التنويريفكر وفلسفةكورونا

كورونا وصراع السلطة

صراع الخطاب الديني والمعرفة العلمية: كيف انتقلت المرجعية لإنقاذ البشرية من المنبر إلى المختبر

مرّت سبع سنوات تقريباً منذ تفشي وباء كورونا وما وقع من أزمة صحيّة عالمية حادّة، وبعيداً عن الخسائر البشرية الفادحة في الأرواح، والاضطرابات العنيفة سياسياً واقتصادياً، فإن هذه الجائحة كشفت تهافت أنماط كاملة من التفكير، وخاصة لأولئك الذين احتكروا الخطاب باسم الدين، ففي الوقت الذي كانت المستشفيات بكل طاقمها الطبي تربط ليلها بنهارها من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المرضى، وعلماء الكيمياء الحيوية يسابقون الزمن من أجل تحديد الشفرة الوراثية لهذا الفيروس تمهيداً لتطوير اللقاح المناعي، كان الكثير من رجال الدين يعلنون أن الوباء غضب رباني نزل على الصين الملحدة لاضطهادها المسلمين، ولكن وما إن انتقل المرض إلى بلاد المسلمين، تحوّل هذا الغضب الإلهي فجأة إلى ابتلاء يُصيب المؤمنين، والكارثة حين خرج بعضهم يطالبون الناس بالإكثار من الدعاء باعتباره الحل الوحيد لرفع هذا البلاء، فتجمعت الحشود والجماهير في الشوارع وأسطح العمارات لإقامة الصلوات والأدعية جماعة أمام حسرة الأطباء والمختصين الذين يقضون لياليهم بين أجهزة التنفس في غرف الإنعاش، مدركين مدى سرعة انتقال الفيروس مع كل احتكاك بشري، شعور بالألم وهم يرون بأعينهم أن الجهد العلمي الذي يطالب بالتباعد لقطع سلاسل انتقال كورونا يصطدم بسلوك جماهيري مدفوع بخطب دينية حماسية قاتلة.

لم يفهم الكهنة أن القضية ليست اختلاف في الرأي، وأنّ كل كلام منهم وفتاوى تقوّض إجراءات الحظر الصحي ستزيد من انتشار العدوى، ولهذا استمروا في تصعيدهم وكأنهم يريدون إثبات وجودهم كحلّ لا يقل أهمية عن أهل الطب، فانتقل بعضهم إلى خطاب المؤامرة، زاعمين أن الفيروس تمّ إنتاجه لضرب الإسلام وغلق المساجد، مع العلم أن قرار الغلق هو إجراء صحي عالمي شمل الكنائس والمعابد والملاعب والمسارح والمقاهي والمتاجر والمدارس والجامعات ووسائل النقل.

بعد حوالي عام كامل، تمكّن العلماء من تطوير اللقاح في بعض الدول المتقدمة مثل مخبر بفيزار بالولايات المتحدة، مخبر سبوتنيك الروسي، مخبر سينوفارم الصيني، مخبر أوكسفورد البريطاني وغيرهم، إلاّ أن الكهنوت لم يستسلم وراح يحذر الناس من هذه اللقاحات التي أثبتت لاحقاً أنها أنقذت ملايين البشر، والمؤسف أنّ خطاب المؤامرة لم يكن مجرد رأي خاطئ، بل تحوّل إلى تهديد مباشر للصحة العامة، عندما أقتنع آلاف الناس برفض اللقاحات أو الاستهانة بالإجراءات الوقائية، فدفع بعضهم الثمن غالياً (حياته أو حياة أقاربه).

المشكل ليس في الدين الذي لم يفقد أبداً قيمته الروحية والأخلاقية، وإنما فيمن يخلطون بين الإيمان والمعرفة العلمية، فلما اقتحم رجل الدين مساحة الطبيب والصيدلي والمنظمات الصحية لم يسيء إلى العلم فقط، بل أساء حتى إلى الدين نفسه، وفي كل الأحوال ستبقى كورونا في الذاكرة البشرية بوصفها أخطر وباء في عصرنا من جهة، وأنها الامتحان الذي سقط فيه كل من يتكلم باسم السماء من جهة أخرى، فحين اشتدت الأزمة، لم يكن الناس ينتظرون فتوى جديدة، بل نتائج المختبرات وتصريحات الأطباء وإرشاداتهم، ولم يكن العالم بحاجة إلى المزيد من الخطب والمواعظ، بل إلى المزيد من البحث العلمي للقضاء على المرض، وهكذا انتقلت المرجعية خلال الأزمة من المنبر إلى المختبر.

العفيفي فيصل 


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

العفيفي فيصل

الصفة: أستاذ التعليم الثانوي للغة الفرنسيَّة. البلد: الجزائر. الكفاءات: طالب دكتوراه في أصول الدين (جامعة تلمسان/ الجزائر) + شهادة الماستر في اللغة الفرنسيَّة (جامعة عين تموشنت/ الجزائر) + شهادة الدراسات التطبيقيَّة في القانون (جامعة التكوين المتواصل/ الجزائر). الإنجازات: كتاب "تصّور السببيَّة بين المدارس الكلاميَّة الكلاسيكيَّة والفكر الإسلامي المعاصر".

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى