من الوظائف الظاهرة إلى الوظائف الكامنة في سوسيولوجيا ميرتون
كيف أعادت سوسيولوجيا روبرت ميرتون بناء النظرية البنائية الوظيفية وكشف المضمر في الظواهر الاجتماعية؟

«أعظم الأحداث ليست ساعاتنا الأكثر صخبًا، بل ساعاتنا الأكثر صمتًا»
فريديريك نيتشة ( هكذا تكلم زرادشت)
“ليس كلُّ ما يُعلَن حقيقةً، ولا كلُّ ما يُخفى وهما فقد قد يكون المُعلَن ستارًا لما يُراد له أن يظلَّ خفيًّا” – الكاتب.
1- مقدمة:
بلغت البنائيّة الوظيفيّة أوج نشاطها الفكريّ على يد تالكوت بارسونز (Talcott Parsons) في سبعينيّات القرن الماضي، ولكن سرعان ما خبا وهجها وضعف تأثيرها في ثمانينيّاته تحت مضارب النقد الشديدة الّتي أوقعت بها، فأطاحت بتصوّراتها، وأسقطت كثيرا من مفاهيمها، كاشفةً فيض مثالبها، وعمق قصورها ومواطن ضعفها. وفي معترك هذا السقوط الكبير لنظريّة بارسونز، واهتزاز الراية الوظيفيّة، خرج روبرت ميرتون من بين الصفوف ليخطف الراية الوظيفيّة، وينهض بها من جديد على ركائز سوسيولوجيّة جديدة، تمتاز إلى حدّ كبير بالتوازن الفكريّ والتماسك المنهجيّ، وقد تمكّن، بما قيّض له من قدرات إبداعيّة ومهارات منهجيّة، أن يعيد للوظيفيّة بعضاً من ألقها الفكريّ ووميضها المنهجيّ الّذي عرفت به في ثمانينيّات القرن الماضي.
حلّق ميرتون في فضاء السوسيولوجيا الحديثة بأجنحة منهجيّة جديدة، واستطاع أن يطوّر النظريّة الوظيفيّة، وأن يمنحها بعضاً من القوّة على الاستمرار والقدرة على الحضور مجدّداً بما قدّمه لها من عناصر فكريّة جديدة على أسس نقديّة متجدّدة، ويرى كثير من النقّاد اليوم أنّ نظريّة روبرت ميرتون تشكّل الحلقة الأكثر نضجاً وعمقاً في النظريّة البنائيّة الوظيفيّة على وجه الإطلاق، ولا غرو في القول: إنّ الوظيفيّة بلغت أوج نضجها وتألّقها على يد ميرتون الّذي حمل رايتها المنتكسة، ونهض بها خفّاقة في عالم السوسيولوجيا الوظيفيّة المعاصرة.
ومن المعروف، أنّ الوظيفيّة الكلاسيكيّة قبل ميرتون، كانت تحلّق في أبراجها النظريّة الشموليّة، دون أن تلامس الواقع الاجتماعيّ الحيويّ، أو أن تقترب من الحقل الأمبيريقيّ الواقعيّ للحياة الاجتماعيّة، ولذا كانت تتعرّض دائماً للاهتزاز والسقوط بين الحين والآخر، وذلك لأنّها كانت غالباً ما تحلّق بجناح التنظير التأمّليّ الوحيد، إلى أن جاء ميرتون فأصلح من شأنها ودفعها إلى التحلّيق بجناحي الواقع والنظريّة لتحقّق توازنها المنهجي والفكري.
وتتجلّى عبقريّة ميرتون في نهجه النقديّ الّذي تبنّاه في ترميم النظريّة الوظيفيّة وإعادة بنائها وصقل مفاهيمها وتدوير زواياها الحادّة وتأصيل مقولاتها على نحو نقديّ، وقد تجلّت قدرته في الأخذ بالمنهج النقديّ للنظريّة الّذي حرّره نسبيّاً من القيود الأيديولوجيّة الطاغية الّتي تظهر في مختلف المداخل الفكريّة للنظريّة الوظيفيّة منذ بداياتها الأولى.
