ثيودور أدورنو: التربية بعد أوشفيتز أو التربية ضد التطهير الدموي
الوعي النقدي ومقاومة الطاعة العمياء: كيف تمنع التربية تكرار همجية الماضي؟

تصدير المترجم:
تُمثّلُ معسكرات الاعتقال والتطهير في أوشفيتز (Auschwitz) أحدَ أكثرِ فصول التطهير العرقي ضد اليهود رعبًا في التاريخِ الإنسانيِّ الحديث، إذ تحوّلت إلى علامةٍ كبرى على الإبادةِ الجماعيةِ والعنفِ المنظمِ الذي مارسته النازيةُ خلالَ الحربِ العالميةِ الثانية. فقد أُقيمت معسكراتُ أوشفيتز في بولندا المحتلة، وشهدت عملياتِ قتلٍ جماعيٍّ استهدفت ملايينَ البشر، ولاسيما اليهود، إلى جانبِ الغجرِ وأسرى الحربِ والمعارضينَ السياسيين. ولم تعد أوشفيتز، في الفكرِ النقديِّ، مجردَ حدثٍ تاريخيٍّ معزول، بل أصبحت تعبيرًا عن انهيارِ العقلانيةِ الإنسانيةِ عندما تنفصلُ الحضارةُ والتقنيةُ عن القيمِ الأخلاقية. ولهذا رأى أدورنو أن المهمةَ الأساسيةَ للتربيةِ بعد أوشفيتز تتمثلُ في منعِ تكرارِ مثلِ هذه الكارثة، عبرَ تنميةِ الوعيِ النقديِّ ومقاومةِ الطاعةِ العمياءِ والعنفِ واللامبالاةِ تجاهَ الإنسان.
تُعَدُّ هذه المقالةُ من أكثرِ المقالاتِ التربويةِ أهميةً وخطورةً في مجالِ الفكرِ النقديِّ لثيودور أدورنو، وتنبعُ أهميتُها القصوى اليومَ كما كانت بالأمس من تعاظمِ مظاهرِ العنفِ الدمويِّ والمذابحِ والتصفياتِ العرقيةِ التي تدورُ دوائرُها في مختلفِ أنحاءِ العالمِ اليوم: في فلسطينَ المحتلة، في السودان، في ليبيا، في الصومال، في اليمن، في إيران، في سوريا، وفي أوكرانيا، وفي مختلفِ أصقاعِ هذا العالمِ الموبوءِ بالعنفِ والإجرامِ والدم. تناقشُ هذه المقالةُ ظاهرةَ الإبادةِ الجماعيةِ لليهودِ في أوشفيتز (Auschwitz) التي تتمثلُ في أشهرِ معسكراتِ الاعتقالِ والإبادةِ التي أنشأها النظامُ النازيُّ خلالَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ في بولندا المحتلة. وقد تحوّلت هذه المذابحُ إلى رمزٍ عالميٍّ للرعبِ والإبادةِ الجماعيةِ بسببِ عملياتِ القتلِ المنظمِ التي استهدفت ملايينِ البشر، ولاسيما اليهود، إلى جانبِ الغجرِ والمعارضينَ السياسيينَ وأسرى الحربِ وغيرهم. وفي الفكرِ النقديِّ عند أدورنو، لم يَعُدْ أوشفيتز مجردَ حدثٍ تاريخيٍّ، بل أصبح تعبيرًا عن انهيارِ القيمِ الإنسانيةِ والعقلانيةِ الحديثة، ودليلًا على أن الحضارةَ والتقدمَ التقنيَّ يمكنُ أن يتحولا إلى أدواتٍ للهيمنةِ والعنفِ إذا انفصلا عن الوعيِ الأخلاقيِّ والنقديِّ.
يتناولُ أدورنو العنفَ الدمويَّ النازيَّ ضدَّ اليهودِ في ألمانيا، ويبحثُ في أسبابِه السيكولوجيةِ والاجتماعية، ويقدمُ لنا تحليلًا رائعًا خارجَ دائرةِ التعصبِ لكلِّ مظاهرِ هذا العنف، ويقدمُ تحليلًا عميقًا لطبيعةِ الحداثةِ والتنويرِ الذي أصبح مضادًا للإنسانِ والإنسانية، ويرى أن هذا العنفَ يمثلُ جوهرَ الحضارةِ الماديةِ المعاصرة. وإن كان أدورنو يتحدثُ عن العنفِ الدمويِّ ضدَّ اليهود، فإن المفارقةَ الكبرى أن هؤلاءِ الذين كانوا ضحايا العنفِ بالأمس يمارسون أبشعَ وأخطرَ وأقذرَ مظاهرِ القتلِ والذبحِ والتدميرِ والتطهيرِ العرقيِّ في فلسطينَ وفي غزة وفيما يجاورها من بلدانٍ عربية. فإسرائيلُ الصهيونيةُ ما زالت تُبيدُ الشعبَ الفلسطينيَّ وتسجلُ مذابحَ لم يسبقْ لها التاريخُ مثيلًا في العالم. ومذابحُهم اليومَ فاقتِ المذابحَ التي تعرضوا لها في أوروبا إبانَ الحربِ العالميةِ الثانية، واليومَ علينا أن نأخذَ بعينِ الاعتبارِ الأفعالَ الشنيعةَ الإجراميةَ ضدَّ الإنسانيةِ في أوشفيتز، ومجازرَ سياحةِ القتلِ وقنصِ البشرِ في سراييفو، والإبادةَ الجماعيةَ في رواندا، أبرزُها الهولوكوست، والإبادةُ الجماعيةُ في رواندا، والإبادةُ الأرمنية، ومجازرُ كمبوديا، ومذبحةُ نانجينغ، ومجزرةُ سربرنيتسا، ومجاعةُ أوكرانيا الكبرى، ومجازرُ الكونغو الحرة، والإبادةُ الجماعيةُ في دارفور، إضافةً إلى القصفِ الذريِّ لهيروشيما وناغازاكي، ومذبحةِ صبرا وشاتيلا، ومذبحةِ ماي لاي، والتطهيرِ العظيمِ لستالين، وهي أحداثٌ تركت آثارًا عميقةً في الذاكرةِ الإنسانيةِ والتاريخِ السياسيِّ والأخلاقيِّ للعالم. ومع ذلك، فإن تحليلَ أدورنو برأينا يُستوحى منه في فهمِ طبيعةِ هذه المجازرِ سيكولوجيًّا وتاريخيًّا وأنثروبولوجيًّا. وباختصارٍ، المقالةُ تُلقي الضوء، وبطريقةٍ مبتكرةٍ عبقرية، على أسبابِ العنف، وتبينُ لنا كيف أن الحضارةَ الماديةَ أنتجت وحوشًا بشريةً لا تترددُ في القضاءِ على البشريةِ فيما لو أُتيحَ لها ذلك. كما أن المقالةَ تُلقي الضوء على التربيةِ ودورها في مواجهةِ هذه البربريةِ ضدَّ الإنسانِ والحضارةِ الإنسانية. المقالةُ المصدر:().
Theodor W. Adorno, “Education After Auschwitz,” in Critical Models: Interventions and Catchwords, trans. Henry W. Pickford (New York: Columbia University Press, 1998), pp. 191–204.
1- مقدمة:
إنَّ المطلبَ الأوّلَ الذي يجبُ أن تُوجَّهَ إليه كلُّ تربيةٍ هو ألّا يتكرّر أوشفيتز مرةً أخرى. إن أولويةَ هذا المطلبِ على أيِّ مطلبٍ آخرَ هي من الوضوحِ الذي لا يحتاجُ إلى تبريرِ، ولا ينبغي لي أن أبرّرَه. وإنني اليومَ لا أستطيعُ أن أفهمَ لماذا لم يُمنحْ هذا المطلبُ حتى الآن إلا هذا القدرَ الضئيلَ من الاهتمام. وذلك لأن تبريرَ هذا الفعلِ الشنيعِ سيكون أمرًا وحشيًّا يفوقُ الوحشيةَ التي حدثت.
ومع ذلك، أقولُ بأن الوعيَ بهذا المطلبِ وبالأسئلةِ التي يثيرها لا يزالُ ضئيلًا جدًّا إلى الحدِّ الذي يُظهرُ فيه أن تلك الوحشيةَ لم تنفذْ بعمقٍ إلى عقولِ الناس، وهو بحدِّ ذاته عرضٌ من أعراضِ الإمكانيةِ المستمرةِ لتكرارِها، سواءٌ على مستوى الوعيِ أو اللاوعيِ لدى البشر. إن كلَّ نقاشٍ حول مُثُلِ التربيةِ يُعدُّ تافهًا وعديمَ الأهميةِ مقارنةً بهذا المثالِ الوحيد: “ألّا يتكررَ أوشفيتز أبدًا”، وهو يمثلُ الهمجيةَ التي تسعى كلُّ تربيةٍ إلى مقاومتها.
وقد يجري الحديثُ اليومَ عن خطرِ الارتدادِ إلى الهمجية، لكن الأمرَ ليس مجردَ خطرٍ — لقد كان أوشفيتزُ نفسه تجسيدًا لهذا الارتداد، وما تزالُ الهمجيةُ مستمرةً ما دامت الشروطُ الأساسيةُ التي هيّأت لذلك قائمةً إلى حدٍّ كبيرٍ دونَ تغييرٍ يُذكر، وهذا هو موضعُ الرعبِ بأكمله. فما يزالُ الضغطُ الاجتماعيُّ قائمًا، رغم أن الخطرَ أصبح اليومَ غيرَ مرئيٍّ. ولكنه يدفعُ الناسَ نحو ما لا يمكنُ النطقُ به والتعبيرُ عنه، وقد بلغ ذروتَه على نطاقٍ تاريخيٍّ عالميٍّ في أوشفيتز.
ومن بينِ أفكارِ فرويد التي تمتدُّ حقًّا حتى إلى الثقافةِ وعلمِ الاجتماع، يبدو لي أن واحدةً من أعمقِ هذه الأفكارِ هي أن الحضارةَ نفسها تُنتجُ نقيضَ الحضارة، بل وتعزّزُه على نحوٍ متزايد. وإن كتابيه “الحضارة وسخطها” (Das Unbehagen in der Kultur) و”علم نفس الجماهير وتحليل الأنا” (Massenpsychologie und Ich-Analyse) يستحقان أوسعَ انتشارٍ ممكن، خاصةً فيما يتعلقُ بأوشفيتز(). فإذا كانت الهمجيةُ نفسها منقوشةً داخلَ مبدأِ الحضارة، فإن محاولةَ التمرّدِ عليها تنطوي على شيءٍ يائسٍ وبائس. إن أيَّ تفكيرٍ في الوسائلِ التي تمنعُ تكرارَ أوشفيتز يظلُّ مشوبًا بفكرةِ أن هذا اليأسَ يجبُ أن يتحولَ إلى وعيٍ لدى الناسِ كي لا يستسلموا لعباراتٍ مثاليةٍ جوفاء. ومع ذلك، لا بدَّ من القيامِ بهذه المحاولة، حتى في مواجهةِ حقيقةِ أن البنيةَ الأساسيةَ للمجتمع، وبالتالي أعضاؤه الذين جعلوه على ما هو عليه، ما تزالُ اليومَ هي نفسها كما كانت قبلَ خمسةٍ وعشرين عامًا.
2- المجازرُ البشريةُ:
قتلُ ملايينِ الأبرياءِ في مذابح نشرية دموية لا تحصى— وإنَّ مجردَ الاقتباسِ أو المساومةِ حولَ الأرقامِ هو بالفعلِ فعلٌ لا إنسانيٌّ — ، ولا يمكنُ لأيِّ إنسانٍ حيٍّ أن يتعاملَ مع هذه المآسي بوصفِها أحداث سطحية، أو انحرافًا في مجرى التاريخِ يمكنُ تجاهلُه مقارنةً بالديناميةِ الكبرى للتقدّم، أو التنوير، أو ما يُفترضُ أنه نموٌّ للنزعةِ الإنسانية في التاريخ . وهنا أودُّ أن أشيرَ إلى واقعةٍ تبدو، بصورةٍ ما ذاتِ دلالةٍ كبيرة، غيرَ معروفةٍ تقريبًا في ألمانيا، رغم أنها وفّرت مادةً لروايةٍ ناجحةٍ مثل “أربعون يومًا في موسى داغ” لفرانتس فيرفل (Franz Werfel) (). ففي الحربِ العالميةِ الأولى، قام الأتراكُ — ما يسمى بـ” حركةِ تركيا الفتاة” تحتَ قيادةِ أنور باشا وطلعت باشا — بقتلِ ما يزيدُ على مليونِ أرمنيٍّ (). وكانت السلطاتُ العسكريةُ والحكوميةُ الألمانيةُ العليا، على ما يبدو، على علمٍ بذلك، لكنها أبقتِ الأمرَ في سريةٍ تامة. إن الإبادةَ الجماعيةَ لها جذورُها في هذا الإحياءِ للنزعةِ القوميةِ العدوانيةِ التي تطورت في كثيرٍ من البلدانِ منذ نهايةِ القرنِ التاسعَ عشر.
وعلاوةً على ذلك، لا يمكنُ تجاهلُ الفكرةِ القائلةِ إن اختراعَ القنبلةِ الذرية، القادرةِ على إبادةِ مئاتِ الآلافِ من البشرِ بضربةٍ واحدةٍ حرفيًّا، ينتمي إلى السياقِ التاريخيِّ نفسه الذي تنتمي إليه الإبادةُ الجماعية. إن النموَّ السكانيَّ السريعَ اليومَ يُسمّى انفجارًا سكانيًّا؛ وكأنَّ القدرَ التاريخيَّ استجاب لذلك من خلالِ إعدادِ انفجاراتٍ مضادة، أي قتلِ شعوبٍ بأكملِها. وأذكرُ هذا فقط للإشارةِ إلى مدى ضخامةِ القوى التي يجبُ العملُ ضدَّها، وهي قوى تنتمي إلى مجرى التاريخِ العالميِّ نفسه.
وبما أن إمكانيةَ تغييرِ الشروطِ الموضوعيةِ — أي الاجتماعيةِ والسياسيةِ — محدودةٌ للغايةِ اليوم، فإن محاولاتِ العملِ ضدَّ تكرارِ أوشفيتز تظلُّ بالضرورةِ محصورةً في البعدِ الذاتي. وأعني بذلك أساسًا سيكولوجيةَ الأشخاصِ الذين يفعلون مثلَ هذه الأشياء. ولا أعتقدُ أن من المفيدِ كثيرًا الاستنادُ إلى قيمٍ أبدية، لأن الأشخاصَ أنفسَهم الميالينَ إلى ارتكابِ مثلِ هذه الفظائعِ لن يفعلوا سوى هزِّ أكتافِهم إزاءَها. كما لا أعتقدُ أن التنويرَ بشأنِ الصفاتِ الإيجابيةِ التي تمتلكُها الأقلياتُ المضطهدةُ سيكونُ ذا فائدةٍ كبيرة. ينبغي البحثُ عن الجذورِ في المضطهِدين، لا في الضحايا الذين يُقتلون تحتَ أتعسِ الذرائع. إن ما هو ضروريٌّ هو ما دعوتُه ذاتَ مرة، في هذا السياق، “التحولَ نحو الذات”. يجبُ معرفةُ الآلياتِ التي تجعلُ الناسَ قادرين على مثلِ هذه الأفعال، ويجبُ كشفُ هذه الآلياتِ لهم، والسعيُ، عبرَ إيقاظِ وعيٍ عامٍّ بها، إلى منعِ الناسِ من أن يصبحوا كذلك مرةً أخرى.
فالضحايا ليسوا مذنبين، ولا حتى بالمعنى السفسطائيِّ والمشوَّهِ الذي لا يزالُ كثيرون حتى اليوم يحبّون تفسيرَ الأمرِ به. إن المذنبينَ الوحيدين هم أولئك الذين صبّوا كراهيتَهم وعدوانَهم عليهم دونَ تفكير. ينبغي العملُ ضدَّ هذا الافتقارِ إلى التأمل، ويجبُ ردعُ الناسِ عن توجيهِ الضرباتِ إلى الخارجِ دونَ التفكيرِ في أنفسِهم. إن التربيةَ الوحيدةَ الممكنةَ هي التربيةُ التي تحيلُنا إلى التأملِ الذاتيِّ النقدي. ولكن بما أن جميعَ الشخصيات، حتى أولئك الذين يرتكبون الفظائعَ لاحقًا في الحياة، تتشكلُ وفقًا لنتائجِ علمِ النفسِ العميقِ في مرحلةِ الطفولةِ المبكرة، فإن التربيةَ الساعيةَ إلى منعِ التكرارِ يجبُ أن تتركزَ على الطفولةِ المبكرة.
3- العنفُ في الحضارة:
لقد أشارت أطروحةُ فرويد حول “السخطِ في الحضارة” إلى هذه القضية، وتم تحليلُها بعمق. غيرَ أن الظاهرةَ تمتدُّ إلى ما هو أبعدُ مما فهمه فرويدُ نفسه، وذلك لأن ضغطَ الحضارةِ الذي لاحظه قد تضاعفَ في الأثناءِ إلى درجةٍ لا تُحتمل. وفي الوقتِ نفسه، فإن النزعاتِ الانفجاريةَ التي كان أولَ من لفتَ الانتباهَ إليها قد اتخذت مستوىً من العنفِ ما كان بوسعِه بالكادِ أن يتنبأَ به. لكن “السخطَ في الحضارة” (Civilization and Its Discontents) () له أيضًا بُعدُه الاجتماعي، وهو ما لم يغفلْه فرويد، وإن لم يستكشفْه بصورةٍ ملموسة. يمكنُ الحديثُ عن “رهابِ الاختناق” لدى الإنسانيةِ داخلَ العالمِ المُدار، الذي يتمثلُ بشعورِ الاحتجازِ داخلَ بيئةٍ اجتماعيةٍ كلية، كثيفةِ النسج، تشبهُ الشبكةَ المحكمة. وكلما ازداد النسجُ كثافةً، ازداد الميلُ إلى الهروبِ منه صعوبةً وشدة، لأن هذه الكثافةَ ذاتَها هي ما يمنعُ أيَّ هروب، وهذا ما يضاعفُ السخطَ ضدَّ الحضارة، ويصبحُ التمردُ ضدَّها عنيفًا ولا عقلانيًّا.
وثمة نمطٌ تأكدَ عبرَ التاريخِ الكاملِ لعملياتِ الاضطهاد، وهو أن الغضبَ ضدَّ الضعفاءِ يختارُ أهدافَه خصوصًا من أولئك الذين يُنظرُ إليهم اجتماعيًّا بوصفِهم ضعفاء، وفي الوقتِ نفسه — سواءٌ كان ذلك بحقٍّ أو بغيرِ حقٍّ — بوصفِهم سعداء. ومن الناحيةِ السوسيولوجية، أجرؤُ حتى على إضافةِ أن مجتمعَنا، بينما يزدادُ اندماجًا باستمرار، فإنه في الوقتِ نفسه يحتضنُ نزعاتٍ نحوَ التفكك. فهذه النزعات، الكامنةُ تحتَ سطحِ الحياةِ المنظمةِ والمتمدنة، بلغت درجةً قصوى من التطور. إن الضغطَ الذي يمارسُه الكلُّ السائدُ على كلِّ ما هو خاصٌّ، على الأفرادِ والمؤسساتِ الفردية، يميلُ إلى تدميرِ الخاصِّ والفرديِّ معًا، بما في ذلك قوتُهما على المقاومة. ومع فقدانِ الهويةِ وقوةِ المقاومة، يفقدُ الناسُ أيضًا تلك الخصائصَ التي تمكنُهم من الوقوفِ ضدَّ ما قد يغريهم مرةً أخرى، في لحظةٍ ما، بارتكابِ الفظائع. وربما لم يعودوا قادرين تقريبًا على المقاومةِ عندما تعطيهم السلطاتُ القائمةُ مرةً أخرى الأمر، ما دام ذلك يتمُّ باسمِ مثالٍ يؤمنون به نصفَ إيمانٍ أو لا يؤمنون به إطلاقًا.
وعندما أتحدثُ عن التربيةِ بعد أوشفيتز، فإنني أعني مجالين: أولًا تربيةَ الأطفال، خاصةً في الطفولةِ المبكرة؛ ثم التنويرَ العامَّ الذي يوفّرُ مناخًا فكريًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا يصبحُ فيه تكرارُ ذلك غيرَ ممكن، أي مناخًا تصبحُ فيه الدوافعُ التي قادت إلى الرعبِ واعيةً نسبيًّا. ومن الطبيعيِّ أنني لا أستطيعُ أن أدّعيَ رسمَ خطةٍ لمثلِ هذه التربيةِ حتى في خطوطِها العريضة. لكنني أودُّ على الأقلِّ أن أشيرَ إلى بعضِ مراكزِها العصبيةِ الأساسية. وأودُّ في هذا السياقِ أن أشيرَ إلى بعضِ مراكزِها العصبيةِ الأساسية.
4- سيكولوجيا الدم:
غالبًا ما كان يُقال، خصوصًا في أمريكا، إن ميلَ الألمانِ إلى طاعةِ السلطةِ والثقةِ بها هو السببُ في ظهورِ النازيةِ وحتى أوشفيتز. لكن أدورنو يرى أن هذا التفسيرَ مبسّطٌ وسطحيٌّ. صحيحٌ أن الطاعةَ العمياءَ للسلطةِ والسلوكَ السلطويَّ ما يزالان موجودين في ألمانيا وفي دولٍ أوروبيةٍ أخرى، حتى داخلَ الأنظمةِ الديمقراطية، وبدرجةٍ أكبرَ مما يعترفُ به الناسُ عادة، إلا أن تفسيرَ النازيةِ بهذه الفكرةِ وحدَها لا يكفي. بل ينبغي بالأحرى التسليمُ بأن الفاشيةَ والرعبَ الذي تسببت به يرتبطان بحقيقةِ أن السلطاتِ التقليديةِ الراسخةِ في عهدِ القيصريةِ الألمانيةِ قد تآكلت وسقطت، بينما لم يكنِ الناسُ، من الناحيةِ النفسية، مستعدينَ بعدُ لتقريرِ المصيرِ بأنفسِهم. لقد أثبتوا أنهم غيرُ قادرين على تحمّلِ الحريةِ التي سقطت في أحضانِهم.
ولهذا السبب، أصبحتِ الأنظمةُ والأفكارُ السلطويةُ في ذلك الوقتِ أكثرَ تدميرًا وتطرفًا مما كانت عليه من قبل، أو على الأقلِّ أظهرت جانبَها الخطيرَ بصورةٍ أوضح. ويرى أدورنو أن الناسَ ما يزالون حتى اليوم ينجذبون بشدةٍ إلى رموزِ السلطة، حتى عندما لا تكونُ لهذه الشخصياتِ أيُّ قوةٍ سياسيةٍ حقيقية. فمجردُ زيارةِ شخصيةٍ ذاتِ مكانةٍ أو هيبةٍ قد تثيرُ حماسًا جماعيًّا كبيرًا. وهذا يدلُّ، في نظرِه، على أن الميلَ إلى الخضوعِ للسلطةِ ما يزال قويًّا داخلَ المجتمعاتِ أكثرَ مما يعتقدُ الناس.
ومع ذلك، أودُّ أن أؤكدَ بصورةٍ خاصةٍ أن تكرارَ الفاشيةِ أو عدمَ تكرارِها، في جانبِها الحاسم، ليس مسألةً سيكولوجية، بل يتعلقُ بطبيعةِ المجتمعِ نفسِه وظروفِه الاجتماعيةِ والسياسية. وأرى في هذا السياقِ أهميةَ التركيزِ على علمِ النفسِ والتربية، لأنهما المجالانِ اللذانِ يمكنُ للإنسانِ أن يعملَ عليهما ويؤثرَ فيهما. أمّا الأسبابُ الكبرى التي تؤدي إلى ظهورِ الفاشيةِ — مثل طبيعةِ المجتمع، والنظامِ السياسي، والظروفِ الاقتصادية — فهي أعقدُ وأقوى من أن يغيّرَها الأفرادُ أو التعليمُ بسهولة.
إن كثيرًا من الناسِ الذين يريدون منعَ تكرارِ النازيةِ يعتقدون أن المشكلةَ جاءت من ضعفِ الروابطِ الاجتماعيةِ والأخلاقيةِ بين الناس. وهم يرون أن الناسَ فقدوا شعورَهم بالانتماءِ والالتزام، ولذلك أصبح العنفُ ممكنًا. ومن الطبيعي، في نظرِ هؤلاء، أن تتمَّ الدعوةُ إلى إعادةِ هذه الروابطِ والقيمِ لكي تمنعَ الناسَ من القيامِ بأفعالٍ قاسيةٍ ومدمرة، عبرَ قواعدَ واضحةٍ تقول: “لا يجبُ أن تفعلَ ذلك”. مع ذلك، فإنني أعتبرُ من الوهمِ الاعتقادَ بأن الدعوةَ إلى الروابطِ — فضلًا عن المطالبةِ بأن يعيدَ الجميعُ احتضانَ الروابطِ الاجتماعيةِ لكي تتحسنَ أحوالُ العالمِ والبشر — يمكنُ أن تساعدَ بأيِّ طريقةٍ جدية.
إن المرءَ يستشعرُ بسرعةٍ كبيرةٍ زيفَ الروابطِ التي يُطلبُ منها فقط أن تُنتجَ فعلًا — حتى وإن كانت نتيجةً جيدة — من دونِ أن تُعاشَ هذه الروابطُ من قبلِ الناسِ بوصفِها شيئًا جوهريًّا في ذاتِه. ومن المدهشِ مدى السرعةِ التي يستجيبُ بها حتى أكثرُ الناسِ سذاجةً وحماقةً عندما يتعلقُ الأمرُ باكتشافِ نقاطِ ضعفِ من هم أعلى منهم. إن ما يسمى بالروابطِ يتحولُ بسهولةٍ إما إلى شارةٍ جاهزةٍ لقناعاتٍ مشتركة — يدخلُ الناسُ فيها لكي يثبتوا أنهم مواطنون صالحون — أو إنها تُنتجُ استياءً حاقدًا، وهو من الناحيةِ النفسيةِ نقيضُ الغايةِ التي جرى الترويجُ لها من أجلِها. إنها تؤولُ إلى التغاير (Heteronomy)، أي الارتهانِ للقواعدِ والمعاييرِ التي لا يستطيعُ عقلُ الفردِ نفسه تبريرَها. فما يسميه علمُ النفسِ “الأنا الأعلى”، أي الضمير، يُستبدلُ باسمِ الروابطِ بسلطاتٍ خارجية، منفصلةٍ وقابلةٍ للاستبدال، كما أمكنَ ملاحظتُه بوضوحٍ شديدٍ في ألمانيا بعد انهيارِ الرايخِ الثالث.
لكن الاستعدادَ نفسه للتواطؤِ مع القوةِ والخضوعِ ظاهريًّا لما هو أقوى، تحتَ ستارِ معيارٍ ما، هو موقفُ الجلادينَ الذي يجبُ ألّا يظهرَ مرةً أخرى. ولهذا السبب، فإن الدعوةَ إلى الروابطِ أمرٌ بالغُ الخطورة. فالناسُ الذين يتبنونها بصورةٍ طوعيةٍ إلى حدٍّ ما يُوضَعون تحتَ نوعٍ من الإكراهِ الدائمِ على طاعةِ الأوامر. إن القوةَ الحقيقيةَ الوحيدةَ التي تقفُ ضدَّ مبدأِ أوشفيتز هي الاستقلالية (Autonomy)، إذا جاز لي استخدامُ التعبيرِ الكانطي: “أي قوةُ التأمل، وتقريرُ المصير، وعدمُ التعاون”.
5- الرعبُ الحضاري:
لقد مررتُ مرةً بتجربةٍ صادمةٍ جدًّا: بينما كنتُ في رحلةٍ بحريةٍ على بحيرةِ كونستانس، كنتُ أقرأُ صحيفةً من بادن، وكانت تتضمنُ مقالًا عن مسرحيةِ جان بول سارتر (Jean-Paul Sartre) “موتى بلا قبور” (Morts sans sépulchre)، وهي مسرحيةٌ تصوّرُ أكثرَ الأشياءِ رعبًا (). ويبدو أن المسرحيةَ قد أثارت انزعاجَ الناقد، لكنه لم يفسرْ هذا الانزعاجَ باعتبارِه ناجمًا عن رعبِ الموضوعِ نفسه، وهو رعبُ عالمِنا. بل إنه حرّفَ الأمرَ بحيث بدا لنا أنه، بالمقارنةِ مع موقفٍ مثل موقفِ سارتر، الذي يواجهُ الرعبَ وينخرطُ فيه، يمكنُنا أن نحافظَ — أو بالأحرى نكادُ نحافظ — على تقديرِ “الأشياءِ السامية”، بحيث لا نضطرُّ إلى الاعترافِ بلا معقوليةِ الرعب.
وبيتُ القصيد: لقد أراد الناقدُ، بواسطةِ ثرثرةٍ وجوديةٍ نبيلة، أن يتفادى مواجهةَ الرعب. وهنا يكمنُ، ليس أقلَّ من أيِّ شيءٍ آخر، الخطرُ في أن يتكررَ الرعب، أي أن الناسَ يرفضون السماحَ له بالاقترابِ منهم، بل وحتى يوبّخون كلَّ من يتحدثُ عنه فحسب، وكأنَّ المتحدثَ، إذا لم يُلطّفِ الأمور، هو المذنب، لا المرتكبون أنفسُهم.
ومع مشكلةِ السلطةِ والهمجية، لا أستطيعُ إلا أن أفكرَ في فكرةٍ يجبُ أن تُؤخذَ في الحسبانِ في معظمِ الأحيان، وهي الفكرةُ التي تردُ في كتابِ “دولةِ الإس إس” () لـ أويغن كوغون (Eugen Kogon)، وهو كتابٌ مهمٌّ يشرحُ طبيعةَ النظامِ النازيِّ ومعسكراتِ الاعتقال، وهي فكرةٌ لم يُستفدْ منها بما يكفي داخلَ الدراساتِ العلميةِ أو الفكرِ التربويِّ ().
6- الريفُ والعنف:
يقولُ كوغون إن جلادي معسكرِ الاعتقالِ الذي أمضى فيه سنواتٍ كانوا، في معظمِهم، أبناءً شبابًا لفلاحين. ومن هنا يرى أن هناك فرقًا ثقافيًّا بين الريفِ والمدينةِ ساهم، إلى حدٍّ ما، في تكوينِ بعضِ مظاهرِ العنفِ والهمجية، وإن لم يكنِ السببَ الوحيدَ أو الأساسي. وهو يؤكدُ أنه لا يحتقرُ سكانَ الريفِ ولا ينظرُ إليهم بتعالٍ، لأن الإنسانَ لا يختارُ المكانَ الذي نشأ فيه. لكنه يعتقدُ أن التغييرَ الثقافيَّ والتخلصَ من النزعاتِ الهمجيةِ كان أبطأَ في بعضِ البيئاتِ الريفية، وأن وسائلَ الإعلامِ الحديثة، مثلَ التلفزيون، لم تنجحْ تمامًا في تغييرِ وعيِ بعضِ الفئاتِ التي بقيت بعيدةً عن التطورِ الثقافيِّ العام.
وأرى أنه من الأفضلِ الاعترافُ بهذه المشكلةِ والعملُ على معالجتِها، بدلًا من تمجيدِ الحياةِ الريفيةِ بصورةٍ رومانسيةٍ وعاطفية. فهو يعتقدُ أن بعضَ العاداتِ والأفكارِ التقليديةِ في الريفِ قد تساعدُ أحيانًا على بقاءِ نزعاتِ العنفِ والتسلط، ولذلك يعتبرُ أن من أهمِّ مهامِّ التربيةِ نشرَ الوعيِ والثقافةِ النقديةِ والمساهمةَ في التخلصِ من مظاهرِ الهمجيةِ أينما وُجدت، بما في ذلك بعضُ البيئاتِ الريفية.
وهنا أرى أن معالجةَ هذه المشكلةِ تحتاجُ أولًا إلى فهمِ طريقةِ تفكيرِ الناسِ في تلك البيئات، سواءٌ على مستوى الوعيِ أو اللاوعي، مع الانتباهِ إلى تأثيرِ وسائلِ الإعلامِ الحديثةِ عليهم. وأعتقدُ أن بعضَ الفئاتِ لم تصلْ بعدُ إلى مستوى الوعيِ والثقافةِ النقديةِ الذي عرفته المجتمعاتُ الليبراليةُ الأوروبيةُ منذ القرنِ التاسعَ عشر. لذلك فإن التعليمَ المدرسيَّ التقليديَّ وحدَه لا يكفي لإحداثِ التغييرِ المطلوب، ورُبَّما في المناطقِ الريفيةِ التي تعاني أصلًا من مشكلاتٍ تعليمية. ولهذا يقترحُ أفكارًا إضافية، مثلَ إعدادِ برامجَ تلفزيونيةٍ توعويةٍ تناسبُ طبيعةَ هذا الوعي، أو إنشاءِ مجموعاتٍ تعليميةٍ متنقلةٍ ومتطوعين يجوبون القرى لتقديمِ النقاشاتِ والدوراتِ والدعمِ الثقافيِّ والتعليمي.
إنني أتحاشى استخدامَ تعبيرِ “الثغراتِ الثقافية” لأنني أرفضُ هذا النوعَ من اللغةِ المتعالية. لكنني أرى أن المشكلةَ تتعلقُ فعلًا بحالةٍ يصبحُ فيها وعيُ الإنسان، في طريقتِه ومضمونِه، غيرَ منسجمٍ مع المرحلةِ التاريخيةِ التي بلغتْها الحضارة. وعندما يحدثُ ذلك، ألاحظُ أن الناسَ ينفصلون عن الواقعِ الذي يعيشون فيه وعن الأفكارِ التي تفسرُ هذا الواقع. وإذا جاز لي أن أعبّرَ بصورةٍ مباشرة، فإنهم يفقدون القدرةَ على فهمِ تجربتِهم الحياتيةِ فهمًا حقيقيًّا، لأنهم لم يعودوا قادرين على التفكيرِ في واقعِهم بوعيٍ نقدي. ونتيجةً لذلك، يصبحُ من السهلِ التأثيرُ عليهم من الخارج، وتوجيهُهم واستعمالُهم في أهدافٍ قد لا يدركون حقيقتَها بأنفسِهم.
7- التشيؤُ الدموي:
لكن كلَّ ذلك لا يكفي. فثمة، إلى جانبِ هذا، ما أودُّ أن أسميَه بالطابعِ التشييئيِّ (Reified Character). فالناسُ الذين يمتلكون هذا الطابعَ هم أولئك الذين يضعون التقنيةَ والوسائلَ والعملياتِ التنظيميةَ فوق البشر، لأنهم عاجزون عن إقامةِ علاقةٍ حيةٍ مع الآخرين. إنهم ينظرون إلى الناسِ بوصفِهم أشياء. ويمكنُ للمرءِ أن يلاحظَ هذا بوضوحٍ شديدٍ لدى أولئك الذين يفتخرون بكونِهم “واقعيين”. إنهم يفتخرون بعدمِ امتلاكِهم أوهامًا، لكنهم بذلك لا يفعلون سوى جعلِ أنفسِهم جزءًا من الآليةِ العامةِ التي تحولُ البشرَ إلى وسائل.
إنني أعتقدُ أن الأشخاصَ الذين ارتكبوا أفعالًا مثلَ أفعالِ أوشفيتز لم يكونوا، في الأغلب، ساديين بالمعنى التقليديِّ أو مرضى نفسيين كما يُقالُ عادة. بل كانوا أشخاصًا عاديين نسبيًّا، تشكلوا داخلَ ظروفٍ جعلتهم غيرَ قادرين على إدراكِ الآخرِ بوصفِه إنسانًا. وقد جرى وصفُ هذا النوعِ الإنسانيِّ مرارًا. ففي كتاباتِ حنا آرنت (Hannah Arendt) عن أدولف أيخمان (Adolf Eichmann) () يظهرُ هذا بوضوحٍ شديدٍ تحتَ مفهومِ “تفاهةِ الشر”. وليس المقصودُ بذلك أن الشرَّ كان صغيرًا أو غيرَ ذي أهمية، بل إن الأشخاصَ الذين ارتكبوا أفظعَ الجرائمِ كانوا، في كثيرٍ من الأحيان، أشخاصًا بلا عمق، بلا قدرةٍ على التفكيرِ الذاتي، وبلا علاقةٍ حقيقيةٍ بالآخرين. لقد كانوا، ببساطة، يؤدون وظائفَهم.
ولهذا السبب، فإن أهمَّ ما يجبُ أن تسعى إليه التربيةُ هو تنميةُ القدرةِ على التفكيرِ الذاتي، وعلى عدمِ المشاركةِ بصورةٍ عمياء. إن التربيةَ التي تشجعُ التكيّفَ وحدَه، والتي تجعلُ من النجاحِ الاجتماعيِّ غايتَها القصوى، إنما تساهمُ، حتى دونَ أن تدري، في إعادةِ إنتاجِ الشروطِ التي جعلت أوشفيتز ممكنًا.
8- الصلابةُ الدموية:
إن ما يسمى بالمثلِ العليا للصلابةِ (Hardness) أدى دورًا بالغَ الخطورةِ في التأصيل للعنف. إن تمجيدَ “الصلابة” والقسوةِ وتحملِ الألمِ بوصفِها صفاتٍ مثاليةً في التربيةِ والمجتمعِ ساهم في تكوينِ شخصياتٍ قادرةٍ على ممارسةِ العنفِ دونَ تعاطف. فحين يُربّى الإنسانُ على كبتِ مشاعرِه وعدمِ إظهارِ الضعفِ والتعوّدِ على الألم، قد يصبحُ أكثرَ استعدادًا للقسوةِ على الآخرين أيضًا. لذلك يرى أدورنو أن هذا المثالَ التربويَّ، الذي يربطُ القوةَ بانعدامِ الرحمة، كان من العواملِ التي ساعدت على ظهورِ السلوكِ الوحشيِّ في الأنظمةِ الفاشية. فقد جرى تمجيدُ القدرةِ على التحمّلِ والقسوةِ على الذاتِ بوصفِها فضائل. غيرَ أن من يدرّبُ نفسَه على القسوةِ تجاهَ ذاتِه يصبحُ بسهولةٍ قادرًا على ممارسةِ القسوةِ تجاهَ الآخرين أيضًا. إن التربيةَ التي تمجدُ “الصلابة” تُنتجُ أشخاصًا غيرَ قادرين على التعاطف. ومن لا يستطيعُ أن يتماهى مع ألمِ الآخر، أو أن يشعرَ بمعاناتِه، يكونُ مستعدًّا، في ظروفٍ معينة، للمشاركةِ في أكثرِ الأفعالِ وحشية.
إنني أعتبرُ أن من الواجبِ فضحَ هذا المثالِ الأعلى للصلابةِ بوصفِه زائفًا ومدمرًا. فالقدرةُ على الحب، وعلى التجربةِ الإنسانيةِ الحية، وعلى الإحساسِ بالآخر، ليست علاماتِ ضعف، بل هي الشروطُ الوحيدةُ التي تجعلُ من الممكنِ قيامَ مجتمعٍ لا يتكررُ فيه الرعب.
ومن هنا، فإن التربيةَ بعد أوشفيتز يجبُ أن تكون، قبلَ أيِّ شيءٍ آخر، تربيةً ضدَّ القسوة. وينبغي أن تبدأَ منذ الطفولةِ المبكرة، لأن السماتِ الأساسيةَ للشخصيةِ تتشكلُ هناك. فالطفلُ الذي يُدرَّبُ على الطاعةِ العمياء، والذي يُقمعُ خوفُه وضعفُه وعواطفُه، يتعلمُ في الوقتِ نفسه قمعَ إنسانيتِه.
كما ينبغي مقاومةُ كلِّ أشكالِ التربيةِ التي تعتمدُ على الإذلالِ أو العقابِ الجسديِّ أو التهديد. فهذه الأساليبُ لا تُنتجُ أشخاصًا أحرارًا، بل تُنتجُ أشخاصًا خائفين، ميّالين إلى الخضوعِ للقوةِ أو ممارستِها على الأضعفِ منهم.
إن أوشفيتز لم يكنْ حادثًا عرضيًّا في التاريخ، بل كان نتيجةَ اتجاهاتٍ كامنةٍ داخلَ الحضارةِ نفسها. ولهذا السبب، فإن مجردَ استنكارِ الماضي لا يكفي. ينبغي فهمُ الآلياتِ التي جعلته ممكنًا، والعملُ على تفكيكِها داخلَ الوعيِ الفرديِّ والبنيةِ الاجتماعيةِ معًا.
9- الوعيُ ضدَّ العنف:
وأنا في هذا السياقِ أقترحُ إرسالَ فرقٍ تعليميةٍ ومتطوعين إلى المناطقِ الريفيةِ لنشرِ الوعيِ والثقافةِ من خلالِ النقاشاتِ والدوراتِ التعليمية. ومع ذلك، علينا أن نأخذَ بعينِ الاعتبارِ أن السكانَ قد لا يتقبلون هؤلاء بسهولةٍ في البداية، ولكنهم في النهايةِ سيتفاعلون تدريجيًّا، ومن ثم يمكنُ أن تنتشرَ الأفكارُ التربويةُ والتوعويةُ بشكلٍ أوسعَ مع الوقت.
ومع ذلك، ينبغي ألّا ينشأَ أيُّ سوءِ فهمٍ مؤداه أن النزعةَ البدائيةَ نحوَ العنفِ توجدُ فقط في الريف؛ فهي موجودةٌ أيضًا في المراكزِ الحضرية، وخاصةً الكبرى منها. إن النزعاتِ الارتدادية، أي الأشخاصَ ذوي السماتِ الساديةِ المكبوتة، تُنتَجُ اليومَ في كلِّ مكانٍ بفعلِ التطورِ العالميِّ للمجتمع. وهنا أودُّ أن أستعيدَ العلاقةَ الملتويةَ والمرضيةَ بالجسدِ التي وصفناها أنا وهوركهايمر في “جدلِ التنوير” (). وأرى في هذا السياق أن تعرّضَ الإنسانِ للقمعِ والعنفِ يجعلُه أكثرَ ميلًا إلى العدوان. كما ألاحظُ أن بعضَ الأشخاص، قليلي الوعي، يتحولُ كلامُهم بسرعةٍ إلى التهديدِ والانفعالِ عندما يشعرون بالنقدِ أو الإهانة، وكأن العنفَ حاضرٌ في طريقةِ كلامِهم وتصرفِهم.
وهنا ينبغي بالتأكيدِ أيضًا دراسةُ دورِ الرياضة، الذي لم يُبحثْ بما فيه الكفايةِ من قبلُ علمِ النفسِ الاجتماعيِّ النقدي. فالرياضةُ ملتبسة؛ فهي، من جهة، يمكنُ أن يكونَ لها تأثيرٌ مضادٌّ للهمجيةِ ومضادٌّ للساديةِ عبرَ اللعبِ النظيف، وروحِ الفروسية، ومراعاةِ الضعفاء. ومن جهةٍ أخرى، يمكنُ أن تعززَ، في كثيرٍ من أشكالِها وممارساتِها، العدوانيةَ والوحشيةَ والسادية، خاصةً لدى الأشخاصِ الذين لا يعرّضون أنفسَهم للجهدِ والانضباطِ اللذين تتطلبُهما الرياضة، بل يكتفون بالمشاهدةِ فقط؛ أي أولئك الذين يصرخون باستمرارٍ من خطوطِ التماس. وينبغي تحليلُ هذا الالتباسِ بصورةٍ منهجية. وبالقدرِ الذي تستطيعُ فيه التربيةُ أن تمارسَ تأثيرًا، يجبُ تطبيقُ النتائجِ على الحياةِ الرياضية.
ويرتبطُ كلُّ ذلك، بدرجةٍ أو بأخرى، بالبنيةِ السلطويةِ القديمة، وبأنماطِ السلوكِ التي يمكنني تقريبًا أن أقولَ إنها أنماطُ “الشخصيةِ السلطويةِ القديمةِ الجيدة”. لكن ما أنتجه أوشفيتز، أي الأنماطَ الشخصيةَ المميزةَ لعالمِ أوشفيتز، يمثّلُ على الأرجحِ شيئًا جديدًا. فمن جهة، تُجسدُ هذه الأنماطُ التماهيَ الأعمى مع الجماعة. ومن جهةٍ أخرى، جرى تشكيلُها لكي تتلاعبَ بالجماهيرِ والتجمعات، كما فعل هيملر (Himmler) وهوس (Höss) وآيخمان (Eichmann). وأعتقدُ أن الطريقةَ الأهمَّ لمواجهةِ خطرِ التكرارِ هي العملُ ضدَّ الغلبةِ الغاشمةِ لكلِّ الجماعات، وتعزيزُ المقاومةِ ضدَّها عبرَ التركيزِ على مشكلةِ التجييشِ الجماعي. وهذا ليس أمرًا مجردًا كما قد يبدو، بالنظرِ إلى الشغفِ الذي يرغبُ به، خاصةً الشبابُ وذوو الميولِ التقدمية، في الاندماجِ داخلَ شيءٍ ما أو آخر.
10- الطقوسُ العنيفة:
ويمكنُ البدءُ من المعاناةِ التي تفرضُها الجماعةُ أولًا على كلِّ الأفرادِ الذين تقبلُهم. يكفي فقط أن يفكرَ المرءُ في تجاربِه الأولى في المدرسة. ينبغي محاربةُ ذلك النوعِ من الأعرافِ الشعبيةِ (Volkssitten)، وطقوسِ التهيئةِ بمختلفِ أشكالِها، التي تُلحقُ الألمَ الجسديَّ — وغالبًا ألمًا لا يُحتمل — بالشخصِ بوصفِه الثمنَ الذي يجبُ دفعُه لكي يعتبرَ نفسَه عضوًا، واحدًا من الجماعة (). إن الشرَّ الكامنَ في عاداتٍ مثلَ “الراوناختة” (Rauhnächte) و”هابرفيلدترايبن” (Haberfeldtreiben) ()، أو أيًّا تكن تسميةُ هذه الممارساتِ المتجذرةِ منذ زمنٍ طويل، يمثلُ استباقًا مباشرًا لأعمالِ العنفِ الاشتراكيةِ القومية، وليس من قبيلِ المصادفةِ أن النازيين مجّدوا مثلَ هذه الفظائعِ ورعوها باسمِ “التقاليد” ().
ويمكنُ القولُ إن للعلومِ الاجتماعيةِ دورًا مهمًّا في كشفِ الجوانبِ العنيفةِ الموجودةِ داخلَ بعضِ العاداتِ والتقاليدِ الشعبيةِ التي استغلها النازيون وروّجوا لها. وهو يعتقدُ أن هذه التقاليدَ تقومُ أحيانًا على تمجيدِ القسوةِ والصلابةِ بوصفِهما قيمتين تربويتين إيجابيتين. وحتى بعضُ أفكارِ نيتشه (Nietzsche) جرى استخدامُها لتبريرِ هذا التصور، رغم أن نيتشه نفسَه لم يكنْ يقصدُ الدعوةَ إلى العنفِ أو الوحشيةِ بالطريقةِ التي فهمها النازيون ().
وأتذكرُ كيف أن بوغرَ الرهيب () – أثناءَ محاكمته في أوشفيتز – أطلقَ نوبةً انتهت بمديحِ التربيةِ التي تغرسُ الانضباطَ من خلالِ الصلابة. لقد كان يعتقدُ أن الصلابةَ ضروريةٌ لإنتاجِ النمطِ الصحيحِ من البشرِ بحسبِ رأيِه (). إن هذا المثالَ التربويَّ للصلابة، الذي قد يؤمنُ به كثيرون من دونِ تفكير، هو مثالٌ خاطئٌ تمامًا. فالفكرةُ القائلةُ إن الرجولةَ تكمنُ في أقصى درجاتِ القدرةِ على التحمّلِ أصبحت منذ زمنٍ طويلٍ صورةً ستاريةً للمازوشيةِ التي، كما أظهرَ علمُ النفس، ترتبطُ بسهولةٍ كبيرةٍ بالسادية. إن “الصلابة”، تلك الصفةُ الممجدةُ التي يُفترضُ أن تغرسَها التربية، تعني لامبالاةً مطلقةً تجاهَ الألمِ بوصفِه كذلك. وفي هذا لا يعودُ التمييزُ بين ألمِ المرءِ نفسِه وألمِ الآخرِ قائمًا بصرامةٍ كبيرة. ومن يكونُ قاسيًا على نفسِه يكتسبُ الحقَّ في أن يكونَ قاسيًا على الآخرين أيضًا، وينتقمُ لنفسِه من الألمِ الذي لم يكنْ مسموحًا له بإظهارِ آثارِه، وكان عليه أن يكبتَه.
ويجبُ جعلُ هذه الآليةِ واعية، تمامًا كما ينبغي تعزيزُ تربيةٍ لا تعودُ تمنحُ الألمَ والقدرةَ على تحمّلِ الألمِ قيمةً عليا. وبعبارةٍ أخرى: يجبُ على التربيةِ أن تأخذَ بجديةٍ فكرةً ليست غريبةً إطلاقًا عن الفلسفة، وهي أن القلقَ يجبُ ألّا يُكبَت. فعندما لا يُكبَتُ القلق، وعندما يسمحُ المرءُ لنفسِه بأن يشعرَ، فعلًا، بكلِّ القلقِ الذي يبرره هذا الواقع، فإن جزءًا كبيرًا من التأثيرِ التدميريِّ للقلقِ اللاواعيِّ والمُزاحِ سيختفي على الأرجحِ تحديدًا بسببِ ذلك.
11- الشخصيةُ السلطوية:
إن الأشخاصَ الذين يندمجون بصورةٍ عمياءَ داخلَ الجماعةِ يحوّلون أنفسَهم بالفعلِ إلى شيءٍ يشبهُ المادةَ الخاملة، ويطفئون ذواتِهم بوصفِهم كائناتٍ قادرةً على تقريرِ مصيرِها بنفسِها. ومع هذا تأتي الاستعداداتُ للتعاملِ مع الآخرين بوصفِهم كتلةً عديمةَ الشكل. وقد أطلقتُ على الذين يتصرفون بهذه الطريقةِ اسمَ “الطابعِ التلاعبي” (Manipulative Character) () في كتابِ “الشخصيةِ السلطوية”، وذلك في وقتٍ لم تكنْ فيه بعدُ يومياتُ هوس أو تسجيلاتُ آيخمان معروفة (). إن أوصافي للطابعِ التلاعبيِّ تعودُ إلى السنواتِ الأخيرةِ من الحربِ العالميةِ الثانية. وأحيانًا يكونُ علمُ النفسِ الاجتماعيُّ وعلمُ الاجتماعِ قادرين على بناءِ مفاهيمَ لا يجري التحققُ منها تجريبيًّا إلا لاحقًا.
إن الطابعَ التلاعبيَّ — كما يمكنُ لأيِّ شخصٍ أن يؤكدَ من خلالِ المصادرِ المتاحةِ عن أولئك القادةِ النازيين — يتميزُ بهوسِ التنظيم، وبالعجزِ عن امتلاكِ أيِّ تجاربَ إنسانيةٍ مباشرةٍ على الإطلاق، وبنوعٍ معينٍ من انعدامِ العاطفة، وبنزعةٍ مفرطةٍ إلى الواقعية. إنه يريدُ، بأيِّ ثمن، ممارسةَ ما يُفترضُ أنها سياسةٌ واقعية، حتى وإن كانت وهمية. وهو لا يفكرُ ولو لثانيةٍ واحدة، ولا يرغبُ، في أن يكونَ العالمُ مختلفًا عما هو عليه؛ بل إنه مهووسٌ بالرغبةِ في إنجازِ الأشياء، غيرَ مبالٍ بمضمونِ هذا الفعلِ أو ذاك. إنه يصنعُ عبادةً للفعل، وللنشاط، ولما يسمى بالكفاءةِ بوصفِها كذلك، وهي العبادةُ التي تعودُ للظهورِ في الصورةِ الإعلانيةِ للإنسانِ النشيط.
وإذا لم تكنْ ملاحظاتي تخدعني، وإذا كانت عدةُ دراساتٍ سوسيولوجيةٍ تسمحُ بالتعميم، فإن هذا النمطَ أصبح اليومَ أكثرَ انتشارًا بكثيرٍ مما قد يظنه المرء. فما كان يُجسَّدُ آنذاك في عددٍ قليلٍ من الوحوشِ النازيةِ يمكنُ تأكيدُه اليومَ لدى أشخاصٍ كثيرين، مثلِ الأحداثِ الجانحين، وزعماءِ العصابات، وما شابه، ممن نقرأُ عنهم يوميًّا في الصحف. وإذا كان عليَّ أن أختزلَ هذا النمطَ من الطابعِ التلاعبيِّ في صيغةٍ واحدة — وربما لا ينبغي فعلُ ذلك، لكن قد يساهمُ أيضًا في الفهم — فسأسميه نمطَ الوعيِ المتشيئ (Reified Consciousness). فالناسُ من هذا النوعِ قد استوعبوا أنفسَهم واختزلوها — إن صحَّ التعبير — إلى أشياء. ثم إنهم، عندما يكونُ ذلك ممكنًا، يستوعبون الآخرينَ إلى أشياءٍ أيضًا. ويتجلى ذلك بدقةٍ شديدةٍ في التعبيرِ “التخلصُ من شخص” أو “إنهاؤه” الشائعِ في عالمِ المشاغبينَ الأحداثِ كما في عالمِ النازيين. فهذا التعبيرُ يعرّفُ البشرَ بوصفِهم أشياءَ جاهزةً أو مُحضّرة، بمعنيينِ اثنينِ في آنٍ واحد.
ووفقًا لفكرةِ ماكس هوركهايمر، فإن التعذيبَ هو تكييفٌ متلاعبٌ به، ومتسارعٌ نوعًا ما، للبشرِ مع الجماعات. وهناك شيءٌ من هذا في روحِ العصر، رغم أن له القليلَ جدًّا مما يتعلقُ بالروح. وأكتفي هنا باستحضارِ مقولةِ بول فاليري (Paul Valéry) قبل الحربِ الأخيرة: “إن اللاإنسانيةَ لها مستقبلٌ عظيم” (). ومن الصعبِ بصورةٍ خاصةٍ مقاومةُ ذلك لأن هؤلاءِ الأشخاصِ التلاعبيين، العاجزين فعليًّا عن التجربةِ الحقيقية، يُظهرون لهذا السببِ بالذات لا استجابةً تربطُهم ببعضِ الشخصياتِ المختلةِ عقليًّا أو الذهانية، أي الشخصياتِ الفُصاميةِ النزعة.
12- الشروطُ الاجتماعيةُ للعنف:
في محاولةِ منعِ تكرارِ أوشفيتز، يبدو لي من الضروريِّ، قبلَ كلِّ شيء، اكتسابُ شيءٍ من الوضوحِ حولَ الشروطِ التي ينشأُ في ظلِّها الطابعُ التلاعبيُّ (معاملةُ الناسِ كأشياء)، ثم، عبرَ تغييرِ هذه الشروط، منعُ ظهورِه قدرَ الإمكان. وأودُّ أن أقدّمَ اقتراحًا ملموسًا: إجراءَ بحوثٍ ودراساتٍ حولَ المذنبينَ في أوشفيتز بجميعِ الوسائلِ التي يتيحُها العلم، وخاصةً عبرَ التحليلِ النفسيِّ طويلِ الأمد، من أجلِ اكتشافِ — إن أمكن — كيف يتطورُ مثلُ هذا الشخص. وقد يكونُ بوسعِ هؤلاءِ الناسِ أن يفعلوا شيئًا نافعًا، على خلافِ بنيتِهم الشخصيةِ نفسها، عبرَ الإسهامِ في منعِ تكرارِ مثلِ هذه الأمور. ولن يكونَ ذلك ممكنًا إلا إذا أرادوا التعاونَ في التحقيقِ في نشأتِهم الخاصة. ومن المؤكدِ أنه سيكونُ من الصعبِ دفعُهم إلى الكلام؛ ولا ينبغي بأيِّ حالٍ استخدامُ أيِّ شيءٍ يرتبطُ بأساليبِهم الخاصةِ من أجلِ معرفةِ كيف أصبحوا ما هم عليه.
ومع ذلك، فإنهم في الوقتِ الراهنِ يشعرون داخلَ جماعتِهم — وبالتحديدِ في الإحساسِ بأنهم جميعًا نازيون قُدامى معًا — بأمانٍ شديد، إلى درجةِ أن بالكادِ أحدًا منهم أظهرَ أدنى شعورٍ بالذنب. لكن من المفترضِ أنه توجدُ لدى بعضِهم على الأقلِّ حساسيةٌ نفسيةٌ يمكنُ أن تساعدَ على تغييرِ هذا الموقف، مثلُ نرجسيتِهم، أو، بصراحةٍ أكبر، غرورِهم. فقد يشعرون بأهميةٍ كبيرةٍ عندما يُتاحُ لهم الحديثُ عن أنفسِهم بحرية، مثلَ آيخمان (Eichmann) ، الذي سجّل، فيما يبدو، مكتباتٍ كاملةً من الأشرطةِ الصوتية. وأخيرًا، يمكنُ الافتراضُ أنه حتى لدى هؤلاءِ الأشخاص، إذا ما جرى الحفرُ بعمقٍ كافٍ، سوف يُعثرُ على بقايا من السلطةِ القديمةِ للضمير، التي توجدُ اليومَ كثيرًا في حالةِ تفكك.
وحين نتعلمُ الشروطَ الخارجيةَ والداخليةَ التي تجعلُهم ما هم عليه — إذا جاز لي أن أفترضَ افتراضًا أن هذه الشروطَ يمكنُ بالفعلِ إظهارُها — فسوف يصبحُ من الممكنِ استخلاصُ نتائجَ عمليةٍ تحولُ دونَ تكرارِ الرعب. ولا يمكنُ معرفةُ ما إذا كانت هذه المحاولةُ ستساعدُ قليلًا أم لا قبلَ القيامِ بها؛ وأنا لا أريدُ المبالغةَ في تقديرِها. ويجبُ أن نتذكرَ أن الأفرادَ لا يمكنُ تفسيرُهم آليًّا من خلالِ مثلِ هذه الشروط. ففي ظلِّ شروطٍ متشابهةٍ يتطورُ بعضُ الناسِ بطريقةٍ معينة، بينما يتطورُ آخرون بطريقةٍ مختلفةٍ تمامًا. ومع ذلك، فإن الأمرَ يستحقُّ الجهد. فمجردُ طرحِ مثلِ هذه الأسئلةِ يحتوي بالفعلِ على إمكانيةٍ للتنوير.
ذلك لأن هذه الحالةَ الكارثيةَ من الفكرِ الواعيِ واللاواعي، الشعوريِّ واللاشعوريِّ، تتضمنُ الفكرةَ الخاطئةَ القائلةَ إن طريقةَ وجودِ المرءِ الخاصةَ — أي أنه هكذا وليس على نحوٍ آخر — هي طبيعةٌ ثابتة، معطًى لا يتغير، وليست تطورًا تاريخيًّا. وقد ذكرتُ أن الوعيَ المتشيئَ (Reified Consciousness) هو ذلك النوعُ من الوعيِ الذي يفقدُ القدرةَ على التفكيرِ النقديِّ والتاريخي، فيتعاملُ مع الواقعِ القائمِ وكأنه طبيعيٌّ وثابتٌ ولا يمكنُ تغييرُه. وأرى أن الإنسانَ، في هذه الحالة، ينسى أن الظروفَ الاجتماعيةَ والسياسيةَ هي نتاجُ تاريخٍ وظروفٍ معينة، ويعتبرُها حقائقَ مطلقة. ولذلك أعتقدُ أن كسرَ هذه الطريقةِ الجامدةِ في التفكيرِ سيكونُ خطوةً مهمةً جدًّا للتحررِ من الطاعةِ العمياءِ ومن الشروطِ التي قد تقودُ إلى العنفِ والفاشية.
13- تكنولوجيا العنف:
أرى أيضًا أنه يجبُ الانتباهُ جيدًا إلى علاقةِ الإنسانِ بالتقنية، خاصةً عندما أتحدثُ عن “الوعيِ المتشيئ” (Reified Consciousness). فهذه العلاقةُ، في نظري، تحملُ جانبينِ متناقضين، كما هو الحالُ في الرياضة. فمن جهة، يُنتجُ كلُّ عصرٍ نوعًا من الشخصياتِ التي يحتاجُها المجتمع، وعصرُنا الحالي، الذي أصبحت فيه التقنيةُ أساسية، يُنتجُ أشخاصًا منسجمينَ مع العالمِ التقنيِّ وقادرينَ على التعاملِ معه. وهذا له جانبٌ إيجابي، لأن هؤلاءِ يكونون غالبًا أكثرَ معرفةً وأقلَّ تعرضًا للخداعِ داخلَ مجالاتِهم.
لكن، من جهةٍ أخرى، يوجدُ شيءٌ مفرطٌ ولا عقلانيٌّ ومرضيٌّ في العلاقةِ الحاليةِ بالتقنية. وهذا يرتبطُ بـ”حجابِ التقنية”. فالناسُ يميلون إلى اعتبارِ التقنيةِ هي الشيءَ ذاتَه، غايةً في ذاتِها، قوةً مستقلةً بذاتِها، وينسون أنها امتدادٌ للمهارةِ البشرية. إن الوسائلَ — والتقنيةُ هي تجسيدُ وسائلِ حفظِ النوعِ البشريِّ لذاتِه — تُحوَّلُ إلى صنم، لأن الغاياتِ — أي حياةَ الكرامةِ الإنسانية — تُحجبُ وتُبعدُ عن وعيِ الناس .()
أرى أن الحديثَ عن تقديسِ التقنيةِ ما يزالُ عامًّا ومجردًا إلى حدٍّ ما، لأن المشكلةَ الحقيقيةَ بالنسبةِ إليَّ هي فهمُ كيف ينشأُ هذا التقديسُ داخلَ نفسيةِ بعضِ الأفراد. وأنا أتساءل: متى تتحولُ العلاقةُ العقلانيةُ بالتقنيةِ إلى إعجابٍ أعمى بها؟ ومتى يصبحُ الإنسانُ منشغلًا بالكفاءةِ والتنظيمِ والنجاحِ التقنيِّ إلى درجةٍ ينسى معها البعدَ الإنسانيَّ والأخلاقي؟ ولهذا أضربُ مثالًا بشخصٍ يبتكرُ نظامَ قطاراتٍ شديدَ الدقةِ لنقلِ الناسِ إلى أوشفيتز، فيركّزُ فقط على نجاحِ العمليةِ التقنيةِ وسرعتِها، بينما يتجاهلُ تمامًا المصيرَ المأساويَّ الذي ينتظرُ الضحايا هناك. ومع هذا النمط، الذي يميلُ إلى تقديسِ التقنية، فإننا نتعاملُ — بصراحة — مع أشخاصٍ غيرِ قادرين على الحب. وليس المقصودُ بذلك معنىً عاطفيًّا أو أخلاقيًّا، بل إنه يصفُ علاقةً ليبيديةً ناقصةً تجاهَ الأشخاصِ الآخرين. فهؤلاءِ الناسُ باردون تمامًا؛ وفي أعماقِ أنفسِهم يجبُ أن ينكروا إمكانيةَ الحب، ويجبُ أن يسحبوا حبَّهم من الآخرين منذ البداية، قبلَ أن يتمكنَ أصلًا من التفتح. وأيُّ قدرةٍ على الحبِّ تبقى لديهم بطريقةٍ ما، فإنهم يبددونها على الأجهزة.
لقد وفّرَ لنا أولئك الأشخاصُ المتحيزون ذوو الطابعِ السلطوي، الذين درسناهم في بيركلي ضمنَ كتابِ “الشخصيةِ السلطوية”، كثيرًا من الأدلةِ على ذلك. فقد قال أحدُ الأشخاصِ الخاضعين للاختبار — والتعبيرُ نفسُه آتٍ أصلًا من الوعيِ المتشيئ — عن نفسِه: “أنا أحبُّ التجهيزاتِ الجميلةَ غيرَ مبالٍ إطلاقًا بنوعِ تلك التجهيزات “()، لقد استُهلكَ حبُّه في الأشياء، في الآلاتِ بوصفِها كذلك.
والأمرُ المثيرُ للقلقِ هنا — والمقلقُ لأنه قد يبدو ميؤوسًا من مقاومتِه — هو أن هذا الاتجاهَ يسيرُ جنبًا إلى جنبٍ مع اتجاهِ الحضارةِ بأكملِها. فمقاومتُه تعني، إلى حدٍّ ما، الوقوفَ ضدَّ روحِ العالم؛ لكنني بهذا لا أفعلُ سوى تكرارِ ما ذكرتُه في البدايةِ باعتبارِه الجانبَ الأكثرَ ظلمةً في التربيةِ المناهضةِ لأوشفيتز.
14- البرودةُ الدموية:
وكما قلت، فأنا أرى أن هؤلاءِ الناسَ يتسمون بنوعٍ خاصٍّ من البرودةِ الإنسانية. وأعتقدُ أن هذه البرودةَ ليست مجردَ صفةٍ فردية، بل أصبحت جزءًا من تكوينِ الإنسانِ داخلَ المجتمعِ الحديث. فلو لم يكنِ الناسُ غيرَ مبالينَ بمعاناةِ الآخرين، ولو كانوا يشعرون فعلًا بمصيرِ غيرِهم، لما أصبح شيءٌ مثلُ أوشفيتز ممكنًا، ولما قبله هذا العددُ الكبيرُ من البشرِ بالصمتِ أو اللامبالاة. وأنا أرى أن المجتمعَ، منذ زمنٍ طويل، لا يقومُ أساسًا على التضامنِ أو المحبةِ كما كان يُقال، بل على سعيِ كلِّ فردٍ وراءَ مصلحتِه الخاصة، حتى لو كان ذلك على حسابِ الآخرين، وقد ترسّخ ذلك في طابعِ الناسِ حتى أعمقِ أعماقِهم.
أرى أن الناسَ، رغم أنهم يعيشون وسطَ جماعاتٍ وحشود، يشعرون في داخلِهم بالعزلةِ والبرودةِ العاطفية. ولهذا أعتقدُ أنهم يميلون إلى الانضمامِ إلى الجماعاتِ والتصرفِ مثلَ القطيع، لا بسببِ وجودِ روابطَ إنسانيةٍ حقيقية، بل لأنهم لا يستطيعون تحمّلَ شعورِهم الداخليِّ بالوحدةِ والبرودة. وأنا أرى أن عجزَ الإنسانِ عن التعاطفِ الحقيقيِّ مع الآخرين أو الشعورِ بمعاناتِهم كان من أهمِّ الأسبابِ النفسيةِ التي جعلت شيئًا مثلَ أوشفيتز ممكنًا.
كما أعتقدُ أن كثيرًا من الناسِ صمتوا أو سايروا النظامَ النازيَّ بدافعِ الخوفِ والمصلحةِ الشخصية؛ إذ كان كلُّ فردٍ يفكرُ أولًا في حمايةِ نفسِه وعدمِ تعريضِ مصالحِه للخطر، ولذلك فضّل كثيرون الصمتَ أمامَ الرعبِ بدلَ مقاومتِه .()
أرى أن الإنسانَ في المجتمعِ الحديثِ أصبح يعيشُ كفردٍ معزولٍ يفكرُ في منافستِه ومصلحتِه الخاصةِ أكثرَ من اهتمامِه بالآخرين. وهذه اللامبالاةُ بمصيرِ الناسِ هي، في رأيي، ما جعل عددًا قليلًا جدًّا من البشرِ يعترضون أو يقاومون ما حدث. والجلادون يعرفون جيدًا أن خوفَ الناسِ وانشغالَهم بأنفسِهم يدفعُهم إلى الصمت، ولذلك يكررون دائمًا اختبارَ هذه اللامبالاةِ واستغلالَها.
أريدُ أن أكونَ واضحًا: أنا لا أدعو الناسَ ببساطةٍ إلى “المحبة”، لأنني أرى أن الوعظَ الأخلاقيَّ وحدَه لا يكفي ولا يغيّرُ الواقع. فمشكلةُ غيابِ الحبِّ والتعاطفِ ليست مشكلةً فرديةً تخصُّ بعضَ الناسِ فقط، بل هي حالةٌ عامةٌ يعيشُها البشرُ داخلَ المجتمعِ الحديث. ولذلك فإن مطالبةَ الناسِ بالمحبةِ تفترضُ أنهم يملكون أصلًا القدرةَ النفسيةَ والإنسانيةَ على ذلك، بينما كثيرون أصبحوا عاجزينَ عن إقامةِ علاقاتٍ إنسانيةٍ حقيقيةٍ بسببِ الظروفِ الاجتماعيةِ التي شكّلتهم.
لقد كان أحدُ أعظمِ دوافعِ المسيحية، غيرِ المطابقِ مباشرةً لعقيدتِها، هو القضاءُ على البرودةِ التي تتخللُ كلَّ شيء. لكن هذه المحاولةَ فشلت؛ وبالتأكيدِ لأنها لم تصلْ إلى النظامِ الاجتماعيِّ الذي يُنتجُ هذه البرودةَ ويعيدُ إنتاجَها. وربما لأن ذلك الدفءَ بين البشر، الذي يتوقُ إليه الجميع، لم يوجدْ أصلًا إلا خلالَ فتراتٍ قصيرةٍ جدًّا وداخلَ مجموعاتٍ صغيرةٍ جدًّا، وربما حتى بين “المتوحشينَ المسالمين”. لقد أدركَ الطوباويون، الذين جرى التشهيرُ بهم كثيرًا، ذلك. وهكذا عرّف شارل فورييه (Charles Fourier) الانجذابَ بوصفِه شيئًا ينبغي إنتاجُه أولًا عبرَ نظامٍ اجتماعيٍّ إنساني؛ كما أدركَ أن هذا الشرطَ لن يكونَ ممكنًا إلا عندما لا تعودُ دوافعُ البشرِ مكبوتة، بل مُشبعةً ومتحررة.
وإذا كان هناك ما يمكنُ أن يساعدَ ضدَّ البرودةِ بوصفِها شرطًا للكوارث، فهو إدراكُ الشروطِ التي تحددُها، ومحاولةُ مكافحةِ هذه الشروط، بدايةً في مجالِ الفردِ نفسِه. وقد يظنُّ المرءُ أن كلما حُرمَ الأطفالُ أقل، وكلما عوملوا بصورةٍ أفضل، كانت فرصُ النجاحِ أكبر. لكن حتى هنا تهددُنا الأوهام. فالأطفالُ الذين لا يعرفون شيئًا عن قسوةِ الحياةِ وصلابتِها يصبحون مكشوفينَ فعلًا أمامَ الهمجيةِ عندما يغادرون بيئتَهم المحمية.
وفوقَ كلِّ شيء، من المستحيلِ إيقاظُ الدفءِ في الوالدين، الذين هم أنفسُهم نتاجُ هذا المجتمعِ ويحملون سماتِه. إن الدعوةَ إلى منحِ الأطفالِ مزيدًا من الدفءِ تعني ضخَّ الدفءِ بصورةٍ مصطنعة، وبالتالي نفيَه. وعلاوةً على ذلك، لا يمكنُ استدعاءُ الحبِّ داخلَ العلاقاتِ المتوسطةِ مهنيًّا، مثلَ علاقةِ المعلمِ بالتلميذ، والطبيبِ بالمريض، والمحامي بموكلِه. فالحبُّ شيءٌ مباشر، وهو في جوهرِه يناقضُ العلاقاتِ المتوسطة.
أرى أن مجردَ الدعوةِ إلى الحبِّ أو تكرارِ الشعاراتِ الأخلاقيةِ عنه لا يحلُّ المشكلةَ الحقيقية، بل قد يخفيها أحيانًا. لأنني أعتقدُ أن المجتمعَ نفسَه يُنتجُ البرودةَ واللامبالاةَ بين الناس، ولذلك فإن الوعظَ بالمحبةِ قد يتحولُ إلى كلامٍ شكليٍّ لا يغيّرُ الظروفَ التي تصنعُ هذه البرودةَ وتستمرُّ في إعادةِ إنتاجِها؛ فهي تحملُ طابعًا قسريًّا وضاغطًا يعاكسُ القدرةَ على الحب؛ ولهذا فإن الأمرَ الأولَ هو جعلُ البرودةِ واعيةً بذاتِها، وبالأسبابِ التي أدت إلى نشأتِها.
15- خاتمة – دور التربية:
وفي الختام، أريدُ أن أشيرَ إلى أهميةِ فهمِ الآلياتِ النفسيةِ والفكريةِ التي ساعدت على جعلِ أوشفيتز ممكنًا. فأنا أرى أن من الضروريِّ كشفَ هذه الآلياتِ وتوعيةَ الناسِ بها، وكذلك فهمَ الطرقِ التي يستخدمُها البعضُ لإنكارِ الحقيقةِ أو الهروبِ منها. ولذلك أعتقدُ أن الشخصَ الذي ما يزالُ ينكرُ ما حدث، أو يقللُ من فظاعتِه، لا يدافعُ فقط عن الماضي، بل يكشفُ أيضًا عن استعدادٍ خطيرٍ لتقبّلِ تكرارِ مثلِ هذه الجرائمِ أو الصمتِ عنها إذا حدثت مرةً أخرى.
أرى أن التوعيةَ العقلانيةَ وحدَها قد لا تقضي تمامًا على الدوافعِ اللاواعيةِ والعنيفةِ داخلَ الإنسان، لكنها تستطيعُ على الأقلِّ أن تقوّيَ لدى الناسِ بعضَ المواقفِ والأفكارِ التي تقاومُ هذه النزعات. وأنا أعتقدُ أنه إذا أصبح المجتمعُ أكثرَ وعيًا بخطورةِ الأفكارِ والسلوكياتِ التي قادت إلى أوشفيتز، وإذا أدركَ أنها نزعاتٌ مرضيةٌ ومدمرة، فقد يصبحُ الناسُ أكثرَ قدرةً على مراقبةِ هذه النزعاتِ ومنعِها من التحولِ مرةً أخرى إلى عنفٍ جماعيٍّ متطرف.
أرى أنه يجبُ تنبيهُ الناسِ إلى أن الكراهيةَ والعنفَ اللذين ظهرا في أوشفيتز يمكنُ أن يتوجها في أيِّ وقتٍ ضدَّ جماعاتٍ أخرى، وليس ضدَّ اليهودِ فقط. فقد يصبحُ المستهدفون لاحقًا هم المسنون، أو المثقفون، أو أيُّ جماعةٍ تُقدَّمُ بوصفِها مختلفةً أو غيرَ منسجمةٍ مع المجتمع. وأنا أعتقدُ أن أخطرَ ما يغذي هذا النوعَ من العنفِ هو عودةُ النزعةِ القوميةِ المتطرفة؛ لأنها في عالمِ اليوم لم تعد تمتلكُ أساسًا حقيقيًّا قويًّا، ولذلك تلجأُ إلى المبالغةِ والتعصبِ لإقناعِ الناسِ بأنها ما تزالُ ضروريةً ومهمة.
أرى أنه لا يكفي مجردُ الحديثِ النظريِّ عن مقاومةِ الفاشية، بل يجبُ البحثُ عن وسائلَ عمليةٍ حقيقيةٍ لمواجهتِها. ولهذا أذكرُ مثالَ برنامجِ “القتلِ الرحيم” (Euthanasia) الذي خططَ له النازيون لقتلِ المرضى وذوي الإعاقات، لكنه لم يُنفَّذْ بالكاملِ بسببِ وجودِ مقاومةٍ واعتراضاتٍ عليه داخلَ المجتمعِ الألماني. لكنني ألاحظُ أن هذه المقاومةَ بقيت محدودة، لأن الناسَ دافعوا غالبًا فقط عن الفئةِ القريبةِ منهم أو التي شعروا بأنها تمسُّهم مباشرة. وهذا، في رأيي، يكشفُ عن حالةٍ من البرودةِ واللامبالاةِ العامةِ تجاهَ الآخرين.
كما أرى أن هذه اللامبالاةَ قصيرةُ النظر، لأن الاضطهادَ والعنفَ لا يتوقفان عند جماعةٍ واحدة؛ فأيُّ شخصٍ خارجَ جماعةِ المضطهِدين يمكنُ أن يصبحَ ضحيةً لاحقًا. ولذلك يمكنُ أيضًا تنبيهُ الناسِ إلى أن الدفاعَ عن الآخرينَ هو، في النهاية، دفاعٌ عن أنفسِهم كذلك.
أرى أنه يجبُ فهمُ الظروفِ التاريخيةِ والاجتماعيةِ التي تسمحُ بظهورِ الاضطهادِ والعنفِ الجماعي. وأعتقدُ أن الحركاتِ القوميةَ المتطرفة، التي تحاولُ إحياءَ القوميةِ بصورةٍ مبالغٍ فيها في عصرٍ تغيّرَ فيه العالمُ وأصبحَ أكثرَ ترابطًا، تكونُ أكثرَ ميلًا إلى التعصبِ والعنف. ولذلك أرى أن الهدفَ الأساسيَّ لأيِّ تربيةٍ سياسيةٍ يجبُ أن يكونَ منعَ تكرارِ أوشفيتز، وأن تتحدثَ التربيةُ عن هذه القضيةِ بصراحةٍ وشجاعة، من دونِ خوفٍ من السلطةِ أو من إزعاجِ أحد، لأنها القضيةُ الأخطرُ والأهم.
وأرى أيضًا أن التربيةَ لا ينبغي أن تكتفيَ بالتعليمِ التقليدي، بل يجبُ أن تساعدَ الناسَ على فهمِ القوى الاجتماعيةِ والسياسيةِ التي تتحكمُ بالمجتمعِ من وراءِ المظاهرِ الرسمية. ولذلك أعتقدُ أنه يجبُ نقدُ بعضِ الأفكارِ التي تبدو محترمةً أو طبيعية، مثلَ فكرةِ “مصلحةِ الدولة” (Reason of State)، لأن تحويلَ مصلحةِ الدولةِ إلى شيءٍ أعلى من حقوقِ الأفرادِ قد يبررُ القمعَ والعنف، ويفتحُ الطريقَ أمامَ ظهورِ أنظمةٍ مرعبةٍ مثلَ الأنظمةِ الفاشية.
لقد سألني فالتر بنيامين (Walter Benjamin) مرةً في باريس أثناءَ منفاه، عمّا إذا كان هناك فعلًا عددٌ كافٍ من الجلادينَ هناك لتنفيذِ أوامرِ النازيين. وكان هناك عددٌ كافٍ بالفعل. ومع ذلك، فإن السؤالَ يمتلكُ مشروعيتَه العميقة. لقد أحسَّ بنيامين أن الأشخاصَ الذين يقومون بذلك، بخلافِ قتلةِ المكاتبِ البيروقراطيين والمنظّرين الأيديولوجيين، يعملون ضدَّ مصالحِهم المباشرةِ الخاصة، وأنهم قتلةٌ لأنفسِهم في الوقتِ الذي يقتلونَ فيه الآخرين.
أخشى أن التربيةَ، مهما كانت متطورة، قد لا تنجحُ تمامًا في منعِ ظهورِ المسؤولينَ البيروقراطيينَ الذين يخططونَ للقتلِ والعنفِ من خلفِ المكاتب. لكنني أعتقدُ أن التربيةَ والتوعيةَ يمكنُهما، على الأقل، أن تقللا من عددِ الأشخاصِ الذين ينفذون هذه الجرائمَ بطاعةٍ عمياء، مثلَ الحراسِ والجلادينَ من أمثالِ بوغر (Boger) وكادوك (Kaduk) () فهؤلاءِ، في نظري، يساهمون في استمرارِ خضوعِهم وإذلالِ أنفسِهم عندما يتحولون إلى أدواتٍ تنفذُ العنفَ ضدَّ الآخرين.
إعداد و ترجمة الدكتور علي أسعد وطفة
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






