التنويريفكر وفلسفة

ما فعله فرويد بأولاد حارتنا

صدمات الإنسان الكبرى من كوبرنيكوس إلى فرويد، وكيف قادنا غياب المعنى إلى التخبط وانتظار الوهم في "حارتنا"

ورد في الأثر عن عالم النفس النمساوي سيجموند فرويد أن الإنسان تعرض لثلاث صدمات كبرى، كان أولها اكتشاف كوبرنيكوس أن الأرض ليست مركز الكون، وإنما مجرد كوكب يدور حول الشمس. وجاءت الصدمة الثانية عندما أعلن العالم الإنجليزي تشارلز داروين نظريته حول أصل الأنواع، وأن الإنسان أصله قرد، بل إنه لم يغادر فصيلة القرود، فهو علميًا أحد أنواع القردة العليا. أما ثالث الصدمات فوقعت على يد فرويد ذاته، حين قال أن الغريزة دافع رئيس لدى البشر، وأن العقل الباطن يقود العقل الواعي ويحركه.

أدت تلك الصدمات إلى انهيار السرديات الكبرى واختفاء المعنى من حياة الناس، بعد أن انهمك الإنسان طيلة آلاف السنين في صنع المعنى بالدين تارة، وبالفلسفة تارة ثانية، وبالعلم تارة ثالثة. وليس هناك ما هو أقسى على الإنسان من فقدان المعنى، وهو ما أكده كارل يونج حين قال أن الألم يمكن تحمله فقط إذا أمكن للإنسان إيجاد معنى له.

ما الذي فعله بنا ضياع المعنى؟

عندما انهارت السرديات الكبرى في عصر ما بعد الحداثة، وقف الإنسان في مواجهة نوائب الحياة مجردًا من السكينة، ومن شعور العزة الذي تجسد في مقولات مقدسة من قبيل: “إن ابن الإنسان هو رب السبت”، و”لقد كرمنا بني آدم”. لم يعد ابن الإنسان خليفة الله في الأرض، ولا سيدًا لها، فما هو إلا قرد كبير تحركه الغريزة، يعيش على أرض تبين له أنها لم تعد مركز الكون كما كان يظن. أما عقله الذي ظن أنه قادر على إحياء الموتى كما تخيلت ماري شيلي في رواية “فرانكشتاين”، أو تحويله هو نفسه إلى إنسان خارق كما بشَّر فريدريك نيتشه في كتابه “هكذا تكلم زرادشت”، ما هو إلا انعكاس للغريزة واللاوعي. ما الذي يفعله هذا الكائن البائس الذي خيبت ما بعد الحداثة ظنه في ربه وفي نفسه أيضًا؟

وفي ظل غياب المعنى، انهار شعور الإنسان بالأمان مع تفكك مؤسسات الحداثة؛ فالتعليم النظامي لم يعد كافيًا لإجابة تساؤلاته الأنطولوجية، ولا حتى لضمان وظيفة له، وقد كفت الدولة يديها عن سوق العمل، ولم يعد معاش التقاعد كافيًا ليطمئن من عاش مهينًا أنه على الأقل سيموت بكرامة! من هنا، لم يكن أمام الإنسان إلا السعي لصناعة المعنى لنفسه بنفسه، بعد أن تخلت الدولة ومن خلفها النخبة عن مسئوليتهما تجاه المجتمعات، أو أن ينتظر أن يأتيه المخلص، أو تباغته القيامة وهو ينتظر.

لم تكن رواية سرفانتس “دون كيشوت” قصة رجل يحارب طواحين الهواء، بل كانت مأساة إنسان حاصره الفراغ، فخرج طلبًا للمعنى، حتى لو اضطر لاستخلاصه بالسيف من براثن طواحين الهواء. كانت نهايته مؤلمة، لكن نهاية أبطال مسرحية صمويل بيكيت العبثية “في انتظار جودو” لم تكن أقل إيلامًا؛ فقد قرروا أن يستسلموا لحالة فقدان المعنى في انتظار بلا نهاية لمجيء المخلص المتجسد في شخص جودو، فطال بهم أمد الانتظار حتى نسي بعضهم من هو جودو، ونسي الآخرون لماذا قرروا من الأصل انتظاره. ولو مرَّ عابر سبيل بأهل جودو وهم قابعون في كهف الانتظار، فزعم لهم أنه جودو، لصدقوه وساروا خلفه كالمجاذيب. فهل أولاد حارتنا أفضل حالًا من هؤلاء المساكين؟

ما أكثر المخلصين في حارتنا، وما أضيع المعنى! لم يكن صاحب نظام الطيبات أول المخلصين، ولن يكون آخرهم؛ فقد مرَّ بنا من قال لنا: ارفعوا رؤوسكم فقد مضى عهد الاستعباد، وصدقه البعض فقطعت رؤوسهم قبل أن يهموا برفعها، ثم مضى ورؤوسنا جميعًا منكسة بالنكسة. ومرت بنا جماعة أكدت أن الإسلام هو الحل، ثم اكتشفنا أنهم لا يملكون الحل ولا يعرفون الإسلام. وأتانا من وعدنا بمعالجة الإيدز وفيروس “سي” بتقنية “صباع الكفتة”، ثم مضى والأمراض أكثر تمكنًا من أجساد الناس وعقولهم. ولأن المعنى فوق الأرض بعض من تخيلنا، لو لم نجده عليها لاخترعناه، ولأن آفة حارتنا النسيان -كما قال نجيب محفوظ- صار مجتمعنا سوقًا واعدة لرواكد الأفكار وفقاعات اللامعنى التي حولت الفضاء العام إلى فراغ تام، أوشك أن يلتهم ما تبقى من المنطق في ظل عجز الدولة والمجتمع عن صنع القيمة واسترداد المعنى.

 ميادة مدحت


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى