الكرك: جدلية الألم في مواجهة أيديولوجيا العدم
من معاذ الكساسبة إلى قلعة الكرك وكنيسة حمود: قراءة فلسفية في الصمود والتعددية ومواجهة أيديولوجيا العدم

إذن الدخول:
كتبت جملة صغيرة على صفحتي؛ في الفيسبوك، عن حادثة كنيسة حمود، وقدمت فيها إسمي الشهيدين سائد المعايطة ومعاذ الكساسبة؛ لسببين، أولهما أن ما وقع يستهدف “النموذج”، وليس الكرك المكان، وثانيهما، أن الإرهاب هو فعلًا لا دين له. فقد بدأ بالمسلمين ولم تأخذه رأفة بالمسيحيين، لأنه يعلم أن ما بين الوجهين للعملة الإنسانية الكركية وشيجة وجود لا انفصام لعروتها الوثقى. وسبب إضافي ربطني بالفاجعتين الأولى والثانية، مُشَكِّلًا مواقف خاصة، سأتَحَيَّن سانحة أخرى لروايتهما. واليقين عندي أن الكرك تُمثّل في الوجدان الأردني والعربي نموذجًا أصيلًا للعيش المشترك؛ حيث تتجاور مآذن المساجد مع أجراس الكنائس لا كحالة من التسامح الشكلي، بل كاندماج اجتماعي وعشائري وتاريخي عميق. من هنا، فإن أي محاولة للمساس بهذا النسيج، أو افتعال حوادث تستهدف دور العبادة المسيحية، أو الوجود المسيحي في الكرك، لا تُقرأ بوصفها مجرد اعتداء مادي، بل هي “مؤامرة وجودية” تستهدف تفخيخ العقد الاجتماعي وضرب فكرة التعددية من جذورها.
الكساسبة:
قبل أن تشهد كنيسة حمود مواجهتها الدامية مع الإرهاب، كانت هذه المنطقة الأردنية العريقة قد قدمت قربانًا من نوع آخر، جسّد ذروة التراجيديا الإنسانية والوطنية؛ الشهيد الطيار معاذ الكساسبة. ولا يمكن قراءة مأساة الكساسبة في عام 2015 بمعزل عن الروح الكركية، التي تمزج بين الفجيعة والكبرياء؛ فهي ليست مجرد حادثة إعدام طيار أسير، بل هي محطة رمزية مكثفة تعكس صراعًا جذريًا بين قيم الوجود والعدم، يمكن تأملها عبر عدة أبعاد:
أولها، فشل “استعراض التوحش” وتأسيس النقيض، إذ حاول تنظيم داعش من خلال الطريقة السينمائية المروعة لإعدام الكساسبة أن يخلق “استعراضًا للتوحش”، ويهدف نفسيًا إلى شلّ إرادة الخصم وزرع الرعب المطلق في الوعي الجمعي. لكن النتيجة جاءت عكسية تمامًا؛ فبدلًا من تفكيك الروح المعنوية، تحول مشهد النهاية إلى نقطة انصهار وطني أردني. فقد كشفت تلك اللحظة القاسية أن الموت البشع لا يمحو الكرامة، بل يجرّد القاتل من أي ادعاء أخلاقي، أو ديني، ويحوله إلى مجرد كائن عدمي يقتات على الألم.
ثانيها، رمزية السماء والنار في هذه المأساة، تبرز مفارقة رمزية حادة؛ فمعاذ الكساسبة، بحكم انتمائه للسماء كطيار، يمثل في المخيال الإنساني الحرية، والانطلاق، وحماية الأوطان من الأعلى. في المقابل، اختار قاتلوه الأرض، والقفص الضيق، والنار؛ كعنصر للتدمير المادي، لإنهاء حياته. هذه المواجهة بين رحابة السماء وضيق القفص هي تجسيد مادي للصراع بين الفكر الحر المنفتح على الحياة، والأيديولوجيا المنغلقة، التي لا ترى العالم إلا من خلال قضبان الموت.
وثالثها، الكرك كجغرافيا للألم والكبرياء في الفلسفة الوجودية، حيث يكتسب الإنسان والمكان معناهما من خلال كيفية استجابتهما للأزمات الكبرى. فالكرك، بوصفها مدينة حدودية وتاريخية اعتادت أن تكون خط الدفاع الأول، لم تتعامل مع فقدان ابنها كحالة يأس وانكسار، بل كجزء من ضريبة تاريخية تدفعها دفاعًا عن فكرة “الدولة” والمجتمع. فتحول الكساسبة إلى أيقونة كركية جديدة تُضاف إلى قلعتها، ليصبح الحزن عليه حزنًا نبيلًا، يحمل في طياته عنفوانًا يتجاوز البكاء إلى تأكيد الصمود.
ورابعها، إعادة صياغة الوعي الجمعي، إذ مثّلت حادثة الكساسبة صدمة أخلاقية أيقظت المنطقة بأسرها على حقيقة التطرف البشعة. وفلسفيًا وسوسيولوجيًا، تعمل الصدمات الكبرى إما على تدمير المجتمعات، أو إعادة هيكلة وعيها. ومأساة الكساسبة سحبت أي غطاء، أو تعاطف خفي كان يمكن أن تتدثر به الجماعات المتطرفة، وأسست لوعي جمعي حاسم يرى في الإرهاب عدوًا وجوديًا لا يمكن المهادنة معه.
لقد نزف قلب الكرك دمًا في مأساة معاذ الكساسبة، لكن هذا النزيف لم يكن عبثيًا. لقد احترق الجسد، لكن الفكرة بقيت؛ لتثبت أن النار، التي أرادوها أداة للإفناء، تحولت إلى نور كشف زيفهم، وخلّد اسم الكساسبة كشاهد أبدي على انتصار الإنسانية على التوحش. لذلك، يمكن قراءة حادثة قلعة الكرك الإرهابية، التي وقعت عام 2016، واستشهد فيها سائد المعايطة، ليس بوصفها مجرد اختراق أمني، أو حدث جنائي عابر، بل هي في جوهرها صدام درامي بين فلسفة الحياة وأيديولوجيا الموت، ومواجهة بين تجذر التاريخ وعبثية العدمية. فمن منظور فلسفي، تتجاوز هذه الحادثة تفاصيلها الميدانية لتطرح تساؤلات عميقة حول الطبيعة البشرية، ومفهوم الانتماء، وجذور التطرف. ولفهم أبعاد هذه الحادثة فلسفيًا، يمكن تفكيكها عبر عدة محاور:
أولًا، مفارقة المكان؛ ففي صراع البقاء والعدم نجد أن قلعة الكرك ليست مجرد حجارة متراكمة، بل هي كيان أنطولوجي (وجودي) يمثل الصمود، وتراكم الحضارات، ومرور الزمن. وكانت محاولة الجماعات الإرهابية التحصن في هذا المعلم التاريخي محاولة بائسة لفرض “اللحظة العدمية” على “التاريخ الممتد”. والإرهاب بطبيعته يمثل انقطاعًا عن الحضارة وسعيًا لتدمير الذاكرة، بينما تمثل القلعة الاستمرارية. ففي هذا الصراع، انتصر منطق البقاء المتجذر في الأرض على العبثية الطارئة، التي حاولت استخدام التاريخ كدرع مؤقت.
ثانيًا، تشييء الإنسان وتسليع الأرواح؛ إذ تقوم الفلسفة الإنسانية، وخاصة عند فلاسفة مثل إيمانويل كانط، على مبدأ أن الإنسان “غاية في ذاته” ولا يجوز استخدامه كـ”وسيلة”. فالإرهاب في حادثة الكرك جسّد النقيض التام لهذا المبدأ؛ حيث تم تجريد المدنيين والسياح ورجال الأمن من إنسانيتهم وتحويلهم إلى مجرد أدوات، أو “أرقام” في رسالة دموية موجهة للعالم وللسلطة. وهذا التسليع للأرواح يعكس أزمة أخلاقية وروحية عميقة تتمثل في الفراغ الوجودي وفقدان الإحساس بقيمة الحياة.
ثالثًا، الغرور المعرفي واحتكار الحقيقة؛ إذ ينبع الفعل الإرهابي من وهم امتلاك “الحقيقة المطلقة”. الفاعلون في الكرك لم يتصرفوا من فراغ، بل من حالة استعلاء أيديولوجي تعتقد أنها تمتلك التفويض الإلهي، أو الحصري للحكم على الآخرين بالموت. فلسفيًا، هذا يمثل أقصى درجات الغرور المعرفي، حيث يغلق العقل منافذ الشك والتفكير النقدي، ويتحول إلى آلة صماء تنفذ أوامر القتل دون أي رادع أخلاقي، معتبرًا أن تدمير الآخر هو السبيل الوحيد لإثبات الذات.
رابعًا، التضامن العضوي ومناعة المجتمع؛ ولعل أبرز تجليات حادثة الكرك تمثلت في ردة فعل الأهالي والمجتمع المحلي. بدلًا من الرضوخ للخوف، الذي يمثل الهدف الاستراتيجي لأي عمل إرهابي، أظهر سكان الكرك تضامنًا عفويًا وفدائية في مساندة قوات الأمن. يمكن قراءة هذا من خلال مفهوم “التضامن العضوي”، أو حتى مفهوم “العصبية” الإيجابية عند ابن خلدون، حيث تتفعل آليات الدفاع الذاتي للمجتمع ضد الأجسام الغريبة، التي تحاول اختراقه. أثبتت الحادثة أن التماسك المجتمعي هو الحاجز الفلسفي والعملي الأقوى في مواجهة أيديولوجيات التفكيك.
كنيسة حمود:
ورغم أن الحادثتين، في 2015 ن2016، تجسدان تجربة قاسية ولكنها كاشفة؛ فقد أسقطت الأقنعة عن وجه التطرف، الذي لا ينتج سوى العدم، وأكدت في المقابل أن إرادة الحياة، متى ما ارتبطت بالوعي المجتمعي والانتماء الحقيقي، قادرة على تحجيم قوى الظلام وإعادة ترميم الوجود الإنساني حتى في أحلك اللحظات. وعلى هذا الأساس، يمكن تفكيك البعد النفسي والاجتماعي لمؤامرة كنيسة حمود عبر عدة مستويات:
الأول، استهداف “النموذج” وليس فقط المكان؛ إذ إن الهدف العميق لأي فكر متطرف يستهدف كنيسة في مجتمع كالكرك ليس مجرد إلحاق الأذى المادي، بل تحطيم “النموذج”. والفكر الإرهابي، أو الإقصائي يعتاش على ثنائيات حدية؛ “نحن وهم، دار كفر ودار إيمان”، وهذا الفكر يختنق في البيئات، التي تتلاشى فيها هذه الفروق لصالح الهوية الوطنية والإنسانية. فالكرك، بتركيبتها العشائرية، التي لا تفرق بين مسلم ومسيحي في الدم والمصير، تمثل استفزازًا صارخًا للأيديولوجيات الظلامية. لذا، يصبح ضرب هذا التلاحم غاية استراتيجية لتبرير وجود هذا الفكر المنحرف.
الثاني، محاولة استنبات “الهويات الفرعية” القاتلة؛ إذ يسعى العنف الطائفي إلى إجبار الأفراد على التخندق خلف هوياتهم الدينية الضيقة على حساب هويتهم الإنسانية والوطنية الشاملة، وهو ما أسماه أمين معلوف بـ”الهويات القاتلة”. والمؤامرة هنا تكمن في محاولة خلق حالة من “البارانويا”، أو “الارتياب” المتبادل بين أبناء المجتمع الواحد، وتحويل التنوع الطبيعي إلى نقطة ضعف قابلة للاشتعال. غير أن الوعي التاريخي لأبناء الكرك طالما أجهض هذه المحاولة، مبقيًا الانتماء للأرض والمجتمع هو الأساس، الذي لا يقبل المساومة.
الثالث، هشاشة المؤامرة أمام “التضامن العضوي” في مواجهة محاولات بث الفتنة، التي تبرز قوة “التضامن العضوي” للمجتمع. فالعيش المشترك في الكرك ليس قرارًا سياسيًا فوقيًا يمكن إسقاطه بحادثة، بل هو تراكم مئات السنين من الذاكرة المشتركة، والأفراح، والأحزان، والتحالفات الاجتماعية. هذا الجذر العميق يجعل من أي محاولة لشق الصف محاولة سطحية وعابرة، تصطدم بجدار من المناعة المجتمعية، التي ترفض تحويل الدين من مساحة للسمو الروحي إلى أداة للاحتراب الأهلي.
الرابع، تأكيد حتمية التعددية كشرط للبقاء؛ إذ تُعلّمنا الفلسفة الاجتماعية أن المجتمعات، التي تفقد تنوعها تفقد مرونتها وقدرتها على الإبداع والتجدد. فالحفاظ على الكنيسة في الكرك، والذود عنها، هو في جوهره دفاع عن الروح التعددية، التي تمنح المدينة هويتها الحضارية. وفشل هذه المؤامرات المتعاقبة هو انتصار لمنطق الحياة والتكامل، وتأكيد على أن محاولات جرّ المجتمعات المتماسكة إلى مربع الصراع الطائفي هي معارك خاسرة سلفًا أمام إرادة مجتمع اختار أن يكون التنوع مصدر غنى، لا مبرر إلغاء.
خواتيم:
في التحليل الأخير، لا تقف الكرك في الجغرافيا الأردنية مجرد مدينة ذات أسوار تاريخية، بل تتجاوز ذلك لتشكل مسرحًا إنسانيًا ووجوديًا مكثفًا، تتصادم فيه قيم الحياة والبقاء مع قوى العدم والتفكيك. فقد توالت على هذه المدينة أحداث فاصلة؛ بدءًا من المأساة التراجيدية للشهيد معاذ الكساسبة، مرورًا بالهجوم الإرهابي على قلعتها، وصولًا إلى المحاولات البائسة لاستهداف نسيجها الاجتماعي وكنيستها. عند دمج هذه الأحداث في سياق واحد، تتشكل أمامنا سردية متكاملة لصراع الإنسان والمكان ضد محاولات الإلغاء، حيث تتحول الفجيعة إلى أداة لصياغة وعي جمعي عصي على الكسر.
والآن، لا تطوي الكرك صفحة هذه الأحداث كجراح غائرة، بل تعيد إنتاجها عبر “كيمياء الألم” لتصنع منها بوصلة للمستقبل. إذ إن الاستشراف الفلسفي لمآلات هذه المدينة يخبرنا أن التاريخ لا يسير في دوائر مغلقة من العنف، بل يرتقي في مسار تصاعدي نحو ترسيخ المعنى. فالنار، التي أُريد لها أن تكون أداة للإفناء، والرصاص، الذي حاول أن يخدش كبرياء القلعة، والمؤامرات التي سعت لتسميم بئر العيش المشترك، لم تفعل سوى إشعال نور كاشف يبدد عتمة الكهوف الأيديولوجية.
وغداً، حين يتأمل القادمون فصول تلك الحقبة، لن يلمسوا فيها مجرد ندوب مريرة، بل سيقرؤونها كـ”خريطة نجاة”؛ بِنْيَة تحتية لوعي مجتمعي حصين اكتسب مناعته من أقسى الاختبارات. وستظل قلعة الكرك واقفة، لا كأثر حجري يحرس الماضي، بل كفكرة حية ومركز إشعاع مستقبلي يثبت أن الطارئين الذين يعتاشون على صناعة الموت يطويهم النسيان بمجرد انقشاع غبار عبثيتهم، بينما يخلد المتجذرون الذين يتقنون صناعة الحياة. إنها حتمية الانتصار الوجودي؛ التي توضح أن مآذن الكرك ستستمر في معانقة أجراسها لنسج سيمفونية البقاء، لتؤكد للعالم أجمع أن المدن العظيمة قد تنزف، وقد تُختبر بالنار، لكنها أبداً لا تنتهي إلى رماد؛ بل تنبعث أشد صلابة وأكثر إشراقاً، لتشهد على الهزيمة الأبدية للعدم أمام خلود الإنسان.
الدكتور الصادق الفقيه
* الأمين العام السابق لمنتدى الكر العربي، الأردن، أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية، جامعة سكاريا، تركيا
السبت، 24 تشرين الأول/أكتوبر 2026
سكاريا، تركيا
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