وقد تميّز ميرتون عن غيره من علماء الاجتماع الوظيفيّين بالخلفيّة العلميّة الّتي تركت بصمتها في نظريّته الوظيفيّة، ومن المعروف أنّ نظريّة العلوم كانت واحدة من الاهتمامات المركزيّة في نظريّته السوسيولوجيّة، وقد رسّخ الأسس الأولى لعلم اجتماع العلوم الّذي بدأ مسيرته الحقيقة انطلاقاً من أعمال ميرتون الّتي كرّسها لدراسة العلاقة بين العلوم والظواهر الاجتماعيّة. ومن الواضح أنّ النزعة العلميّة قد مكّنت ميرتون من تأصيل النظريّة الوظيفيّة على نحو علميّ، واستطاع بذلك أن يحرّرها من سطوة النظريّات الكبرى الّتي بدت ظاهرة في وظيفيّة بارسونز وغيره من المنظّرين الوظيفين. وانطلاقاً من الأسس العلميّة استطاع ميرتون أن يصقل المفاهيم الوظيفيّة في حلّة جديدة متماسكة، وأن يضفي عليها الطابع العلميّ العقلانيّ الرصين الّذي بدأ في مختلف مناحيّ نظريّته العقلانيّة. وباختصار يمكن القول بأنّ ميرتون أضفى على النظريّة الوظيفيّة طابعاً عقلانيّاً وعلميّاً، واستطاع أن يحرّرها نسبيّاً من سطوة التأمّلات الفلسفيّة، وأن ينطلق بها بعيداً عن هيمنة التوجّهات الأيديولوجيّة المباشرة، وأن يستخدم سحره السوسيولوجيّ – الّذي عرف به- في تقديم النظريّة الوظيفيّة بصيغة رقيقة جميلة موشّاة برصانة العلم وسحر الفلسفة في آن واحد.
ويسجّل لميرتون نسبيّاً أيضاً أنّه حاول جاهداً إخراج النظريّة من مأزقها الأيديولوجيّ، أو من دورانها الحتميّ حول محورها الأيديولوجيّ الّذي شكّل موضع مقتلها وسقوطها مراراً وتكراراً، إذ لم يستطع روّادها الكلاسيكيّين التخلّي عن تحيّزهم الواضح والصريح للنظام الرأسماليّ، وولائهم للطبقة الرأسماليّة البرجوازيّة ودفاعهم المستميت عن مصالح النظام الرأسماليّ، وتأكيدهم المستمرّ على عناصر الاستقرار والتوازن والتضامن في المجتمع الرأسماليّ الليبراليّ. ولم يكن ميرتون جاهلاً بمخاطر هذا التشدّد الأيديولوجيّ ومخاطره، فعمل جاهداً على تنقية نظريّته من التوجّهات الأيديولوجيّة متأثّراً بنزعته العلميّة وبوصفه أحد أبرز مؤسّسي علم الاجتماع العلميّ الّذي يتحرّى الموضوعيّة في البحث بعيداً عن التوجّهات الأيديولوجيّة القاتلة للعلم والمعرفة.
ومن يتأمّل اليوم في السيرة العلميّة لميرتون سيجد أنّه سجّل تراثاً علميّاً مترامي الأطراف عميق الجذور بعيد الأغوار، ويشكّل البحث اليوم في السوسيولوجيا الميرتونيّة (نسبة إلى ميرتون) مهمّة صعبة وشاقّة لما تنطوي عليه نظريّته من آفاق بعيدة وتضاريس فكريّة معقّدة ترتفع فيها القمم، وتعلوها الشواهق وتخترقها الأخاديد، وتنحتها المنحدرات وتمتدّ سفوحها اتّساعاً بالسهول والهضاب.
ومن يلقي اليوم نظرة على التناول الفكري لسوسيولوجيا ميرتون في الفكر السوسيولوجي العربي سيجد أن هذا التناول المتواتر يعاني من الضعف والقصور، فما يقدم لا يعدو أن يكون شذرات غامضة خاطفة لا يمكن الاعتماد عليها في فهم نظرية ميرتون، وفي تحديد أبعادها، أو تقديمها بصورة علمية سياقية واضحة المعاني فسيحة الأرجاء. وقد نبهنا هذا الغموض الكبير والقصور الهائل الذي وجدناه في المواقع الفكرية، أو في فصول الكتب، أو حتى في بعض الدراسات العلمية التي تناولت نظرية ميرتون، إلى ضرورة العمل على تقديم نظرية ميرتون بطريقة نتوخاها أن تكون منهجية وواضحة ومفيدة للطلاب والباحثين والدارسين في مجال علم الاجتماع. وسنعمل في هذا السياق على تناول نظرية ميرتون البنائية في سياقها التاريخي والسوسيولوجي نظرا لما تمتاز به هذه النظرية من أهمية وخطورة في حقل السوسيولوجيا بصورة عامة، وفي مجال النظرية البنائية الوظيفية بصورة خاصة.
مما لا شك فيه أن نظرية ميرتون تشكل اليوم مشهدا فكريا لا يمكن تجاهله في السوسيولوجيا المعاصرة، كما تشكل عصبا أساسيا ومحوريا في مختلف التوجهات السوسيولوجية المعاصرة، ولا ريب أنها تشكل حلقة أساسية مركزية في عملية التواصل ما بين السوسيولوجيا الكلاسيكية القديمة وبين السوسيولوجيا المعاصرة في عالم اليوم.
ومن أجل مزيد من الوضوح سنعمل في هذه الدراسة على تقديم ميرتون منهجيا وفكريا في مختلف المشاهد الأساسية والمركزية لنظريته البنائية، وسنبحث في مختلف الكيفيات التي اعتمدها لإضفاء المشروعية التاريخية على البناية الوظيفية، بعدما شهدته من عواصف النقد التي كادت أن تسقطها بصورة نهائية.
ممّا لا شكّ فيه أنّ نظريّة ميرتون تشكّل اليوم مشهداً فكريّاً لا يمكن تجاهله في السوسيولوجيا المعاصرة، كما تشكّل عصباً أساسيّاً ومحوريّاً في مختلف التوجّهات السوسيولوجيّة المعاصرة، ولا ريب أنّها تشكّل حلقة أساسيّة مركزيّة في عمليّة التواصل ما بين السوسيولوجيا الكلاسيكيّة القديمة وبين السوسيولوجيا المعاصرة في عالم اليوم.
2- الوظائف الظاهرة والمضمرة:
ابتدع ميرتون مفهومي الوظائف المعلنة (Manifest functions) والوظائف الكامنة (Latent functions) وميّز بينهما على وجهي التناقض. ويشكّل هذان المفهومان إحدى المقولات الأساسيّة المركزيّة في نظريّته الوظيفية. وقد ولدت هذه المقولة في السياق النقديّ ضدّ المسلّمات الثلاثة الكلاسيكيّة للنظريّة الوظيفيّة المتمثّلة في: الوحدة الوظيفيّة، والعالميّة الوظيفيّة، والضرورة الوظيفيّة. وقد اعتمد ميرتون هذه المقولة لتكون أساساً منهجيّاً أصيلاً في التحليل السوسيولوجيّ للظواهر الاجتماعيّة في مختلف تجلّياتها في المجتمع، وقد جعل منها ضرورة حيويّة منهجيّة للباحثين في علم الاجتماع، وقد وجد أنّ مهمّتهم الأساسيّة تتمثّل في الكشف عن الوظائف الكامنة الخفيّة للظواهر الاجتماعيّة ().
3- تعريف الوظائف الكامنة :
ويمكن تعريف الوظائف المعلنة الصريحة بأنّها الوظائف الإيجابيّة المقصودة والمتوقّعة للأنظمة الاجتماعيّة، وتتمثّل الوظائف الكامنة على خلاف ذلك في الوظائف الغامضة غير المتوقّعة وغير المقصودة لهذه الأنظمة. ويمكننا من أجل التمييز بين النمطين الوظيفيّين – أي بين الوظائف الكامنة والوظائف المعلنة – أن نأخذ المثال الوظيفيّ للنظام التعليميّ، فالوظائف المعلنة للتعليم تتمثّل بعمليّة إعداد الأطفال وتحضيرهم للحياة علميّاً ومعرفيّاً واقتصاديّاً. ولكنّ النظام التعليميّ قد يؤدّي وظائف كامنة خفيّة غير منظورة أو معلنة أو غير متوقّعة مثل تأصيل التفاوت بين الجنسين، أو تعميق الفوارق الطبقيّة، أو ترويض الأطفال ثقافيّاً لخدمة النظام الرأسماليّ. ويبدو من خلال هذا المثال الوظيفيّ أنّ الوظائف الواضحة تتمثّل في النوايا الحقيقيّة الواعية للفاعلين، أمّا الوظائف الكامنة فلا تكون أكثر من النتائج الموضوعيّة غير المتوقّعة أو المنظورة لأفعالهم، الّتي غالباً ما تكون غير مقصودة. ويرى ميرتون في هذا السياق معظم الأخطاء في التحليل الوظيفيّ ناجمة عن الخلط بين المعلن والخفيّ في الوظائف المدروسة ().
وعندما ننظر إلى وظيفة الجامعة على سبيل المثال أيضا سنجد بأن الهدف الواضح المعلن للطلّاب الّذين يلتحقون بالجامعة هو التعلّم واكتساب مجموعة من المهارات العلميّة الّتي تساعدهم في الحصول على عمل ووظيفة وثقافة، ولكنّ الجامعة قد تمارس وظائف كامنة خفيّة غير مقصودة، إذ توفّر لطلّابها للطالب فرصاً جديدة للتواصل والتفاعل الاجتماعيّين، كما توفّر لهم فرص اكتساب منظومة من القيم الفكريّة والثقافيّة الّتي تمكّنهم من التكيّف الاجتماعيّ والثقافيّ بشكل أفضل، وقد تمارس وظيفة التمييز الاجتماعي، وقد تعمل على ترويض الطلاب أيديولوجيا، وقد تستخدم فضاء للحركات السياسية، وقد تكون مكانا للتفاعل السياسي والنقابي.
4-الكامن والظاهر في الطقوس الدينية :
ويستخلص ميرتون أمثلة حيويّة من الطقوس الدينيّة الّتي تهدف ظاهريّاً وبشكل معلن ومقصود إلى تعزيز الإيمان والمعتقدات الدينيّة لدى المشاركين في هذه الطقوس، ولكنّ هذه الطقوس قد تفعل فعلها، وتؤدّي وظيفة كامنة أخرى غير منظورة وغير مقصودة في الأصل، وهي: تعزيز الهويّة الثقافيّة للمشاركين، وتعميق وشائج التواصل والتفاعل الاجتماعيّ بينهم، وقد تشكل نوعا من التعبئة السياسية المحضة، كما أنها قد تشكل أداة للاستلاب الذهني والترويض الأيديولوجي…الخ. وقد أشار دوركهايم منذ فترة طويلة إلى مثل هذه الوظيفة الكامنة للطقوس الدينيّة عندما وجد أنّ الاحتفالات الدينيّة هي وسيلة يتمّ من خلالها تعزيز مشاعر الانتماء إلى الجماعة وتأصيل الهويّة الاجتماعيّة للأفراد المشاركين. وهذا يعني أن بعض السلوكات غير العقلانيّة قد تكون مفيدة وفعّالة اجتماعيّاً أحيانا كثيرة ().
ويمكن أن نورد أمثلة أخرى تتعلق بالمعابد الدنية، فبناء المعابد أو الكنائس يعد ضرورة حيوية لممارسة الطقوس الدينية، ولكنّ هذه المباني قد تشكل فضاء حقيقيا لتشجيع الفنّ أو العلم والتنشئة الاجتماعية. وفي مثال آخر، يقوم المبشّرون الدينيون المسيحيون بتقديم المساعدات الإنسانيّة للفقراء والمرضى والمحتاجين، كما يقومون بتعليم الأطفال مجّاناً كأهداف واضحة، ولكنّهم في جوهر الأمر يرغبون في نشر إيمانهم الدين في جميع أنحاء العالم. إنّهم يفتحون المستشفيات والمدارس، ويساعدون الفقراء أو المحتاجين ماليّاً، لكنّ هدفهم الحقيقيّ هو نشر الديانة المسيحيّة وهنا تكمن الوظائف الكامنة الخفيّة لهذه الفعاليّات الدينيّة. ومن الطبيعي أن هذا الأمر ينسحب على جميع فعاليات التبشير الديني في مختلف الأديان والمذاهب.
ويلفت ميرتون النظر إلى أنّ الأفراد العاديّين يدركون الوظائف المعلنة المقصودة ويعرفونها، بينما لا يستطيعون إدراك الوظائف الخفيّة الكامنة وتلقّى مسؤوليّة إدراك هذه الجوانب الوظيفيّة الخفيّة وتحليلها وكشف ملابساتها على عاتق علماء الاجتماع.
5- عواقب الوظائف الكامنة :
وفي هذا السياق أيضاً يميّز ميرتون بين نوعين من العواقب الّتي تنتج عن ممارسة الوظائف الكامنة غير المقصودة؛ وعلى هذا الأساس يحدّثنا عن الوظائف الكامنة الإيجابيّة الّتي تؤكّد وحدة المجتمع وتماسكه، وهناك الوظائف الكامنة السلبيّة الّتي تنذر بالخطر، وتؤدّي إلى نتائج ضارّة بوحدة المجتمع وتماسكه، وقد تؤدّي في نهاية الأمر إلى توليد الاختلالات الوظيفيّة.
وفي هذا السياق يرى ميرتون وجود اختلاف بين النتائج غير المتوقّعة والوظائف الكامنة، إذ لا يمكن للنتائج غير المتوقّعة أن تكون وظائف كامنة، وهو في هذا المسار يميّز بين نوعين من النتائج غير المتوقّعة: “تلك الّتي تعمل في إطار نظام معيّن، وتلك الّتي لا تمتّ بصلة إلى النظام، ولا تؤثّر فيها وظيفيّاً أو بصورة غير وظيفيّة ” ويطلق على هذا النوع: تسمية “العواقب غير الوظيفيّة” ().
ويضرب لنا أمثلة منها ما يتعلّق باحتفالات المطر عند قبائل هنود الهوبي (Hopi) ويرى بأنّ هدف هذه الاحتفالات الواضح هو توسّل الغيث أو سقوط المطر الضروريّ للزرع والضرع، أمّا الهدف الكامن الخفيّ غير المقصودة لهذه الاحتفالات الطقوسيّة يتمثّل في المحافظة على هويّة الجماعة وتماسكها (). ويضرب لنا مثالاً آخر يتعلّق بوظيفة السجن، فالسجن يؤدّي عدّة وظائف معلنة ومقصودة، مثل: معاقبة المجرمين وحماية المجتمع من عواقب السلوك الإجراميّ، ولكن وعلى خلاف الوظيفة المعلنة والمقصودة، فإنّ السجن قد يؤدي دوراً وظيفيّاً مضادّاً للمجتمع، إذ يمكن أن يشكّل بؤرة إجراميّة لتنمية الإجرام في نفوس السجناء، ويمكن أن يتحوّل إلى مؤسّسة مضادّة للمجتمع إذ فيه تتمّ عمليّة إنتاج ثقافة الإجرام بين السجناء ().
6- من السطح إلى العمق – منهج للفهم:
وفي هذا السياق يقرّ ميرتون أهمّيّة دراسة الوظائف الكامنة، ويرى أنّ البحث في هذا الجانب الخفيّ يساعد على فهم الظواهر الاجتماعيّة وتحليلها سوسيولوجيا، وعلى هذا المنوال، فإنّ التمييز السوسيولوجيّ بين الوظائف الظاهرة والكامنة يمكّن عالم الاجتماع منهجياً من فهم أعمق للمجتمع، ويجعله أكثر قدرة على تحليل مختلف الظواهر الاجتماعيّة، كما يمكنه في الوقت نفسه من تخطّي الفهم العامّ البسيط للظواهر الاجتماعيّة، وتجاوز التفسيرات السطحية الّتي يقدّمها الأفراد لأفعالهم، كما يتيح له فرصة البحث عن العوامل الاجتماعيّة والعواقب الّتي توجد في أصل الظواهر الاجتماعيّة والسلوكيّة القائمة في المجتمع.
وكما أشرنا سابقا، فإنّ التمييز بين المفهومين يمكّن الباحث من تجاوز وضعية الإدراك الحسّيّ البسيط، ويساعده على إدراك المعاني والدلالات الخفيّة الكامنة في وظائف التكوينات الاجتماعيّة. وهذا بدوره يساعد الباحث على ممارسة التحليل النقديّ للظواهر الّتي يدرسها، كما يمكّنه من تجاوز المظاهر الوظيفيّة المعلنة للمؤسّسات الاجتماعيّة، واختراق هذه المظاهر للتوغّل في عمق الحقيقة الاجتماعيّة، واكتشاف مجاهلها. ويمكن لهذا الفصل بين الخفيّ والمعلن أن يساعد الباحثين في فهم وإدراك استمرار الظواهر غير العقلانيّة في الوجود، لأنّها ببساطة تنطوي على وظائف خفيّة لا تظهر مباشرة للعيان، ولا تبدو على السطح الخارجي للظواهر الاجتماعية.
ويمكننا العودة إلى مثالنا السابق حول الاحتفالات الخرافيّة والطقوس غير العقلانيّة الّتي تقوم بها قبائل “الهوبي” توخياً لسقوط المطر في أوقات الجفاف. إذ إنه لمن المؤكّد أنّ هذه الرقصات لا تجلب المطر، ومع ذلك فإنّ هذه الطقوس – كما أشرنا سابقاً – تؤدّي دوراً حيويّاً في تحقيق التماسك الاجتماعيّ، والتفاعل الأخلاقيّ والإنسانيّ، وتجلب الرفاهية بين أفراد قبائل “الهوبي”. وبعبارة مختصرة نقول: إنّ الوظيفة الظاهرة للطقوس الهوبية هي استجلاب المطر، ولكنّ وظيفتها الكامنة تتمثل في تحقيق التضامن الاجتماعيّ والترفيه الثقافيّ.
وهنا يريدنا ميرتون أن نرى شيئاً أعمق في هذه الاحتفالات الهوبيّة، يريد أن يقول لنا: إنّ الاحتفالات لا تنتج هطول الأمطار، ولكنّها تمكّن الأعضاء المتناثرين المتنافرين في القبيلة من التجمّع معاً، والانخراط في نشاط اجتماعيّ ثقافيّ مشترك، يؤدّي إلى تعزيز هويّتهم الجماعيّة وتأصيل تضامنهم الروحيّ والثقافيّ، وتلك هي الوظيفة الكامنة الخفيّة لهذه الطقوس الاحتفاليّة.
وقد لاحظ ميرتون أنّ بعض الباحثين يكتفون بتحليل الظواهر السطحيّة للقضايا الاجتماعيّة، وقلّما يبحثون في المناطق العميقة الخفيّة، ويستكشفون ما هو كامن ومستتر وملتبس في مستويات البنى والوظائف الاجتماعيّة الثقافيّة وأعمق. وعلى هذا المبدأ يدعو ميرتون الباحثين إلى البحث في أعماق الظواهر، واستكشاف الجوانب الخفيّة للعناصر الثقافيّة والممارسات الاجتماعيّة.
يمكن أن نضرب مثالاً بسيطاً ومعبّراً عن الوظائف الكامنة والظاهرة للفن السينمائي: قد يهاجم أحد أنصار “الفنّ الهادف “الأفلام “التجاريّة” ويرى بأنّها سخيفة وضارّة ومؤذية للذوق والعقل والأخلاق. ولكن إذا أخذنا بمنهجيّة ميرتون في البحث عن الوظائف الكامنة، فمن المرجّح أنّ الأفلام التجاريّة الضارّة قد تنطوي في ذاتها على جوانب إيجابيّة لا تظهر بوضوح على السطح، فقد يكون لبعض من قصصها وجوانب من رقصاتها ورواياتها الرومانسيّة بعض الوظائف الإيجابيّة؛ فقد تعزّز هذه الأفلام دور الأمومة، وقد تحتفي بانتصار الخير على الشرّ، وقد تعزّز المثل العليا الّتي يخشى كثير من الناس ضياعها في عالم سريع التغيّر. وهذا يعني أنّه قد يكون للأفلام التجاريّة وظيفة كامنة تعمل كصمّام أمان ثقافيّ في المجتمع. وأيضاً وفي المقابل قد يكون للأفلام الجادّة بعض الجوانب السلبيّة الّتي يجب على الباحثين دراستها والتأمّل في مضامينها. ومن الواضح الآن أنّ البحث في الوظائف الكامنة يمكن عالم الاجتماع من تنمية أبحاثه ودراساته وفهمه للمجتمع. وهذا ما يؤكّده ميرتون دائماً وهو أنّ التمييز بين الوظيفة الكامنة والوظيفة الواضحة يساعد عالم الاجتماع على فتح آفاق جديدة في مجال المعرفة الاجتماعيّة والبحوث السوسيولوجيّة.
7- نظريّة الترفيه الطبقيّ :
يستمدّ ميرتون لتعميق رؤيته لمسألة الوظائف الكامنة أمثلة عديدة من كتاب فيبلين (Thorstein Veblen.) الموسوم بـنظريّة الترفيه الطبقيّ (Theory of the Leisure Class (1899) وهو العمل الّذي يقوم فيه فيبلن بدراسة الوظيفة الكامنة لنمط الاستهلاك الواضح. ويبحث في مظاهر الإنفاق والتبذير والهدر الّذي يقوم به بعض الأفراد في محاولة لاستعراض المكانة الاجتماعيّة والمباهاة بالمال والمفاخرة بالثروة والمباهاة بالتملّك، مثل: استعراض السلع الفخمة، وأساليب الحياة المترفة الفخمة. وعلى الرغم من الطابع السلبيّ جدّاً لظاهرة التبذير والهدر الاقتصاديّ والماليّ الّذي يقوم به بعض الأفراد في المجتمع للمفاخرة والمباهرة، يرى فيبلن بأنّ هذه العادات لها جوانب إيجابيّة، وذلك لأنّ الرغبة في الحصول على المكانة الاجتماعيّة الّتي تتمّ بإنفاق الأموال تؤدّي إلى نوع من الانتعاش الاقتصاديّ في المجتمع.
والسؤال البسيط الّذي يطرح نفسه لماذا يعلّق بعض الناس أهمّيّة كبيرة على الموديلات الجديدة من السيّارات أو أجهزة التلفزة والهواتف الذكيّة أو غيرها من المنتجات؟ لماذا يريد بعض الناس شراء سلع استهلاكيّة باهظة الثمن طوال الوقت؟ ألا يمكن القول ببساطة إنّ الأفراد يشترون السيّارات في الأصل لغاية التنقّل، ويشترون الهواتف النقّالة لغاية الاتّصال بالآخرين، ويشترون أجهزة التلفزيون لمعرفة أخبار العالم، وهذه هي الوظائف الحقيقيّة الظاهرة لهذه المنتجات. والمستهلكون على دراية جيّدة بهذه الوظائف. ولكن يترتّب على عالم الاجتماع تجاوز البحث عن الوظائف الواضحة الظاهرة الّتي يعرفها الجميع حول نمط الاستهلاك المترف، ويقدّم لنا تحليلاً عميقاً ينطوي على أفكار جديدة تتجاوز المعرفة السطحيّة للاستهلاك المترف، إذ يترتّب على الباحث أن يغوص في أعماق الظاهرة، ويبحث في مضامينها الخفيّة المغلقة أو الكامنة.
ويمكن أن نستفيد من شرح فيبلين لهذه الظاهرة، إذ يرى بأنّ الأفراد لا يشترون سيّارات فارهة أو تلفازات فاخرة؛ لأنّهم يريدون التنقّل بالسيّارات ومعرفة العالم من خلال شاشات التلفزيون فحسب، بل لأنّ هذا الترف الاستهلاكيّ يمكّنهم من استعراض مكانتهم الاجتماعيّة، ويساعدهم على تأكيد تفوّقهم الاجتماعيّ، وهذا ما يمكن أن يطلق عليه بالوظيفة الكامنة للترف الاستهلاكيّ. فشراء السلع الباهظة يخدم الوظيفة الكامنة المتمثّلة في إعادة تأكيد الوضع الاجتماعيّ للفرد؛ وعلى هذا النحو – كما فعل فيبلن – يقوم علماء الاجتماع بتعميق معرفتنا بالعالم، ويحلّلون بعمق معتقدات الناس وممارساتهم الثقافيّة وأنماط حياتهم ووجودهم.
8- خاتمة:
يطيب لنا أن نختتم بمقولة تُنسب إلى ابن خلدون دون سند مرجعي موثَّق، جاء فيها:
“لا يكفي أن تصف موج البحر وظهور السفن حين تريد أن تتكلم عن حياة البحر. لا بد لك أن تفهم ما في القاع؛ قاع البحر المليء بالغرائب والتيارات والوحوش، وقاع السفينة حيث يجلس عبيد وملاحون إلى المجاديف أيامًا كاملةً، يدفعون بسواعدهم بضائع تحملها السفن، وثروات وركابًا، وينزفون عرقًا، وتتمزق أجسامهم تحت السياط. أجل! ينبغي أن تعطيني الصورة كاملة عندما تريد أن تقنعني بأمر من الأمور” .
وهذا القول يعبّر عن طبيعة العلاقة بين الظاهر والكامن، أو بين الخفي والمُعلَن، في دراسة الظواهر الاجتماعية وتفكيك معطياتها. وهذا المبحث يعطي الباحثين في علم الاجتماع فرصة منهجية للتأمل العميق في طبيعة الظواهر الاجتماعية؛ فقد يكون ما نراه مجرد مظاهر سطحية، لأن الحقيقة تختفي في الطبقات العميقة للظواهر الحياتية والاجتماعية. وعلى هذا النحو، يجب على الباحث أن يتوغّل في عمق الحقيقة الاجتماعية، وأن يحفر في الطبقات الخفية كي يكتشف المعنى والدلالة في طبيعة الظواهر المدروسة. ومن هنا، علينا أن ندرك أن كثيرًا من الاكتشافات العبقرية قد حدثت عندما بحث المفكرون والعلماء في بواطن الأشياء وجوهرها، ولم يكتفوا بظواهرها.
لقد اعتقد الناس دهرًا أن الأرض مركز الكون، وهذا ما كان يبدو للأعين، وقد انخدع كبار العلماء والفلاسفة بالحركة الظاهرية للأجرام السماوية، إلى أن جاء كوبرنيكوس، ومن بعده غاليليو، ليسهما في بيان أن الأرض تتحرّك حول الشمس، بعد أن عُدَّت مركزًا للكون. فالظواهر الاجتماعية، كالظواهر الطبيعية، فيها ما يظهر، وفيها ما يستتر ويحتاج إلى البحث والكشف.
وهنا تكمن مهمة عالم الاجتماع أو الباحث الاجتماعي، الذي يجب ألّا يكتفي بما يشاهده من ظواهر الأمور، بل عليه أن يبحث في أعماقها، وفي جوانبها الخفية وغير المرئية، كي يكتشف بعضًا من حقيقتها. وللحقيقة طبقات عميقة جدًّا، فحريٌّ بنا ألّا نُسلِّم بصحّة كل ما نراه أو نسمعه أو نلاحظه، بل علينا، بوصفنا باحثين، أن نفكّك ونحلّل، ونغوص في الأعماق، ونحفر في الطبقات الخفية للحقيقة. وهذا يقودنا في علم الاجتماع إلى الانتقال من وصف الظواهر إلى تحليل وظائفها الظاهرة والكامنة، وفهم الأحداث التي تحيط بنا.
مراجع المقالة:
1- Robert K. Merton, “Manifest and Latent Functions,” in Social Theory and Social Structure, edited by R. K. Merton (New York: Free Press, 1949/1968), pp. 73–138.
2- Robert K. Merton, Social Theory and Social Structure (Glencoe, Illinois: Free Press, 1957).
3- Robert K. Merton, Social Theory and Social Structure (New York: Free Press, 1968).
4- George Ritzer, Sociological Theory, 7th ed. (McGraw-Hill Higher Education, 2007), pp. 251–257.
5- فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه، من النظريات الكبرى إلى الشؤون اليومية، ترجمة إياس حسن (دمشق: دار الفرقد، ط1، 2010).
د. علي أسعد وطفة
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






