعرفة الموضوعيّة كلّها في الفيزياء والبيولوجيا وعلم الفلك، وجميع محاولات موضعة الذهن والتاريخ والسلوك الاجتماعيّ، تقوم على وهمٍ أساسيٍّ: وهم عالمٍ مستقلٍّ عن الوعي، ومعرفةٍ مستقلّةٍ عن الوعي. وهو أمرٌ لا معنى له. والنتيجة الجذريّة أنّ العلم، باتّخاذه هذا المنعطف، قد يترك شيئًا جوهريًّا يفلت منه، وهو الجانب الوجدانيّ الذاتيّ. وهنا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أنّ الأساس النهائيّ لكلّ نشاطٍ ذهنيٍّ ليس سوى الحياة التي يُعطى فيها هذا النشاط أصلًا؛ فإنّ النتيجة الجذريّة التي يستخلصها ميشيل هنري هي أنّه، في السياق الذي نعيش فيه اليوم، تكون العلاقة بين العلم والثقافة علاقة إقصاءٍ متبادلٍ (Exclusion réciproque).  فإذا لم يكن العلم سوى تمثيلٍ موضوعيٍّ، وإذا لم تكن الحياة، من جهةٍ أخرى، في عمقها الذاتيّ، سوى العنصر الحيّ للثقافة، فإنّه يترتّب على ذلك بالضرورة أنّ العلم ليس جزءًا من الثقافة!

ولنفهم جيّدًا ما يُقال هنا. فليس المقصود تبنّي عداءٍ ساذجٍ للعلم والعلميّة (Anti-scientisme primaire).  وليس هذا إطلاقًا قصد ميشيل هنري الذي يقدّر عاليًا قيمة العلم، ويأخذ بعين الاعتبار الأهمّيّة الكبرى للعباقرة والعلماء. ولكنّه يعمل على فحص العلاقة بين العلم والثقافة، بين الذاتيّ والموضوعيّ دون افتراضاتٍ مسبقةٍ. لقد أسهم العلماء الكبار أمثال باستور (Pasteur)، وداروين (Darwin)، وأينشتاين (Einstein)، وبور (Bohr)، وهايزنبرغ (Heisenberg) ، في دفع عجلة المعرفة العلميّة من خلال اكتشافاتهم العلميّة العبقريّة، ومع ذلك فإنّ الثقافة ترتبط بجذع الشجرة العلميّة لهذا التجديد والابتكار، فترسم رؤيتنا الذاتيّة للعالم الموضوعيّ، وعليه يمكن القول بأنّ العلماء العباقرة يشكّلون أغصان الكلّيّة الحيّة للثقافة والحياة.

ولكنّ هذه العلاقة بين الذات والموضوع فقدت وهجها الإنسانيّ في مجال التطوّر التقنيّ المحض للعلم في السياق المعاصر. وذلك لأنّ رؤيتنا الراهنة للمعرفة تندفع خارج الثقافة الحيّة. فالمعرفة اليوم تأخذ طابعًا موضوعيًّا محضًا خارج السياق الوجدانيّ الثقافيّ للإنسان المعاصر. وكنتيجةٍ طبيعيّةٍ للفصل بين التطوّر العلميّ التقنيّ والثقافة الحيّة في المؤسّسات التعلّميّة، بدأ الطلّاب والمتعلّمون يفقدون القدرة على معرفة أنفسهم في سياق التعليم المجزّأ المنفصل عن سياقه الإنسانيّ. فالطلّاب يعيشون حالة انغلاقٍ معرفيٍّ تدمّر فيهم الحسّ الإنسانيّ والبعد الثقافيّ الحقيقيّ للتجربة الإنسانيّة الوجدانيّة.

ولأنّ الثقافة هي، في أساسها، عطاء الحياة ذاتها لذاتها، في قدرتها تحديدًا على تجديد فهمها لنفسها، فإنّ العلم، بنفيه الثقافة، يولّد إحباطًا للحسّ الإنسانيّ والقدرة على الفهم والتأويل والتفسير والتفاعل المعرفيّ بطريقةٍ وجدانيّةٍ. وفي هذه الدورة السياقيّة للفعل التربويّ، فقدت المعرفة العلميّة صلتها بالحياة والثقافة، وخسرت في هذا المعترك القدرة على إنتاج المعنى والدلالة، أو لنقل باختصارٍ: فقدت هذه المعرفة التي تُقدَّم في المؤسّسات التعلّميّة الروح الحقيقيّة للعلم الذي ينطلق من الذات ويرتدّ إليها في صورة دلالاتٍ ومعانٍ وقيمٍ وأفكارٍ ومشاعرَ وأحاسيسَ.

12- التدمير الذاتيّ للمعنى:

فالعالم المعاصر يعاني من وضعيّةٍ ثقافيّةٍ مأزقيّةٍ يفقد فيها العلم دلالته الإنسانيّة ويتحوّل إلى قوّةٍ أداتيّةٍ خارج السياق الإنسانيّ. فالثقافة تغرق في مستنقعات الوهم والصورة والميديا، ومع هذه الوضعيّة يفقد الإنسان قدرته على تكوين رؤيةٍ شاملةٍ للحياة والوجود، فالمعرفة تتشظّى وتتجزّأ في دوائرَ صمّاء وزنزاناتٍ متصلّبةٍ معرفيًّا، وقد أصبحت الحقول المعرفيّة عصيّةً على الاختراق الثقافيّ والوجدانيّ. وهو الأمر الذي يمكن أن نطلق عليه معرفةً فاقدةً للروح، إذ نعيش اليوم في زمن الفوضى الفكريّة العارمة التي تتنافر مع الأنسنة والفهم والحسّ الوجدانيّ للإنسان. ويمكن أن نطلق على هذه الوضعيّة عصر التدمير الذاتيّ للفكر الفلسفيّ بطابعه الإنسانيّ والوجدانيّ. وقد أحسن ميشيل هنري في وصف هذه الوضعيّة المأزقيّة للتدمير الثقافيّ الممنهج في كتاب “البربريّة” (La Barbarie). وقد أجاد في وصف هذه الوضعيّة المأزقيّة للثقافة، إذ يرى أنّ البربريّة ليست هي البداية، بل وضعيّةٌ تأتي لتعبّر عن غياب الثقافة (…) فالثقافة تبدأ وتتشكّل وتسود، ومن ثمّ، مع تلاشيها، تبدأ وضعيّة البربريّة بالصعود والهيمنة، وهذا يعني أنّ البربريّة هي الحالة التي تغيب فيها الثقافة بعد أن كانت حضورًا تنويريًّا وإنسانيًّا 【23】. 

ويرى ميشيل هنري أنّ البربريّة قد تنشأ حين تتعطّل قدرات الإنسان على الشعور والفهم والإبداع، ولا سيّما عندما لا تجد سبيلًا إلى النموّ والتحقّق، وعندها يجد الإنسان نفسه في حالة توتّرٍ واستياءٍ هدّامٍ. فالإنسان لا يحتاج فقط إلى ما يبقيه حيًّا جسديًّا، بل يحتاج أيضًا إلى حياةٍ وجدانيّةٍ إنسانيّةٍ يستخدم فيها قدراته ويشعر بمعناها. فالثقافة كما يراها “شعورٌ إنسانيٌّ خلّاقٌ بالحياة ذاتها”. وهذا لا يعني مجرّد التسلية أو البحث عن اللذّة، بل الفرح الذي يشعر به الإنسان حين تتحقّق إحدى قدراته وتتطوّر. فعلى سبيل المثال: حين ينجح طالبٌ في فهم فكرةٍ صعبةٍ، يشعر بفرح الاكتشاف؛ وحين يجد شخصٌ الكلمات المناسبة للتعبير عن حزنٍ عميقٍ، يشعر بأنّه استطاع فهم شيءٍ من تجربته وصياغته؛ وحين يعزف موسيقيٌّ مقطوعةً أتقنها بعد تدريبٍ، يشعر بقدرته وهي تتحقّق. في هذه الحالات، لا يتلقّى الإنسان شيئًا من الخارج فحسب؛ بل يختبر نفسه بوصفه قادرًا على الفهم والتعبير والإبداع. وهذا ما تعنيه عبارة “الحياة تلتقي بنفسها”: أن يشعر الإنسان بقواه وهي تعمل وتنمو. ولهذا يجمع النصّ بين الفهم والحساسيّة: فقراءة روايةٍ، مثلًا، قد توسّع فهمنا للناس، وتزيد قدرتنا على الإحساس بمعاناتهم في الوقت نفسه.

ويستخدم هنري مفهوم القوّة المحايثة للحياة (Immanence)، **وهو يعني بذلك أنّ القوّة كامنةٌ في الحياة نفسها، وليست شيئًا يأتيها من الخارج. فالإنسان الحيّ يشعر ويرغب ويتحرّك ويتخيّل، وتدفعه قدراته إلى ممارستها. والطفل، مثلًا، لا يكتفي بأن يُطعَم ويُلبَس؛ إنّه يريد أن يلعب ويسأل ويجرّب ويصنع ويكتشف.**والسؤال الفلسفيّ في النصّ هو: كيف يمكن لهذه الحياة، التي تحمل إمكانات النموّ والإبداع، أن تنتج سلوكًا يدمّرها؟ يجيب هنري بأنّ القوّة التي يمكن أن تتفتّح في الثقافة قد تنقلب إلى قوّة هدمٍ حين تتعطّل سبل تحقّقها. وهذا يعني أنّ “البربريّة طاقةٌ غير مستخدمةٍ“. و”الطاقة” (Énergie) هنا تعبيرٌ فلسفيٌّ عن قدرات الإنسان ودوافعه الحيويّة، وليست طاقةً فيزيائيّةً يمكن قياسها، وهي أيضًا ليست مجرّد قوّةٍ عضليّةٍ تحتاج إلى تفريغٍ. والطاقة “غير المستخدمة” لا تعني أنّ صاحبها لا يفعل شيئًا. فقد يكون الإنسان مشغولًا طوال اليوم، ومع ذلك لا يجد في أعماله مجالًا لتطوير فهمه أو حساسيّته أو إبداعه. ومثال ذلك: الموظّف الذي يعمل ساعاتٍ طويلةً في مهمّاتٍ متكرّرةٍ، لا يُسمح له فيها بالمبادرة، ولا يرى أثرًا ذا معنًى لجهده. إنّه يستخدم وقته وقدرته على تنفيذ التعليمات، لكنّ قدرته على الابتكار والحكم والمشاركة قد تبقى معطّلةً. وهذا يعني أنّ الانشغال المستمرّ لا يساوي بالضرورة تحقّق الذات. وهنا يبرز السؤال التالي: كيف تكون الثقافة “تحريرًا للطاقة”؟ الثقافة تمنح القدرة الحيّة شكلًا يمكن أن تتطوّر فيه: سؤالًا، أو فكرةً، أو قصيدةً، أو لحنًا، أو عملًا متقنًا. فالحزن، مثلًا، شعورٌ قد يثقل صاحبه. ولكن حين يصوغه في كتابةٍ أو رسمٍ، فإنّه يمنحه صورةً يستطيع تأمّلها وفهمها ومشاركتها. لم يختفِ الحزن بالضرورة، لكنّ العلاقة به تغيّرت: أصبح تجربةً يُعبَّر عنها ويُعمل عليها. وكذلك قد يتحوّل الغضب من الظلم إلى بحثٍ يكشف أسبابه، أو عملٍ جماعيٍّ يسعى إلى تغييره. هنا تجد القوّة الانفعاليّة سبيلًا إلى الفهم والفعل.

فالتحرير الثقافيّ لا يتمثّل في مجرّد تفريغ انفعالٍ مكبوتٍ أو تحرير رغبةٍ مخنوقةٍ، بل في تحويل القدرة الإنسانيّة إلى نشاطٍ ينمّي الإنسان ويمنح تجربته معنًى ودلالةً. ويبقى السؤال حول الكيفيّة التي تنقلب فيها الطاقة على نفسها. فحين لا يجد الإنسان مجالًا لتحقيق قدراته، قد يشعر بالعجز أو الفراغ أو بأنّ حياته لا تعبّر عنه. وقد يحاول التخلّص من هذا الشعور بسلوكٍ يزيد حالته سوءًا. ومثال ذلك: شابٌّ لديه رغبةٌ في التعلّم والمشاركة، لكنّه يتعرّض باستمرارٍ للإذلال، وتُهمَل مبادراته. قد يتراكم لديه الغضب، ثمّ يجد في إهانة الآخرين شعورًا عابرًا بالقوّة. ولكنّ هذا السلوك يفسد علاقاته، ويزيد عزلته، فيزداد استياؤه. فالقوّة التي كان يمكن أن تظهر في إنجازٍ أو مشاركةٍ أصبحت تعمل بطريقةٍ تهدم علاقته بالآخرين وبنفسه.

وقد يكون الانقلاب أقلّ ظهورًا أو أكثر، فالإنسان قد يهرب من شعوره بالفراغ إلى ترفيهٍ متواصلٍ لا يترك له وقتًا لأيّ نشاطٍ يعتزّ به، لأنّ ذلك قد يمنحه راحةً مؤقّتةً، ولكنّ هذا الترفيه لا يستطيع أن ينسيه بصورةٍ دائمةٍ شعوره المؤلم بأنّ حياته تمضي عبثًا، فيطلب مزيدًا من الهروب عبر الترفيه القاتل. فالترفيه والتجاهل لا يقتلان الحاجة إلى التحقّق التي لا تزول بمجرّد تناسيها أو تجاهلها. فالإنسان قد يشعر بأنّه قادرٌ على إنجاز أكثر ممّا تتيحه له حياته، وقد يعيش بطريقةٍ لا يرضى عنها، لكنّه لا يستطيع ولا يعرف في الوقت ذاته كيف يغيّرها.

ومن ثمّ، فإنّ مفهوم “مرض الحياة” (Maladie de la vie) الذي يستخدمه هنري ليس مجرّد تشخيصٍ طبّيٍّ، بل وصفٌ لحياةٍ تظلّ تحمل القدرة على الشعور والفعل، ولكنّها تعجز عن تحقيق هذه القدرة بصورةٍ مُرضيةٍ، فتضيق بنفسها وتحاول الهروب منها. **ويمكن تقريب الفكرة بالفرق بين شخصين يعانيان تجربةً مؤلمةً: أحدهما يجد في الفهم والتعبير والعلاقات والمشاركة وسائل للعمل على تجربته؛ والآخر يشعر بأنّه محاصرٌ فيها، ولا يجد إلّا ما يخدّره مؤقّتًا أو يزيد عداءه لنفسه ولغيره.**فالثقافة، بالمعنى الذي يقصده هنري، تفتح مسالك للحالة الأولى. ولذلك فإنّ البربريّة عنده لا تعني غياب الاهتمام بالثقافة والفنون والأدب، بل تعني تعطيل قوى الحياة وتفريغها من الطاقة الإنسانيّة؛ فالإنسان يحمل قدراتٍ تحتاج إلى أن تُمارَس وتنمو. وحين يحقّقها يشعر بأنّه يحقّق ذاته. أمّا حين تُعطَّل هذه القدرات، فقد تتحوّل إلى ضيقٍ وغضبٍ وهروبٍ أو سلوكٍ هدّامٍ. ويسمّي هنري هذا الانقلاب “بربريّةً”، لأنّ قوى الحياة تصبح عاجزةً عن تنمية القوى الوجدانيّة والروحيّة في الإنسان. وهذا يعني أنّ الحياة المريضة، إذ تعجز عن بلوغ اكتمالها وتحقيق ذاتها، لا تجد إلّا في الهروب لها مخرجًا، وهو هروبٌ من الذات وفرارٌ من الأنا الحيويّة القائمة في الإنسان، ومن ثمّ فإنّ الإنسان يقتل نفسه ويتخلّص ممّا يكونه كي يخرج من ضيقه ومعاناته. والهروب من الذات هو العنوان الذي يمكن أن ندرج تحته كلّ ما يحدث تقريبًا أمام أعيننا في الحياة في عالم ما بعد الحداثة. وقد يدفعنا هذا الهروب الدائم إلى الإدمان على وسائل التواصل الاجتماعيّ والهواتف الذكيّة والانغماس الكلّيّ في عالم الصورة والغرق في متاهات الثقافة الإعلاميّة الرخيصة التي تفعل فعلها في تدمير القوى الذاتيّة الحقيقيّة الكامنة في الإنسان. والهروب من الذات يعني ميتافيزيقيًّا الهروب من الحياة، لأنّ الحياة لا تكون في جوهرها إلّا اختبارًا للذات وتطابقًا معها. وفي هذه اللحظة من الهروب، يغرق الفرد في غيبوبةٍ تنويميّةٍ في محاولةٍ يائسةٍ للنسيان الذي يدفعه إلى تدمير الذات قبل تدمير الشعور بالعجز والقهر والانفلات والغرق.

13- اليقظة الثقافية والتربوية :

يقول نيتشة ” إن انبل أنواع الجمال ليس ذلك الذي يفتن برمية واحدة، بهجوم صاعق مغر، بل هو ذلك الجمال الذي ينساب ببطء في نفوسنا، نحمله وكأننا لا نشعر به، يعاودنا يوميا في حلم، هو جمال يستقر مدة طويلة في قلوبنا، وينتهي بأن يتملكنا تملكا تاما، فيملأ عيوننا دموعا وقلبنا فرحا ووجدا وحنينا” (). 

فالثقافة كما أسلفنا تشكل تفاعلًا حيًّا بين الذات والموضوع؛ إنّها لقاءٌ بين المعرفة العلميّة والمعرفة الوجدانيّة على نحوٍ لا يقبل الانفصام، وهي بالأحرى وعيٌ خلّاقٌ للذات بنفسها، إذ تخاطب الروح في الإنسان وتستقرّ قوّةً حيّةً في أعماق الوجدان. وهذا يعني أنّ الثقافة ليست قصفًا تنويميًّا للبيانات والمعلومات والصور، كما أنّها ليست بقايا مجمّدةً من الماضي ينبغي حفظها في متاحف العقل والنفس معًا. إنّها الحياة التي تتدفّق بالطاقة الإبداعيّة المتجدّدة في كلّ لحظةٍ من لحظات حياتنا ووجودنا. إذ كثيرًا ما شُوّه المثال الثقافيّ في تبحّرٍ معرفيٍّ مفرطٍ ونزعةٍ فكريّةٍ كتابيّةٍ ومعرفةٍ يعلوها الغبار. ولكن، على خلاف ذلك كلّه، فإنّ الإنسان المثقّف هو إنسانٌ اختار أن يجعل من حياته الخاصّة عملًا فنّيًّا خلّاقًا مبدعًا يقوم على امتلاك الذات الوجدانيّة في توحّدٍ عميقٍ مع المعرفة التي تقوم على الفهم والتحقّق والاستيعاب. والثقافة كما بيّنّا لا يمكن أبدًا أن تكون هروبًا أو ترفيهًا، بل هي، قبل كلّ شيءٍ، عمليّةٌ تهذّب فنّ العيش والتفاعل مع الحياة. والإنسان المثقّف هو الإنسان الذي يمتلك في ذاته القدرة على التفاعل مع المعرفة دون أن يتخم بها ويصبح ركامًا من المعلومات والمعارف المتنامية، وعلى خلاف ذلك يتميّز المثقّف بقدرته على الاستقلال النقديّ وامتلاك الحسّ الجماليّ والطاقة الوجدانيّة التي تجعله قادرًا على تذوّق المعرفة واستلهام الإبداعات الفكريّة والفنّيّة في مختلف مستوياتها. ولا توجد ثقافةٌ من دون انفتاحٍ متجدّدٍ دائمًا للفهم والحبّ والوجد الروحيّ أبدًا. وتعني الثقافة، بهذا المعنى، تنمية الوظائف الروحيّة والقدرات الخلّاقة للإنسان بالدراسة والتمرين الطويل والتفاعل الإنسانيّ الخلّاق مع معطيات الوجود، ولا يعني ذلك تبحّرًا معرفيًّا أو تراكمًا معرفيًّا أو حفظًا لمعلوماتٍ ومعطياتٍ معرفيّةٍ. فالثقافة شأنٌ يتعلّق بالمعرفة الحيّة التي تنمو حرّةً في العمق الوجدانيّ للإنسان لتسهم في نموّ شخصيّته وتفتّحها وانفتاحها على العالم الحيّ.

يماثل ريمون روييه (Raymond Ruyer) في كتابه “الأغذية النفسيّة” (Les Nourritures psychiques)، بين الثقافة والغذاء. ويميّز بين ثلاثة أشكالٍ من الغذاء: غذاءٍ جسديٍّ (Nourriture physique)، وغذاءٍ نفسيٍّ (Nourriture psychique)، وغذاءٍ روحيٍّ (Nourriture spirituelle). 

ويتّخذ من ألعاب السيرك في روما مثالًا: “كانت الأسود الجائعة تتغذّى على المسيحيّين، وكانت العامّة تتغذّى من دم الضحايا، وزئير الوحوش، وصيحاتها هي نفسها؛ وربّما كان بعض المثاليّين التائهين وسط الحشد يجدون في ذلك “عبرةً”، فيشمئزّون من الحاضر، ويتوقون إلى عالمٍ مختلفٍ” 【24】. إذن، لا بدّ من وجود ثلاثة أنواعٍ من الأغذية على الأقلّ: الخبز، والرسائل الروحيّة، والعروض المثيرة أو العنيفة الموجّهة إلى “المتفرّجين المتلصّصين”؛ وهي غذاءٌ نفسيٌّ أكثر منها غذاءً روحيًّا.

يقرّ روييه في تحليله للأغذية الانفعاليّة النفسيّة بوجود حاجةٍ نفسيّةٍ كامنةٍ وراء الانجذاب إلى العروض المثيرة انفعاليًّا؛ وهي الحاجة إلى إشباع الحسّيّة الشهوانيّة وتغذيتها. وإذا كانت القرابين الدينيّة قد استطاعت قديمًا التنفيس عن هذه الحاجة، فإنّ هذا الدافع ما يزال قائمًا اليوم، ولكنّه يُشبَع بطريقةٍ أخرى: فأبناء ما بعد الحداثة “يبحثون، خارج الطقوس الدينيّة، عن غذاءٍ نفسيٍّ حافلٍ بالإثارة: إنّ صيحات نجوم العروض والرياضة والسياسة ودموعهم تحلّ محلّ دموع الطفل أو الأسير الذي يُقاد إلى سكّين مقدّم القربان” 【25】.

ويستهلك عالمنا ما بعد الحداثيّ قدرًا هائلًا من الإشباعات النفسيّة عبر السينما، والتلفزيون، واللعب، والموسيقى، والرياضة. إنّنا نعيش عصرًا شديد الحسّيّة الشهوانيّة، فالحسّيّة الشهوانيّة هي تلك التي تتوق إلى نوعٍ من التحرّر السيكولوجيّ العنيف، وتتلذّذ بموسيقى الروك الصاخب (Hard rock)، وتحبّ الأفلام العنيفة، وتوتّرات كرة القدم، والصراع بين لاعبَي التنس؛ ولكنّ الحسّيّة الشهوانيّة قد تأخذ أيضًا صورة إنتاجاتٍ أدبيّةٍ، ولا سيّما تلك التي تثير المشاعر الرومانسيّة كتلك التي تُسقط الفتاة الحالمة في غيبوبةٍ سحريّةٍ من الانفعال.

وإذا كان لدينا فعلًا ثلاثة أنواعٍ من الأغذية: الغذاء الروحيّ، والغذاء النفسيّ، والغذاء المادّيّ، فإنّها تصبح أربعةً إذا قسّمنا الغذاء الروحيّ إلى غذاءٍ روحيٍّ “عرفانيٍّ” (Gnostique)، بالمعنى الواسع للكلمة، وغذاءٍ أيديولوجيٍّ (Nourriture idéologique)؛ ويقصد روييه أنّ الغذاء الروحيّ أساسيٌّ بقدر أساسيّة الخبز والألعاب، ولكنّه لا يستطيع أن يحلّ محلّ الغذاء النفسيّ، كما لا يستطيع أن يحلّ محلّ الغذاء الجسديّ. وللتمييز بين غذاءٍ روحيٍّ عرفانيٍّ (Nourriture spirituelle gnostique)، وغذاءٍ روحيٍّ أيديولوجيٍّ، يرى روييه أنّ العقل الإنسانيّ مولعٌ بالأفكار والإنشاءات الذهنيّة. والذهن يجد راحته التامّة في الأيديولوجيا. وهذا يعني أنّ الأيديولوجيا تشكّل حاجةً أساسيّةً في الإنسان، وتتمثّل هذه الحاجة في الميل إلى تنظيم معرفته واستخدام التفكير وأدواته المعرفيّة، ولولا ذلك لما فهمنا متعة لاعب الشطرنج، ولا الميل إلى ألعاب الاستراتيجيّة، ولا الرضا الذي يستمدّه الذهن منها.

ولكنّ ما يثير العقل لا يكفي لتغذية الفهم، لأنّ الفهم معرفةٌ حيّةٌ وحكمةٌ وجوديّةٌ، وعليه فإنّه لا يمكن الفصل بين المعرفة والحياة،  وهنا يقع بيت القصيد عند روييه، إذ يرى أنّ ما يلبّي هذه الحاجة التفاعليّة داخل الثقافة هو فلسفةٌ عرفانيّةٌ (Philosophie gnostique). ومصطلح “الفلسفة العرفانيّة” مختارٌ اختيارًا موفّقًا إلى حدٍّ بعيدٍ؛ فهو يشير إلى صورةٍ من “المعرفة الدينيّة التي تمنح الحياة معناها ودلالتها”. فالعرفان (Gnose) كما يتجلّى في رؤية روييه فعلٌ “يتجاوز النفسيّ” ويتجلّى في صورة إدراكٍ تركيبيٍّ (Appréhension synthétique). فالعرفان نمطٌ من المعرفة ينتمي إلى الحدس الإنسانيّ الشامل (Intuition de l’Englobant). 

14- التربية العرفانيّة:

وفي ختام كتابه، يأمل روييه أن يجد البشر، في الأزمنة المقبلة، ما يلبّي حاجاتهم العرفانيّة التي تشكّل نمطًا من الغذاء الروحيّ المنشود الذي يمكنه أن يحقّق الانسجام والتناغم والتكامل في بنية الفرد النفسيّة – الروحيّة وفي بنية التكوين الاجتماعيّ الشامل. ويرى في هذا السياق أنّ الحاجة العرفانيّة تتصدّر احتياجات الإنسان المعاصر الذي يعيش في فوضى التوحّش الثقافيّ والنزعات السيكولوجيّة المدمّرة. إذ لا بدّ للإنسانيّة من رؤيةٍ عرفانيّةٍ تجدّد طاقتها الوجوديّة وتحقّق نزوعها الإنسانيّ الأصيل. ومن المثير للاهتمام ملاحظة أنّ كلمة العرفان (Gnose) تعيدنا إلى أصول الفلسفة في الغرب، ولا سيّما إلى عبارة سقراط المشهورة: “أيّها الإنسان، اعرف نفسك بنفسك”، وهي العبارة المنقوشة على مدخل معبد دلفي (Delphes)، والتي كانت صيغتها الكاملة تنتهي بعبارة: “وستعرف الكون والآلهة”. فما الذي يوجد في قلب كلّ فلسفةٍ عرفانيّةٍ؟ إنّها الفلسفة نفسها بوصفها فهم الحياة لذاتها. ويُبنى على ذلك أنّه لا توجد ثقافةٌ أصيلةٌ من دون معرفة الذات، كما لا توجد ثقافةٌ حيّةٌ من دون فلسفةٍ عرفانيّةٍ. وهذا يعني أنّ العرفانيّة هي ما تفتقر إليه ثقافتنا الحاليّة افتقارًا مؤلمًا، وهو النقص الواضح في نظامنا التربويّ. وما دمنا لا نتيح للأجيال الجديدة الوصول إلى معرفةٍ وجدانيّةٍ عرفانيّةٍ، فستبقى تربيتنا بلا أساسٍ، وستظلّ ثقافتنا مجرّد زينةٍ ذهنيّةٍ، وطلاءٍ جذّابٍ ربّما، ولكنّه سطحيٌّ جدًّا في العمق. ولا ينبغي للثقافة أن تفتح كتاب الكون فحسب، بل يتعيّن عليها، في المقام الأوّل، أن تفتح كتاب الحياة لكلّ فردٍ في الوجود. فمن خلال تغذية معرفة الذات تنمو الرغبة في التعلّم نفسها، ومن خلال معرفة الذات يستيقظ شغف الدراسة، ويجد حبّ الدراسة سبيله إلى التعبير، لا بواسطة معرفةٍ منقولةٍ عن الغير. وإذا كانت تربيتنا اليوم ما تزال غير مُرضيةٍ، وتحتاج إلى مراجعةٍ كاملةٍ، فذلك لأنّها تفتقر إلى الحبّ (Amour). فمن دون حبٍّ، لا نستطيع أن نتعلّم ولا أن نربّي، وأقلّ من ذلك أن نتشارك ونتواصل.

فالمعرفة العرفانيّة (Connaissance gnostique) هي التربة التي يمكن أن تنبت فيها يقظة الوعي. والوعي الذي يعي نفسه يوقظ في داخله قواه الخاصّة. ففي العرفان ديناميّةٌ ذاتيّة الإحالة للفهم، تؤثّر بطبيعتها في الذهن، ويمكن أن تعدّل أداءه المعتاد.

ففي الفصل قبل الأخير، أي الفصل الخامس والخمسون، من العمل الكبير لشري أوروبيندو (Shri Aurobindo)، “الحياة الإلهيّة” (La Vie Divine)، الذي يحمل عنوان “الكائن العرفانيّ” (L’être  gnostique). و يعرف أوروبيندو العرفان بقوله: “العرفان هو المبدأ الفعّال للروح (Esprit)، وقوّةٌ فاعلةٌ عليا (dynamis) للوجود الروحيّ” 【25】. ولو كان من الممكن ممارسة التربية انطلاقًا من هذا المستوى، لكان من الممكن تكوين إنسانٍ مثقّفٍ وذكيٍّ حقًّا. بل إنّ هذا، في رؤية أوروبيندو، منظورٌ يندرج في منطق التطوّر، الذي ينبغي أن يقود إلى تجاوز حدود الذهن الحاليّ نحو صورةٍ أرقى من الفهم. ومع التحوّل العرفانيّ (Transformation gnostique)، يعبر التطوّر خطًّا يحدث فيما وراءه انقلابٌ أسمى وجذريٌّ في الوعي، ولا تعود معايير الإدراك الذهنيّ وأشكاله كافيةً.

ولا يتعلّق الأمر إطلاقًا بالتنكّر لكلّ ما يمنح الثقافة قيمتها بالمعنى الكلاسيكيّ للمصطلح، بل بربط الثقافة بالوعي، مع الارتقاء بالوعي إلى أسمى أبعاده. وعمل أوروبيندو نفسه مثاليٌّ من هذه الزاوية: فهو يمتدّ من مقالات الفلسفة السياسيّة إلى الرسائل الفلسفيّة والبحوث النفسيّة، ويسير في إبداعٍ شعريٍّ ذي اتّساعٍ استثنائيٍّ، مع منح ممارسة اليوغا التكامليّة (Yoga intégral) مكانةً مركزيّةً. إنّه إحدى أكثر محاولات التركيب استثنائيّةً ممّا أُنجز حتّى يومنا هذا، بين استكشاف مسالك الباطنيّة الشرقيّة، والثقافة الغربيّة في أكثر جوانبها تنوّعًا وصرامةً. وما يدعو إليه روييه، في صورة فلسفةٍ عرفانيّةٍ، موجودٌ بالفعل، في صورةٍ واحدةٍ على الأقلّ، هي عمل شري أوروبيندو، ضمن تحالفٍ استثنائيٍّ بين الفهم والحساسيّة. وقد نأسف لأنّ التجزئة الجامعيّة للفكر لم تمنحه إلّا استقبالًا ضئيلًا، ولكنّنا نملك فيه، على الأقلّ، منظورًا يمكن أن ينير لنا الاستجابة التي ينبغي تقديمها إلى حاجة عصرنا إلى “زادٍ من الروح” (Supplément d’âme)، إذا استعرنا عبارةً لبرغسون (BERGSON). إنّ المعنى الحقيقيّ للثقافة يشمل اليقظة (Éveil)، واليقظة حضورٌ للذات كما هي حضورٌ في العالم (Présence à soi comme présence au monde). 【27】. 

إنّ الثقافة الحقيقيّة لا تقتصر على جمع المعلومات، بل تُوقظ الإنسان وتجعله أكثر وعيًا بذاته وبالعالم. لقد أدّى تقسيم المعرفة إلى تخصّصاتٍ منفصلةٍ، بحيث ينشغل كلّ متخصّصٍ بمجاله الضيّق، إلى استحالة تقديم رؤيةٍ شاملةٍ للإنسان. وغنيٌّ عن البيان أنّ التقدّم المادّيّ والتقنيّ لا يكفي وحده لإشباع الإنسان. فنحن نحتاج أيضًا إلى المعنى والقيم والحياة الداخليّة، وإلى ما يمنح قدراتنا المتزايدة غايةً إنسانيّةً. ومن هنا استعارة عبارة برغسون بقول إنّ “الثقافة تشمل اليقظة” وهذا يعني أنّ الإنسان المثقّف، في هذا التصوّر، يستيقظ من العيش الآليّ ومن تكرار الأفكار والسلوكيّات دون تأمّلٍ ،  ويبدأ في التساؤل: لماذا أعيش بهذه الطريقة؟ وما الذي يوجّه رغباتي وأحكامي؟ وهذه اليقظة، كما يقول برغسون، حضورٌ للذات في العالم، وهذا يعني أنّ هذه اليقظة تجمع بين الانتباه إلى الداخل والانفتاح على الخارج، وهذا الأمر يتطلّب من الإنسان أن يفهم مشاعره ودوافعه وأفكاره، وأن يكون على درايةٍ بما يجري حوله في نسق علاقته بنفسه والآخر والكون من حوله.

15- خاتمة:

يطيب لي في مستهلّ هذه الخاتمة أن أستأنس بقولٍ معبّرٍ للشاعر الفلسطينيّ جبرا إبراهيم جبرا الذي يقول: “لا أحبّ هؤلاء السُّذَّج الذين يتخرّجون بمعدّلاتٍ عاليةٍ، وتخصّصاتٍ علميّةٍ مهمّةٍ، لكنّهم لا يسمعون الموسيقى، ولا يعرفون شاعرًا واحدًا، ولم يحضروا فيلمًا سينمائيًّا، أو يحاولوا كتابة قصيدةٍ، أو يخلطوا علبة ألوانٍ ليرسموا لوحةً. أنا لا أفهم هؤلاء الناس الذين بلا طقوسٍ شخصيّةٍ، بلا عاداتٍ، بلا تفاصيلَ، لا يهتمّون بألوان الأزرار، ولا خشب المقاعد، ويرضون بأيّ سائلٍ ساخنٍ أحمرَ، فلا يتوقّفون عند نوع الشاي. الحياة في التفاصيل، في الأحاسيس، في الذائقة… في معنى أن تهزّ رأسك حزنًا أو فرحًا أو طربًا لمقطعٍ من أغنيةٍ قديمةٍ، أو أن تنفعل برائحة الياسمين تهبّ من شارعٍ عتيقٍ على الدوّار الأوّل” (). 

وأخيرًا، لا جدوى من حجب الحقيقة عن أنفسنا وإنكارها؛ فأزمة الثقافة التي يمرّ بها عصرنا عميقةٌ. وأزمة الثقافة هي أيضًا أزمة التربية. تنشأ الأزمة حين يُفقَد المعنى. وتوجد أزمة ثقافةٍ وأزمة تربيةٍ حين نغفل عن رسالة الثقافة ورسالة التربية، وحين لا نعود نعرف ما يعنيه الإنسان المثقّف، ولا نعود نفهم ما يمثّله الإنسان الذي تلقّى تربيةً مكتملةً. وليس هذا الفقدان منفصلًا عن الانحراف الذي قاد إلى فهمٍ خاطئٍ للفكر والثقافة يتمثّل في التركيز فقط على المعلومات الموضوعيّة. وهذا الانحراف نفسه ينتهي إلى جعلنا نعتقد أنّ التربية لا تتمثّل إلّا في إعداد الأذهان للعمل ضمن إطار المؤسّسة الاقتصاديّة. ولنكن واضحين: إذا تحدّثنا بلغة المعلوماتيّة، فإنّ وظيفة التربية ليست تهيئة دمج الناشئة في النظام الاقتصاديّ والمعرفيّ فحسب، بل يكمن جوهرها في العمليّة التي تتيح للأفراد أن يحقّقوا ذواتهم وأن يعملوا على تغذية طاقاتهم الوجدانيّة بطريقةٍ إبداعيّةٍ خلّاقةٍ. فالعمل التربويّ فعلٌ وجدانيٌّ عرفانيٌّ بالدرجة الأولى، وليس فعلًا معرفيًّا تراكميًّا يكدّس المعرفة في العقول والأذهان.

وفي الوقت الذي يتصاعد فيه، وسط صخب الأحداث الراهنة، دويّ التطرّفات، وفي الوقت الذي لا يُقدَّم فيه، في كثيرٍ من بلدان العالم، بديلٌ سوى الاختيار بين الدكتاتوريّة العسكريّة والأصوليّة الدينيّة (Intégrisme religieux)، حان الوقت لفهم أنّ الانتقال إلى الديمقراطيّة، الذي نرغب فيه بكلّ هذا الإلحاح، يقوم على تطوّرٍ تاريخيٍّ للثقافة، ولا يقوم على شيءٍ آخر. فإذا ضاع معنى الثقافة، ضاع معنى الديمقراطيّة والحياة في أسمى معانيها وأرقى تجلياتها أيضًا!

وباختصار : تتناول المقالة أزمة الثقافة المعاصرة في ظلّ هيمنة الاستهلاك واللذّة والصورة، وترى أنّ هذه الهيمنة أضعفت التفكير النقديّ والحسّ الجماليّ، وحوّلت الإنسان إلى مستهلكٍ منفصلٍ عن تجربته الحيّة. وتنتقد اختزال التربية في تكديس المعلومات والإعداد لسوق العمل، وفصل المعرفة العلميّة عن أبعادها الوجدانيّة والإنسانيّة. وتقترح تجاوز هذه الأزمة بثقافةٍ وتربيةٍ عرفانيّتين تقومان على معرفة الذات، ويقظة الوعي، وتنمية الفهم والحساسيّة والإبداع؛ بما يعيد للمعرفة معناها، وللإنسان قدرته على تحقيق ذاته والمشاركة في حياةٍ أكثر إنسانيّةً.

د. علي أسعد وطفة

مراجع الدراسة وهوامشها:

(1)- See Lévi-Strauss, Claude. (1952). Race et histoire. Paris: UNESCO. Section « La collaboration des cultures ».

(2)- See Carfantan, Serge. (2003). “Culture, sous-culture, contre-culture.” Philosophie et spiritualité. Consulté le 20 octobre 2026. https://philosophie-spiritualite.com/cours/nature5.htm

(3)- ibid.

(4)- Lipovetsky, Gilles. (1983). L’Ère du vide: Essais sur l’individualisme contemporain. Paris: Gallimard.

(5)- Arendt, Hannah. (1958). The Human Condition. Chicago: University of Chicago Press.

(6)- Arendt, Hannah. (1972). La Crise de la culture: Huit exercices de pensée politique. Traduit de l’anglais sous la direction de Patrick Lévy. Paris: Gallimard.

(7)- See Carfantan, Serge. “Culture, sous-culture, contre-cultur.Op.cit.

(8)- See Carfantan, Serge. “Culture, sous-culture, contre-cultur.Op.cit.

(9)- Finkielkraut, Alain. (1987) La Défaite de la Pensée, Paris, , Gallimard, p. 143.

(10)- التمثيل (représentation) هو الصورة التي تُقدَّم عن الواقع وتحلّ محلّ تجربته المباشرة؛ كصورة الحياة في الإعلانات، والتلفزيون، ووسائل التواصل. مثال: قد يشغل شخص بتصوير سعادته وعرضها أمام الآخرين أكثر من انشغاله بعيش السعادة نفسها. فتصبح صورة الحياة أهمّ لديه من الحياة التي يعيشها. وهذا يعني عبادة الصور والمظاهر التي تسود في الثقافة ما بعد الحداثة.

(11)- See Feuerbach, Ludwig. (1890). The Essence of Christianity. Translated from the second German edition by Marian Evans. 2nd ed. London: Kegan Paul, Trench, Trübner & Co., p. xiii, “Preface to the Second Edition.”

(12)- See Carfantan, Serge. “Culture, sous-culture, contre-cultur.Op.cit.

(13)- Debord, Guy. (1967). La Société du spectacle. Paris: Buchet-Chastel. Chapitre I, « La séparation achevée », thèse 1.

(14)- Kundera, Milan. (1984). L’Insoutenable légèreté de l’être. Traduit du tchèque par François Kérel. Paris: Gallimard.

(15)- Debord, Guy. (1971). La Société du spectacle. Paris: Champ Libre, chapitre I, thèse 2, p. 19.

(16)- ibid , thèse 17.

(17)- ibid .

(18)- Debord, Guy. (1967). La Société du spectacle. Paris: Buchet-Chastel, thèses 184, 186, 192 et 215. Consulté le 20 octobre 2026. https://omh.olivierhammam.fr/imports/auteurs/debord/socspec-tot.htm

(19)- See Carfantan, Serge. “Culture, sous-culture, contre-cultur.Op.cit.

(20)- Henry, Michel. (1987). La Barbarie. Paris: Grasset.

(21)-ibid , p. 19.

(22)- ibid , p. 35.

(23)- ibid, p. 13.

(24)- Ruyer, Raymond. (1975). Les nourritures psychiques: La politique du bonheur. Paris: Calmann-Lévy, coll. « Liberté de l’esprit ». ISBN: 2-7021-0088-0. Disponible sur: https://catalogue.bnf.fr/ark:/12148/cb361421390 (consulté le 22 octobre 2026).

(25)- Ruyer, Raymond. (1975). Les nourritures psychiques op.cit .

(26)- See Sri Aurobindo. (2005). The Life Divine. The Complete Works of Sri Aurobindo, vols. 21–22. Pondicherry: Sri Aurobindo Ashram Publication Department, book II, chapter XXVII, “The Gnostic Being,” pp. 1000, 1007.

(27)- Bergson, Henri. (1937 [1932]). Les Deux Sources de la morale et de la religion. Paris: Félix Alcan, chap. IV, p. 335. Disponible sur: https://fr.wikisource.org/wiki/Page:Bergson_-_Les_Deux_Sources_de_la_morale_et_de_la_religion.djvu/345 (consulté le 22 octobre 2026).


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

علي أسعد وطفة

علي أسعد وطفة أكاديمي وأستاذ في جامعة الكويت، يحمل شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة كان في فرنسا. يتولى إدارة مركز نقد وتنوير للدراسات الإنسانية، ويدير برنامجاً فكرياً تنويرياً مهماً عبر المركز ومجلته الفكرية المحكمة المعروفة بـ "نقد وتنوير". حصل على عدد من الجوائز العلمية منها: جائزة الباحث المتميز لجامعة الكويت في مجال الآداب والعلوم الإنسانية، وشهادة تقدير من صاحب السمو سلطان بن محمد القاسمي، وجائزة حميد بن راشد للعلوم الاجتماعية. ألف عدداً من الكتب منها: (علي أسعد وطفة، من الاغتراب إلى التشيُّؤ في منظور كارل ماركس: "التشيُّؤ" منهجًا ماركسيًا لتحليل الرأسمالية ونقدها)، بنية السلطة وإشكالية التسلط التربوي في الوطن العربي، التربية والتنمية المستدامة: تحديات الوجود والمصير، سوسيولوجيا التربية: إضاءات نقدية معاصرة، رأسمالية المدرسة في عالم متغير، العنف والعدوانية في التحليل النفسي، الجمود والتجديد في العقلية العربية، التربية إزاء تحديات التعصب والعنف في الوطن العربي، التربية الأخلاقية في الفلسفة الكانطية، الأمية الأكاديمية في الفضاء الجامعي العربي، مستقبل التعليم العالي الخليجي في ضوء الثورة الصناعية الرابعة، وأوهام المقدس ومطلقاته في زمن الأوبئة: ما بين الدين والأيديولوجيا الدينية في مواجهة كورونا!

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى