التنويريسلايدرفكر وفلسفة

المثقف الفلسطيني بين وهم الثقافة وسلطة الاعتراف واختبار الحقيقة

تفكيك رأس المال الرمزي وسقوط الأقنعة أمام الاختبار الأخلاقي لحرب غزة

تمهيد:

من المتعارف عليه، والذي يكاد لا يقبل التأويل أو الاعتراض، أن الثقافة لا تقتصر في دلالاتها على المعارف والأنشطة الأدبية والفنية والعلمية والروحية والعقائدية، وإنما تمتد لتشمل مختلف الممارسات والتجليات العملية والحياتية، الفردية منها والجماعية. فضلًا عن أشكال الحكم، وأنماط الإنتاج، ومضامين الممارسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومجمل الطرق التي ينظم بها الإنسان علاقته بذاته وبالآخر وبالمجتمع والعالم.

ومع ذلك، لا يزال هذا المفهوم عرضةً للعديد من مظاهر التشويه والاختزال التي تؤثر في الوعي العربي، ولا سيما فيما يتعلق بتعريف المثقف وتحديد دوره وموقعه في المجتمع من وجهة نظر الرأي العام. فقد ارتبطت صورة المثقف، في الوعي الشائع، بعدد من المحددات التي لا تمثل بالضرورة جوهر الثقافة، من أبرزها:

  • الدرجة العلمية العليا؛ إذ لا تُطلق صفة المثقف في بعض التصورات إلا على من يحمل شهادة جامعية متقدمة، وكأن الشهادة شرطٌ لازم لاكتساب المعرفة أو امتلاك الوعي. والحقيقة أن الشهادة العلمية قد تكون دليلًا على التخصص الأكاديمي، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج مثقف؛ فقد يحمل الإنسان أعلى الدرجات العلمية ويظل محدود الأفق، في حين قد يمتلك شخص لم يحظَ بتعليم جامعي معرفةً عميقة ووعيًا نقديًا وقدرةً على فهم المجتمع والتأثير فيه.
  • حداثة المعرفة ومصادرها؛ إذ يميل جزء من الرأي العام إلى حصر صفة المثقف فيمن يتعامل مع أنماط المعرفة المستمدة من العلوم والآداب الحديثة، بينما يُقصى، بصورة غير مبررة، الفقيه أو العالم في العلوم الشرعية، والحكواتي، والراوي الشعبي، وحامل الذاكرة الجمعية، وغيرهم ممن أسهموا تاريخيًا في إنتاج المعرفة ونقلها وتشكيل الوعي الاجتماعي. وفي المقابل، قد يُنظر إلى إجادة أكثر من لغة أو التعامل مع أنماط معرفية غربية باعتبارهما دليلًا كافيًا على الثقافة، حتى وإن غاب الوعي النقدي أو الارتباط بقضايا المجتمع.
  • النتاج الأدبي؛ إذ يرى جزء من الرأي العام أن المثقف هو من يمتلك أعمالًا أدبية منشورة، كالقصة والرواية والمقالة والشعر، باعتبار الكتابة الأدبية علامة على التميز والقدرة على التعبير ونقل الخبرة والمعرفة، في حين يجري تهميش الباحث والمفكر وصاحب المشروع المعرفي الذي قد لا يكتب أدبًا، لكنه يسهم في إنتاج الأفكار وتحليل الظواهر وتفسير التحولات الاجتماعية.

تقود هذه التصورات المختزلة إلى إخراج الثقافة من معناها الأنثروبولوجي الواسع، الذي تتداخل فيه الأبعاد المعرفية والرمزية والقيمية مع الأبعاد المادية والممارسات اليومية للحياة الإنسانية. فالثقافة ليست ما نعرفه فقط، ولا ما نكتبه أو ندرّسه، وإنما هي أيضًا الطريقة التي نعيش بها، ونحكم بها، وننتج بها، ونختلف بها، ونمارس بها السلطة، ونبني بها علاقاتنا بالآخرين.

وينتج عن هذا الاختزال عدد من الآثار السلبية في الحياة العامة، لعل أولها الخلط؛ حيث تختلط القيم الأصيلة بالقيم المصطنعة، والوجدان الروحي بالمظاهر الشكلية، والانفتاح والتحديث الاقتصادي ببقايا البنى العشائرية والقبلية، والرؤى الوطنية والقومية بالدعاية، بحيث تتجاور منظومات متناقضة من القيم دون أن تخضع للمساءلة النقدية. ومن ثم تصبح بعض مظاهر التسلط قابلةً للتبرير الثقافي، بل وقد تتحول الممارسات غير المشروعة إلى سلوكيات مألوفة يجري إضفاء المشروعية عليها باسم العرف أو المصلحة أو الضرورة.

أما الأثر الثاني فهو الهيمنة، ولا سيما الهيمنة الرمزية والمعنوية التي تُنتجها مفاهيم ورؤى وأنماط تعليمية وإعلامية قد تكون زائفة أو انتقائية، فتسهم في تشكيل وعي الفرد بما يخدم منظومات القوة القائمة. وتتقاطع معها الهيمنة السياسية حين تتحول الثقافة إلى وسيلة لإنتاج التبعية، أو تكريس الخضوع، أو إعادة تقديم علاقات القوة بوصفها حقائق طبيعية لا تقبل النقاش. وهنا لا تعود الثقافة مجرد مرآة للمجتمع، وإنما تصبح إحدى الأدوات التي يُعاد من خلالها إنتاج السلطة وتبريرها وإعادة توزيع مواقع الخضوع والمقاومة داخل المجتمع.

المثقف بين سلطة المعرفة ووهم الثقافة:

أفرزت هذه التصورات المختزلة للثقافة أنماطًا متعددة من المثقفين، لا تختلف فقط في مصادر معرفتها، وإنما في علاقتها بالسلطة والمجتمع والحقيقة. فهناك المثقف الأكاديمي الذي يستمد شرعيته من الشهادة والرتبة العلمية، وقد يتحول أحيانًا إلى أسيرٍ للقب الذي يحمله، فيصبح الدفاع عن المكانة الأكاديمية أهم من ممارسة النقد وإنتاج المعرفة. وهناك المثقف الاستعراضي الذي يستمد حضوره من قدرته على الظهور والتحدث وإدارة صورته أمام الجمهور، أكثر مما يستمده من عمق مشروعه الفكري؛ فيصبح عدد المتابعين، وكثرة الظهور، والقدرة على صناعة الجدل، بديلًا عن القيمة المعرفية.

وهناك المثقف الأدبي الذي اختُزلت الثقافة في قدرته على الكتابة الأدبية أو امتلاكه كتابًا منشورًا، حتى غدا الكتاب في بعض البيئات شهادةً على الثقافة، بغض النظر عن قيمة ما يحمله من أفكار. وفي المقابل يظهر المثقف الباحث الذي ينتج المعرفة بصمت، لكنه لا يحظى بالقدر نفسه من الاعتراف؛ لأن المعرفة البحثية أقل قدرة على صناعة الاستعراض من الكتابة السريعة والخطاب الجماهيري.

ومن هذه البيئة أيضًا نشأ المثقف السلطوي؛ وهو الذي يوظف رصيده المعرفي لتبرير السلطة بدل مساءلتها، ويمنح قراراتها غطاءً أخلاقيًا أو فكريًا، فيتحول من منتج للوعي إلى منتج للشرعية. وفي مواجهته يظهر المثقف المعارض الذي يجعل من النقد موقفًا دائمًا، لكنه قد يقع هو الآخر في أسر المعارضة، فيصبح رفض السلطة معيارًا وحيدًا للصواب، حتى عندما لا يكون لديه مشروع معرفي بديل.

وهناك المثقف العضوي، بالمعنى الذي طرحه أنطونيو غرامشي، الذي لا يرى المعرفة امتيازًا شخصيًا، وإنما مسؤولية اجتماعية، فينخرط في قضايا الناس ويعمل على تحويل المعرفة إلى وعي وقدرة على الفعل. وفي المقابل يمكن أن يظهر المثقف المنعزل الذي يحتفظ بمعرفته داخل فضائه الأكاديمي أو الثقافي، ولا يرى ضرورة لتحويلها إلى موقف اجتماعي أو مسؤولية عامة.

ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي ظهر نمط أكثر حداثة هو المثقف الرقمي؛ وهو ليس بالضرورة مثقفًا لمجرد امتلاكه منصة أو عدد كبير من المتابعين، وإنما تتحدد قيمته بقدرته على إنتاج المعرفة والتحليل والنقد داخل الفضاء الرقمي. لكن هذا المجال أفرز كذلك المثقف المؤثر الذي تتحول فيه الثقافة إلى محتوى، والمعرفة إلى مادة للاستهلاك، والرأي إلى سلعة، والموقف إلى وسيلة لبناء العلامة الشخصية.

ومن أخطر الأنماط المثقف النفعي؛ ذلك الذي يكيّف خطابه وفق المصلحة التي يحصل عليها، فيكون مع السلطة حين تكون السلطة مصدرًا للمكاسب، ومع المعارضة حين تكون المعارضة طريقًا إلى الحضور، ومع القضية حين تمنحه القضية شرعية رمزية، ويتخلى عنها حين يصبح الالتزام بها مكلفًا. وبجواره يقف المثقف المناسباتي الذي لا يظهر إلا عندما تصبح القضية موضوعًا عامًا أو حدثًا قابلًا للاستهلاك الإعلامي، ثم يختفي بانتهاء المناسبة.

وهناك أيضًا المثقف المترجم، الذي يستورد المفاهيم والنظريات والمصطلحات من خارج سياقه الثقافي دون أن يعيد إنتاجها أو يختبر صلاحيتها في واقعه، فيتحول إلى ناقلٍ للخطاب أكثر منه منتجًا له. وفي المقابل نجد المثقف المحلي المنغلق الذي يرفض كل معرفة تأتي من خارج بيئته، فيتحول دفاعه عن الخصوصية الثقافية إلى رفض للانفتاح والحوار.

ولعل أخطر هذه الأنماط جميعًا هو المثقف الزائف؛ ليس لأنه قليل التعليم أو محدود المعرفة، وإنما لأنه يستخدم مظهر الثقافة دون جوهرها، ويتحدث باسم العقل وهو يمارس التعصب، ويرفع شعار الحرية وهو يرفض الاختلاف، ويتحدث عن القيم وهو يبرر انتهاكها، ويدّعي الاستقلال بينما خطابه مرتهن لمصلحة أو سلطة أو جماعة. وهنا تصبح الثقافة مجرد قناع اجتماعي، لا فعلًا نقديًا يختبر الواقع ويقاوم تشوهاته.

من يصنع المثقف؟

السؤال الأكثر أهمية حول أنماط المثقفين، كيف أصبح المجتمع قادرًا على إنتاج هذه الأنماط أصلًا؟ ومن الذي يمنح شخصًا ما صفة “المثقف”، ويحجبها عن آخر؟ وهل المثقف صفة يكتسبها الإنسان بالمعرفة، أم مكانة اجتماعية يمنحها الجمهور، أم موقع ينتجه الحقل الثقافي والإعلامي، أم علاقة خاصة بين المعرفة والسلطة؟

فالمثقف لا يولد مثقفًا بالمعنى الاجتماعي للكلمة، حتى وإن ولد بموهبة أو امتلك معرفة واسعة، فهناك منظومة كاملة تتدخل في صناعة صورته ومكانته: الجامعة، والكتاب، والصحافة، والمنابر الثقافية، ودور النشر، والمؤسسات، والجوائز، والإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، والجمهور نفسه. وهذه المنظومة لا تكتفي باكتشاف المثقف، بل تقوم أحيانًا بصناعته؛ إذ تحدد من يستحق أن يُسمع، ومن يستحق أن يُستضاف، ومن يُقدَّم بوصفه خبيرًا، ومن يُمنح مساحة للكلام، ومن يبقى خارج المشهد مهما كان حجم معرفته.

ومن هنا يصبح الفرق مهمًا بين المثقف بوصفه حاملًا للمعرفة، والمثقف بوصفه موقعًا اجتماعيًا. فقد يمتلك الإنسان معرفة عميقة، ويمارس التفكير النقدي، ويكتب ويبحث، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى «مثقف» في الوعي العام؛ لأن صفة المثقف ليست دائمًا نتيجة المعرفة وحدها، وإنما نتيجة الاعتراف الاجتماعي بهذه المعرفة. وفي المقابل، قد يحصل شخص على هذه الصفة رغم أن إنتاجه المعرفي محدود، لأنه يمتلك حضورًا إعلاميًا واسعًا، أو شبكة علاقات ثقافية، أو قدرة عالية على صناعة صورته العامة.

وهنا تظهر السلطة في قلب المسألة. فالسؤال عن المثقف ليس منفصلًا عن السؤال: من يمتلك حق تعريف الثقافة؟ ومن يقرر ما الذي يستحق أن يسمى معرفة؟ ومن يحدد من يتحدث باسم المجتمع؟ إذ إن كل حقل ثقافي ينتج، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، آليات للفرز والاعتراف والاستبعاد. ولذلك فإن «المثقف» ليس دائمًا الشخص الأكثر معرفة، وإنما قد يكون في أحيان كثيرة الشخص الذي نجحت المؤسسات والجمهور ووسائط الاتصال في تحويل معرفته إلى سلطة رمزية.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي أحدثت تحولًا أكثر تعقيدًا؛ فقد نقلت جزءًا من صناعة المثقف من المؤسسات التقليدية إلى الخوارزمية والجمهور. لم يعد الكتاب وحده يصنع المكانة، ولا الجامعة وحدها تمنح الشرعية، ولا الصحيفة وحدها تحدد من يتصدر المشهد. أصبح عدد المتابعين، وانتشار المنشور، وقدرة الشخص على صناعة التفاعل، وإثارة الجدل، وإنتاج صورة مؤثرة عن ذاته، عناصر تدخل في صناعة «المثقف» الجديد.

وهنا تكمن المفارقة: لقد أصبح من الممكن أن تسبق الشهرةُ المعرفةَ، وأن يسبق الحضورُ الإنتاجَ، وأن يصبح امتلاك المنصة أهم من امتلاك الفكرة.

ولذلك فإن السؤال عن المثقف في زمن الحرب والأزمات لا ينبغي أن يتوقف عند: ماذا قال المثقف؟ بل يجب أن يسبقه سؤال آخر: كيف وصل هذا الشخص أصلًا إلى موقع من يستطيع أن يقول؟

فربما لا تكون المشكلة في أن المجتمع أنتج «مثقفًا متخاذلًا» أو «مثقفًا انتهازيًا» أو «مثقفًا مقاومًا» أو «مثقفًا رقميًا»؛ بل في أن البنية التي تصنع الاعتراف الثقافي نفسها قد تغيرت. وعندما تتغير معايير الاعتراف، تتغير بالضرورة صورة المثقف، ووظيفته، وعلاقته بالجمهور، بل وربما مفهوم الثقافة ذاته.

ومن هنا نصل إلى السؤال الأخطر: هل ما زلنا أمام مثقف، أم أمام شخص نجح في الحصول على اعتراف اجتماعي بأنه مثقف؟

من يمنح الشرعية للمثقف؟

إذا كان المجتمع يصنع المثقف، فإن السؤال الذي يفوقه خطورة هو: من يمنحه الشرعية؟ من قال إن هذا الشخص مثقف، وإن ذاك ليس كذلك؟ من منحه حق الكلام باسم الناس، أو تفسير واقعهم، أو تمثيل ذاكرتهم، أو الدفاع عن قضيتهم؟ هل تكفي الشهادة العلمية؟ أم القدرة على التفكير النقدي؟ أم عدد القراء والمتابعين؟ أم الحضور في وسائل الإعلام؟ أم اعتراف المؤسسات الثقافية والأكاديمية به؟ أم أن الشرعية في النهاية لا يمنحها أحد، وإنما ينتزعها المثقف من خلال ما ينتجه من معرفة وما يتحمله من مسؤولية؟

المشكلة أن الشرعية الثقافية ليست واحدة، فهناك شرعية أكاديمية تمنحها الجامعة، وشرعية أدبية تمنحها المؤسسة الثقافية والنقاد، وشرعية إعلامية تصنعها المنابر، وشرعية جماهيرية يصنعها الجمهور، وشرعية رقمية تقيسها الخوارزميات، وهناك، فوق ذلك كله، شرعية أخلاقية لا تُمنح بقرار ولا تُكتسب بمجرد الظهور.

وهنا تظهر المفارقة: قد يكون الإنسان شرعيًا في حقل، فاقدًا للشرعية في حقل آخر. قد يكون أستاذًا مرموقًا لكنه لا يمتلك أثرًا ثقافيًا خارج الجامعة، وقد يكون كاتبًا واسع الانتشار لكنه ضعيف المعرفة، وقد يكون ناشطًا جماهيريًا لكنه لا يمتلك أدوات التحليل، وقد يصبح شخص ما «صوتًا» لقضية ما لأنه كان في المكان المناسب، أو لأنه امتلك المنصة المناسبة، لا لأنه كان الأكثر معرفة أو الأقدر على التعبير عنها.

والأخطر من ذلك أن الجمهور نفسه قد يتحول من متلقٍ للثقافة إلى جهة تمنح الشرعية الثقافية. فالإعجاب، والمشاركة، والانتشار، وعدد المتابعين، كلها أصبحت مؤشرات على القيمة. وهكذا يمكن أن تتحول الشهرة إلى بديل عن الاعتراف المعرفي، وأن يصبح الأكثر ظهورًا هو الأكثر شرعية، حتى لو لم يكن الأكثر علمًا.

هل الجمهور دائمًا قادر على منح هذه الشرعية؟

هنا ينبغي أن نكون أكثر حذرًا، فالجمهور يستطيع أن يمنح الشهرة، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يمنح القيمة المعرفية. وملايين المشاهدات لا تجعل فكرة صحيحة، كما أن قلة المتابعين لا تجعل صاحبها أقل أهمية. وإلا أصبح عدد المتابعين معيارًا للحقيقة، وتحولت الثقافة إلى مسابقة شعبية.

لذلك ربما علينا أن نميز بين شرعية الحضور وشرعية المعرفة وشرعية الموقف وشرعية الأخلاق.

وفي سياق الحرب تحديدًا، تصبح المسألة أكثر حساسية: هل تمنح المعاناة صاحبها شرعية تلقائية للكلام؟ وهل يصبح كل من عاش الحرب مثقفًا بالضرورة؟ وهل تمنح النجاة من الحرب صاحبها حق تمثيل الذين لم ينجوا؟ وهل تمنح الإقامة خارج مكان المأساة صاحبها قدرة أكبر على تفسيرها، أم تفقده شيئًا من شرعيته؟

حين تصبح الثقافة رأس مال رمزي:

المثقف لا يمتلك المعرفة وحدها؛ إنه قد يمتلك أيضًا رأس مال رمزيًا يتراكم حول اسمه وموقعه وشبكة علاقاته، ويمكن أن يتحول هذا الرصيد إلى نفوذ، ومكانة، وفرص، ودعوات، ومنابر، وامتيازات، وحتى إلى قدرة على التأثير في تعريف ما هو مهم وما هو هامشي. وهنا تصبح الثقافة، في بعض صورها، جزءًا من اقتصاد اجتماعي للرموز: فاسم المثقف نفسه قد يصبح قيمة قابلة للتداول. دعوته إلى مؤتمر تمنح المؤتمر قيمة، وظهوره في وسيلة إعلامية يمنح الوسيلة قدرًا من الهيبة، واقترانه بمؤسسة مرموقة يمنح المؤسسة شرعية ثقافية، بينما تضيف المؤسسة بدورها إلى رصيده الرمزي. إنها دائرة متبادلة من إنتاج القيمة والاعتراف.

وهذا هو جوهر مفهوم رأس المال الرمزي عند بيير بورديو: ليست القوة دائمًا مالًا أو منصبًا أو سلطة مباشرة؛ فقد تكون في الاعتراف الاجتماعي الذي يجعل الآخرين ينظرون إلى شخص ما باعتباره جديرًا بالاستماع أو الثقة أو التمثيل. ولذلك يستطيع الرصيد الثقافي، في ظروف معينة، أن يتحول إلى رأس مال اجتماعي وسياسي ومهني. لكن المشكلة لا تبدأ عندما يمتلك المثقف رأس مال رمزيًا؛ بل عندما ينسى أن هذا الرصيد ليس ملكية شخصية خالصة، وأنه يمنحه مسؤولية بقدر ما يمنحه امتيازًا.

وهنا يظهر السؤال الأكثر إزعاجًا: هل يستخدم المثقف مكانته لمساءلة السلطة، أم تستخدم السلطة مكانة المثقف لإنتاج شرعيتها؟

فالمثقف الذي يدخل المجال العام لا يدخل إليه بصفته عقلًا حرًا مجردًا؛ إنه يدخل محملًا بشبكة من العلاقات والمصالح والاعترافات والتوقعات. ومن ثم فإن علاقته بالسلطة لا يمكن اختزالها في ثنائية بسيطة: مثقف مع السلطة أو مثقف ضدها. فقد يكون المثقف ناقدًا للسلطة في خطاب، ومستفيدًا من امتيازاتها في خطاب آخر؛ وقد لا تطلب السلطة منه أن يدافع عنها صراحة، بل يكفي أحيانًا أن تمنحه المنصة والمكانة والظهور، لكي تصبح هي نفسها أكثر شرعية من خلال اقترانها به.

وهنا تكتسب فكرة غرامشي أهميتها، لا باعتبارها دعوة إلى إعادة تكرار مفهوم «المثقف العضوي»، وإنما باعتبارها تذكيرًا بأن المثقف ليس كائنًا يقف خارج علاقات القوة. إنه يتحرك داخل المجتمع المدني، وداخل المؤسسات، وداخل الصراع على إنتاج المعنى والقبول والهيمنة. ولذلك فإن السؤال ليس فقط: ماذا يقول المثقف؟ وإنما أيضًا: من أين يتحدث؟ ولمن؟ ومن يمكّنه من الكلام؟ وما المصالح التي تجعل صوته مسموعًا أكثر من أصوات أخرى؟

أما فوكو فيدفع السؤال إلى مستوى أكثر تعقيدًا: لا ينبغي النظر إلى المعرفة والسلطة باعتبارهما مجالين منفصلين، بحيث تمتلك السلطة القوة وتمتلك الثقافة الحقيقة. فإنتاج المعرفة نفسه يدخل في شبكات السلطة، وما يُقبل بوصفه معرفة صحيحة، ومن يُعترف به بوصفه صاحب معرفة، وما يُسمح له بالدخول إلى مجال القول، كلها مسائل مرتبطة بأنظمة إنتاج الحقيقة.

وبهذا المعنى، لا تعمل السلطة فقط على إسكات المثقف؛ أحيانًا تكون أكثر ذكاءً من ذلك، إذ تعمل على صناعة شروط ظهوره.

لذلك يمكن القول إن المشكلة الحقيقية ليست في أن يكون للمثقف رأس مال رمزي، وإنما في الطريقة التي يتصرف بها بهذا الرصيد. فقد يحوله إلى سلطة شخصية، وإلى شبكة من الامتيازات، وإلى وسيلة للصعود الاجتماعي؛ وقد يحوله، في الاتجاه المقابل، إلى قدرة على الدفاع عن المهمشين، وكشف التناقضات، ومساءلة السلطة، وإعادة توزيع حق الكلام. ومن هنا يصبح المثقف أمام امتحان لا تستطيع الشهادات ولا الكتب ولا الجوائز أن تجيب عنه: ماذا تفعل بالمكانة التي حصلت عليها؟

فإذا استخدم المثقف رأس ماله الرمزي لكي يقترب من السلطة، فقد يصبح جزءًا من آلية إنتاج هيمنتها. وإذا استخدمه لكي يحمي استقلاله النقدي، فقد يتحول رأس المال الرمزي من امتياز شخصي إلى مسؤولية عامة.

حين تضيق المسافة بين المثقف والحقيقة

تأتي الحرب في لحظة لا تعود فيها الثقافة ترفًا، ولا يعود المثقف قادرًا على الاحتماء طويلًا خلف اللغة. ففي الحياة العادية يستطيع المثقف أن يؤجل موقفه، وأن يختار عباراته بعناية، وأن يترك مسافة بين ما يعرفه وما يقوله، وأن يمارس النقد من منطقة آمنة نسبيًا. لكن المأساة الكبرى تضيق بهذه المسافة، ويصبح الواقع أكثر قسوة من المفاهيم التي اعتاد المثقف استخدامها لوصفه. وهنا تصبح غزة، أكثر من كونها مكانًا للحرب، اختبارًا أخلاقيًا ومعرفيًا للمثقف.

فالمثقف لا يُختبر فقط في مقدار ما يعرفه، ولا في قدرته على إنتاج خطاب بليغ عن المأساة، وإنما في الطريقة التي تتصرف بها معرفته عندما تصبح الحقيقة مكلفة. هناك فرق بين أن تتحدث عن العدالة بوصفها فكرة، وأن تظل وفيًا لها عندما تصبح مهددة لمصلحتك، وبين أن تكتب عن الإنسان بوصفه قيمة مجردة، وأن تتحمل شيئًا من كلفة الدفاع عنه عندما يصبح الدفاع عنه غير مريح.

لهذا فإن الحرب تكشف علاقة المثقف الحقيقية بما يقول. فهي لا تختبر شجاعته الكلامية بقدر ما تختبر استقلاله الأخلاقي. وقد لا يكون الموقف الأخلاقي فعلًا بطوليًا؛ أحيانًا يكون مجرد رفض للكذب، أو الامتناع عن تزييف الوقائع، أو عدم تحويل المأساة إلى مادة للاستعراض، أو الاعتراف بحدود المعرفة، أو الدفاع عن إنسان لا يملك المنصة التي يملكها المثقف.

ومن هنا يمكن فهم الأنماط التي تكشفها الحرب. فهناك مثقف يحاول أن يحول المأساة إلى معرفة؛ يوثق ويبحث ويحلل، ويقاوم اختزال التجربة الإنسانية في صورة عابرة أو رقم في تقرير. وهناك من يحولها إلى خطاب، فتغدو الحرب مادة لغوية يعيد من خلالها إنتاج المفاهيم التي كان يستخدمها قبل الحرب، من دون أن تسمح له المأساة بتغيير شيء جوهري في طريقة تفكيره. وهناك من يحولها إلى شهرة، فكلما اتسع الألم اتسعت مساحة حضوره، وتحوّل الظهور المرتبط بالمأساة إلى رصيد جديد من رأس المال الرمزي. وهناك من يحولها إلى مصلحة، فتدخل الحرب في حسابات المنح والعلاقات والفرص والسفر والمؤسسات، ويصبح الألم جزءًا من اقتصاد شخصي للمكاسب.

وفي المقابل، هناك المثقف الذي يصمت. والصمت ليس دائمًا خيانة؛ فقد يكون عجزًا أو خوفًا أو محاولة لحماية الآخرين، وقد يكون أحيانًا موقفًا نقديًا من خطاب سائد. لكن الصمت قد يصبح أيضًا وسيلة لحماية الامتياز، عندما يعرف المثقف أن الكلام سيكلفه علاقة أو فرصة أو مكانة، فيختار البقاء في المنطقة الآمنة. وهنا لا تكمن المشكلة في الصمت وحده، وإنما في الثمن الذي كان يمكن أن يدفعه لو تكلم.

وفي الجهة الأخرى، قد يكتشف المثقف أن وظيفته في زمن المأساة ليست أن يمتلك إجابة عن كل شيء، وإنما أن يمنع الحقيقة من أن تُدفن. أن يحفظ اسمًا من النسيان، وأن يرفض أن يتحول الضحية إلى رقم، وأن يمنع اللغة من أن تصبح أداة لتبرير الجريمة، وأن يحتفظ بقدر من الشك أمام اليقين السهل، وأن يدافع عن حق الإنسان في أن يكون إنسانًا حتى عندما يعجز عن تقديم تفسير كامل لما يحدث. عندها يصبح المثقف أقل شبهًا بـصاحب الإجابات وأكثر شبهًا بـحارس الذاكرة والمعنى والحقيقة.

وهنا يصل اختبار المثقف إلى جوهره: ليست قيمة الموقف فيما يقوله الإنسان عندما يكون الكلام آمنًا، وإنما فيما يبقى من كلامه عندما يصبح للموقف ثمن. ومن هذه الزاوية، ليست غزة هي التي صنعت المثقف الذي نراه اليوم؛ غزة كشفت المثقف الذي كان موجودًا قبلها.

غزة واختبار المثقف: حين تصبح المعرفة مسؤولية

في غزة، لم تعد الثقافة بعيدة عن سؤال البقاء. فالكتاب الذي احترق، والمكتبة التي دمرت، والجامعة التي توقفت، والمدرسة التي تحولت إلى مأوى، والذاكرة التي تتعرض للمحو، كلها جعلت الثقافة جزءًا من المعركة على الإنسان والمكان والهوية. وفي هذا السياق لم يعد المثقف قادرًا على التعامل مع الثقافة بوصفها مجالًا منفصلًا عن الحياة؛ لأن ما يحدث حوله يطال اللغة والذاكرة والتعليم والمعرفة والعلاقة بالمكان، أي يطال الشروط التي تجعل المجتمع قادرًا على أن يعرف نفسه وأن يروي حكايته.

وهنا تظهر مسؤولية المثقف بصورة مختلفة. فالمثقف الذي يعيش الحرب أو يتحدث عنها لا يملك رفاهية التعامل معها كمادة خطابية فقط. ثمة فرق هائل بين أن تتحول غزة إلى موضوع في مقال، وبين أن تدفع المأساة المثقف إلى إعادة النظر في مفاهيمه ومواقفه وعلاقته بالسلطة والجمهور والإنسان. فالاختبار الحقيقي ليس في قدرة المثقف على وصف الألم، وإنما في قدرته على مقاومة تحويل الألم إلى مادة للاستهلاك الرمزي.

لقد أتاحت الحرب لبعض المثقفين فرصة نادرة لتحويل المأساة إلى معرفة: توثيق ما يحدث، حفظ الذاكرة، مساءلة الروايات الجاهزة، تفكيك اللغة التي تبرر العنف، وإعادة الإنسان إلى مركز الخطاب بعدما حاولت الأرقام والصور المتكررة أن تجرده من فرديته. لكن المأساة أتاحت في الوقت نفسه فرصة لآخرين لتحويلها إلى خطاب جاهز، أو إلى حضور إعلامي، أو إلى رأس مال رمزي يمكن استثماره في المؤتمرات والمنح والعلاقات والظهور. وهنا تصبح المأساة نفسها جزءًا من اقتصاد رمزي؛ كلما ازداد الألم، ازدادت قيمة بعض الأصوات القادرة على الحديث عنه.

ولا تكمن المشكلة في أن يستفيد المثقف من حضوره أو من الفرص التي أتاحتها الحرب؛ فذلك تبسيط غير عادل. المشكلة تبدأ عندما يتحول الإنسان الذي يفترض أن يكون غاية الثقافة إلى وسيلة لصناعة المكانة الشخصية. عندما يصبح الضحية خلفية لصورة، والدمار مادة لبناء السيرة الذاتية، والحديث عن الناس وسيلة للحديث عن الذات، تتحول الثقافة من مسؤولية تجاه الإنسان إلى استثمار في الذات.

وفي المقابل، كشفت الحرب أيضًا أن الصمت ليس موقفًا محايدًا دائمًا. فقد يكون المثقف صامتًا لأنه عاجز، أو لأنه يخشى على من حوله، أو لأنه لا يريد أن يكرر ما لا يعرفه، وهذا صمت يمكن فهمه واحترامه. لكن هناك صمتًا آخر تحركه حسابات المصلحة؛ صمت يعرف صاحبه أن الكلام قد يهدد موقعًا أو علاقة أو فرصة، فيختار السلامة. وهنا يصبح السؤال الأخلاقي أكثر أهمية من الحكم السياسي: ماذا كان يمكن أن يخسر المثقف لو قال الحقيقة؟

فالمثقف لا يُختبر فقط عندما يكون الكلام ممكنًا، وإنما عندما يصبح للكلام ثمن. وقد لا يكون المطلوب منه أن يكون بطلًا أو أن يذهب إلى مواجهة لا يستطيع تحملها، لكن المطلوب ألا يستخدم معرفته لتبرير الكذب، وألا يستخدم مكانته لإخفاء الحقيقة، وألا يحول عجزه إلى حكمة، ولا خوفه إلى حياد، ولا مصلحته إلى موقف فكري.

ومن هنا فإن غزة لا تقدم لنا نموذجًا جديدًا للمثقف بقدر ما تكشف حقيقة المثقف الذي كان موجودًا قبل الحرب. الحرب لا تصنع بالضرورة الانتهازي أو الشجاع أو الصامت أو العضوي؛ إنها تزيل بعض الأقنعة التي كان من الممكن أن تبقى في الظروف العادية. ولهذا فإن السؤال الأهم ليس كم كتابًا كتب المثقف عن غزة، ولا كم مقابلة أجراها، ولا كم متابعًا جمع، ولا كم مؤتمرًا دُعي إليه، وإنما: ماذا بقي من معرفته عندما أصبحت الحقيقة أكثر تكلفة من الصمت؟

ربما هنا تحديدًا تكمن أزمة المثقف المعاصر: ليس في نقص المعرفة، بل في انفصال المعرفة عن المسؤولية. فالمثقف يستطيع أن يعرف كثيرًا، وأن يتحدث كثيرًا، وأن يظهر كثيرًا، دون أن يتحمل شيئًا من تبعات ما يعرفه. وقد تكون هذه هي أخطر صورة من صور اغتراب الثقافة: أن تصبح المعرفة وسيلة للتميز بدل أن تكون سببًا لتحمل المسؤولية.

في غزة، حيث أصبح الموت واقعًا يوميًا، وحيث تعرض المكان والذاكرة والتعليم والثقافة لضغط غير مسبوق، لم يعد كافيًا أن يكون المثقف عارفًا بالمأساة؛ المطلوب أن يكون أمينًا عليها. والأمانة هنا لا تعني امتلاك الحقيقة كاملة، وإنما رفض خيانتها. أن يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يعترف بأنه لا يعرف، وأن يدرك أن الكلمات التي يملكها ليست ملكًا شخصيًا كاملًا عندما تكون متعلقة بحياة الآخرين وذاكرتهم ومصيرهم.

محمود عبد المجيد عساف


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

محمود عبد المجيد رشيد عساف

أستاذ الإدارة والتخطيط التربوي المساعد، عضو اتحاد الأكاديميين الفلسطينيين، ونقابة المدربين الفلسطينيين، عضو اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، وعضو الاتحاد الدولي للغة العربية، وعضو هيئة تحكيم المجلة العربية لضمان جودة التعليم الجامعي باليمن، وممثل مجلة الدراسات المستدامة الصادرة عن الجمعية العلمية للدراسات المستدامة في العراق 2020 م. مدرب معتمد لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مجال القانون الدولي الإنساني، وممثل فلسطين في الدورة الإقليمية لتكوين المكونين في مجال القانون الدولي الإنساني في العامين 2017، 2019 في تونس والمغرب. حاصل على منحة وزارة التربية والتعليم العالي للبحث العلمي للعام 2014، وجائزة الأمانة العامة لمجلس الوزراء للإبداع والتميز2020، ومنحة اللجنة الدولية للصليب الأحمر البحثية 2020، وجائزة الأستاذ الدولية للإبداع الفكري الدورة الأولى 2021-2022، والمركز الأول في جائزة الياسين الدولية للبحوث العلمية عام 2022. له (15) كتاب في مجالات التربية والتعليم العالي، (3) كتب أدبية (روايات) ونشر (85) بحثا في مجلات علمية محكمة

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى