الإرادة الإلهية في القدر من خلال نظرية المشيئة
قراءة كلامية معاصرة في مقاصد الإيمان بالقضاء والقدر وتجليات الأسماء الحسنى وحرية الفعل الإنساني

القرشي محمد
لقد خلصنا من خلال المقالين السابقين المنشورين في هذه المنصة الإلكترونية المحترمة، أن “نظرية المشيئة” تعتبر القضاء حكم أو قرار بإيجاد شيء؛ والقدر مجموعة أحكام ترتبط به لتحديد الحجم والشكل والوزن والوظيفة والحركة والأجزاء المكملة… وكل ما يرتبط بهذا الشيء من السنن والمقدرات والروابط الداخلية والخارجية. وأن القضاء والقدر وظيفة كونية لتدبير الوجود وصناعة الحياة وتنظيم الاستخلاف البشري مبني على الاختيار بين الاحتمالات الممكنة بشكل حي وديناميكي وليس وفق سيناريو أزلي لا يقبل التغيير والتبديل، قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد، 39).
وفي هذه المقالة، سنحاول تحديد مراد الله تعالى من الإيمان بالقضاء والقدر، من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، مبرزين جوانب أخرى من “نظرية المشيئة” في القضاء والقدر والتي تعتبر أن “نظرية العلم” خلطت بين علمين مختلفين “علم الملكة الذاتي الأزلي” الذي به يكون القضاء إلى جانب القدرة والإرادة، وبين “العلم الخبري” الذي يتولد عن القضاء والقدر، وأنها جعلت المشيئة زائدة في وجود الأحداث، وعاجزة عن منعها تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
أولًا: إبراز الأسماء الحسنى
إن أهم مقصد من الإيمان بالقضاء والقدر هو استحضار الأسماء الحسنى بكل جمالها وجلالها وكمالها. فهذا الاستحضار مدعاة للرغبة والرهبة، والمحبة والتعظيم لله تعالى والخوف والرجاء منه سبحانه. فعندما تشعر النفس أنها تفر إلى الله خوفًا من الله فإنها تكون قد حققت أعظم مقصد من الإيمان بالقضاء والقدر، إذ ذاك ستكون منقادة لإرادة الله وليس لهوى النفس أو لتقليد أعمى أو لغرائز لا ضوابط لها. وهكذا ستصنع سعادتها الدنيوية وأمنها الأخروي وفق مراد الله تعالى. فغاية الإيمان بالقضاء والقدر ليس التسليم بالمصير ولكنه دعامة أساسية لصناعة المصير.
لا شك أن الأسماء الحسنى أزلية لكنها كما يقول الفلاسفة كانت بالقوة، أي أن السميع هو قادر على السمع بالقوة؛ والبصير قادر على النظر بالقوة؛ والخالق قادر على الخلق بالقوة؛ والعليم قادر على الإدراك والتميز بالقوة؛ بقدرة ذاتية أزلية هي صفة للذات، لا تحتاج تدريبًا ولا تعليمًا، ولا تزيدها التجربة خبرة ولا تطويرًا، ثم يكون سبحانه خالقًا بالفعل بعد خلق كائن ما، وعليمًا بالفعل به وسميعًا بصيرًا به.
تجدر الإشارة أننا عندما نذكر بعض الأسماء الحسنى في صنف معين -مما يلي ذكره- لا يعني أن الأسماء الأخرى لا دور ولا وظيفة لها، وإنما المقصد هو تصنيف أبواب كبرى لتجلي الإرادة الربانية في ارتكازها على أسماء حسنى أكثر من الأخرى، وبيان أن ذلك كله يرمي إلى مقصد العبادة. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات، 56-58).
في الخلق
إن عملية الخلق تستحوذ على تجلٍّ مهم لعدة أسماء حسنى منها: الخالق، البارئ، المصور، المبدع، المبدئ، الخبير، العليم… وقد أشار القرآن الكريم لهذا الباب في عدة آيات قرآنية منها: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك، 14)، وقال سبحانه ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (النمل، 88) وقال سبحانه ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (البقرة، 117).
إن المؤمن عليه أن يلاحظ هذه العلاقة التي بين عملية الخلق وبين الأسماء الحسنى التي ارتبطت بها في كتاب الله وبين مقصد العبادة المفردة لله وحده. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة، 21)، وقال عز من قائل ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (الرعد، 16)، وقال عز من قائل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران، 190-191).
في الحفظ
لما خلق ربنا الكون لم يتركه هملًا، بل رعاه وحفظه ودبر شأنه، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (يونس، 3)، وقال سبحانه ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ۖ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الرعد، 2-3)، وقال جل جلاله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (فاطر، 41).
من هذه الآيات يتضح الربط الجلي بين حفظ الله للكون وبين عدة أسماء حسنى منها: الحفيظ، الحليم، القوي، السميع، البصير… وكذلك الربط بين هذا الحفظ وهذه الأسماء؛ وبين مقصد العبادة (لعلكم بلقاء ربكم توقنون) (أفلا تذكرون).
في الأمر والنهي
يربط ربنا في القرآن الكريم بين أمرين يعتبرهما متلازمين: من له القدرة على الخلق والحفظ له حق الأمر والنهي والحكم، ومن يعجز على الأولى عليه أن يخضع ولا يتطاول في التشريع. قال سبحانه وتعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (الأعراف، 191) وقال سبحانه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (الفرقان، 3).
وهذا المحور يرتكز بدوره على عدة أسماء حسنى منها الحكيم، العليم، الهادي، الحق… والربط بينها وبين مقصد العبادة أمر جلي، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج، 77-78). فلما قال “ربكم” فقد أحال على أسماء الجلال والجمال والكمال التي تجذب العبد لمحبة المعبود، والمخلوق للاعتماد على الخالق، والمفتقر للتوكل على الغني.
في التسيير والتدبير
تحظى أسماء التسيير والتدبير بقائمة كبيرة من أسماء الله الحسنى منها: القيوم، المقدم، المؤخر، مالك الملك، الخافض، الرافع… كما أن القرآن الكريم يستعمل اشتقاقات لغوية متنوعة، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة، 164) وهؤلاء الذين يعقلون هم الذين يربطون بين هذا التدبير الرباني وبين واجب العبادة. وهؤلاء بخلاف الذين ذكروا في الآيات الموالية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (البقرة، 165-167).
في المعاد والحساب
هذا الصنف الأخير يتأسس بدوره على عدة أسماء حسنى، تدفع المؤمن بها نحو عبادة الله تعالى، ومنها: الباعث، المعيد، الحسيب، المميت، الشهيد، المحصي، الغفور، المنتقم… قال تعالى: ﴿انطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ * انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ ۖ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (المرسلات، 29-44).
ثانيًا: حضور المشيئة
بعد أن رصدنا ذلك النظام الثلاثي بين الأسماء الحسنى والفعل الرباني (خلقًا وحفظًا وأمرًا وتدبيرًا وبعثًا) بالإضافة لمقصد العبادة؛ لا بد أن نشير إلى ارتباط الفعل الرباني بالمشيئة الربانية الحرة والمطلقة والحية… من خلال القرآن الكريم. وهذا يعني أن الفعل الرباني غير ملزم بسيناريوهات أزلية تحكم المشيئة الإلهية. وأن المشيئة هي من تقرر المعلومة وليس العكس.
هنا لا نتحدث عن وجود المشيئة كصفة ربانية أزلية، ولكن كتجلٍّ في الزمان لأحداث معينة، أي عن فعل المشيئة والذي هو أصل المعلومة. وهذا واضح من خلال استقراء الآيات القرآنية، قال تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة، 20). فالكلام هنا عن مشيئة كادت تصيب قومًا معينين في مكان معين وفي زمن محدد، نفس الأمر في قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام، 137) وفي هذه الآية إشارة إلى أن مشيئة العبد قد تستجلب مشيئة الله، إذ قتلوا أولادهم بمشيئتهم التي جلبت مشيئة الله لهم بالتمكين حتى يلاقوا جزاء فعلتهم، فهم أنكروا مشيئتهم وأثبتوا مشيئة الله في فعلهم القبيح، لكن الله تعالى استنكر عليهم فعلهم وقولهم وأثبت مشيئتهم، وبين أن مشيئته كانت تابعة لمشيئتهم في الزمان وإن كانت قادرة على منعهم. لكن كما اختاروا لأنفسهم الفساد اختار الله لهم العذاب في الآخرة.
في الخلق
قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (القصص، 68) وقال سبحانه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (البقرة، 117) فالله يقضي على الدوام بما شاء، قال تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (آل عمران، 47).
في الحفظ
تظهر المشيئة الربانية في حفظ الكون من خلال مجموعة من الآيات منها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة، 255).
في الأمر
قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد، 39) وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى، 51).
في التدبير
المشيئة الحرة والمطلقة والدائمة في باب الحفظ تظهر جلية في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ (النور، 43). وقال سبحانه: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء، 18).
في البعث
قال جل جلاله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (الأنبياء، 28). فحتى الخلود في الآخرة، أو بعبارة أصح دوام الآخرة رهين بمشيئة الله تعالى الأول والآخر، قال جل جلاله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (هود، 105-108).
ثالثًا: المشيئة مؤسسة على القدرة
لما سئل عمر بن الخطاب عن القدر قال هو قدرة الله، وهذا مؤسس على فهم سليم وعميق للدين الإسلامي، كيف لا وهو الذي وافق القرآن رأيه في عدة مواقف، وهو صاحب الاجتهاد بعد رسول الله في تنزيل الأحكام الشرعية، وكيف لا وربنا يقول: ﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ۖ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ (الأحزاب، 38)، واللغة العربية تبين أن القدر والقدرة من أصل واحد.
وفي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ (الفرقان، 54) دليل واضح على ارتباط القرار الذي هو وليد المشيئة الحرة بالقدرة التنفيذية. قال عز من قائل: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ (فاطر، 44). فذكر أنه قدير لا يعجزه شيء. ولما كان الزمن حاضرًا في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (آل عمران، 47) سواء تعلق الأمر بخلق السماوات والأرض في ستة أيام أو تعلق الأمر بخلق عيسى عليه السلام بقي أن يدل ذلك على القدرة القاهرة لتنفيذ ما تقرر.
رابعًا: المشيئة مؤطرة بالحكمة
من أسمائه تعالى العليم والحكيم والخبير والرحيم، وهي تدل على أن فعله تعالى متقن من جهة لا يحتاج تطويرًا ولا تدريبًا، ويعني من جهة أخرى أن فعله تعالى ذو مقاصد وغايات محددة، أي بعيد عن العبث والاعتباطية والعشوائية، بالإضافة للعدل والرحمة والأناة على العباد. عن أبي ذر الغفاري – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم (…) يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه” أخرجه مسلم في صحيحه.
إن تحكم علم الملكة بما هو حكمة وخبرة هو تحكم ذاتي، أي نابع من مشيئة الله، فليس هناك شيء يفرض على الله ما يفعله، ولكنه الله الرحيم الغفور الحكيم التواب يتصرف في ملكه بناء على هذا الكمال والجمال والجلال. قال جل جلاله: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ * وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ (طه، 127-128) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء، 40)، فربنا سمى نفسه العدل ثم بين أسسه، وحرم الظلم على نفسه، ولم يقل لنا إن الظلم لا يجوز في حقي ولا وجود له في تصرفاتي، وهذا من كرمه وفضله على الناس.
خامسًا: العبادة هي المقصد الأكبر من الخلق
إن عملية الخلق وما يتبعها حلقات تربط بين إبراز الأسماء الحسنى ومقصد العبادة، فربنا بين أن المخلوقات كلها تسبح بحمده ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء، 44). وقال جل جلاله ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (الرعد، 13) وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (النور، 41).
وفي الربط الجلي بين الأسماء الحسنى وبين الخلق ومقصد العبادة يقول سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الحشر، 24).
سادسًا: فضل العبادة الاختيارية على الجبرية
إن تلك العبادة الكونية الطبيعية الجبلية لا تجزئ عن العبادة الاختيارية الواعية، جاء في الحديث الشريف “لَلَّهُ أشَدُّ فرَحًا بتَوبةِ عَبدِه حينَ يَتوبُ إليه، مِن أحَدِكُم كان على راحِلَتِه بأرضِ فَلاةٍ، فانفَلَتَت منه وعليها طَعامُه وشَرابُه، فأيِسَ منها، فأتى شَجَرةً، فاضطَجَعَ في ظِلِّها، قد أيِسَ مِن راحِلَتِه، فبينا هو كَذلك إذا هو بها قائِمةً عِندَه، فأخَذَ بخِطامِها، ثُمَّ قال مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهمَّ أنتَ عَبدي وأنا رَبُّكَ، أخطَأ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ” (مسلم، 2747).
فالناس -كل الناس- تعبد الله بشكل كوني وتكويني، فكلهم ينتمي إلى هذه الأرض التي تسبح بحمد ربها وتدور في فلك الشمس، وكل ذرة في بني آدم تعبد الله تعالى رضي أم كره، علم أم جهل، وهو يأكل ويشرب ويدخل الخلاء ويشيخ ويمرض ويتنفس الهواء بإذن ربه. وهو عاجز على رفع التحدي الذي أوحى الله به ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ (الإسراء، 37) وكذلك ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء، 88) وأيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحج، 73).
وحتى عبادة الملائكة المكرمين رغم أنهم يفعلون ما يؤمرون ولا يعصون الله ما أمرهم ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ (الأنبياء، 20) فإن طعمها لا يشبه العبادة الطوعية الخالصة التي قد يقوم بها الجن والإنس. ففي حديث أبي سعيد الخدري الذي يتحدث عن جلساء الذكر قال صلى الله عليه وسلم: “أتاني جبريلُ فأَخبرني أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُباهِي بكم الملائكة” وفي حديثُ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها مرفوعًا: “ما مِن يومٍ أكثرَ مِن أنْ يُعتِقَ اللهُ فيه عَبدًا من النَّارِ، مِن يومِ عَرفةَ، وإنَّه لَيدْنُو، ثمَّ يُباهِي بهم الملائكةَ، فيَقولُ: ما أرادَ هؤلاءِ؟”.
هذا الفرح وهذه المباهاة ما هما -والله أعلم- إلا جوابًا على ظن الملائكة أن عبادتهم تكفي، وأنها أعظم من عبادة الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة، 30). بل إن عبادة المخير بين الفساد وسفك الدماء وبين العبادة، أو توبة المخير بين الاستمرار في الفساد وسفك الدماء وبين العبادة لهي أجل من عبادة المجبول على العبادة والذي ليس له ميل ولا رغبة في الفساد. قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (فصلت، 11).
سابعًا: في سمو الإرادة الربانية على ما دونها
إن الدين الإسلامي يقر بوجود إرادة بشرية حرة وفاعلة، لها رغبات وطموحات وغرائز وحاجيات، كما أن لها قدرات ومقدرات، وتملك من الحكمة والضمير والقيم الدينية والمجتمعية ما يمكنها من ضبط الاختيار وترشيد القرار، كما تملك من الهوى النفسي والزيغ العاطفي ما قد يجعلها ضمن دائرة الضلال والفساد وهلاك الحرث والنسل. قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس، 7-8).
ومهما كان اختيار الإنسان فإنه لا يخرج عن دائرة الاحتمالات التي جعلها الله له، فإما أن يكون من أصحاب النفس المطمئنة الذين تحروا رشدًا، أو مع أصحاب النفس الظالمة لنفسها الذين قالوا سمعنا وعصينا، أو يكون مع النفس اللوامة التي تخطئ وتصيب؛ وتعصي وتتوب. قال سبحانه ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير، 27-29). فهذه الآية لا تنفي المشيئة البشرية وإنما تجعلها تحت المشيئة الربانية، ففي الفعل البشري مشيئة الإنسان لازمة وعازمة لكن مشيئة الله حازمة في الإذن والتمكين أو المنع.
إن القرآن الكريم يبين لنا أن علة الفعل البشري هو النفس البشرية نفسها، فالابتلاء والأمر والنهي والتذكير بالآيات لا يوجب فعلًا معينًا بشكل جبري ولا بشكل تلقائي، إذ أن نفس الظرف الابتلائي لا يخلف نفس الاستجابة البشرية عند جميع الناس، ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ (النساء، 54-55). كما أن نفس الفعل البشري لا يعطي بالضرورة نفس النتائج، ففعل تام الأسباب جاء فيه ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ (الأنبياء، 69)، وفعل آخر فيه أسباب عادية وخلف نتائج استثنائية ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال، 17).
والذي لا ينتبه له كثير من المسلمين أو يتغافلون عنه هو تشديد القرآن الكريم على أن ينسب العبد عمله الصالح لله تعالى من باب الامتنان لهدايته وتوفيقه، وأن ينسب عمله الطالح لنفسه من باب الإقرار بغيه عن الطاعة وضلاله عن الهداية وفساد نفسه. ولا يوجد نبي نسب خطأه للقدر بل كلهم قالوا مثل آدم وحواء ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف، 23).
إن الذي قد يجعل الفعل البشري خارج مسؤولية فاعله هو انعدام القدرة العقلية أو أن يكون الأمر فوق الطاقة أو أن يجري الأمر خارج العادة. أما الذي يقصر في اتخاذ الأسباب؛ ويتهاون في الجهد؛ ويقصر في تحديد الغاية والمقصد فإن فشله في الاختبار مردود عليه.
ثامنًا: المشيئة الكونية والإرادة الشرعية
إذا كان الإسلام يرفض الاعتقاد بأن ذرة تتحرك بدون علم الله ومشيئته الكونية، فإنه لا يرى مانعًا في الاعتقاد بأن شيئًا ما قد يتحرك بخلاف إرادته تعالى الشرعية. أما في الاعتقاد الأول فجاء قوله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق، 18)، وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام، 59) وقال جل جلاله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (الإنسان، 30).
أما بخصوص إمكانية مخالفة الإرادة الشرعية فتظهر بداية من الأسماء الحسنى، ومنها الشكور، المنتقم، الودود، التواب، المجيب، الجبار… ثم تتجلى كذلك من خلال الآيات القرآنية، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ (النازعات، 37-41).
تاسعًا: مشيئة العبد ضمن مشيئة الله
والإسلام كذلك لا يلغي مشيئة العبد وإنما يقرها، بل يعتني بها ترشيدًا وهداية، لكنه لا يقدسها ولا يجعلها فوق مشيئة الله، فقبل أن يقول ربنا ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (الإنسان، 30) قال: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ (الإنسان، 29)، وقبل أن يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير، 29) قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ (التكوير، 27-28).
وإذا اختار العبد الفساد والضلال تبرأ الله تعالى من العملية برمتها مرجعًا الأمر إلى الإرادة الفاسدة في ابتغاء الزيغ؛ والانجرار خلف الهوى؛ واتباع الأشرار. قال جل جلاله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام، 148)، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (النحل، 35).
عاشرًا: يوم الدين يوم اقتران المشيئة بالإرادة
اختص الله عز وجل يوم القيامة باسم مشتق من اسمه الأعظم “القيوم” دلالة على أن هذا يوم تنتفي فيه الإرادات الأخرى، وتتجلى فيه عظمة الله تعالى. فلا حركة ولا سكون إلا بإرادة شرعية كونية ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ ۖ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (طه، 108-109).
هناك تصبح إرادة الإنسان وكأنها لم تكن، ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (القلم، 42-43)، فربنا ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ * يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (غافر، 15-17).
صحيح أنها أصبحت كأن لم تكن، لأن في الدنيا كان التعويل عليها لتتفاعل مع الوحي، وتقول سمعنا وأطعنا فيباهي بها الله ملائكته، أما يوم القيامة فهو يوم الحساب والجزاء ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة، 6-8)، فالقرآن يبين أن العمل والنية هما أساس المصير، ولم يقل إن ذلك من اختصاص اللوح المحفوظ.
إحدى عشر: توافق الإيمان بالقضاء والقدر مع الثمار المرجوة منه
والحقيقة أن ديننا لم يجعل من مقاصد الإيمان بالقضاء والقدر هو التسليم بالمصير الدنيوي أو الأخروي، بل جعل منه الأداة الأساسية لصناعة هذا المصير، فإذا قلنا إن الإيمان بالقضاء والقدر يقوي الصبر على المصائب فإننا لا نقصد صبر الاستسلام والانبطاح، وإنما صبر التحدي وغلبة الأقدار بالمقدرات والقدرات التي وضعها الله فينا. فالإسلام حارب وضعية الجزع والصدمة التي تنتج عجزًا نفسيًا أو جسديًا يخرج المكلف من دائرة ردة الفعل ورفع التحدي، وأمره بالاحتساب والتوكل لمقاومة الابتلاء ودفع البلاء وإظهار قدرته على الاستخلاف والعمران والبناء. وهذا مقصد أساسي من مقاصد الخلق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ (الانشقاق، 6) وقال سبحانه: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران، 92) وقال عز من قائل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد، 31).
إن مصير الإنسان في الدنيا معلق بكدحه واجتهاده بإذن الله تعالى، ومصيره الأخروي معلق على سعيه وإخلاص نيته بإذن الله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (الإسراء، 18-20).
اثنا عشر: السنن الكونية أكبر تجلٍّ لمشيئة الله في الدنيا
لقد أنزل ربنا الكتب وأرسل الرسل لغاية أساسية، هي أن يهدونا لاستجلاب مشيئة الله ومعرفة مراده سبحانه. فما دمنا عبادًا لله في مملكة الله فعلينا أن نقر بأن السيادة لله، وأن الأمر والنهي والحكم لله، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ (الأنعام، 57)، وهذه هي الغاية من الدعوة للإيمان بالقضاء والقدر.
إن السنن الكونية تعتبر إلى حد كبير تعبيرًا عن مشيئة الله، وربنا يرشدنا لهذا الأمر في غير ما آية، قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ (الرحمن، 33)، وفي موقف آخر: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ (الكهف، 94-97)، وقد يكون مرادهم هو نفسه مراد الله تعالى: ﴿قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ۖ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ۖ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ (الكهف، 97-99). وقال صلى الله عليه وسلم: “لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا” (الترمذي، 2344 وابن ماجه، 4164، وأحمد، 205).
لكن هذه السنن تعمل تحت مراقبة الله، قادر على تمكينها إذا شاء، وقادر على تعطيلها إذا شاء، وقادر على تحويل مسارها إذا شاء. فالماء قد يكون غيثًا وقد يكون مطرًا، وقد يصرف الرياح اللواقح وقد يجعلها ريحًا صرصرًا عاتية، وقد تكون العدة وسيلة للنصر ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال، 60)، وقد تكون سببًا للهزيمة إذا اختلت النية ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ (التوبة، 25).
خاتمة
إن أقرب مثال يصور مسألة القضاء والقدر في مسألة الإرادة والمشيئة طبقًا لنظرية المشيئة كما جاءت في كتاب “محاسن إعادة النظر في مفهوم القضاء والقدر” هو مثال المهاجر الذي يوفر له المهجر حق السكن والمأكل والمشرب والسياحة والتملك والزواج… لكنه مطالب باحترام الدستور والقانون والمؤسسات الدستورية والأعراف الاجتماعية… فهو مهاجر غير منزوع الإرادة، وقادر على التصرف بحرية، لكن ذلك لا يمنحه حصانة عن المساءلة وفق القانون، ولا يعطيه قدرة خارقة ليفعل كل ما يشاء. فإذا مارس إرادته وفق ما يسمح به القانون فهو ناجح وصالح ومرغوب، وإذا أراد أن يتحدى المجتمع وأعرافه فهو منبوذ.
مثال آخر يلخص مسألة القضاء والقدر، هو مثال صانع الأجهزة المبرمجة الذي يتكلف بالصناعة والبرمجة ويترك لك الاستعمال، فمثلًا في الحاسوب لكتابة حرف “أ” أو “ب” فأنت تضغط باختيارك بالضرورة على الحرف في لوحة المفاتيح، لكن ظهوره في الشاشة رهين بسلامة الجهاز والبرمجة والكهرباء، فكيف سيكون الأمر لو أنك تكتب تحت رحمة ذلك كله لأن الصانع ما يزال يمسك بكل الخيوط.
إن الإيمان بالقضاء والقدر دعوة للتسليم بقدرة الله، والتسليم له في الخلق والأمر ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف، 54)، وهو دعوة لترويض الذات على ترجيح مراد الله في كل فعل وترك، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب، 36).
وأخيرًا فما كان من توفيق فمن الله صاحب الفضل والمنة، وما كان من خطأ فمن نفسي، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
محمد القرشي
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






