
“ليس السؤال الحقيقي: هل يستطيع المنطق أن يثبت الدين؟ بل: هل يمكن للدين، بوصفه خطابًا إنسانيًا، أن يكون موضوعًا للتحليل المنطقي؟” – جوزيف ماريا بوخينسكي.
مقدمة
لم تعرف الفلسفة إشكالية أكثر استمرارية من إشكالية العلاقة بين العقل والإيمان. فمنذ أن أصبح العقل أداةً للتمييز بين الحقيقة والوهم، والبرهان معيارًا للحكم على صدق القضايا، ظل السؤال قائمًا: هل يمتد سلطان العقل إلى الدين، أم أن الدين ينتمي إلى مجال آخر يتجاوز قواعد الاستدلال المنطقي؟
وقد اتخذ هذا السؤال صورًا متعددة عبر التاريخ، ففي حين سعت الفلسفة المدرسية إلى التوفيق بين العقل والوحي، ذهبت فلسفات أخرى إلى الفصل بينهما، بل إلى نفي إمكان إخضاع الخطاب الديني لأي معيار عقلي. ومع تطور المنطق الرياضي والفلسفة التحليلية في القرن العشرين، لم يعد النقاش يدور حول وجود الله أو صحة العقائد الدينية فحسب، بل أصبح يتركز حول البنية المنطقية للخطاب الديني نفسه: هل يمتلك هذا الخطاب اتساقًا داخليًا؟ وهل يمكن تحليله بأدوات المنطق دون المساس بطبيعته الإيمانية؟
في هذا السياق يبرز مشروع الفيلسوف والمنطقي البولندي جوزيف ماريا بوخينسكي(1995-1902)، الذي حاول إعادة صياغة العلاقة بين المنطق والدين بعيدًا عن الصراع التقليدي بين العقل والإيمان. ولا ينطلق بوخينسكي من محاولة البرهنة على صدق العقائد الدينية أو الدفاع عنها لاهوتيًا، بل من سؤال إبستمولوجي ومنطقي أكثر تحديدًا: هل يمكن أن يوجد منطق للدين؟ والإجابة عن هذا السؤال لا تقتضي فهم مشروعه وحده، بل تتطلب تتبع التطور التاريخي لفكرة العلاقة بين المنطق والدين.
أولاً: المنطق بوصفه آلةً للمعرفة
ارتبط المنطق منذ نشأته بالفلسفة اليونانية، إلا أن صورته النسقية لم تكتمل إلا مع أرسطو، الذي وضع مؤلفاته المنطقية فيما عُرف لاحقًا باسم الأورغانون (Organon)، أي “الآلة” أو “الأداة”. ولم يكن المنطق عند أرسطو علمًا قائمًا بذاته بقدر ما كان منهجًا لجميع العلوم، فهو الأداة التي تُمكّن العقل من الانتقال الصحيح من المقدمات إلى النتائج، وتمييز البرهان (Apodeixis) من الجدل (Dialectic) والسفسطة (Sophistry).
لقد نظر أرسطو إلى المنطق بوصفه علمًا صوريًا (Formal Science)، فهو لا يبحث في صدق القضايا من حيث مضمونها، وإنما في صحة بنائها الاستدلالي. ومن هنا اكتسب المنطق طابعه الكوني، إذ لا يختص بمجال معرفي معين، بل يشكل الإطار الذي تنتظم داخله جميع ضروب التفكير البرهاني.
ومع ذلك، فإن الدين – بالمعنى الإبراهيمي – لم يكن موضوعًا مباشرًا للمنطق الأرسطي. فالمنطق وُضع أساسًا لتحليل الخطاب الفلسفي والعلمي، لا التجربة الدينية. ولهذا سيظل السؤال عن إمكان تطبيق المنطق على الدين مؤجلًا قرونًا طويلة، إلى أن أصبحت الفلسفة نفسها معنية بالعلاقة بين العقل والوحي.
ثانياً: انتقال المنطق الى الفلسفة الإسلامية واللاهوت المدرسي
لم تتوقف مسيرة المنطق عند الحضارة اليونانية، بل انتقل إلى الحضارة العربية الإسلامية عبر حركة الترجمة الكبرى في العصر العباسي، حيث تُرجمت مؤلفات أرسطو وشروحها السريانية إلى العربية، فأصبح المنطق جزءًا من التكوين الفلسفي والكلامي للمفكرين المسلمين.
وقد منح الفلاسفة المسلمون المنطق مكانة مركزية. فاعتبره الفارابي “رئيس العلوم الآلية”، ورأى أنه الميزان الذي يُصان به الفكر من الخطأ، بينما عمل ابن سينا على تطوير كثير من مباحثه وإعادة تنظيمها بما يتلاءم مع مشروعه الفلسفي. أما ابن رشد، فقد دافع عن شرعية استخدام المنطق في فهم النصوص الدينية، معتبرًا أن البرهان العقلي لا يناقض الوحي الصحيح، لأن الحقيقة لا تضاد الحقيقة.
وتكشف هذه المرحلة عن تحول بالغ الأهمية، إذ لم يعد المنطق مجرد أداة للبحث الفلسفي، بل أصبح وسيلة لفهم الخطاب الديني نفسه، وإن ظل ذلك داخل الإطار اللاهوتي، لا بوصفه تأسيسًا لـ”منطق الدين” بالمعنى الذي سيظهر لاحقًا.
وفي الغرب اللاتيني، بلغت هذه المحاولة ذروتها مع الفلسفة المدرسية. فقد رفع أنسلم الكانتربري شعاره الشهير”الإيمان الباحث عن الفهم”، معبرًا عن قناعة مفادها أن الإيمان لا يكتمل إلا بالسعي إلى فهم موضوعه بالعقل. ثم جاء توما الأكويني ليبلور أكثر مشروعات التوفيق بين العقل والوحي نضجًا، مؤكدًا أن الفلسفة واللاهوت طريقان مختلفان نحو حقيقة واحدة، وأن التعارض بينهما لا يكون إلا ظاهريًا.
ومع ذلك، لم يكن هدف هؤلاء الفلاسفة بناء “منطق للدين”، وإنما استخدام المنطق في خدمة اللاهوت الطبيعي والدفاع عن العقائد الدينية. أي إن المنطق ظل أداة خارجية لتبرير الإيمان، لا علمًا يدرس البنية المنطقية للخطاب الديني ذاته.
ثالثاً: من أزمة الميتافيزيقا إلى ميلاد المنطق الحديث
أحدث العصر الحديث تحولًا جذريًا في موقع العقل داخل الفلسفة. فلم يعد السؤال هو: كيف يخدم العقل الإيمان؟ بل أصبح: ما حدود العقل نفسه؟
وقد ساهم ديفيد هيوم في تقويض كثير من الأسس التقليدية للميتافيزيقا، عندما أخضع مفاهيم العلية والجوهر والنفس للنقد التجريبي، داعيًا إلى عدم تجاوز الخبرة الحسية في بناء المعرفة. ثم جاء إيمانويل كانط ليعلن أن العقل النظري عاجز عن البرهنة على موضوعات الميتافيزيقا، ومنها وجود الله، لأن هذه الموضوعات تقع خارج حدود الخبرة الممكنة. ومع ذلك، لم ينفِ كانط قيمتها، بل أعاد تأسيسها في إطار العقل العملي والأخلاق.
لقد كان أثر هذا التحول بالغًا، إذ لم يعد الدين يُرفض لأنه باطل، بل لأنه يقع خارج مجال البرهان العقلي الصارم. ومن هنا بدأت تتبلور تدريجيًا الفكرة التي ستصل إلى ذروتها في القرن العشرين: أن القضايا الدينية ليست مجرد قضايا غير مبرهنة، بل ربما تكون – وفق بعض الاتجاهات – غير قابلة للتحليل المنطقي أصلًا.
وازداد هذا الاتجاه قوة مع الثورة التي أحدثها المنطق الرياضي في أواخر القرن التاسع عشر، على يد جوتلوب فريجه، ثم برتراند راسل وألفرد نورث وايتهد. فقد انتقل المنطق من صورته الأرسطية التقليدية إلى نسق رمزي شديد الدقة، أصبح قادرًا على تحليل اللغة والاستدلالات بدرجة غير مسبوقة.
وفي الوقت نفسه، كانت المدرسة المنطقية البولندية – التي ينتمي إليها بوخينسكي – تطور أدوات جديدة في المنطق الصوري على يد يان ووكاشيفيتش وألفرد تارسكي، وهو ما أسهم في توسيع نطاق تطبيق المنطق ليشمل مجالات لم تكن تُعد سابقًا قابلة للتحليل المنطقي.
لكن المفارقة أن هذا التطور نفسه سيقود إلى ظهور اتجاه فلسفي سيعلن أن الدين يقع خارج حدود المعنى المنطقي، وهو الاتجاه الذي سيعرف لاحقًا باسم الوضعية المنطقية. ومن هنا تبدأ المرحلة التي تشكل الخلفية المباشرة لمشروع بوخينسكي.
رابعاً: الوضعية المنطقية وإعلان القطيعة مع الخطاب الديني
إذا كان القرن التاسع عشر قد شهد ميلاد المنطق الرمزي، فإن القرن العشرين عرف محاولة أكثر طموحًا، تمثلت في جعل المنطق معيارًا للمعنى نفسه. فقد تبنى أعضاء حلقة فيينا، وعلى رأسهم رودلف كارناب وموريتس شليك، ما عُرف بـ مبدأ التحقق، الذي يقضي بأن القضية لا تكون ذات معنى معرفي إلا إذا كانت قابلة للتحقق تجريبيًا أو كانت قضية تحليلية صورية، كما في الرياضيات والمنطق.
وبناءً على هذا المبدأ، أصبحت معظم القضايا الميتافيزيقية، بما فيها القضايا الدينية، خارج دائرة المعنى المعرفي. فالقول: “الله موجود” أو “الله رحيم” لا يمكن – بحسب المناطقة الوضعيين – إخضاعه للتحقق التجريبي، كما أنه ليس قضية تحليلية، ومن ثم فهو لا يُوصف بالصدق أو الكذب، بل يُعد فاقدًا للمعنى المعرفي أصلًا.
وقد كان ألفرد جولز آير أكثر وضوحًا في عرض هذا الموقف، حين أكد أن الخلافات اللاهوتية ليست خلافات علمية يمكن حسمها بالبرهان، بل هي تعبيرات عن مواقف نفسية أو وجدانية، ومن ثم فإن المنطق لا يجد فيها موضوعًا يمكن تحليله.
لقد مثّل هذا الموقف نقطة تحول في فلسفة الدين، إذ لم يعد النزاع يدور حول صدق العقائد، وإنما حول مشروعية اللغة الدينية ذاتها. فبدلًا من أن يُقال إن البرهان على وجود الله غير كافٍ، أصبح يُقال إن القضية نفسها تفتقر إلى المعنى المنطقي.
ولم يكن هذا الموقف مجرد خلاف لاهوتي، بل كان نتيجة مباشرة لفهم مخصوص للمنطق، يختزل وظيفته في تحليل القضايا القابلة للتحقق، ويستبعد كل خطاب يتجاوز التجربة الحسية.
خامساً: بوخنسكي، نقل الإشكالية إلى مستوى جديد
ضمن هذا السياق الفلسفي يبرز مشروع جوزيف ماريا بوخينسكي، بوصفه محاولة لإعادة صياغة السؤال نفسه. فهو لا يبدأ بالسؤال التقليدي: “هل الله موجود؟”. ولا يسعى إلى إقامة براهين جديدة على وجوده، كما فعلت الفلسفة المدرسية، ولا إلى الدفاع عن الإيمان ضد الوضعية المنطقية من داخل اللاهوت، وإنما يطرح سؤالًا أكثر تواضعًا من حيث الصياغة، وأكثر عمقًا من حيث النتائج: هل يمكن أن يوجد منطق للدين؟
ويكشف هذا السؤال عن تحول منهجي مهم، إذ ينتقل البحث من مضمون العقيدة إلى بنية الخطاب الذي يعبر عنها. فالمنطق، في نظر بوخينسكي، لا يُطلب منه أن يبرهن على الإيمان، بل أن يدرس العلاقات المنطقية بين القضايا الدينية، وأن يبحث في اتساقها الداخلي، وفي أنماط الاستدلال التي يقوم عليها الخطاب الديني.
ومن هنا يختلف مشروعه عن المشروع المدرسي القديم، فتوما الأكويني كان يوظف المنطق لخدمة اللاهوت، أما بوخينسكي فيجعل الدين نفسه موضوعًا للتحليل المنطقي.
وهذا الفرق الدقيق هو ما يغيب عن كثير من القراءات التي تتعامل مع كتاب “منطق الدين” بوصفه كتابًا في الدفاع عن الدين، بينما هو في الحقيقة كتاب في فلسفة المنطق وفلسفة الدين معًا.
سادساً: تحليل إشكالية “منطق الدين”
يفتتح بوخينسكي النقطة الثامنة بإقرار حقيقة تبدو بديهية، وهي أن تطبيق المنطق على العلوم لا يثير أي إشكال، بينما يظل تطبيقه على الدين محل اعتراض واسع.
غير أن أهمية النص لا تكمن في هذه الملاحظة، وإنما في الطريقة التي يبني بها الحجاج الفلسفي، فهو لا يبدأ بالدفاع عن أطروحته، بل يعرض أولًا الاعتراضات التي يمكن أن تُوجَّه إليها، وهو منهج يقترب من الجدل السقراطي، ويعكس تقليدًا فلسفيًا يقوم على اختبار الفكرة من خلال أقوى الاعتراضات الممكنة عليها.
ويصوغ بوخينسكي ثلاثة اعتراضات رئيسة. الاعتراض الأول ذو طابع سيكولوجي، إذ يقوم على التمييز بين الانفعال والعقل. فالدين يُنظر إليه بوصفه تجربة وجدانية يغلب عليها الشعور والإيمان، في حين يُعد المنطق أعلى صور النشاط العقلي المجرد. ومن ثم يبدو الجمع بينهما جمعًا بين متناقضين. أما الاعتراض الثاني فهو ذو طبيعة إبستمولوجية، إذ يُقال إن الدين يقوم على الخبرة الذاتية، بينما يقوم المنطق على الموضوعية الكونية. فإذا كان الدين تجربة شخصية، فكيف يمكن إخضاعه لقواعد عامة؟ والاعتراض الثالث، فهو الأكثر عمقًا، لأنه يمس مصدر اليقين نفسه. فالقضايا الدينية تُقبل بالإيمان والثقة، في حين لا يعترف المنطق إلا بما يُقام عليه البرهان. وهنا يبدو أن الإيمان والبرهان يمثلان نمطين متباينين من المعرفة.
ولو توقف بوخينسكي عند هذا الحد، لكان قد أعاد إنتاج الاعتراضات التقليدية. غير أن قوته الفلسفية تظهر في الخطوة التالية، إذ يبين أن هذه الاعتراضات، رغم وجاهتها، لا تثبت ما تدعي إثباته.
إنها تثبت فقط أن ممارسة الدين ليست ممارسة منطقية، لكنها لا تثبت أن الدين لا يمكن أن يكون موضوعًا للتحليل المنطقي. وهنا يميز بوخينسكي بين مستويين غالبًا ما يختلطان في النقاشات الفلسفية، الفعل الديني والخطاب الديني.
فالصلاة، والعبادة، والثقة، والخشوع، كلها أفعال وجودية لا تحتاج إلى برهان لكي تتحقق. بل إن إخضاعها أثناء ممارستها للتحليل المنطقي قد يفسد طبيعتها الروحية، كما يشير بوخينسكي نفسه.
غير أن الخطاب الذي يصف هذه الأفعال، أو يفسرها، أو يبني عليها عقائد واستدلالات، يختلف عنها اختلافًا جذريًا. فهو خطاب لغوي، وكل خطاب لغوي قابل – من حيث المبدأ – للتحليل المنطقي. إن هذا التمييز هو في الحقيقة جوهر مشروع منطق الدين.
سابعاً: تشبيه الحب، قوة المثال وحدوده
لعل أكثر أجزاء النص أصالة هو المثال الذي يورده بوخينسكي عن الحب. فالحب أيضًا ليس علمًا، ولا يحتاج الإنسان إلى دراسة البيولوجيا أو علم النفس حتى يقع في الحب.
ومع ذلك، توجد علوم متعددة تدرس الحب بوصفه ظاهرة إنسانية: علم النفس، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، بل وحتى علوم الأعصاب. إن وجود هذه العلوم لا يحول الحب إلى معادلة رياضية، ولا يلغي طبيعته الوجدانية.
ومن هنا ينتقل بوخينسكي إلى القياس على الدين، فإذا كان وجود علم نفس الدين أو علم الاجتماع الديني لا يُعد تهديدًا للدين، فلماذا يُنظر إلى المنطق باعتباره استثناءً؟
وهنا تتجلى إحدى أهم فضائل التفكير التحليلي، فهو لا يخلط بين الظاهرة وبين العلم الذي يدرس الظاهرة. فكما أن وجود علم للجمال لا يعني أن الفنان يرسم وفق قوانين علم الجمال، ووجود علم اللغة لا يعني أن المتحدث يفكر في قواعد النحو أثناء حديثه، فإن وجود منطق للدين لا يعني أن المؤمن يستدل منطقيًا قبل أن يؤمن.
وبهذا يهدم بوخينسكي الاعتراض الرئيس على مشروعه، دون أن يضطر إلى الدفاع عن العقائد نفسها، لأنه ينقل النقاش من مستوى الإيمان إلى مستوى التحليل المفهومي.
ثامناً بوخنسكي وفلسفة اللغة، من صدق العقيدة الى منطق الخطاب
تكمن أصالة مشروع بوخينسكي في أنه ينقل البحث من سؤال الحقيقة إلى سؤال المعنى، ومن مضمون العقيدة إلى البنية المنطقية للخطاب الذي يعبر عنها. فالمشكلة، في نظره، ليست أن الدين يعجز عن إقامة البرهان على قضاياه، بل أن الفلاسفة كثيرًا ما خلطوا بين الإيمان بوصفه فعلًا وجوديًا والخطاب الديني بوصفه نسقًا لغويًا.
ومن هذه الزاوية يلتقي مشروعه مع أحد أهم التحولات التي شهدتها الفلسفة التحليلية في القرن العشرين، وهو الانتقال من دراسة الفكر إلى دراسة اللغة. فمنذ أعمال فريجه ثم راسل، لم يعد المنطق مجرد نظرية في التفكير الصحيح، بل أصبح أداة لتحليل بنية اللغة والكشف عن العلاقات المنطقية الكامنة فيها.
غير أن بوخينسكي يختلف عن الوضعية المنطقية في نقطة جوهرية، فهو لا يجعل التحقق التجريبي معيارًا وحيدًا للمعنى، بل يرى أن للخطاب الديني منطقه الخاص، شأنه شأن الخطابات الأخلاقية والقانونية والجمالية. ومن ثم فإن الحكم على اللغة الدينية لا يكون باستبعادها لأنها لا تنتمي إلى لغة العلم، وإنما بتحليل قواعدها الداخلية، وأنماط الاستدلال التي تقوم عليها، ومدى اتساق مفاهيمها.
وهنا تظهر قيمة مفهوم الاتساق المنطقي في مشروعه. فالمنطق، بحسب بوخينسكي، لا يمنح العقيدة صدقها، ولا ينتزع عنها مشروعيتها، وإنما يفحص سلامة بنيتها الاستدلالية، ويكشف مواضع التناقض أو الغموض أو الالتباس إن وجدت. ولذلك فإن وظيفة منطق الدين أقرب إلى وظيفة منطق القانون أو منطق الأخلاق، فهو لا يصنع موضوعه، بل يحلل صورته العقلية.
تاسعاً: قراءة نقدية لمشروع “منطق الدين”
على الرغم من القوة التحليلية التي يتميز بها مشروع بوخينسكي، فإنه لا يخلو من تساؤلات فلسفية تستحق الوقوف عندها، ولا سيما فيما يتعلق بطبيعة الخطاب الديني وحدود التحليل المنطقي له.
أولى هذه التساؤلات تتعلق بطبيعة اللغة الدينية نفسها. فهذه اللغة لا تقتصر على القضايا الخبرية التي يمكن إخضاعها للتحليل المنطقي، بل تضم أيضًا أنماطًا رمزية واستعارية وطقسية وتأويلية، وهي أنماط لا تؤدي وظيفة تقريرية بالمعنى التقليدي الذي تقوم عليه القضايا المنطقية. ومن ثم يبرز التساؤل حول مدى قدرة أدوات المنطق الصوري على استيعاب جميع مستويات الدلالة التي تتضمنها اللغة الدينية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالحديث عن المطلق أو المقدس، حيث تتجاوز اللغة في كثير من الأحيان حدود الوصف المباشر إلى الرمز والإيحاء.
ويثار أيضًا سؤال يتعلق بتعدد الأنساق الدينية. فإذا كان لكل دين منظومته العقدية ومفاهيمه ورموزه الخاصة، فهل يمكن الحديث عن منطق واحد للدين بوصفه علمًا عامًا، أم أن لكل دين منطقه الداخلي الذي تحكمه مقدماته ومسلماته الخاصة؟ ويكتسب هذا التساؤل أهمية متزايدة في ظل التعدد الديني والثقافي الذي يميز العالم المعاصر، والذي يكشف عن اختلافات جوهرية في البنى المفاهيمية وطرائق بناء الخطاب الديني.
ومن جهة أخرى، قد يؤخذ على بوخينسكي أنه ركز بصورة أساسية على البنية الصورية للخطاب الديني، بينما أولى اهتمامًا أقل للسياقات التاريخية والثقافية واللغوية التي تتشكل داخلها العقائد. فالعقائد لا تنشأ داخل فراغ منطقي مجرد، وإنما تتكون عبر مسارات تاريخية واجتماعية معقدة تؤثر في صياغة مفاهيمها وتطورها وفهمها. وقد أولت مدارس التأويل الفلسفي هذا البعد عناية كبيرة، إذ رأت أن فهم النصوص الدينية لا ينفصل عن سياقاتها التاريخية واللغوية، وهو ما يجعل التحليل المنطقي، على أهميته، أحد مستويات الفهم لا مستواه الوحيد.
ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تنال من القيمة الفلسفية لمشروع بوخينسكي، بقدر ما تكشف عن حدوده المنهجية وتفتح المجال لتطويره في ضوء مقاربات فلسفية أخرى. فقد أسهم المشروع في إعادة توجيه النقاش من الجدل التقليدي حول صدق المعتقدات الدينية أو بطلانها إلى سؤال أكثر دقة وعمقًا، وهو: كيف يمكن تحليل الخطاب الديني وفهم بنيته العقلية؟ وليس فقط: بماذا يؤمن الإنسان؟
خاتمة
إن قراءة كتاب “منطق الدين” تكشف أن بوخينسكي لم يكن يسعى إلى إقامة برهان جديد على وجود الله، ولم يكن بصدد الدفاع اللاهوتي عن العقائد الدينية، بل كان يعمل على إزالة سوء فهم فلسفي رافق العلاقة بين المنطق والدين قرونًا طويلة.
فالاعتراضات التي تستند إلى أن الدين يقوم على الإيمان، أو على الذاتية، أو على الانفعال، لا تنفي إمكان إخضاع الخطاب الديني للتحليل المنطقي، بل تنفي فقط أن يكون الفعل الديني نفسه فعلًا استدلاليًا. وهذا التمييز بين الفعل والخطاب، وبين التجربة ولغتها، هو الأساس الذي يقوم عليه مشروعه بأسره.
ومن هنا فإن أهمية بوخينسكي لا تكمن في النتائج التي انتهى إليها فحسب، بل في طبيعة السؤال الذي أعاد طرحه. فبدلًا من أن يجعل المنطق خصمًا للإيمان، جعله أداة لفهم بنية الخطاب الديني، وبدلًا من أن يحاكم الدين بمعايير العلوم الطبيعية، سعى إلى الكشف عن العقلانية الخاصة التي تنتظم مفاهيمه واستدلالاته.
ولعل القيمة الأعمق لهذا المشروع أنه يذكرنا بأن العلاقة بين العقل والإيمان ليست علاقة إلغاء أو تبعية، وإنما علاقة تمايز في الوظيفة. فالإيمان لا يُختزل في البرهان، كما أن البرهان لا يستطيع أن يحل محل الإيمان، غير أن هذا لا يمنع من أن يكون الدين، بوصفه خطابًا إنسانيًا، موضوعًا مشروعًا للتحليل الفلسفي والمنطقي.
وبهذا المعنى، لا يدعو بوخينسكي إلى “عقلنة الدين” بقدر ما يدعو إلى “عقلنة التفكير في الدين”. وهي دعوة ما تزال تحتفظ براهنيتها في زمن تتجاذبه، من جهة، نزعات علموية تستبعد كل ما لا يخضع للتجريب، ومن جهة أخرى، نزعات ترفض إخضاع الخطاب الديني لأي مساءلة عقلية. وبين هذين الطرفين يقترح بوخينسكي طريقًا ثالثًا، يجعل من المنطق أداة للفهم لا سلاحًا للإقصاء، ومن الفلسفة فضاءً للحوار لا ميدانًا للمخاصمة.
الأستاذ أسامة الرشق
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






