التنويريدراسات دينيةسلايدر

التوحيد من الفيزياء الكلامية عند إبراهيم النظّام إلى الظمأ الأنطولوجي عند عبد الجبار الرفاعي

من سؤال بنية الوجود والحركة إلى استعادة المعنى الروحي في علم الكلام الجديد

مقدمة: حين كان التوحيد سؤالًا عن الوجود

نشأت مباحث العقيدة والتوحيد في القرن الهجري الثاني في العراق ضمن سياق ازدهر فيه النشاط العقلي الإسلامي، واتسعت فيه حركة الجدل الديني، وتداخلت أسئلة الإيمان مع أسئلة الإنسان عن الطبيعة والوجود والحركة والتغير. وكان العصر العباسي المبكر أحد أبرز السياقات التي شهدت هذا النشاط، في مرحلة لم تكن فيها طرائق التفكير في العقيدة قد استقرت جميعًا في منظومات مذهبية مغلقة، بل كانت تتشكل عبر النقاش والاختلاف ومحاولات بناء الحجج وتطويرها. إنها مرحلة من تاريخ الفكر الإسلامي المبكر تزامنت فيها اتجاهات متعددة، من بينها اتجاهات المتكلمين والمعتزلة وأهل الحديث، واختلفت في طرائق فهم النص الديني وحدود النظر العقلي ومجالاته ( مقدسي، 1981، 1990) (محمد أبو ريان، .(1986
ولعل ما يستحق استعادته من تلك المرحلة هو أن التوحيد لم يكن، في بعض تجاربه الكلامية، مجرد تقرير لمجموعة من القضايا التي يُطلب من المؤمن التسليم بها، بل كان سؤالًا عن الوجود نفسه: كيف نشأ العالم؟ ممّ تتكون الأشياء؟ كيف تتحرك الأجسام وتتغير؟ ما الذي يجعل الموجودات مختلفة في أحجامها وأشكالها وخصائصها؟ (الطائي، 2018) (بلكا، 2026) وكيف يمكن فهم علم الله الشامل بالعالم الذي أوجده؟ إننا نكون أمام تجربة معرفية مختلفة حين لا يكتفي المؤمن بتلاوة النص الديني والإقرار بما يخبر به، بل يتوقف أمامه ليسأل عن دلالته وعلاقته بالعالم الذي يعيش فيه. فإذا قرأ قوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (الجن: 28)، أمكن أن يتساءل عن معنى الإحصاء الشامل: ما الذي يجعل الأشياء قابلة للعد والإحصاء؟ وما طبيعة الكثرة التي يحيط بها العلم الإلهي؟ وهل يتطلب فهم انتظام الموجودات معرفةً بشيء من بنيتها وتكوينها؟ (فان إس، 2018، ج. 1، ص. 45) (أحمد أمين، 2024)
تُظهر هذه الأسئلة كيف أثارت الآية الكريمة حراكًا استكشافياً في أروقة المساجد وحلقات العلم، حيث غدت مادة الاعتقاد بالتوحيد – في علم الله الشامل وقدرته – مُحرّكاً يدفع الإنسان الموحِّد للتدبر في العالم المشهود والملموس، سعياً نحو فهم أعمق للعلاقة بين الخالق والمخلوق. (مقدسي، 1981، 1990) (فان إس، 2018) ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة بعض مباحث علم الكلام القديم بوصفها محاولة لتأسيس فهم للوجود الطبيعي داخل أفق الإيمان بالله. وهي المحاولات التي أطلق عليها محمد عابد الجابري اسم «الفيزياء الكلامية»، لبيان الحضور الفاعل لتصورات المتكلمين عن المادة والحركة والطبيعة ضمن البنية المعرفية التي شادوا عليها حججهم واستدلالاتهم (الجابري، 1986).
غير أن استعادة هذا التراث – على النحو الذي شَرَع فيه السِر سيد أحمد خان Sir Sayyid Ahmad Khan) (في خطابه ومحاضراته التأسيسية (ولا سيما محاضرته الشهيرة في لاهور عام 1884 حول القرآن وعلم الكلام، والتي أوضح فيها ضرورة إعادة مركزية “علم الكلام” في الجامعات (الرفاعي، 2024)، (Khan, 1978, pp. 307–332).
تتطلب تمييزًا منهجياً حاسماً بين ثلاثة مستويات: ما قرره المتكلمون نصاً، وما استنتجوه في بنائهم لتصوراتهم عن العالم، وما نستخلصه نحن اليوم من دلالات فلسفية ومعرفية. فلا مساغ لنسبة فيزياء بالمعنى الحديث إلى المتكلمين، ولا يصح اختزال آيات القرآن في تنبؤات علمية، كما يُمتنع التماهي التام بين الاصطلاح الكلامي القديم والمفاهيم العلمية المعاصرة.
تنطلق هذه المقالة من فرضية مفادها أن بعض مباحث التوحيد في علم الكلام الإسلامي المبكر لم تكن منفصلة عن السؤال عن الطبيعة التي خلقها الله، وأن دراسة هذه الصلة تتيح فهمًا أعمق لكيفية اشتغال العقيدة في معرفة الله لدى متكلمي السلف، خلال المراحل الأولى من تشكّل الوعي التوحيدي. وتتناول المقالة إبراهيم بن سيّار النظّام (ت. 221هـ) بوصفه نموذجًا لمتكلم اهتم بفهم كيفية عمل جزيئات الطبيعة التي خلقها الله، وكان موحّدًا ارتبط اسمه بمناقشات المادة والحركة والطفرة. ويُعدّ النظّام مثالًا مهمًا لدراسة حضور البحث في الطبيعة والمادة والحركة في علم الكلام العراقي المبكر، بما يتيح استكشاف حضور ما يمكن تسميته «الكلام الفيزيائي» ضمن مباحث التوحيد. ثم تنتقل المقالة إلى سيد أحمد خان (ت. 27 مارس 1898)، بوصفه مثالًا لمفكر سعى إلى إعادة وصل العقيدة بالمعرفة العلمية، في سياق البحث عن معالجة التراجع الحضاري الذي شخّص أحد أسبابه في انفصال البحث في الطبيعة عن مباحث التوحيد والعقيدة. فقد سعى خان إلى تجديد التفكير الديني بما يتيح للمسلم فهمًا أعمق للعلاقة بين الإيمان والمعرفة، ويفتح المجال أمام النظر في الطبيعة من خلال علوم الفيزياء والكيمياء والأحياء، من دون فصل معرفة العالم عن السؤال عن الله. وتصل المقالة أخيرًا إلى مشروع عبد الجبار الرفاعي في تجديد علم الكلام والمعرفة الدينية، بوصفه مدخلًا معاصرًا لإعادة التفكير في العلاقة بين التوحيد والإنسان والوجود والروحانية. وينطلق هذا الربط من اهتمام الرفاعي بتجديد فهم الدين واستعادة البعد الروحي في المعرفة الدينية، بما يتيح تجاوز اختزال التدين في الجدل العقلي أو التقرير المفهومي المجرد، والانفتاح على أسئلة المعنى والظمأ الروحي وعلاقة الإنسان بالوجود. ومن هنا، تقترح المقالة الاستفادة من هذا الأفق التجديدي في إعادة قراءة بعض مباحث الفيزياء الكلامية المعتزلية، ولا سيما تصورات الجوهر الفرد والمادة والحركة، لا باعتبار أن الرفاعي قد طرح تأويلًا روحانيًا لهذه المباحث بعينها، بل بوصف مشروعه إطارًا معاصرًا للحوار بين المعرفة التوحيدية وأسئلة الروحانية. وتتمثل الإضافة التي تقترحها المقالة في وصل البحث الكلامي في بنية الموجودات وافتقارها إلى الخالق بأفق روحي يستحضر معنى التسبيح الكوني ووحدة الافتقار الوجودي، بحيث لا تبقى الذرّة مجرد وحدة في تفسير بنية الأجسام، بل تصبح مدخلًا للتأمل في علاقة الخالق بالمخلوق، وفي إمكان الانتقال من المعرفة العقلية بالوجود إلى الوعي الروحي بمعناه. ويتكامل هذا المسعى مع ما طرحته المقالة «من الجوهر الفرد إلى التسبيح الكوني: نحو قراءة روحانية للذرّية الكلامية في الحوار بين المعتزلة والتصوف»، التي تستكشف إمكان إثراء الفيزياء الكلامية بأفق صوفي يجعل التسبيح والذكر والتوكّل وشهود الافتقار عناصر في قراءة روحانية للوجود.
تتمثل أطروحة هذه المقالة في أن العلاقة بين التوحيد والنظر في الطبيعة لم تكن مجرد علاقة عرضية في تاريخ علم الكلام، بل مثّلت، في بعض تجاربه المبكرة، مسارًا معرفيًا لفهم العالم المخلوق والتفكير في علاقته بالخالق. وتكشف مناقشات إبراهيم بن سيّار النظّام في بنية الأجسام والانقسام والحركة عن جانب من هذا التداخل بين التصور الطبيعي والاستدلال التوحيدي، بينما تُظهر تجربة السِّر سيد أحمد خان كيف أعيد بناء العلاقة بين الدين والمعرفة في مواجهة العلوم الحديثة. أما مشروع عبد الجبار الرفاعي، فيتيح أفقًا معاصرًا لإعادة التفكير في الغاية الإنسانية والروحية للمعرفة الدينية، من خلال مفهوم الظمأ الأنطولوجي. وانطلاقًا من هذه المحطات المختلفة، تقترح المقالة توسيع مفهوم «الفيزياء الكلامية» من دراسة التصورات الطبيعية التي أسهمت في تشكيل الحجج الكلامية إلى مساءلة إمكان تحوّل المعرفة بالعالم إلى تأمل روحي في الافتقار الوجودي والتسبيح الكوني. ولا تفترض هذه الأطروحة تطابقًا بين مشروعات المفكرين الثلاثة، أو أن النظّام قد صاغ تصورًا روحانيًا للذرّة بالمعنى المقترح هنا؛ بل تميّز بين إعادة بناء تاريخية لمباحث الكلام، وحوار معرفي مع تجديد علم الكلام، واقتراح تأويلي معاصر يصل بين بنية الوجود ومعناه الروحي.
ولا تفترض هذه المقارنة وجود سلسلة تأثير مباشرة بين المفكرين الثلاثة، بل تتخذ منهم محطات مختلفة لدراسة سؤال متجدد: كيف يستطيع التوحيد أن يبقى أفقًا لإنتاج المعرفة، من دون أن تتحول النظريات البشرية التي نشأت في سياقه إلى أجوبة نهائية لا تقبل المراجعة؟

التوحيد في حالته المتحركة: من الإيمان إلى السؤال عن الطبيعة

يمكن النظر إلى تاريخ العقيدة الإسلامية من زاوية لا تكتفي بتتبّع ما استقر في المذاهب من قضايا وأحكام، بل تبحث أيضًا في كيفية نشوء هذه القضايا والأسئلة التي دفعت إلى صياغتها. فمن الإيمان بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (سورة الزمر، الآية 62)، ينشأ القول بخلق العالم، الذي يفتح بدوره سؤالًا عن طبيعة هذا العالم. ومن الإيمان بقدرة الله ينشأ السؤال عن التغيّر والحركة، ومن الاعتقاد بعلمه الشامل ينشأ السؤال عن الموجودات التي يشملها هذا العلم. في هذه اللحظة، يصبح التوحيد أكثر من منظومة لتحديد ما ينبغي الإيمان به؛ إنه مجال تتفاعل فيه النصوص الدينية مع أسئلة الإنسان عن العالم. وقد اتخذ هذا التفاعل صورًا متعددة، واختلفت مناهجه ونتائجه باختلاف المتكلمين والمدارس والسياقات التاريخية. ولا ينبغي أن نفهم هذه الحيوية باعتبارها خاصية موحّدة لدى جميع من عاشوا في القرون الأولى، أو أن نفترض أن العلماء جميعًا كانوا ينطلقون من المنهج نفسه. فقد تعددت الاتجاهات في فهم النصوص، وفي تحديد العلاقة بين العقل والنقل، وفي النظر إلى صفات الله وأفعاله. (الطائي، 2018) (Holtzman, 2010)
لكن بعض التجارب الكلامية تكشف عن استعداد واضح لإدخال مسائل الطبيعة في مجال النظر العقلي، متى رأى أصحابها أن فهمها يعين على بناء حججهم في التوحيد والخلق والحدوث. ولذلك، لم يكن السؤال عن المادة والحركة بالضرورة منفصلًا عن السؤال الديني، حتى عندما استعان المتكلمون بمفاهيم فلسفية أو بتصورات عن الطبيعة تداولتها بيئات معرفية مختلفة. فقد كان على المتكلمين أن يفسروا العالم الذي يؤمنون بأنه مخلوق، وأن يبحثوا في كيفية انتظامه وتغيّره، وأن يفكروا في علاقة الموجودات الجزئية بالقدرة الإلهية والعلم الإلهي.
وهنا ينبغي أن نميز بين مفهومين. الأول هو التوحيد بوصفه إيمانًا بالله ووحدانيته، والثاني هو التصورات النظرية التي يبنيها البشر لتفسير علاقة الله بالعالم. الإيمان بالتوحيد لا يستلزم في ذاته نظرية ذرية أو تصورًا بعينه للحركة؛ لكن بعض المتكلمين استخدموا تصورات محددة عن الطبيعة في بناء حججهم الكلامية.
إن الاعتراف بهذا الفرق يتيح لنا فهم تاريخ علم الكلام دون اختزال الإيمان في نظرية طبيعية، ودون إهمال الدور الذي أدته تصورات الطبيعة في تشكل بعض الحجج الدينية. ومن هذه الزاوية يمكن أن نقرأ الآيات التي تتحدث عن علم الله وإحصائه وخلق العالم بوصفها نصوصًا تفتح أفق التأمل في الوجود. غير أن الانتقال من التأمل الديني إلى النظرية الطبيعية يحتاج إلى أدلة وحجج مستقلة؛ فالآية التي تثير السؤال ليست بالضرورة هي التي تحدد الإجابة النظرية عنه.

من الإحصاء الإلهي إلى بنية الأشياء: سؤال الجوهر الفرد

يخبرنا القرآن الكريم: لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (سورة الجن الآية 28) بأن الله تعالى أحاط بالموجودات علمًا وأحصى كل شيء عددًا. (الرازي، 2000، ج 30، ص 164). وقد انكبّ الفكر الكلامي المبكر على تأمل دلالات هذا الإحصاء الشامل: كيف يقع العلم الإلهي بمتعدد الأجسام المتباينة في أحجامها وأشكالها؟ (الأشعري، 1980، ص 301-304؛ فان إس، 2018، مج. 1).
لقد كان الاعتقاد بالإحصاء الإلهي مناسبة محورية للتأمل الفيزيائي-العقدي في طبيعة الوجود؛ فصاغ جمهور المتكلمين التصور “الذري” الذي افترض أن الأجسام تتألف من وحدات متناهية الصغر لا تقبل مزيدًا من الانقسام، عُرفت بـ «الجوهر الفرد» (الطائي، 2018). ومن ثمّ، فإن إحصاء هذه الوحدات الأولية يجعل تفسير تباين المواد وتعدد الأجسام أمراً معقولاً ومحدداً ببنية تركيبية قابلة للعدّ والحصر ) الأشعري، 1980، ص 304؛ الباقلاني، 1993، ص 35-38؛ Dhanani, 1994, pp. 41–45.)
غير أن هذا التأسيس الفيزيائي سرعان ما اصطدم بأسئلة توحيدية وتنزيهية أعمق، تجلت بوضوح في أطروحات إبراهيم بن سيّار النظّام (ت 221هـ/836م) (الذهبي، 2006، مج. 10). فقد نفى النظّام القول بالجزء الذي لا يتجزأ، قائلاً بالانقسام إلى غير نهاية (الخياط، 1957، ص 32-35؛ الشهرستاني، 1992، مج. 1، ص 54)، ليعيد صياغة “التوحيد الفيزيائي” وفق الرؤى التالية:
النهائية المادية والافتتار الذاتي: رأى النظّام أن القول بحد أخير صلب للمادة (الجوهر الفرد) يمنح المخلوق نوعاً من الاستقلال والتمام في ذاته، بينما القول بالانقسام الممتد بلا نهاية يكرس مفهوم الافتقار المطلق (Absolute Contingency) للمادة، ويجعل الحد والمطلق صفة حصرية للخالق سبحانه (دغيم، 1998، ص 112-115؛ Dhanani, 1994, pp. 82–86).
التنزيه ونفي الجسمية: سعى النظّام إلى قطع الطريق أمام اتجاهات التجسيم والتحيز؛ فإذا كانت المادة سيّالة وقائمة بالتداخل والأعراض ولا تنتهي لجوهر صلب، امتنعت المقايسة بين الخالق والمخلوق، واستحال إطلاق ألفاظ التحيّز الجوهري على الذات الإلهية (الخياط، 1957، ص 36؛ فان إس، 2018، مج. 3).
القيومية والإحاطة الإلهية: إن شمولية العلم والقدرة الإلهية عند النظّام تتجلى في إحاطة الله بما لا يتناهى تحليلاً وتركيباً؛ فالمادة لا تملك قوة تماسكية ذاتية، بل إن أجزاء العالم متصلة في قيوميتها بالله عز وجل (الشهرستاني، 1992، مج. 1، ص 55؛ دغيم، 1998، ص 140).
خلاصة موقف النظّام: إن نفي الجوهر الفرد عنده لم يكن مجرد موقف طبيعي أو فيزيائي محض، بل كان سعياً لنفي ثبات المادة واستقلالها، لتخليص مفهوم التوحيد، وتأكيد أن الثبات والكمال المطلقين هما لله وحده الذي {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.

مسألة الرحى: حين تصبح الحركة امتداداً لسؤال التوحيد

تطورت التأملات في آية الإحصاء الإلهي {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا}، عبر خوض فريق من المتكلمين الذين يقرون بتركّب المادة من «الجوهر الفرد»، لتفضي إلى المساءلة المعرفية الشهيرة المعروفة بـ “مسألة الرحى”. (الرازي، 1987، ج. 6). وهنا تقدم الحركة مثالاً فذًا على التقاء الملاحظة الحسية بالتحليل النظري والعقدي؛ فالرحى، وهي أداة مألوفة في الحياة اليومية، أثارت في الأوساط الكلامية والفكرية بالعراق خلال القرن الثاني الهجري أسئلة عميقة تتجاوز وظيفتها العملية (الأشعري، 1980؛ الرازي، 1990).
تقوم هذه المسألة على ملاحظة هندسية بسيطة: إذا رسمنا خطاً من مركز الرحى إلى محيطها ثم أدرناها دورة كاملة، فإن النقطة الواقعة على المحيط تقطع مسافة خطية أكبر من المسافة التي تقطعها نقطة أقرب إلى المركز، مع أن النقطتين تكملان الدورة في الزمن نفسه. وتفسر الهندسة التقليدية ذلك باختلاف نصف القطر مع تساوي السرعة الزاوية للنقطتين (الرازي، 1987، ج. 6). غير أن هذه الملاحظة أنتجت سؤالاً فيزيائياً-كلاميًا بامتياز: كيف يمكن تفسير اختلاف المسافات المقطوعة والتفاوت الظاهر في السرعة بين أجزاء القرص الصلب مع الحفاظ على تماسك الجسم وبنيته الذرية؟ (القاضي عبد الجبار، د.ت؛ الإيجي، 1997). (الرازي، 1987، ج. 6).
وفي سبيل فهم هذه الظاهرة وملاءمتها مع الرؤية الذرية للمادة، اتجه التحليل الكلامي إلى احتمالين رئيسيين:
افتراض تفاوت السرعة الخطية مع وجود قوى التماسك: يذهب اتجاه في الفيزياء الكلامية إلى قبول أن الجوهر الفرد الواقع عند المحيط يتحرك بالفعل بسرعة خطية أكبر من الجوهر الفرد القريب من المركز، دون أن يؤدي هذا التمايز في السرعة إلى تفكك حجر الرحى أو انفصال أجزائه؛ إذ أُرجِع حفظ تماسك الجسم الصلب إلى وجود أعراض وقوى مادية مجمِّعة عُبّر عنها كلاميًا بمفاهيم مثل “التأليف”، “الاجتماع”، أو “الاعتماد”، تربط الجواهر الأفراد ببعضها، مما يسمح بتفاضل الحركة الخطية بين الأجزاء مع بقاء الهيكل المادي متماسكاً ككتلة واحدة (الرازي، 1987، ج. 6)، (الإيجي، 1997؛ Dhanani, 1994).)
التفسير بتخلل السكنات الخفية: في المقابل، اتجه تفسير آخر إلى إرجاع تفاوت السرعة إلى نظرية «تخلل السكنات»؛ حيث تُعد الحركة متصلة ظاهرياً فقط، بينما تخالطها سكنات غير مرئية تتخلل حركة الأجزاء القريبة من المركز بنسبة أكبر من الأجزاء الخارجية، مما يجعل أجزاء المحيط تقطع مسافات أطول في الآونة الزمنية نفسها لأن سكناتها الخفية أقل (القاضي عبد الجبار، ).

العلاقة بين تفاوت السرعات في «الرحى» والتوحيد

لم تكن دراسة هذه الظاهرة مجرد بحث هندسي مجرد، بل سُخِّرت نتائجها لخدمة التأصيل العقدي وإعادة إحالة الفيزياء إلى التوحيد عبر ثلاثة أبعاد رئيسية:
نفي القوة الذاتية للمادة والقول بالقيومية الإلهية: إن تفاوت السرعات (سواء عبر قوى التأليف أو تخلل السكنات) ينفي وجود “طبائع ذاتية أو قوى ميكانيكية مستقلة” تعمل داخل المادة بمعزل عن الإرادة الإلهية. وهذا يُثبت أن حركة كل جوهر فرد وسكونه وتماسكه في صحن الرحى — على تفاوت أبعاده — هي نتاج تخليق إلهي مستمر ومباشر (خلق الأفعال والقيومية الإلهية).
إثبات حدوث العالم عبر العرضية والحركة: تُعد الحركة والسكون وقوى التماسك أعراضاً حادثة تتجدد في الجواهر الأفراد في كل لحظة. وبما أن أجزاء الرحى لا تخلو من هذه الأعراض الحادثة، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، فإن جسم الرحى والعالم كله حادث يفتقر إلى صانع محدث واحد أحد.
توسيع نطاق الإحصاء الإلهي: يمتد معنى الإحصاء الإلهي في الآية الكريمة {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} ليشمل ليس فقط عدّ الجواهر الأفراد الصلبة المكونة لجسم الرحى، بل أيضاً حصر وإحصاء اللحظات الزمنية الخفية للحركات والسكنات وأعراض التماسك التي يخلقها الله في كل جزء أثناء دورانه.
خلاصة القول: تتحول «مسألة الرحى» عبر هذا التحليل من ظاهرة ميكانيكية في حركة الأجسام إلى مرآة لـ القيومية والتدبير الإلهي الدقيق؛ حيث تُقطع أوهام الاستقلالية الذاتية للمادة، لتنتهي الفيزياء الكلامية إلى تأكيد افتقار العالم المطلق واستغناء الخالق سبحانه.

الانقسام اللانهائي وبعده التوحيدي في فيزياء إبراهيم النظّام

يقف إبراهيم بن سيّار النظّام (ت 221هـ/836م) موقفًا فريداً في تاريخ «الفيزياء الكلامية»؛ حيث قدّم أطروحة جريئة نَفَى فيها القول بالجوهر الفرد (الجزء الذي لا يتجزأ)، ودافع في المقابل عن القابلية اللانهائية للمادة للانقسام والتجزئة (الرازي، 1987، ج. 6)، (الشهرستاني، 1992؛ دغيم، 1998). لم يكن هذا الموقف مجرد خيار هندسي أو طبيعي، بل كان تأسيساً صريحاً لـ “توحيد تنزيهي فيزيائي” يعيد إحكام الفاصل المطلق بين الذات الإلهية والعالم المخلوق، وذلك عبر الركائز العقدية التالية:

الافتقار المطلق (Absolute Contingency) ونفي النهائيّة المادية:

رأى النظّام أن افتراضية “حدّ صلب نهائي” للمادة (كالجوهر الفرد) يُضفي على المخلوق نوعاً من الاستقلال والكتلة الذاتية التامة في أصل تكوينه. أما القول بأن المادة منقسمة وسيّالة بلا نهاية، فهو يُسقط عن العالم أي ثبات ذاتي أو اكتفاء مكتسب، ليؤكد أن العالم في كل أجزائه — مهما صغرت — يظل مفتقراً وقابلاً للتفكيك، وأن الصفة الوحيدة للتمام والحد المطلق هي لله عز وجل وحده (دغيم، 1998؛ Dhanani, 1994.)

سدّ أبواب التجسيم والتحيّز

استهدف النظّام بنفيه للجوهر الفرد قطع الطريق أمام أي إسقاط فيزيائي على الذات الإلهية من قِبل المجسمة والحشوية؛ فإذا كانت المادة بطبيعتها غير منتهية إلى كتلة صلبة، بل هي محكومة بالسيولة والتداخل والأعراض القائمة، امتنعت المقايسة تمامًا بين الخالق والمخلوق، واستحال إطلاق مقولات التحيز أو الجوهرية الصلبة على الله سبحانه، تحصيناً للآية الكريمة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (الرازي، 1987، ج. 6)، (الخياط، 1957؛ فان إس، 2018).

شمولية الإحاطة والقيومية الإلهية

إن القول بالانقسام اللانهائي يضع المادة في حالة عجز عن التماسك بذاتها، إذ لا توجد “ذرة صلبة” تضمن لها البقاء الميكانيكي. وهنا تتجلى القيومية الإلهية في كون العالم متصلاً ومحفوظاً بإيجاد الله وتدبيره المستمر؛ فالخالق سبحانه هو وحده المحيط بجميع الأجزاء وما لا يتناهى منها تحليلاً وتركيباً، مما يجعل علم الله وإحصاءه للموجودات {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} إحاطة جليلة بما لا يتناهى مقداره عند البشر (الشهرستاني، 1992؛ دغيم، 1998).
خلاصة القول: إن نفي الجوهر الفرد والقول بالانقسام اللانهائي عند النظّام لم يكن مجرد تنظير في بنية الجسم، بل كان سياجاً تنزيهياً يجرّد المادة من أي ثبات أو استقلال، ليصفي معنى التوحيد، ويعلن أن الكمال والاستغناء المطلقين هما لله رب العالمين.

الطفرة عند النظّام: مجاوزة الحِس وشروط التنزيه الإلهي

يمتد مسار التأمل الكلامي في بيئة العراق خلال القرن الثاني الهجري بدايةً من دلالات آية الإحصاء الإلهي {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا}، مروراً بسجالات «الجوهر الفرد» و«مسألة الرحى»، ليبلغ ذروته المفهومية في أطروحة “الطفرة” المنسوبة للنظّام. وتستعرض المصادر الكلامية والفرق هذا المفهوم في سياق السجال العالي حول طبيعة الحركة، والانقسام، وقابلية قطع المسافات بين المواضع (الرازي، 1987، ج. 6)، (الأشعري، 1980؛ البغدادي، 1977).
لقد أوجب النظّام القول بوجود حركة في طبيعة الأجسام سمّاها «الطفرة»، يتيح بموجبها انتقال الجسم بين نقطتين دون قطع جميع المسافات الفاصلة بينهما في الوجود العياني، بل عبر كونه «هنا» ثم يصير «هناك» دون المرور المتتابع والتسلسلي بجميع المواضع الوسيطة (الخياط، 1957؛ الشهرستاني، 1992). ولم تكن هذه الأطروحة شطحة هندسية أو غريبة فيزيائية، بل جاءت حلاً اضطرارياً لازماً لنفيه «الجوهر الفرد» وإقراره بانقسام المادة إلى غير نهاية، وتأسيساً لـ رؤية لاهوتية شمولية تتجلى في المحاور الأربعة التالية:

تحرير القدرة الإلهية من “الضرورة الطبيعية” وهندسة المكان

كان الشاغل اللاهوتي الأكبر لدى النظّام والمعتزلة هو هدم القول بـ “الطبائع الذاتية المستقلة” التي ادعاها الفلاسفة والدهريون، والذين جعلوا المادة مسجونة داخل حتمية ميكانيكية تُجبر الجسم على التدرج الخطي المادي حذواً بحذو.
إن أطروحة الطفرة جاءت لتقول إن المكان والمسافة ليسا قيداً على الفعل الإلهي؛ فالخالق الذي خلق المكان والمسافة قادرٌ على نقل الجسم من الموضع (أ) إلى الموضع (ج) دون الإلزام بالمرور بالحذاء المادي للموضع (ب) (دغيم، 1998). وبذلك تتحول الطفرة إلى برهان لاهوتي يقرر أن القدرة الإلهية طليقة مطلقاً، وأن قوانين الفيزياء والمكان ليست إلا عادات وإرادات إلهية خاضعة للمشيئة، لا قسراً ميكانيكياً يحدّ القدرة الإلهية.

إنقاذ “الإحصاء الإلهي” وتنزيه العلم الإلهي عند الانقسام اللانهائي

واجه النظّام إشكالاً عقديّاً خطيراً حين قال بإنكار الجوهر الفرد وأن المادة تنقسم إلى ما لا نهاية: إذا كانت المسافة تحتوي على عدد لا متناهٍ من الأجزاء المفترضة، فكيف يحيط العلم الإلهي بها؟ وكيف يتحقق الإحصاء المذكور في القرآن الكريم {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} في عالم لا تتناهى أجزاؤه تحليلاً؟
جاءت «الطفرة» كحلّ لاهوتي-معرفي يفرق بين “المحدودية الحسية للإنسان” و”الإحاطة الإلهية المطلقة”؛ فالإنسان يعجز عن قطع اللانهائي متتالياً، بينما العلم والقدرة الإلهيان يحيطان بالوجود في كليته وتفاصيله الخفية طفراً أو اتصالاً. فأثبت النظّام أن الإحصاء الإلهي لا يعني “عدّ الحصى والذرات الصلبة” بأسلوب بشري، بل هو إحاطة قيومية شاملة بالمكان والزمان والأجزاء، متناهية كانت أو غير متناهية (الشهرستاني، 1992؛ Dhanani, 1994).

تجريد المادة من التجسيم وتعميق “الكمون والتداخل”

تتكامل الطفرة مع نظرية النظّام في “الكمون والتداخل ” أن الأجسام والأعراض متداخلة وموجودة كامنة وليست جواهر صلبة متجاورة. والهدف اللاهوتي التنزيهي هنا هو سد باب التجسيم والتحيز نهائيًا أمام المشبهة والمجسمة؛ فإذا كانت المادة نفسها لا تتمتع بصلابة جوهرية ثابته، بل هي حالة سيّالة تطفر وتتداخل ولا تثبت على حيز صلب، استحال بالضرورة قياس الخالق على أي مكون مادي، وامتنع إطلاق مقولات التحيّز أو الجسمية أو المكانية على الذات الإلهية، تحقيقاً للتنزيه الخالص في الآية الكريمة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (الخياط، 1957؛ فان إس، 2018).

إبطال حجج الدهريين في “أزلية الحركة والمادة”

استخدم الفلاسفة والدهريون شبهة “استحالة قطع المسافة المتناهية ذات الأجزاء اللانهائية” لنفي حدوث العالم، والقول بقدَم المادة والحركة.
فأراد النظّام عبر الطفرة كسر هذه الحتمية الفلسفية، لبيان أن قطع المسافات اللانهائية أمر ممكن بفيزياء إلهية تجعل الحركة طفرةً وإيجاداً حادثاً، مما يُبطل شبهات القائلين بقدم العالم، ويحافظ على مبدأ الحدوث والافتقار المطلق (Absolute Contingency) للمادة بوصفها مقدمة صلبة لإثبات وجود الصانع المحدث (دغيم، 1998). (الرازي، 1987، ج. 6)،

الأفق المعرفي والمفهومي للطفرة

تكمن القيمة الاستثنائية لأطروحة النظّام في أنها تكشف عن استعداد بليغ لدى العقل الكلامي المبكر لمساءلة التصورات البديهية المألوفة عن الحركة والمكان؛ فالحركة المشاهدة تبدو متصلة وسلسة، لكن التفكير في شروطها المفهومية ومكوناتها يفتح الباب أمام أسئلة عميقة حول معنى الاتصال، وطبيعة المسار، والعلاقة بين الجزء والكل (دغيم، 1998).
وهنا يبرز البُعد الإبستمولوجي: إن القيمة التاريخية للنظّام لا تكمن في ادعاء أسبقيته لعلماء الفيزياء المعاصرين أو مفاهيم فيزياء الكم — إذ إن إجراء مقارنة فلسفية محدودة يظل أمراً مشروعاً فقط للتنبيه إلى أن التصورات الحسية البديهية ليست كافية لتفسير كافة الظواهر المادية — بل تكمن قيمته الحقيقية في كونه يمثل حالة فذة من التفكير الكلامي التوحيدي الذي سعى لفهم مراد الله في كيفية خلق الوجود وصياغة الفيزيائيات، ولبيان الكيفية التي دخلت بها مسائل الحركة والمادة دائرة النظر والاجتهاد الديني لبيان القيومية والتنزيه الإلهي (الأشعري، 1980؛ الخياط، 1957).

إرهاصات «علم الكلام الجديد»: من التحدي الحديث إلى التفكيك الأبستمولوجي

إذا كانت المناقشات الكلامية القديمة قد تفاعلت مع تصورات المادة والحركة لتبني «الكلام الفيزيائي» (Physical Kalam)، فإن القرن التاسع عشر وما تلاه شهدا تحولاً كبيراً؛ إذ غيّر التطور العلمي صورة العالم (Worldview)، وفرض إعادة نظر جذري في المقدمات المعرفية للدين، ممتحناً الطريق لانبثاق «علم الكلام الجديد» (New Kalam/Theological Renewal) عبر محطتين محوريتين:

سيد أحمد خان ومواجهة المعرفة الحديثة

برز المفكر الهندي السِر سيد أحمد خان (1817–1898م) بمشروع يهدف إلى التوفيق بين النص القرآني وانتظام الطبيعة (Law of Nature)، داعياً إلى تأسيس كلام جديد يواجه التحولات العلمية والمؤسسية تحت الحكم البريطاني (أحمد خان، 1884؛ خان، 2006). لم يقتصر مشروعه على إضافة معارف حديثة، بل سعى لإعادة تفسير الوحي في ضوء انتظام العالم. وعلى عكس المتكلمين الأوائل الذين ناقشوا الطبيعة في سياق بياني وفلسفي قديم، واجه سيد أحمد خان علماً حديثاً قائماً على المناهج التجريبية (Empirical Methodology). والدرس المستفاد من تجربته ليس إحلال العلم محل الدين، بل إدراك أن المعرفة الدينية لا تستطيع إغلاق عينها عن التحولات العلمية، مما يفرض التمييز بين ثلاثة مستويات:
العلوم الطبيعية (Natural Sciences): دراسة الظواهر تجريبيًا.
الفلسفة (Philosophy): تحليل مفاهيم السببية (Causality) والمعرفة.
علم الكلام (Theology/Kalam): فهم دلالة الإيمان وعلاقة الإنسان بالخالق.
ويُتيح هذا التمييز الانتقال من الدفاع السجالي الجدلي (Apologetics) ضد العلم إلى بناء معرفة دينية واعية بمناهجه.

«الفيزياء الكلامية» عند الجابري والتفكيك الإبستمولوجي
تكتمل إرهاصات التجديد بالانتقال من مواجهة العلوم إلى فحص بنية علم الكلام نفسه؛ حيث أورد الدكتور محمد عابد الجابري مصطلح «الفيزياء الكلامية» (Physical Kalam) (الجابري، 1986، ص 111) في التفاتة ذكية، دون أن يستثمرها تحليليًا؛ إذ سرعان ما اختزل نظام المتكلمين في «العقل البياني» القائم على التجميع، ممجداً «العقل البرهاني» (Demonstrative Reason) لدى ابن رشد (الجابري، 1980؛ الجابري، 1986). ورغم هذا الاختزال، يُعد استحضاره للمفهوم مفصلاً منهجياً يوضح أن التصورات الطبيعية لدى المتكلمين لم تكن مجرد آراء جانبية، بل أدت دور المقدمات الشارحة في بناء الحجج العقائدية حول الخلق والقدرة والحدوث (الجابري، 1986).
تكمن القيمة المنهجية لمفهوم «الفيزياء الكلامية» وتقاطعه مع أطروحة سيد أحمد خان في إبراز التاريخ الحي للتفاعل بين المعرفة الدينية والتصورات العلمية عن الوجود. وإذا استقام هذا الفهم، فإن تجديد علم الكلام لا يكتفي بإعادة صياغة الحجج الموروثة، بل يتطلب التمييز الواعي بين الأسئلة الميتافيزيقية والموضوعات التجريبية، لتأسيس لاهوت تجديدي يستجيب لأسئلة الإنسان المعاصر دون تفريط بغايته التوحيدية.

من انتظام الطبيعة إلى سؤال الامتثال: قراءة في آية الدخان ومحرك علم التوحيد

حين يصبح انتظام الوجود سؤالًا توحيديًا

يقول الله تعالى في سورة فصلت: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (القرآن الكريم، فصلت: 11). تضعنا هذه الآية أمام صورة قرآنية ذات دلالة أنطولوجية (Ontological Significance): فالسماء في حالة دخان، والسماء والأرض تتلقيان الأمر الإلهي، ثم يأتي جوابهما بالطاعة والامتثال. واللافت أن الخطاب لا يتوجه إلى الإنسان، بل يشمل السماء والأرض؛ أي إن النص يفتح مجالًا للتفكير في علاقة الأمر الإلهي بالوجود كله، بما فيه العالم المادي (Material World). ومن هذه الصورة يمكن الانطلاق إلى سؤال يتصل بجوهر التوحيد (Tawhid/Monotheism): إذا كان الله خالق الوجود، فكيف نفهم علاقة الموجودات به؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يتعرف إلى معنى الخضوع لله من خلال تأمله في العالم الذي خلقه؟
لا تكمن أهمية هذا السؤال في البحث عن تفسير فيزيائي مباشر للآية، بل في استكشاف الصلة بين معرفة العالم ومعرفة الخالق (Epistemology of Nature and the Divine). فالآية لا تقدم نظرية علمية في نشأة الكون (Cosmology)، أن خطاب السماء والأرض لا يلزم أن يكون خطابًا صوتيًا بالمعنى البشري. غير أن هذه التحفظات لا تمنع من قراءة النص بوصفه منطلقًا لتأمل كلامي في معنى الطاعة الكونية (Cosmic Obedience)، وفي علاقة الموجودات بالأمر الإلهي (Divine Command). والمسألة هنا ليست أن القرآن يسمح لنا بتخيل صورة الوجود المستجيب للأمر الإلهي تصور يثير سؤالًا عن طبيعة النظام الذي ينتظم العالم (Cosmic Order)، وعن دلالة هذا النظام في ضوء الإيمان بالتوحيد. ومن ثم، فإن المقصود هو بناء صلة تأملية بين النص القرآني والنظر في الطبيعة، لا إحلال التأويل الديني محل التفسير العلمي، ولا تحويل انتظام الظواهر إلى برهان آلي على جميع قضايا العقيدة.

التوحيد بوصفه طلبًا لمعرفة الله والظمأ الأنطولوجي:

إذا أردنا فهم المحرك العميق لعلم التوحيد في صورته الكلامية المبكرة، فلا ينبغي اختزاله في بناء منظومة من القضايا النظرية أو في الدفاع الجدلي (Apologetics) عن صحة الاعتقاد فحسب. يمكن النظر إليه أيضًا بوصفه سعيًا عقليًا إلى معرفة الله، واستجابةً لظمأ أنطولوجي (Ontological Thirst) يدفع الإنسان إلى تعميق فهمه لعلاقة الخالق بخلقه. وبهذا المعنى، لا يكون التوحيد مجرد إقرار ذهني بوحدانية الله، بل مسارًا معرفيًا وروحيًا يتساءل فيه الإنسان عن أصل الوجود، وعن موقعه فيه، وعن معنى علاقته بمن أوجده (الرفاعي، 2015). فالمتكلم لا يسأل عن الله بمعزل عن العالم، بل ينطلق، في كثير من الأحيان، من النظر في الموجودات وحدوثها (Temporal Contingency)، وتغيرها، وحركتها، وتعددها، وعلاقاتها، ليبحث من خلالها في الخلق والقدرة والوحدانية. وتكشف موضوعات علم الكلام المبكر عن حضور أسئلة تتصل بالأجسام والأعراض والحركة والحدوث، وهي مسائل لم تكن منفصلة عن البحث في صفات الله وعلاقته بالعالم (الأشعري، 1980). وعلى هذا الأساس، لا يكون النظر في الطبيعة خروجًا عن التوحيد، بل قد يكون أحد المسالك التي يسلكها العقل في طلب المعرفة. فكلما تأمل الإنسان في الموجودات، لم يقتصر سؤاله على ماهيتها وكيفية عملها، بل أمكنه أن ينتقل إلى السؤال عن أصل وجودها، وعن النظام الذي تنتظم في إطاره، وعن علاقتها بمن أوجدها.
وهنا تتداخل المعرفة بالعالم (World Knowledge) مع الغاية الدينية التي يتوجه إليها التفكير الكلامي. فليس المقصود معرفة الأشياء لذاتها فقط، وإنما فهمها أيضًا في سياق الاعتقاد بالخالق، بما يعمّق إدراك الإنسان للتوحيد ويتيح له الانتقال من المعرفة الذهنية إلى التأمل الروحي. ويمكن لهذا الانتقال أن يقربه معنويًا من الله، من غير أن يعني ذلك أن كل معرفة علمية تنتج بالضرورة إيمانًا، أو أن اكتشاف الظواهر الطبيعية يكفي وحده لتحقيق المعرفة الدينية.
ومن هذا المنطلق، أقترح استخدام مصطلح «الكلام الفيزيائي» (Physical Kalam) بوصفه فئة تحليلية (Analytical Category) تصف نمطًا من التفكير التوحيدي ينطلق من العالم المحسوس (Empirical Realm)، ويتخذ من خصائص الموجودات وانتظامها مادةً للتساؤل عن الخالق. ولا يعني المصطلح أن المتكلمين امتلكوا الفيزياء الحديثة (Modern Physics)، أو أنهم أطلقوا على أنفسهم اسمًا جامعًا من هذا النوع، بل إنه أداة معاصرة لإبراز الصلة بين النظر في العالم والتفكير في مسائل العقيدة.

من خضوع المادة إلى معنى الامتثال:

لنتأمل مثالًا بسيطًا: حين يُسخَّن قضيب من الحديد، يتمدد بفعل الحرارة وفق خصائص المادة والعلاقات الفيزيائية التي تحكم سلوكها. ولا يحدث التمدد على نحو اعتباطي مطلق، بل يرتبط بشروط يمكن للعلم دراستها وقياسها وتفسيرها. ومن الناحية الفيزيائية، لا يختار الحديد سلوكه بإرادة مستقلة، ولا يتخذ قرارًا واعيًا بشأن الهيئة التي ينبغي أن يتخذها؛ بل يجري تغيره وفق خصائصه المادية والظروف التي يتعرض لها.
لكن هذه الظاهرة تفتح أمام العقل سؤالًا يتجاوز الوصف الفيزيائي من غير أن يناقضه أو يحل محله: ماذا يعني أن يخضع الموجود المادي لنظام لا يختاره بإرادته؟ ولماذا تكون استجابته، في ظل شروط محددة، مرتبطة بعلاقات منتظمة بدلًا من أن تكون اعتباطية بلا ضوابط؟ يستطيع الإنسان أن يتخيل أشكالًا متعددة يمكن أن يتخذها القضيب، وأن يتصور صورًا مختلفة لاستجابته للحرارة، لكن ما يقع بالفعل تحكمه خصائص المادة والعلاقات الفيزيائية، لا مجرد إمكانات الخيال. وهنا ينتقل السؤال من تعدد الصور المتخيلة إلى انتظام الواقع، ومن ملاحظة الظاهرة إلى التفكير في معنى خضوع الموجودات لنظامها.
في أفق التوحيد، يمكن أن يصبح هذا الانتظام مناسبة للتأمل في معنى الامتثال لله. فإذا كان المؤمن يرى أن الله هو خالق العالم، أمكنه أن يفهم انتظام الظواهر باعتباره جزءًا من نظام الخلق (Creation Order). ولا يعني هذا أن كل قانون فيزيائي يقدم في ذاته دليلًا مكتملًا على وجود الله، بل إن المؤمن يستطيع أن ينظر إلى العالم المنتظم بوصفه مجالًا للتفكر في الخلق والقدرة.
وهنا ينبغي التمييز بين مستويين: خضوع الموجودات لخصائصها الطبيعية، والطاعة الإنسانية المرتبطة بالوعي والإرادة والمسؤولية. فالمادة لا تطيع الله بالمعنى الأخلاقي الذي يطيع به الإنسان عن قصد، ولا يتخذ الحديد قرارًا واعيًا بالتمدد. والمقارنة بينهما ليست مساواة حرفية، وإنما مقارنة تأملية تساعد على طرح السؤال عن معنى الخضوع.
الإنسان، بخلاف المادة، يستطيع أن يعرف بعض خصائص النظام الذي يعيش فيه، وأن يتأمل دلالته، وأن يختار موقفه الأخلاقي والروحي (Existential and Moral Stance) من خالقه. ومن هنا تبرز المفارقة: المادة تنتظم وفق خصائصها الطبيعية من غير أن تسأل عن معنى هذا الانتظام، أما الإنسان فيستطيع أن يقرأه، وأن يحوله إلى سؤال عن نفسه وعن علاقته بالله.
وهكذا لا يمنح انتظام الطبيعة الإنسان معرفةً بقوانين المادة فحسب، بل يتيح له مناسبة للتفكير في معنى الامتثال. فإذا كانت الموجودات المادية لا تختار خصائصها الطبيعية بإرادة مستقلة، فإن الإنسان يستطيع أن يتساءل: كيف ينبغي لي، وأنا القادر على الاختيار، أن أفهم علاقتي بالخالق؟ وكيف يمكن أن يتحول إدراكي لوحدانية الله من قضية عقلية إلى موقف وجودي وأخلاقي؟
بهذا الانتقال لا تصبح الطبيعة برهانًا آليًا على كل تفصيل من تفاصيل العقيدة، بل تصبح مجالًا يطرح فيه العقل السؤال التوحيدي، ويجد فيه المؤمن مادةً للتأمل في معنى العبودية والخضوع لله.

آية الدخان من الأمر الإلهي إلى التأمل في النظام الكوني:

في ضوء هذا التصور، تكتسب آية الدخان أهمية خاصة. فقوله تعالى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، ثم جواب السماء والأرض: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، يضعان الوجود في صورة الاستجابة للأمر الإلهي. ويمكن، على سبيل التأمل الكلامي، أن نربط هذه الصورة بما نلاحظه في انتظام العالم المادي، حيث لا تقع الظواهر في عالمنا على نحو اعتباطي مطلق، بل يمكن دراسة علاقاتها وشروطها. ولا نزعم بذلك أن الآية تصف القوانين الفيزيائية بمصطلحات حديثة، أو أن كل قانون طبيعي هو التفسير المباشر لعبارة «أتينا طائعين». إنما نقرأ الآية بوصفها أفقًا دينيًا يسمح بالتفكير في علاقة الأمر الإلهي بالوجود، ثم ننظر في انتظام الطبيعة باعتباره أحد المجالات التي يمكن أن يستلهم منها العقل معنى الخضوع.
وبذلك تتمايز وظيفة النص القرآني عن وظيفة العلم الطبيعي: يقدم النص صورة الطاعة الكونية (Cosmic Obedience)، بينما يقدم العلم وصفًا للظواهر الطبيعية وتفسيرًا للعلاقات التي تحكمها. ومن التفاعل التأملي بينهما ينشأ سؤال كلامي عن معنى وجود نظام ينتظم فيه العالم الذي يؤمن الإنسان بأنه مخلوق لله. وهنا يظهر دور العقل الإنساني بوصفه حلقة الوصل بين ملاحظة الطبيعة والتفكير في التوحيد. فالمادة لا تفسر بنفسها دلالتها الدينية، والقانون الفيزيائي لا يتحول تلقائيًا إلى قضية لاهوتية (Theological Proposition). إنما يقوم العقل بملاحظة انتظام الموجودات، وفهم ما يستطيع فهمه من خصائصها، ثم طرح سؤال أوسع عن معنى هذا الانتظام في ضوء الاعتقاد بالخالق (الرازي، 1990).
ولا يعني هذا أن التأمل الكلامي بديل عن التفسير اللغوي أو التفسيري للآية، بل إنه مسار إضافي ينطلق من الصورة القرآنية إلى سؤال فلسفي وديني. فالمقصود ليس إثبات أن القرآن يتضمن نظرية فيزيائية بالمعنى الحديث، وإنما فهم الكيفية التي يمكن بها لصورة قرآنية عن الوجود أن تفتح مجالًا للتفكر في الخلق والقدرة والامتثال.

الكلام الفيزيائي ومحرك التوحيد لدى المتكلمين:

يمكن لهذا المنظور أن يساعدنا في إعادة النظر في طبيعة الأسئلة التي شغلت المتكلمين الأوائل. فقد بحثوا في الأجسام والجواهر والأعراض (Substances and Accidents)، وفي الحركة والسكون، وفي حدوث العالم، وفي القدرة الإلهية وعلاقة الموجودات بخالقها. ولم تكن هذه المسائل، في سياقاتها الكلامية، مجرد تمرينات عقلية منفصلة عن غايات الاعتقاد؛ بل ارتبط كثير منها بمحاولة فهم العالم على نحو يوضح معنى التوحيد، ويتيح الدفاع عنه، ويعمّق النظر في الخلق والقدرة والوحدانية (الأشعري، 1980).
ومن هنا يمكن قراءة البحث في «الجوهر الفرد» (Atomism)، على سبيل المثال، بوصفه محاولة كلامية لفهم تركيب الأجسام وحدود انقسامها، وما يترتب على ذلك من أسئلة عن طبيعة الموجودات وتعددها. كما يمكن النظر في مباحث الحركة والتغير، ومن بينها ما يُعرف في بعض النقاشات الكلامية بمسألة الرحى والطفرة، بوصفها أمثلة على محاولات تحليل الحركة وحدود التصور العقلي لها. وتحتاج كل واحدة من هذه المسائل، عند تناولها تاريخيًا، إلى الرجوع إلى مصادرها الكلامية الخاصة؛ فلا يصح التعامل معها بوصفها نظرية واحدة أو افتراض اتفاق المدارس عليها.
إن أهمية هذه المباحث لا تكمن في مساواتها بالفيزياء المعاصرة، ولا في افتراض أن تصوراتها تطابق ما توصل إليه العلم الحديث، بل في أنها تكشف عن عقل كلامي لم يكتفِ بتلقي العالم كما يبدو، وإنما سعى إلى تحليل بنيته وتفسير أحواله وربط ذلك بمسائل العقيدة. فالبحث في الجوهر الفرد، مثلًا، يثير أسئلة عن تركيب الأجسام وحدود انقسامها، بينما يفتح البحث في الحركة والتغير مجالًا للتفكير في حدوث العالم وعلاقة الحوادث بوجوده.
وإذا كان بعض هذه الأسئلة قد انطلق من تعدد الموجودات وكيفية تركيبها، فإن السؤال عن انتظامها يفتح مجالًا موازيًا للتفكير: كيف يمكن أن يكون العالم كثير الموجودات، ومع ذلك تنتظم ظواهره في علاقات يمكن للعقل اكتشافها؟ وكيف نفهم هذا الانتظام في ضوء الإيمان بوحدانية الخالق؟
وفي هذا السياق، يكون وصف هذا الاتجاه بأنه «كلام فيزيائي» ينبغي أن يُفهم باعتباره أداة تحليلية (Analytical Tool) تساعد على إبراز الصلة بين دراسة الموجودات والتفكير في التوحيد، لا باعتباره اسمًا تاريخيًا لمذهب اتفق عليه المتكلمون جميعًا.
ومن هذه الزاوية، يمكن وضع هذا الاستخدام التحليلي ضمن نقاش أوسع حول تاريخ المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية، مع مراعاة الفروق بين المدارس الكلامية والفلسفية ومناهجها. ولا ينبغي أن يُفهم هذا الربط على أنه امتداد خطي بسيط من علم الكلام القديم إلى الفكر الديني المعاصر؛ بل هو محاولة لتحديد سؤال معرفي مشترك، مع الاعتراف باختلاف السياقات والمفاهيم والغايات (الجابري، 1986؛ الرفاعي، 2021).

من معرفة العالم إلى التقرب إلى الله:

إن الفكرة المركزية التي تقود هذه القراءة هي أن محرك علم التوحيد لم يكن، في أحد أبعاده الأساسية، مجرد الرغبة في تصنيف العقائد أو الانتصار في الجدل، بل السعي إلى معرفة الله من خلال النظر في خلقه. فالعقل يتأمل الموجودات، ويسأل عن أصلها وبنيتها وحركتها وانتظامها، ثم يحاول أن يفهم هذه المعارف في ضوء الاعتقاد بوحدانية الخالق. وفي هذا المسار، يصبح «الكلام الفيزيائي» جسرًا معرفيًا (Epistemic Bridge) بين العالم المحسوس والسؤال التوحيدي: من ملاحظة المادة إلى التفكير في نظامها، ومن فهم نظامها إلى التأمل في الخلق، ومن التأمل في الخلق إلى تعميق معرفة الله. وهذه المعرفة ليست غاية ذهنية بحتة؛ إذ يمكن أن تتجه، في أفق الإيمان، إلى التقرب من الله.
غير أن هذا التقرب لا ينتج تلقائيًا من اكتشاف قانون فيزيائي، ولا يكفي العلم بالطبيعة وحده لتحقيقه. إنه يتطلب انتقالًا واعيًا من المعرفة إلى التأمل، ومن التأمل إلى الموقف الروحي والأخلاقي. فالمعرفة العلمية تكشف للإنسان كيف تعمل الظواهر، أما المعرفة التوحيدية فتسأله كيف يفهم وجوده وعلاقته بالخالق في ضوء ما يعرفه عن العالم.
ومن هنا يمكن فهم آية الدخان باعتبارها مدخلًا إلى سؤال الامتثال الكوني، لا لأنها تقدم نظرية علمية في القوانين الطبيعية، بل لأنها تضع الوجود في صورة الاستجابة للأمر الإلهي. وعندما يتأمل الإنسان في انتظام المادة، فإنه لا يكتشف بالضرورة حكمًا لاهوتيًا جديدًا، لكنه يجد مجالًا للتفكير في معنى الخضوع، وفي الفرق بين موجود مادي ينتظم سلوكه وفق خصائصه الطبيعية وإنسان يمتلك العقل والإرادة ويستطيع أن يسأل عن غاية وجوده (Purpose of Existence).
وهذا السؤال هو ما يعيد المعرفة بالعالم إلى غايتها التوحيدية: أن يفهم الإنسان الخلق، لا ليحل محل الخالق في تفسير كل شيء، بل ليعمّق وعيه بموقعه في الوجود وبمعنى علاقته بالله. وبذلك، لا يكون «الكلام الفيزيائي» مجرد بحث في المادة، ولا يكون التوحيد مجرد تقرير نظري لوحدانية الله؛ بل يلتقي الاثنان في مسار معرفي وروحي يبدأ من العالم، ويستخدم العقل لفهم انتظامه، ثم يجعل من هذا الفهم مناسبة للتأمل في الخالق والتقرب إليه.
في هذا الأفق، تصبح الطبيعة مجالًا للسؤال، ويصبح العقل أداةً للمعرفة، ويصبح التوحيد غايةً تمنح النظر في الموجودات معناها الديني. وهذه هي الصلة التي تقترحها هذه القراءة بين انتظام الطبيعة، وسؤال الامتثال، ومحرك علم التوحيد في بعض تجلياته الكلامية المبكرة.

أشكال عودة الكلام الفيزيائي في آخر مئة عام

يشهد الفكر الإسلامي المعاصر، خلال القرنَين العشرين والواحد والعشرين، اهتمامًا متزايدًا بالبحث في مناطق التقاطع بين علم الكلام الإسلامي والفيزياء الحديثة. ويُعدّ حسام محي الدين الآلوسي من أبرز الممهّدين بهذا الاتجاه؛ إذ عمل على الجسر بين المعطيات العلمية المعاصرة والفلسفة الإسلامية وعلم الكلام (الآلوسي، (1980 تلاه محمد باسل الطائي الذي قدّم محاولة لتأسيس رؤية إسلامية لفلسفة الطبيعة، وتجلى ذلك بوضوح في مؤلفه دقيق الكلام: الرؤية الإسلامية لفلسفة الطبيعة )الطائي، (2010 وفي سياق نقد وتطوير هذا الطرح، تناول نضال البغدادي أعمال الطائي بالتحليل عبر صياغة مفهومه الخاص المسمّى “التضامر” (البغدادي، 2018.)
كما أسهم محمد حاج يوسف في هذا المجال من خلال الاشتغال على قضايا تتصل بالفيزياء النظرية والفلسفة الإسلامية ومفهوم الزمان والمكان (حاج يوسف، 2007 ) في المقابل، توجّه نضال قسوم نحو معالجة الإشكالات المعرفية والمنهجية الحاكمة للعلاقة بين الإسلام والعلوم الطبيعية الحديثة (قسوم، 2012) وهو ما يُبرز تباينًا إبستمولوجياً بين الاتجاه الداعي إلى التجسير المباشر بين العقيدة والفيزياء، والاتجاه المعني بدراسة الأطر المنهجية العامة لهذه العلاقة.
تفتح هذه الجهود الفرصة لإعادة قراءة المفاهيم الكلامية التراثية، كالجوهر الفرد، والذرة، والسببية، في ضوء الأسئلة الفلسفية التي تطرحها ميكانيكا الكم ونظريات النسبية. ومع ذلك، يظل من الضروري إبستمولوجياً التمييز بين دراسة التراث الكلامي ضمن سياقه التاريخي، وبين محاولة بناء حوار معرفي مع الفيزياء المعاصرة. ومن هذا المنطلق، تُشكّل “الفيزياء الكلامية” حائلًا معرفيًا ومجالًا واعدًا لاستكشاف التكامل بين التصورات الإسلامية للطبيعة وأسئلة الوجود والمعرفة.
وتتأكد أهمية هذا الاتجاه من خلال الدراسات الأكاديمية المتخصصة؛ ومنها دراسة رياض سعيد لطيف(2022) التي تقصّت العلاقات بين دقيق الكلام التراثي ونظريات فيزياء الكون في طروحات محمد باسل الطائي. وفي السياق ذاته، قدّم إلياس بلكا إسهامًا في مقالته «الفيزياء الكلامية مدخلًا لتجديد الدرس العقدي»، حيث طرَح أطروحة تستهدف استثمار الفيزياء الكلامية كأداة لإعادة بناء وتجديد البحث العقدي المعاصر (بلكا (2026 تتضافر هذه الجهود لتكشف عن اتجاهات متمايزة: تتراوح بين القراءة التأويلية للتراث الكلامي على ضوء الفيزياء الحديثة، وبين صياغة فلسفة إسلامية قائمة بذاتها للطبيعة، وصولاً إلى تجديد الدرس العقدي عبر الحوار مع العلوم المعاصرة.
غير أن عودة الفيزياء الكلامية في الفكر الإسلامي المعاصر تستدعي، في تقديري، مساءلةَ ما إذا كانت هذه المحاولات قد تجاوزت بالفعل أحد أوجه القصور الذي صاحب تشكّلها التاريخي، أم أنها تعيد استحضار أسئلتها القديمة ضمن أطر علمية وفلسفية جديدة، من دون أن تفتح أفقًا روحانيًا موازياً. وهذا هو السؤال الذي تناولته في مقالتي “من الجوهر الفرد إلى التسبيح الكوني: نحو قراءة روحانية للذرّية الكلامية في الحوار بين المعتزلة والتصوف”، المنشورة في مجلة التنويري في 21 أكتوبر 2026. فالمقصود بهذا القصور ليس غياب الزهد أو التعبّد عن حياة المتكلمين، وإنما عدم جعل البنية الذرّية للوجود نفسها موضوعاً للتأمل الروحاني في التسبيح الكوني والافتقار الوجودي إلى الله. لقد انشغل الكلام الفيزيائي بتحليل الجوهر الفرد والذرة والحركة والأعراض، وبالاستدلال من حدوث العالم على افتقاره إلى الخالق؛ لكن السؤال الذي أطرحه هو: كيف يمكن الانتقال من تحليل الذرّة بوصفها مفهومًا فيزيائياً كلاميًا إلى قراءتها ضمن أفق قرآني وروحاني يستحضر تسبيح الموجودات لله؟ ومن هنا، فإن تجديد الفيزياء الكلامية لا يقتصر على استئناف الحوار بين العقيدة والفيزياء الحديثة، بل يمكن أن يمتد إلى إعادة وصل بنية الوجود بمعناه الروحاني، بحيث لا تبقى الذرّة موضوعاً للتحليل العقلي وحده، بل تصبح مدخلًا للتأمل في التسبيح الكوني والتوحيد والافتقار الدائم إلى الخالق.

من الفيزياء الكلامية إلى التسبيح الكوني: نحو استعادة البعد الروحي للتوحيد

إذا كانت الفيزياء الكلامية قد جعلت من النظر في الطبيعة والحركة وبنية الأجسام مدخلًا إلى معرفة الخالق وإثبات قدرته، فإن هذا المسار يتيح طرح سؤال يتجاوز حدود البرهنة العقلية، من دون أن ينتقص من قيمتها: هل يمكن أن يتحول النظر في بنية الوجود وتغيّره إلى تأمل روحي في افتقاره إلى الله؟ لا يتعلق الأمر هنا بإحلال التأمل الصوفي محل التحليل الكلامي، بل بتوسيع أفق السؤال التوحيدي بحيث يجمع بين معرفة العالم والتفكر في معناه الوجودي.
لقد تناول المتكلمون مسائل الجوهر الفرد والأعراض والحركة والسكون وحدوث العالم في سياق بحثهم في علاقة المخلوق بالخالق. كما قدّم إبراهيم النظّام تصورات متميزة في تفسير الحركة، واشتهرت آراؤه بمفهوم الطفرة، وهو ما يجعل مباحثه جزءًا من تاريخ السؤال الكلامي عن بنية الوجود وإمكان الحركة والتغيّر. وتتيح العودة إلى هذه المباحث طرح سؤال أوسع عن حدود المعرفة العقلية حين تتناول العالم، وعن العلاقة بين تفسير بنيته والتفكر في علاقته بالخالق.
في هذا السياق، يكتسب مفهوم «التسبيح الكوني» أهمية خاصة بوصفه أفقًا قرآنيًا للتأمل في علاقة الموجودات بالله. يقول تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]. فالآية توسّع مجال التسبيح ليشمل الموجودات جميعًا، مع الإقرار بأن الإنسان لا يحيط بكيفية تسبيحها. وبذلك يصبح العالم مجالًا للنظر العقلي والتأمل في آنٍ واحد، من غير الخلط بين تفسير الظواهر الطبيعية وفهم دلالتها الروحية.

ومن هذا المنطلق، يمكن إعادة قراءة مباحث الحركة والجواهر والأعراض ضمن أفق تأويلي يتأمل في اعتماد الموجودات على الله وعدم استقلالها بذاتها. ولا يعني ذلك أن الحركة تتحول حرفيًا إلى فعل تعبدي بشري، أو أن النظريات الكلامية القديمة تصبح نظريات فيزيائية حديثة؛ وإنما يعني أن التحليل العقلي لبنية العالم يمكن أن يُستكمل بالتفكر في معناه التوحيدي.
ويقتضي هذا التصور التمييز بين الزهد بوصفه سلوكًا تعبديًا وأخلاقيًا، والروحانية بوصفها أفقًا لتأويل الوجود. فوجود اتجاهات زهدية في التراث المعتزلي يمنع اختزال ذلك التراث في العقلانية المجردة، لكنه لا يلغي السؤال عن موقع البعد الروحي في تفسير بنية العالم نفسه. فهناك فرق بين أن يمارس المتكلم الزهد في حياته، وأن يجعل من تأمله في الوجود مدخلًا إلى فهم الافتقار إلى الله. ولا يستلزم هذا التمييز نفي الروحانية عن المعتزلة، بل يحدد مجال السؤال الذي تسعى هذه المقالة إلى استكشافه.
ومن هنا تنشأ إمكانية الحوار بين علم الكلام والتصوف. فإذا كان الكلام يبحث في حدوث العالم وعدم استقلال الموجودات، فإن التصوف يتيح لغةً لمعايشة الافتقار إلى الله من خلال التوكل والذكر وشهود الأفعال والحضور في الوقت. ويسمح الجمع التأويلي بين المسارين بالانتقال من الافتقار بوصفه قضية في تفسير الوجود إلى الافتقار بوصفه تجربة روحية تعيد تشكيل علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم، من دون افتراض تطابق تاريخي أو مذهبي بين الكلام والتصوف.
وفي ضوء هذا الحوار، أقترح مصطلح «التسبيح الذرّي» للدلالة على قراءة تأويلية للموجودات الدقيقة ضمن أفق التسبيح الكوني. ولا أقصد به نسبة نظرية روحانية إلى النظّام أو إلى سائر المتكلمين الأوائل، ولا الادعاء بأن مفهوم الجوهر الفرد يثبت علميًا كيفية تسبيح الذرات؛ بل أقترح به وصل السؤال عن بنية العالم بالسؤال عن دلالته التوحيدية. وتكمن قيمة هذا المصطلح في فتح مجال للتفكير في كيفية الانتقال من تحليل الوجود إلى التأمل في افتقاره إلى الله، مع الحفاظ على التمييز بين المعطى التاريخي والتأويل المعاصر.
وبذلك يتحدد المقصود باستعادة البعد الروحي للتوحيد في الفيزياء الكلامية: ليس استبدال البرهان بالتجربة الروحية، بل استكشاف إمكان أن يصبح النظر في العالم بدايةً لتأمل أعمق في علاقة الموجودات بالخالق، وأن يجتمع السؤال عن كيفية وجود العالم وتغيّره مع السؤال عن معناه ضمن أفق التوحيد والتسبيح. (الزكري القضاعي، 2026)

عبد الجبار الرفاعي وتجديد المعرفة الدينية: من الكلام الفيزيائي إلى الأفق الروحي والأنطولوجي

إذا كان السِّر سيد أحمد خان قد واجه تحدّي العلوم الحديثة في سياق تاريخي محدّد، فإن مشروع الدكتور عبد الجبار الرفاعي يتيح لنا تناول التجديد الديني من زاوية أعمق، تتصل ببنية المعرفة الدينية (Epistemology of Religious Knowledge)، وبالعلاقة بين الدين والإنسان والمعنى والتجربة الروحية (Spiritual Experience) (الرفاعي، 2015؛ الرفاعي، 2021). وتنبع أهمية استحضار الرفاعي في هذا البحث من أنه لا يُستدعى بوصفه متكلمًا متخصصًا في الفيزياء الكلامية أو في نظريات الجوهر الفرد، بل بوصفه صاحب مشروع في تجديد المعرفة الدينية وعلم الكلام الجديد، يتيح أفقًا روحيًا وأنطولوجيًا يمكن من خلاله إعادة النظر في الغايات الإنسانية والروحية للمعرفة التوحيدية. وعبد الجبار الرفاعي فيلسوف دين عراقي ‏متخصص في الفلسفة وعلوم الدين. من مؤسسي علم الكلام الجديد وفلسفة الدين في المجال العربي. منذ أكثر من ستة وثلاثين عامًا يكرّس منجزه لبناء أرضية معرفية لفلسفة الدين وعلم الكلام الجديد بالعربية. عضو المجمع العلمي العراقي. نوقشت حتى اليوم 34 اطروحة دكتوراه ورسالة ماجستير لدراسة مشروع عبد الجبار الرفاعي في تجديد الفكر الديني.
لا يقتصر التجديد في هذا الأفق على تعديل العبارات أو إعادة صياغة المتون الموروثة، بل يتطلب مراجعة المناهج والمقدمات التي يتشكل من خلالها فهم الدين، والتمييز الدقيق بين النص الديني الإلهي والتفسيرات البشرية التاريخية، وبين جوهر الإيمان والنظريات الكلامية التي تشكّلت في سياقاتها التاريخية الخاصة (الرفاعي، 2021).

تتضح أهمية هذا الاستحضار عند العودة إلى الفيزياء الكلامية المبكرة، ولا سيما مباحث النظّام والمتكلمين في بنية الأجسام والجوهر الفرد والحركة والحدوث. فقد أسهمت هذه المباحث في بناء استدلالات عقلية على وجود الخالق وعظمته وقدرته وتفرّده، وجعلت النظر في الطبيعة وسيلةً لفهم افتقار العالم إلى الله. غير أنّ السؤال الذي تطرحه هذه المقالة لا يتعلق بمدى نجاح تلك الاستدلالات العقلية وحدها، بل بحدود الأفق الذي انتظمت فيه: هل بقي العالم، في جانب مهم من هذه المعالجات الكلامية، موضوعًا للتحليل العقلي وإقامة البرهان على الخالق، أم أمكن أيضًا النظر إليه بوصفه مجالًا للتجربة الروحية والتسبيح والتذكّر والافتقار الوجودي؟
ينبغي هنا التمييز بين غياب الروحانية عن حياة المتكلمين وغيابها عن بعض الصياغات النظرية للفيزياء الكلامية. فقد عرف التراث المعتزلي، كما تكشف الدراسات المتعلقة بعناصر الزهد والتعبد لدى المعتزلة، نماذج من التقشف والورع والسلوك التعبدي. ولذلك لا تقوم الأطروحة على نفي الروحانية عن المعتزلة، وإنما على التمييز بين الزهد بوصفه ممارسةً أخلاقية وتعبدية في حياة المتكلم، وبين اتخاذ البنية الذرية للوجود نفسها مدخلًا إلى تأمل روحاني في تسبيح الموجودات ووحدة افتقارها إلى الله. وهذا التمييز هو الذي يسمح بتحديد المسألة التي يسعى البحث إلى استكشافها، من دون تعميم الحكم على التراث المعتزلي كله. (انظر مقالتنا: «من الجوهر الفرد إلى التسبيح الكوني: نحو قراءة روحانية للذرّية الكلامية في الحوار بين المعتزلة والتصوف»).
من هنا تبرز أهمية الجمع بين مشروع الرفاعي ومشروع هذه المقالة. فالرفاعي لا يقدّم، في هذا السياق، تفسيرًا تاريخيًا للجوهر الفرد، ولا نظرية بديلة عن نظريات المتكلمين في المادة والحركة؛ وإنما تتيح رؤيته التجديدية نقل مركز السؤال من المعرفة العقلية بالدين وحدها إلى العلاقة بين المعرفة الدينية والإنسان وحاجاته الروحية والأنطولوجية. وبذلك يصبح استحضاره مدخلًا لتوسيع أفق البحث في الفيزياء الكلامية، لا بهدف إلغاء منجزها العقلي، بل بهدف مساءلة إمكان استكماله برؤية تجعل التأمل في بنية العالم طريقًا إلى إدراك معنى الوجود والافتقار والتسبيح.
وتتجسد هذه الإضافة في أطروحة «التسبيح الذرّي» التي أقترحها في مقالتي «من الجوهر الفرد إلى التسبيح الكوني: نحو قراءة روحانية للذرّية الكلامية في الحوار بين المعتزلة والتصوف». فالانطلاق من قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44] يفتح أفقًا تأويليًا لا يكتفي بالنظر إلى الموجودات بوصفها وحدات في بناء الأجسام أو شواهد عقلية على قدرة الخالق، بل يتأملها أيضًا ضمن عالم شامل بالتسبيح، مع الإقرار بأن كيفية هذا التسبيح تتجاوز حدود إدراك الإنسان. وهكذا تنتقل المسألة من السؤال عن كيفية تركيب العالم وحركته إلى السؤال عن معنى وجوده في علاقته بالله، وعن إمكان تحوّل المعرفة بالطبيعة إلى وعي روحي بالافتقار الكوني.
وفي هذا الموضع تحديدًا تتضح الوظيفة الفكرية لاستحضار الرفاعي. فعلم الكلام الجديد ذو الأفق الروحي لا يحلّ محل الفيزياء الكلامية، ولا يفرض عليها مفاهيم معاصرة بوصفها حقائق كانت كامنة في نصوص المتقدمين، بل يتيح مساءلة حدود الاختزال العقلي للمعرفة التوحيدية، وإعادة فتح السؤال عن الإنسان الذي يتلقى هذه المعرفة، وعن أثرها في وعيه بذاته وبالعالم وبالله. فإذا كانت الفيزياء الكلامية قد أسهمت في تفسير العالم من جهة حدوثه وافتقاره إلى الخالق، فإن الأفق الروحي والأنطولوجي يتيح استكمال هذا السؤال بالتفكير في كيفية عيش هذا الافتقار، وفي إمكان انتقاله من قضية برهانية إلى تجربة من الذكر والتواضع والشكر والتسبيح.
ولا يعني ذلك أنّ المتكلمين قد أغفلوا جميعًا هذه الأبعاد، أو أنّ الروحانية غريبة عن تراث علم الكلام، بل يعني أن البحث يميّز بين الوظيفة البرهانية التي احتلت موقعًا بارزًا في مباحث الفيزياء الكلامية، وبين الإمكان التأويلي الذي يسمح بإعادة قراءة تلك المباحث في ضوء أسئلة الروح والمعنى. كما لا يعني أن التسبيح الذرّي حقيقة فيزيائية أثبتتها نظريات الجوهر الفرد، وإنما هو اقتراح تأويلي يستند إلى الأفق القرآني للتسبيح الكوني، ويسعى إلى إقامة حوار بين التراث الكلامي والتصوف وتجديد المعرفة الدينية.
وتبرز أهمية هذا الاتجاه أيضًا عند مقارنته بالمسائل التي شغلت النظّام والمتكلمين في العصور المبكرة؛ إذ تختلف المعرفة الطبيعية المعاصرة، من حيث مناهجها التجريبية ونماذجها التفسيرية، عن المقاربات الفلسفية والطبيعية التي سادت في سياقات تشكّل علم الكلام. والمطلوب هنا ليس استبدال نظرية كلامية قديمة بنظرية علمية معاصرة، بل إعادة فحص المقدمات الطبيعية والفلسفية للمتكلمين، والوقوف على حدود صلاحيتها للاستدلال في ضوء التحولات المعرفية اللاحقة. كذلك لا ينبغي اختزال علم الكلام الجديد (New Kalam) في حوار محصور مع الفيزياء؛ فمشروع الرفاعي، بما يطرحه من استجابة للظمأ الأنطولوجي (Ontological Thirst) لدى الإنسان المعاصر، أوسع من أن يُحصر في مسألة الطبيعة المادية (الرفاعي، 2015).
يعرف الرفاعي الظمأ الأنطولوجي بأنه الحنين للوجود المطلق، إنه ظمأ الكينونة البشرية، بوصف وجود الإنسان وجودًا محتاجًا على الدوام إلى ما يثريه؛ الإنسان كائن متعطش إلى وجود غني مكثف بذاته يرتوي باتصاله الوجودي به ظمؤه، ويكرس به وجوده ويسقي عطشه المزمن لإثراء وجوده، الظمأ الأنطولوجي هو الفقر الوجودي، وارتواء هذا الظمأ هو الغنى الوجودي. يتجاوز الإنسان شيئًا من فقره الوجودي كلما بلغ طورًا وجوديًا جديدًا، يرتقي فيه إلى رتبة أعلى في سلم التكامل. الدين هو ذلك السلم الذي يرتقي عبره الإنسان نحو الكمال، ويجد في معانيه الروحية والأخلاقية والجمالية ما يغذي وجوده، ويمنحه السكينة والطمأنينة. الظمأ الوجودي يتجدد مع اتساع آفاق الروح، ويوقظ في الإنسان حاجة متواصلة إلى الارتواء. يمنح الدين الإنسان أفقًا لفهم ألغاز هذا العالم، ويمنح ما يستعصي على الفهم موقعًا في رؤية يتصل فيها الوجود بمعنى يتجاوز حدوده. يضع الدين معنى لما يبدو للإنسان خاليًا من المعنى، ويساعده على احتمال ما يعجز عن تفسيره. ليس بوسع الإنسان أن يعيش في عالم كله مجاهيل وألغاز، عالم مبهم غريب مظلم، لا يجد فيه ما يهديه أو يطمئنه؛ فذلك يستنزف قدرته على الاحتمال، ويضاعف شعوره بالخوف والضياع، وربما يهدد توازنه النفسي. يستجيب الدين لهذه الحاجة الوجودية، فيجعل العالم أكثر ألفة، ويمنح الإنسان شعورا بالسكينة والانتماء إلى الوجود. (الرفاعي، 2016).

المسارات الأربعة لتوسيع الحوار المعرفي

وانطلاقًا من هذا الأفق التجديدي، أقترح أربعة مسارات منهجية تُسهم في توسيع الحوار بين علم الكلام الجديد والمناحي المعرفية المعاصرة:

  1. التاريخ النقدي للمعرفة الكلامية (Critical History of Kalam): دراسة النظّام والمتكلمين ضمن سياقاتهم التاريخية، والتمييز الواعي بين النصوص التراثية وتأويلات الباحثين اللاحقين، بما يسمح بفهم إشكالاتهم المعرفية والمقدمات التي استندوا إليها.
  2. فلسفة العلوم (Philosophy of Science): الانتقال من التلخيص السطحي للمعطيات العلمية إلى فهم طبيعة النظرية العلمية، والتمييز بين الملاحظة والتفسير، تجنبًا لإسقاط المصطلحات العلمية المعاصرة على الاستعارات الدينية أو تحميل النصوص التراثية دلالات لم تكن جزءًا من سياقاتها الأصلية.
  3. تجديد المقدمات الفلسفية (Renewal of Philosophical Premises): فحص المفاهيم الكلامية الموروثة المتعلقة بالمادة والحركة والسببية (Causality)، وتمحيص ما يمكن الاحتفاظ به منها بوصفه أداةً فلسفية، وما يرتبط بسياقات تاريخية ومعرفية تجاوزتها التحولات العلمية اللاحقة.
  4. استعادة الوظيفة الإنسانية والروحية للدين (Human and Spiritual Function): حماية المعرفة الدينية من الاختزال في لغة العلوم المادية القابلة للقياس، عبر إعادة الاعتبار لأبعاد المعنى والكرامة والحرية والرجاء والصلة الروحية بالله (الرفاعي، 2015).
    تمثل هذه المسارات الأربعة اقتراحًا تحليليًا لتطوير الحوار المعرفي، وتنطلق من السؤال المحوري الذي تنتظم حوله هذه المقالة: كيف يمكن تجديد التفكير الديني بحيث يظل قادرًا على فهم الإنسان والعالم، من دون أن يفقد استقلاله المعرفي أو يتحول إلى مجرد تكرار للماضي؟
    وبهذا المعنى، لا يُعدّ إدخال عبد الجبار الرفاعي إلى هذا البحث خروجًا عن موضوع الفيزياء الكلامية، بل خطوةً لتوسيع أفقه. فالغاية ليست الاكتفاء بإثبات عظمة الخالق وتفرّده على المستوى العقلي، ولا الاستعاضة عن البرهان الكلامي بالتجربة الصوفية، بل وصل المعرفة التوحيدية بأبعادها الروحية والإنسانية، بحيث لا يبقى العالم موضوعًا للتفسير فحسب، بل يصبح مجالًا للتأمل في التسبيح والافتقار والحضور. ومن هنا ينتظم الحوار بين النظّام والرفاعي والتصوف حول سؤال جامع: كيف يمكن الانتقال من معرفة العالم بوصفه مخلوقًا إلى وعي روحي بالوجود بوصفه مفتقرًا إلى الله، ومندرجًا في أفق التسبيح الكوني؟
    وعليه، فإن استحضار الرفاعي يمنح هذه المقالة أهميتها المعاصرة؛ إذ يربط البحث التاريخي في الفيزياء الكلامية بسؤال تجديد المعرفة الدينية، ويتيح تجاوز الفصل بين صرامة العقل وظمأ الروح، من غير الخلط بين اختصاصات معرفية مختلفة أو إسقاط مفاهيم الحاضر على الماضي. ويظل المقصد النهائي استكشاف إمكان استكمال السؤال التوحيدي: من البرهان على الخالق إلى تأمل علاقة الموجودات به، ومن تحليل الجوهر الفرد إلى قراءة روحانية للذرّية، ومن المعرفة العقلية بعظمة الله وتفرّده إلى أفق أوسع تتلاقى فيه المعرفة والذكر والتسبيح والافتقار الوجودي.
    إن أهمية عبد الجبار الرفاعي للمشتغلين بتجديد التوحيد الفيزيائي الكلامي تنبع، في هذا السياق، من اشتغاله على تجديد المعرفة الدينية وإعادة الاعتبار للأبعاد الروحية والإنسانية والأنطولوجية في فهم الدين. فمشروعه يتيح استحضار الروحانيات الكلامية لا بوصفها مجرد ممارسات تعبدية منفصلة عن النظر العقلي، بل بوصفها أفقًا يمكن أن يسهم في إعادة توجيه المعرفة التوحيدية نحو الإنسان وتجربته الوجودية وعلاقته بالله. ومن هنا، فإن إدماج البُعد الروحي في مباحث الفيزياء الكلامية يمثل مسارًا مهمًا ومناسبًا لأزمنتنا الراهنة؛ إذ لا يقتضي التخلي عن التحليل العقلي لبنية العالم أو عن الاستدلال الكلامي على افتقاره إلى الخالق، بل يفتح المجال لاستكمالهما برؤية روحانية تجعل من التأمل في بنية الوجود مدخلًا إلى فهم أعمق لمعنى التوحيد والافتقار والتسبيح. وبهذا المعنى، يمكن الإفادة من مشروع الرفاعي في تجديد الغايات الروحية للبحث الكلامي، وربط أسئلة الجوهر الفرد والذرة والحركة بأفق معاصر للمعرفة الدينية لا يفصل بين العقل والروح، ولا يختزل التوحيد في البرهان النظري وحده.

خاتمة: التوحيد بوصفه أفقًا للسؤال والمعرفة ومحركًا للابتكار

تكشف دراسة المباحث الطبيعية في علم الكلام المبكر عن أصل معرفي أصيل: لقد كان التوحيد في صدر الإسلام وعصر المتكلمين الأوائل عقيدة حية ومنفتحة بامتياز على تأمل ومناقشة الآيات القرآنية الكونية والفيزيائية والبيولوجية. ولم يكن النظر في عالم الطبيعة مجرد تمرين ذهني جانبي، بل كان سعيًا واعيًا لفهم كيفية إحكام الله تعالى السيطرة والتدبير على مخلوقاته وتسييرها وفق قوانين وسنن فيزيائية دقيقة. فقد شاع إدراك حاسم بأن التوحيد ليس مجرد إقرار ذهني جاف، بل هو المحرك الأساس والدافع المعرفي الأعظم للتعرف على الله والتقرب إليه، وهو الشغف الذي دفع العقول الإسلامية المبكرة نحو التفكير، والتحليل، والابتكار، والعمل (الأشعري، 1980).
وفي هذا الأفق، يتنزل شغل إبراهيم بن سيّار النظّام بمناقشات بنية الأجسام و«الطفرة»؛ إذ يُظهر – رغم تنوع الروايات – أن المتكلمين الأوائل لم يفصلوا قط بين النظر العقلي في العقيدة والنظر الفاحص في العالم الطبيعي (الذهبي، 2006). وتكمن قيمة هذا التراث لا في الادعاء بأنه تنبأ بالفيزياء الحديثة، بل في كشفه عن لحظة تاريخية فارقة تداخل فيها سؤال التوحيد مع سؤال الطبيعة. ويتيح مفهوم «الفيزياء الكلامية» (Physical Kalam) الذي تناوله الجابري مدخلًا تحليليًا لبنية هذا التداخل الإبستمولوجي بين النظر في الوجود وصياغة الحجة الكلامية (الجابري، 1986). بينما تُمثل تجربة السِر سيد أحمد خان محطة مفصلية تُظهر تغير شكل العلاقة مع تغير السياقات واستحداث المناهج التجريبية في العلوم الحديثة (Modern Sciences) (أحمد خان، 1884؛ خان، 2006). وصولاً إلى مشروع عبد الجبار الرفاعي الذي يقدم أفقًا أوسع لتجديد المعرفة الدينية عبر استجابتها للظَمَأ الأنطولوجي (Ontological Thirst) لإنسان اليوم، وإعادة الاعتبار للحرية، والكرامة، والتجربة الروحية، والمعنى (الرفاعي، 2015؛ الرفاعي، 2021). وتتضح أهمية استحضار مشروع عبد الجبار الرفاعي في هذا السياق من كونه يتيح وصل تجديد المعرفة التوحيدية باستعادة أبعادها الروحية والأنطولوجية، بما يفتح أمام تجديد الفيزياء الكلامية أفقًا يتجاوز الاقتصار على تفسير بنية العالم وإقامة البرهان العقلي على افتقاره إلى الخالق. فإذا كانت المباحث الكلامية المبكرة قد جعلت من الطبيعة مجالًا للنظر والاستدلال التوحيدي، فإن الإفادة من الأفق الروحي الذي يطرحه الرفاعي تتيح التفكير في كيفية استكمال هذا النظر بإدماج الروحانيات في صميم التأمل في الوجود. وهنا تبرز أهمية الانتقال من دراسة الجوهر الفرد والذرة بوصفهما موضوعين للتحليل الكلامي إلى استكشاف دلالتهما الروحية ضمن أفق التسبيح الكوني والافتقار الوجودي إلى الله. ولا يعني ذلك نسبة نظرية فيزيائية كلامية إلى الرفاعي، بل الإفادة من مشروعه في تجديد المعرفة الدينية لتطوير البعد الروحي في التفكير التوحيدي، بما يجعل هذا التجديد استجابةً لحاجات إنسان عصرنا إلى المعرفة والمعنى والتجربة الروحية معًا.
إن الجمع بين هذه المحطات المعرفية يساعدنا على دراسة سؤال ظل يتجدد عبر التاريخ: كيف يستطيع التفكير التوحيدي أن يحاور المعرفة الإنسانية المتغيرة من دون أن يتحول إلى تكرار للماضي أو إلى تابع لمناهج لا تخصه؟
إن الوفاء الحقيقي لروح البحث الكلامي الأصيل لا يكون بالتكرار السكوني لأجوبة النظّام أو مقولات المتكلمين القدامى، بل بالاستلهام الواعي للمحرك التوحيدي الذي حرّك عقولهم: فهم المشكلات المعرفية في عصرهم، وتحليل أدواتها، والاستعداد الدائم لمراجعة المقدمات الفلسفية والطبيعية كلما اتسعت المعرفة الإنسانية.
فإذا كانت آية الإحصاء تفحص انتظام الكثرة والموجودات، وآية الدخان تصوّر الوجود المادي في أفق الاستجابة والامتثال الكوني (Cosmic Compliance) للأمر الإلهي، فإن التوحيد بهذا المعنى يصبح أفقًا متجدداً للسؤال عن الوجود؛ يدفع المؤمن نحو استكشاف العالم باعتباره مسرحاً للقدرة الإلهية، ويستحث العقل على العمل والابتكار العلمي والديني على حد سواء.
أما تجديد علم الكلام، فيقتضي تحويل هذا الشغف إلى عمل معرفي منظم يجمع بين القراءة النقدية للتراث، والاستيعاب الواعي لعلوم العصر وفلسفتها، واستعادة الأبعاد الإنسانية والروحية للعبودية. فالأجلّ في التوحيد ليس أن يتحول إلى قوالب ومقولات حفظية يفقد معها قدرته على حوار الإنسان، بل أن يظل – كما كان في عصره الأول – أفقًا مفتوحًا للسؤال، يبعث الإيمان حياً، ويحرّك العقل للعمل، ويرتقي بالمعرفة الدينية لتكون مساراً حقيقيًا للتعرف على الله والتقرب إليه. وهنا تكمن القيمة الفلسفية لاستعادة «الفيزياء الكلامية»: لا كبديل عن العلوم الطبيعية التجريبية، بل كمدخل تاريخي وإبستمولوجي يُعيد وصل سؤال التوحيد بسؤال الوجود، ويُحيي في العقل المسلم وظيفته الاستكشافية والابتكارية في عالم اليوم.

د. محمد الزكري القضاعي

المراجع العربية

  1. الآلوسي، حسام محي الدين. (1980). حوار بين الفلاسفة والمتكلمين. دار الطليعة.
  2. أبو ريان، محمد علي. (1986). تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام. دار المعرفة الجامعية.
  3. أحمد أمين. (2024). ضحى الإسلام. دار التقوى.
  4. الأشعري، أبو الحسن. (1980). مقالات الإسلاميين واختلاف المصليين (تحقيق هلموت ريتر، ط. 3). دار النشر فرانز شتاينر.
  5. الإيجي، عضد الدين. (1997). كتاب المواقف (بشرح شريف الدين الجرجاني، ج. 7). دار الكتب العلمية.
  6. الباقلاني، أبو بكر. (1993). كتاب التمهيد (تحقيق عماد الدين أحمد حيدر). دار الفكر العربي.
  7. البغدادي، عبد القاهر. (1977). الفرق بين الفرق (تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد). دار المعرفة.
  8. البغدادي، نضال. (2018). إشكالية الزمان والمكان في الفكر الكلامي والمعاصر: دراسة نقدية لمفهوم التضامر وقراءات محمد باسل الطائي. مجلة أفكار معاصرة، (12)، 45–67.
  9. بلكا، إلياس. (2026، 13 أكتوبر). الفيزياء الكلامية مدخلًا لتجديد الدرس العقدي. مجلة نماء لعلوم الأمة والمجتمع. https://namaacentre.com
  10. الجابري، محمد عابد. (1980). نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي. دار الطليعة.
  11. الجابري، محمد عابد. (1986). بنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية. مركز دراسات الوحدة العربية.
  12. حاج يوسف، محمد. (2007). ابن عربي ومفهوم الزمان: مكانيّة الزمان وزمانيّة المكان في الفيزياء الحديثة والرؤية الإشراقية. دار إربد.
  13. الخياط، أبو الحسين. (1957). كتاب الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد (تحقيق ألبير نصري نادر). المطبعة الكاثوليكية.
  14. خان، ألطاف حسين. (2006). حياة جاويد: سيرة السر سيد أحمد خان. دار المعارف.
  15. الرازي، فخر الدين. (1987). المطالب العالية من العلم الإلهي (تحقيق أحمد حجازي السقا، 9 أجزاء). دار الكتاب العربي.
  16. الرازي، فخر الدين. (1990). المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات (ج. 1). دار الكتاب العربي.
  17. الرازي، فخر الدين. (2000). مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) (ط. 3). دار إحياء التراث العربي.
  18. الرفاعي، عبد الجبار. (2015). الدين والظمأ الأنطولوجي. دار التنوير.
  19. الرفاعي، عبد الجبار. (2021). مقدمة في علم الكلام الجديد. دار التنوير.
  20. الرفاعي، عبد الجبار. (2024). مقدمة في علم الكلام الجديد (الفصل الرابع: «الفهم الجديد للوحي في الإسلام الهندي»). مؤسسة هنداوي.
  21. الزكري القضاعي، محمد. (2026). من الجوهر الفرد إلى التسبيح الكوني: نحو قراءة روحانية للذرّية الكلامية في الحوار بين المعتزلة والتصوف. مجلة التنويري. https://altanweeri.net/author/m-zakriqadaey/
  22. الشهرستاني، أبو الفتح. (1992). الملل والنحل (تحقيق أمير علي مهنا، ج. 1). دار المعرفة.
  23. الطائي، محمد باسل. (2010). دقيق الكلام: الرؤية الإسلامية لفلسفة الطبيعة. دار الفكر.
  24. الطائي، محمد باسل. (2018). دقيق الكلام: الرؤية الإسلامية لفلسفة الطبيعة (ط. 2). مؤسسة كلام للبحوث والإعلام.
  25. فان إس، يوزيف. (2018). الكلام والفتنة: علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثالث للهجرة (ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، المجلدات 1–6). دار التنوير.
  26. قسوم، نضال. (2012). إثبات الاستخلاف: أبعاد المنهج الإسلامي في التعاطي مع العلم الحديث (ترجمة عبد اللطيف الخياط). دار القدس للنشر.
  27. القاضي عبد الجبار المعتزلي. (1965). المغني في أبواب التوحيد والعدل (تحقيق محمود محمد قاسم، ج. 15). المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر.
  28. لطيف، رياض سعيد. (2022). العلاقات بين دقيق الكلام التراثي ونظريات فيزياء الكون في فكر محمد باسل الطائي. مجلة العلوم الإنسانية والفلسفية، 15(2)، 45–68.
  29. مقدسي، جورج. (1994). نشأة الكليات: معاهد العلم عند المسلمين وفي الغرب. ترجمة محمود سيد محمد، ومراجعة محمد بن علي حبشي وعبد الوهاب بن إبراهيم أبو سليمان. مركز النشر العلمي، جامعة الملك عبد العزيز.
  30. مقدسي، جورج. (2021). نشأة الإنسانيات عند المسلمين وفي الغرب المسيحي. ترجمة وتعليق أحمد العدوي. دار مدارات للأبحاث والنشر.
  31. دغيم، سميح. (1998أ). فلسفة النظّام: المعتزلي. دار الفكر اللبناني.
  32. دغيم، سميح. (1998ب). موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي (ج. 1). مكتبة لبنان ناشرون.
  33. الذهبي، شمس الدين. (2006). سير أعلام النبلاء (تحقيق مجموعة من المحققين). مؤسسة الرسالة.

المراجع الأجنبية

  1. Dhanani, A. (1994). The physical theory of Kalam: Atoms, space, and void in Basrian Mu’tazilite cosmology. E. J. Brill.
  2. Holtzman, L. (2010). Islamic theology. In De Gruyter handbook of medieval studies. De Gruyter.
  3. Khan, S. A. (1978). Lecture on Islam (1884). In C. W. Troll, Sayyid Ahmad Khan: A reinterpretation of Muslim theology (pp. 307–332). Vikas Publishing House.

اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

محمد الزكري القضاعي

باحث من مملكة البحرين، مُقيَّد في قسم الدراسات اللاهوتية بجامعة تيلبورغ في مملكة هولندا. حاصل على درجة الدكتوراه في فلسفة الأنثروبولوجيا من جامعة إكستر البريطانية، وله اهتمامات بحثية في أنثروبولوجيا المعرفة، والدراسات الإسلامية، وفلسفة الروحانيات.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى