التنويريفكر وفلسفة

مدخل الى كتاب منطق الدين – جوزيف ماريا بوخينسكي

قراءة تحليلية في تقاطع المنطق الصوري مع الخطاب الديني وعلم اللاهوت

في هذه المقدمة العامة، تُعرَض فكرة منطق الدين logic of religion (ويُشار إليه اختصارًا بـ “LR”)، كما تُبيَّن أصناف المشكلات الرئيسة التي يتناولها. ولتحقيق ذلك، لا بدّ أولًا من البحث في معنى “المنطق” (القسم 1)، ثم الانتقال إلى فحص مفهوم المنطق التطبيقي وشروط إمكان قيامه (القسم 2). وبعد الفراغ من ذلك، سنجري تحليلًا مماثلًا لمفهوم “الدين” (القسم 3)، يعقبه بحثٌ في مفهوم منطق الدين “LR” (القسم 4) وعلاقته باللاهوت، ولا سيما فيما يتعلق بالدراسات البوذية Buddhology (القسم 5). وأخيرًا، سيوضع برنامجٌ لمنطق الدين “LR” (القسم 6).

في المنطق العام On general logic

يُستعمل مصطلح “المنطق” في معانٍ متعددة، ومن المعروف صعوبة تقديم تعريفٍ تحليليٍّ جامعٍ له. غير أنّه إذا اقتصرنا على ما يُمارَس فعلًا تحت هذا الاسم في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، أمكننا أن نظفر – إن لم يكن بتعريفٍ دقيق – فعلى الأقل بوصفٍ يقرّب المقصود من “المنطق”. والواقع أنّ هناك، على الأقل،  أربعةَ أنواع من الدراسات التي كان يطلق اسم “المنطق” عليها بالمعنى الواسع للكلمة، [1.1] وهي: المنطق الصوري Formal Logic، والسيميائيات Semiotics، والمنهجية Methodology، وفلسفة المنطق Philosophy of Logic.

  1. المنطق الصوري، يُقصد بالمنطق الصوري دراسةُ بعض القوانين العامة جدًا، أي تلك التي لا يظهر فيها – إلى جانب المتغيّرات – إلا ما يُسمّى بالروابط المنطقية. ويمكن تحديد ماهية الرابط المنطقي على نحوٍ أدقّ من خلال تعداد الروابط الأساسية (غير المعرَّفة) في النظم المنطقية المعاصرة؛ ومن بينها رابط شيفر Sheffer’s functor، والكم الوجودي existential quantifier، وما يماثلهما. وثمّة طريقة أخرى لوصف المنطق الصوري بالإحالة إلى بعض الأعمال الكلاسيكية فيه، مثل كتاب التحليلات الاولىPrior Analytics  لـ أرسطوAristotle ، أو كتاب Begriffsschrift لـ غوتلوب فريغه.
  2. السيميائيات، يُقصد بالسيميائيات التحليلُ الأكثر عموميةً للرموز. فإذا أُجري هذا التحليل بأدواتٍ منطقية (أي منطقية صورية)، كانت السيميائيات جزءًا من المنطق بالمعنى الأوسع للكلمة. وهي، من وجهٍ ما، منطقٌ تطبيقي؛ غير أنّ بعض فروع السيميائيات المنطقية يرتبط بالمنطق الصوري ارتباطًا وثيقًا إلى حدّ أنّها دُرست دائمًا على يد المناطقة أنفسهم خدمةً لبحثهم الصوري. لذلك تُعَدّ السيميائيات جزءًا من المنطق العام. وتنقسم تقليديًا إلى: التركيبsyntax ، والدلالة semantics، والتداولية pragmatics، ولعلّ الدلالة هي الأشد صلةً بالعديد من الدراسات المنطقية.
  3. المنهجية، هي دراسة تطبيقات القوانين والقواعد المنطقية الصورية على الممارسة العلمية، وربما على مجالاتٍ أخرى من النشاط الإنساني. وبينما تُدرَس المنهجيات الخاصة بالحقول العينية عادةً داخل تلك العلوم نفسها، ظلّت المنهجية العامة، منذ أرسطو Aristotle، جزءًا من المنطق بالمعنى الواسع للكلمة.
  4. فلسفة المنطق، إلى جانب التخصصات الثلاثة المذكورة، لا تزال هناك أيضًا دراسة المنطق ذاته، وما يتصل به من مسائل أساسية تتعلق بأسسه وعلاقاته بسائر العلوم. ويُطلَق على هذا عادةً اسم فلسفة المنطق ، وغالبًا ما يقوم به المناطقة أنفسهم.

والترتيب المنطقي لهذه التخصصات أن المنطق الصوري يُعَدّ أساسًا لها جميعًا؛ إذ تفترضه سائر التخصصات المنطقية الأخرى. غير أنّ المنطق الصوري نفسه يستعين ببعض مبادئ الدلالة، وببعض عناصر المنهجية (ولا سيما منهجية الاستنباط methodology of deduction). ولهذا السبب تُكوِّن التخصصات الثلاثة الأولى معًا علمًا واحدًا هو المنطق العام. ويمتاز هذا المنطق العام – على هذا النحو – بخاصيتين بارزتين: يُعنى بالخطاب، واهتمامه بالبُنى الموضوعية.

___________________________________________________

 هذه ترجمة لمدخل كتاب The Logic of Religion by Joseph M. Bochenski, New York University Press/1965.
1

[1.2.1] أ. المنطق معنيٌّ بالخطاب Logic is concerned with discourse،

صوري، لا يُعرَف في تاريخ المنطق أي مثال لدراسة جادة لم تُجرَ على أساس نوعٍ من الخطاب. صحيح أنّ بعض الفلاسفة – ولا سيما منذ رينيه ديكارت Rene Descartes – تحدّثوا عن دراسة المفاهيم  “في ذاتها”؛ غير أنّ المناطقة ظلّوا دائمًا يتناولون المفاهيم  من حيث هي مُعبَّرٌ عنها بالألفاظ، أي في إطار الخطاب. وقد بدأ هذا التقليد مع أفلاطون Plato، ولا يزال ساريًا على نطاق واسع حتى اليوم. ويبدو أنّ لاعتماد هذا المنهج سببان رئيسيان:

الأول، إنّ المفاهيم  لا تقوم بذاتها (على خلاف ما توحي به الأسطورة الديكارتية)، بل هي معاني الألفاظ ؛ ومن ثمّ ينبغي دراستها من خلال الألفاظ، أي من خلال الخطاب. والثاني، إنّ الألفاظ  المكتوبة (أو المنطوقة) أشياء مادية (أو أحداث)، ومن المبادئ المنهجية الأساسية أنّه ينبغي – متى أمكن – البدء بمثل هذه الأشياء (أو الأحداث)، لأنها أيسر تناولًا من الكيانات الذهنية mental entities.

ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أنّ اهتمام المناطقي ينحصر في الخطاب وحده. بل إنّ اهتمامه موجَّه إلى الخطاب ذي المعنى، لا إلى الألفاظ المادية وحدها. وهو في الممارسة العملية يتعامل دومًا مع الخطاب.

[1.2.2] ب. المنطق يتناول البنى الموضوعة Logic is about objective structures،

يكاد يكون ثمة اتفاقٌ عام بين المناطقة على أنّهم يعالجون، في المقام الأول، البُنى الأكثر عمومية للأشياء، لا الأفعال الذهنية الذاتية. صحيح أنّ قواعد التفكير السليم يمكن اشتقاقها مباشرةً من بعض القوانين المنطقية ؛ غير أنّ هذه القوانين ليست – في ذاتها – متعلقة بالأنشطة الذهنية. فعندما يقرّر المناطقي أنّه إذا لم يكن أيّ A هو B، فإنه لا يكون أيّ B هو A، فهو لا يضع قاعدةً للاستدلال بقدر ما يثبت – في المقام الأول – علاقةً ضرورية بين حالتين من أحوال الأشياء.

ولتجنّب سوء الفهم، يمكن إيراد الملاحظة التالية: هذا الكتاب ليس في فلسفة المنطق، ولذلك لا حاجة فيه إلى اتخاذ موقفٍ صريح من النظريات الفلسفية المختلفة في هذا المجال. ولذلك فإنّ المصطلحات المستخدمة – حتى وإن بدت منتمية إلى فلسفةٍ بعينها – يمكن تفسيرها وفقًا لآراء القارئ نفسه. ويتضح ذلك من المثال الآتي: فنحن نتحدث باستمرار عن “المعنى” meaning. غير أنّ هذا المصطلح محايد تمامًا إزاء فلسفات المنطق؛ إذ تفترض بعض هذه الفلسفات وجود كيانات تُسمّى “معاني”، في حين تنكر أخرى وجود شيء من هذا القبيل. ومع ذلك، فإنّ هذه الأخيرة نفسها مضطرة إلى التمييز بين الخطاب ذي المعنى والخطاب الخالي من المعنى، وهذا التمييز وحده هو المفترض هنا، لا أي تفسير معيّن للمعنى.

وينطبق الأمر نفسه على مصطلح “يُعبِّر” expresses، الذي سيَرِد كثيرًا فيما يلي، وقد اختير لما يبدو فيه من حياد ظاهري. وعليه نقول، إنّ اللفظ t يعبّر عن شيء ما اذا وفقط اذا كان يوصل شيئاً الى مستخدم اللفظ t. ومن ثمّ يمكن فهم “يُعبِّر” بمعنى “يدلّ على” denotes، أو “يعني” means، وما إلى ذلك. وقد بُذل جهدٌ في هذا العمل للبقاء – قدر الإمكان – على الحياد إزاء مثل هذه التحديدات.

في المنطق التطبيقي On applied logic

يجب التمييز بين المنطق التطبيقي والمنطق الخالص pure logic أو العام general logic. فالمنطق التطبيقي، كما يدل أسمه، يتمثّل في تطبيق المنطق الخالص على مجال معيّن خارج المنطق. غير أنه يمكن تطبيق المنطق على مجال ما، ليكن f، بطريقتين مختلفتين:

أولاً، كل مجال يوجد فيه نوع من الاستدلال، أو ترتيب القضايا، وما إلى ذلك، يُعدّ منطقًا تطبيقيًا. والمقصود بذلك أنّ بعض أجزاء المنطق الصوري تُستَخدم، مع إضافة بعض المصطلحات غير المنطقية، والبديهيات، وربما القواعد الخاصة بالمجال. وفي هذا المعنى، تُعد الفيزياء المعاصرة أو أي نوع من اللاهوت منطقًا تطبيقيًا، غير أنّ هذا ليس هو الاستعمال الدقيق للمصطلح.

ثانياً، وقد يُقصَد بـ “المنطق التطبيقي” دراسة القوانين والقواعد المنطقية (بما فيها الدلالة والمنهجية) التي تُستَخدم في مجال معيّن. وهذا يختلف من مجال إلى آخر. فقد بين الأستاذ وودجر Woodger أنّ علم الأحياء يستخدم بعض أجزاء المنطق الصوري التي نادرًا ما يلتفت إليها الرياضي، كما قام الأستاذ فون رايت Von Wright وآخرون بتطوير نظم في المنطق الجهوي، ضرورية  -وفق رأيهم – في ميدان الأخلاق. ومن الأمثلة الأخرى علم التأريخ، الذي يشتهر باستخدامه أنواعًا متعددة من الإلزام المنطقي غير القوي. دراسة مثل هذه الأجزاء الخاصة من المنطق – التي كثيرًا ما تُطوّر لغرض بعينه – هي المنطق التطبيقي بالمعنى الدقيق للكلمة.

ينشأ السؤال التالي عند الحديث عن مفهوم المنطق التطبيقي: تحت أي شروط يمكن أن يوجد منطق تطبيقي لمجال معين؟ ويُستمد الجواب مباشرة من الخاصيتين العامتين للمنطق الخالص، ويمكن صياغته في النظرية التالية:

[2.1] لكل مجال f من النشاط البشري، يوجد منطق تطبيقي لهذا المجال إذا وفقط إذا احتوى المجال  f على خطاب يُجسّد أو يُعبّر عن بعض البُنى الموضوعية. تجدر الإشارة إلى أن هذه النظرية تحتوي على مساواة منطقية كعامل رئيسي، تفتح إمكانيات أوسع للمنطق التطبيقي مما اعتبره باحثو المنطق حتى الآن.

في الواقع، كان الوضع التاريخي للمنطق الغربي يتمثل في أنه قد طُوِّر، في أغلب مراحله، لخدمة العلم، ولا سيما الرياضيات. وقد كان هذا شأنه عند أفلاطون Plato، وعند أرسطو Aristotle  في كتابه التحليلات الاولى، ثم بلغ هذا التوجّه ذروته في أعمال ألفرد نورث وايتهيد Alfred North Whitehead و برتراند راسل  Bertrand Russell. غير أن العلم لا ينصرف إلا إلى القضايا. ومن ثمّ، فقد انحصر مجال المنطق، ولا سيما المنطق الصوري، في القضايا ومكوّناتها. وفوق ذلك، لما كانت جميع القضايا غير المنطقية في العلم قضايا ذات مضمون واقعي، فقد شُيِّد المنطق على نحو يجعله قاصرًا على تناول ما هو واقعي Factual فحسب.

غير أن هذا ليس بأي حال قيدًا ضروريًا للمنطق، على الأقل فيما يخص المنطق الصوري. وقد شهد القرن العشرون توسيعًا في نطاق المنطق في اتجاهين على الأقل. أولهما ما سبق ذكره من المنطق الصوري للأخلاق، أي ذلك المجال الذي لا تكون فيه معظم الصيغ جملًا خبرية، بل صيغًا أمرية. أما الاتجاه الثاني، فقد بيّن فيه الفيلسوف الراحل أوستن Austin على نحو مقنع أن بعض الصيغ -التي أطلق عليها اسم “الأقوال الأدائية performatives“- يمكن أن تصبح موضوعًا لدراسة منطقية صورية. ومن المعلوم أن هذه الأقوال الأدائية لا يمكن أن توصف بالصدق true أو الكذب false ، لكنها تتصف بخاصيتين موازيتين، سمّاهما أوستن Austin “النجاح happiness ” و”الإخفاق unhappiness “، ولا يوجد ما يحول دون بناء منطق صوري خاص بها.

ومن جهة أخرى، تُبيّن مبرهنتنا أيضًا حدود المنطق التطبيقي. إذ لا يكون هناك مجال لتطبيق المنطق في حالتين:

  1.  حيث لا يوجد خطاب على الإطلاق.
  2. حيث يوجد خطاب، لكنه لا يجسّد ولا يعبّر عن بنية موضوعية. وقد يتحقق ذلك على صورتين:
  1.  حيث لا يوجد خطاب على الإطلاق.
  2. حيث يوجد خطاب، لكنه لا يجسّد ولا يعبّر عن بنية موضوعية. وقد يتحقق ذلك على صورتين:

i. حيث لا يوجد خطاب على الإطلاق.

ii.عندما يكون الخطاب ذا معنى، لكنه لا يعبّر إلا عن حالات ذاتية، لا عن بنى موضوعية.

غير أن هذا الشرط الأخير (ب) يحتاج إلى تقييد فيما يتعلق بجزء واحد من المنطق، هو علم الدلالة. إذ يمكن أن توجد دلالة لخطاب لا ينقل إلا معاني ذاتية. ومع ذلك، فلا المنطق الصوري ولا المنهجية يمكن تطبيقهما على مثل هذا الخطاب. 

وعلاوة على ذلك، تفرض المنهجية شرطًا أشد صرامة: إذ لكي يصبح الخطاب موضوعًا للمنهجية، لا بد أن لا يقتصر على التعبير عن البنى الموضوعية، بل أن يعبّر أيضًا عن قضايا. ذلك أن المنهجية هي في جوهرها نظرية في شروط الصدق، والقضايا وحدها هي التي تقبل الصدق.

وبهذا نكون قد بلغنا صياغة أدق لشروط المنطق التطبيقي:

[2.2] إذا كان f مجالًا من مجالات النشاط الإنساني، فإن هناك منطقًا صوريًا مطبَّقًا على f إذا وفقط إذا كان f يشتمل على خطاب يعبّر عن بنى موضوعية.

[2.3] توجد دلالة لـ f إذا وفقط إذا وُجد فيه خطاب ذو معنى.

[2.4] توجد منهجية لـ f إذا وفقط إذا وُجد فيه خطاب يعبّر، ولو جزئيًا، عن قضايا.

في الدين On religion

إن مصطلح “الدين” هو مصطلح آخر، شأنه في ذلك شأن “المنطق”، يصعب إخضاعه لتعريفٍ تحليلي إذا ما أُخذت جميع استعمالاته بعين الاعتبار. إذ توجد ببساطة ظواهر phenomena متباينة إلى حدٍّ بعيد يُشار إليها بهذا اللفظ. لذلك، ولأغراض هذه الدراسة، سيكون من الضروري تقييد مجال إحالة هذا المصطلح ببعض الأديان دون غيرها.

وعليه، سنقصر استعمال مصطلح “الدين” هنا على ما يُسمّى بـ”الأديان الكبرى” في العصر الحاضر، ونقصد بها: البراهمانية Brahmanism، والبوذية Buddhism، واليهودية Judaism، والمسيحية Christianity، والإسلام Islam. بل إن مدلول هذه التسميات الدينية نفسها ينبغي أن يُحصر في المؤسسات الدينية الكبرى، مع استبعاد الطوائف. وهذا، بطبيعة الحال، لا ينطوي على أي حكمٍ تقويمي، بل هو مجرد اصطلاحٍ لغوي يُفترض أنه ضروري لتحقيق قدرٍ من الدقة فيما يتعلق بموضوع هذه الدراسة.

ومع ذلك، فحتى عند وصف الدين على هذا النحو، فإنه ينطوي على تعددية هائلة من الجوانب. فهو، بلا ريب، ظاهرة نفسية وموضوعٌ لعلم النفس أي (علم نفس الدين psychology of religion)؛ كما أنه ظاهرة اجتماعية أيضًا، ومن ثمّ فهو يُعدّ موضوعًا لعلم الاجتماع أي (سوسيولوجيا الدين sociology of religion). وفضلًا عن ذلك، لكل دينٍ من الأديان حقلٌ معرفيّ خاص به، يُسمّى “اللاهوت”، أو (في حالة البوذية الهينايانية) “الدراسات البوذية”. أما سلوك المؤمنين بالأديان، سواء في بُعده اللغوي أو في غيره من الأبعاد، فإنه يختلف في كثير من الأحيان اختلافًا واسعًا من دينٍ إلى آخر. 

ومع ذلك، توجد في جميع الأديان، كما وُصفت أعلاه، على الأقل بعض السمات المشتركة الثابتة. ويمكن تعداد ما يلي:

[3.1] 1. الدين ظاهرة اجتماعية؛ ونقصد بذلك أنه مركّب من وقائع تحدث داخل جماعات بشرية. وتمتاز هذه الجماعات بنمط من السلوك يُسمّى “سلوكًا دينيًا”، أي بوجود أنماط سلوكية مشتركة بين أعضاء تلك الجماعات.

[3.2] 2. ومن أبرز خصائص هذا السلوك استعمال لغة مخصوصة تُسمّى “الخطاب الديني religion discourse“؛ وسيُشار إلى هذا التعبير هنا اختصارًا بـ “RD“، أو في حالة الخطاب الديني لدينٍ ما نرمز له بالرمز a  كما في “aRD“.

[3.3] 3. تشتمل فئةُ الأقوال التي تُشكِّل الخطابَ الدينيَّ RD على فئةٍ فرعيةٍ غيرِ خالية تُسمّى “العقيدة Creed“.

[3.4] 4. ويُعدّ قبول هذه العقيدة ذا أهمية قصوى في كل دين، بحيث يمكن تعريف مفهوم المؤمن بدينٍ معيّن من خلال قبوله لجميع عناصر العقيدة الخاصة بذلك الدين.

ونظرًا إلى استعمال مصطلح “الدين” على النحو المبيَّن أعلاه، قد يبدو أن بعض أنواع الخطاب تقع خارج نطاق هذا البحث. فعلى سبيل المثال، يُستبعد الخطاب الخاص بالأحزاب السياسية ذات الارتباط الأيديولوجي، مثل الحزب الاشتراكي القومي والحزب الشيوعي، من مجال هذا البحث.

ومع ذلك، فعلى الرغم من وجود فروق معتبرة بين الدين -كما يُفهم هنا- وبين هذه الظواهر، فإن ثمة أوجه شبه عديدة بينها. فبالنسبة، مثلًا، إلى الشيوعية، نجد أن خطابها منظَّم من حيث صورته تنظيمًا قريبًا جدًا من تنظيم الخطاب الديني. وبسبب هذا التشابه، يمكن لهذا البحث على الأقل من حيث جوانبه المنطقية الصورية والمنهجية أن يُسهم في فهم منطق تلك الأنواع الأخرى من الخطابات.

____________________________________________

 يُقصد بـ”الفئة الفرعية غير الخالية” في الاصطلاح المنطقي مجموعةٌ جزئية من مجموعةٍ أكبر، تكون جميع عناصرها منتميةً إلى تلك المجموعة، على أن تحتوي هذه الفئة على عنصرٍ واحدٍ على الأقل (أي ليست فارغة). وبناءً عليه، فقولُنا إن الخطاب الديني يشتمل على فئةٍ فرعية غير خالية تُسمّى “العقيدة” يعني أنّ ضمن أقوال هذا الخطاب توجد مجموعة محددة من القضايا العقدية، وهي موجودة فعلاً ولها مضمون، وليست مجرد افتراضٍ خالٍ من المحتوى. ومثال ذلك: إذا اعتبرنا مجموعَ أقوال الخطاب الديني مجموعةً كبرى، فإنّ “أقوال العقيدة” (كالقضايا المتعلّقة بالإيمان بالله أو النبوة) تمثّل فئةً فرعيةً ضمنها، وهي فئةٌ غير خالية لأنها تشتمل بالفعل على هذه الأقوال. (المترجم)
2

في منطق الدين On logic of religion

سيكون منطق الدين، وفقًا لما تقدّم، هو المنطق من حيث تطبيقه على الخطاب الديني. وارتباطًا بهذا التعريف، تقتضي مسألتان بحثاً موجزًا:

المسألة الاولى: أيّ منطق ينبغي تطبيقه؟ الجواب هو أنّه في تأسيس منطق للدين سيتمّ على مرحلتين متعاقبتين، تتمثّل المرحلة الأولى في تطبيق القوانين والقواعد التي سبق تأسيسها في المنطق العام لأغراض عامة. وينطبق ذلك على نحوٍ متساوٍ على المنطق الصوري، والسيميائيات، والمنهجية. ويقوم افتراضٌ معتمد هنا -سيُبحث لاحقًا- على أنّ الخطاب الديني RD يخضع لهذه القوانين والقواعد كما يخضع لها أيّ خطاب إنساني آخر. والمقصود، بطبيعة الحال، هو الجزء العام من المنطق، لا تلك الأجزاء التي وُضعت لأغراض خاصة. وقد يحدث أن يكون بعض الفروع الخاصة من المنطق، التي طُوِّرت لمجالات أخرى، قابلًا للتطبيق أيضًا على الدين. غير أنّ ذلك ينبغي التحقّق منه في كل حالة على حدة، في حين أنّ المبادئ العامة للمنطق تتّسم بكونها صالحة وشاملة وقابلة للتطبيق على نحو كوني.

ستتكوّن المرحلة الثانية، على الأرجح، من تطوير أدواتٍ خاصة ذات طابعٍ منطقيّ – صوري، وسيميائي، ومنهجي، قد تكون لازمةً من أجل تحليل الخطاب الديني RD. وهذا، في الواقع، هو ما يحدث عمليًا في معظم الحالات حين نحاول تطبيق المنطق على مجالٍ خارج – منطقي.

ويجدر التأكيد على أنّنا، في هذا البحث، سنسعى من الإفادة القصوى من الأدوات المنطقية التقليدية قبل الشروع في بناء نظريات جديدة. ومن ناحيةٍ أخرى، وبما أنّ مجال القوانين والقواعد المنطقية غير متناهٍ، وأنّ الخطاب الديني RD يتّسم ببعض الخصائص المميّزة جدًا، فمن المرجّح قبليًا بدرجةٍ عالية أنّه سيتعيّن تطوير أقسامٍ خاصة من المنطق من أجل تحليله.

والمسألة الثانية هي، على أيّ مادة ينبغي تطبيق المنطق؟. الجواب هو أنّ هذه المادة ينبغي أن تطبق على الخطاب الديني RD المعطى تجريبيًا كما هو، أي الخطاب الذي تستعمله الجماعات الدينية استعمالًا فعليًا. وهذا هو الحال أيضًا في سائر فروع المنطق التطبيقي؛ فمثلًا، لا يتناول منطق علم الأحياء خطابًا متصور قبليًا a priori، بل يتناول الخطاب المعطى تجريبيًا لدى علماء الأحياء.

وقد يوحي ذلك بأن وضع المنطق التطبيقي -وبخاصة منطق الدين- يختلف اختلافًا كبيرًا عن وضع المنطق العام، الذي يُفترض فيه أن يكون قبليًا خالصًا. غير أنّ رأي مؤلف هذا النص مغاير لذلك. إذ يرى أنّ المنطق العام نفسه ليس في نهاية المطاف إلا تحليلًا لبنى متجسّدة في خطابات عينية، غير أنّه يعالج البنى المشتركة بين جميع هذه الخطابات، ومن هنا ينشأ الانطباع بكونه قبليًا.

إن مثالًا كلاسيكيًا مأخوذًا من ميدان علم الدلالة من شأنه أن يساعد في فهم البعد التجريبي في المنطق التطبيقي، ويتمثل هذا المثال في تعريف الأستاذ ألفرد تارسكي Alfred Tarski الشهير للصدق truth. فقد صيغ هذا التعريف ضمن إطار لغة صورية اصطناعية وُضعت لهذا الغرض تحديدًا، وتمّ التوصل إليه بواسطة إجراءات منطقية عالية التجريد. غير أن الهدف المصرّح به للمؤلف هو تقديم تعريف يطابق معنى لفظ “صادق” في الاستعمال اليومي، وبالفعل فقد قدّم تعريفًا ملائمًا لهذا اللفظ. ومن ثمّ، يمكن اعتبار منهج ألفرد تارسكي مثالًا يُحتذى به في جميع فروع المنطق التطبيقي، ولا سيما في منطق الدين.

_____________________________________

 يُقدِّم ألفريد تارسكي تصورًا دلاليًا للصدق، مفاده أن صدق الجملة يُحدَّد من خلال مطابقتها للواقع، ويُصاغ ذلك في مخططه الشهير (T) .الجملة (P) صادقة إذا وفقط إذا كانP . وبموجب هذا التصور، لا يُفهم الصدق بوصفه مفهومًا ميتافيزيقيًا مجردًا، بل بوصفه خاصية تُسند إلى الجمل داخل لغة محددة، مع التمييز بين لغة الموضوع وما وراء اللغوية لتجنب المفارقات المنطقية.Alfred Tarski, “The Semantic Conception of Truth and the Foundations of Semantics,” 1944. (المترجم)
3

غير أنّنا نواجه هنا صعوبةً رئيسة، فلكي نُقيم تحليلنا على أساسٍ متين، نحتاج إلى بحوث تجريبية واسعة في الخطاب الديني RD  وفي كيفية استعماله داخل مختلف الجماعات الدينية. غير أنّ عددًا قليلًا جدًا من الدراسات من هذا النوع قد أُنجز، كما أنّ الدراسات المعروفة لا تستند إلى رغبة في الكشف عن الوقائع الأكثر أهمية من وجهة نظر المناطقة. ومع ذلك، فإنّ هذا لا يُعدّ عائقًا جوهرياً؛ إذ لعلّه يكفي، من أجل إجراء تحليل يتّسم بمثل هذا الطابع التجريدي كما هو الحال في منطق الدين، أن نأخذ في الاعتبار بعض السمات الواضحة والمعروفة على نحو عام للخطاب الديني ولسلوك المؤمنين في صورته الراهنة. وعلى أيّ حال، ونظرًا إلى نقص البحوث التجريبية في هذا المجال، فسيتعيّن علينا أن نمضي في التحليل على هذا النحو.

منطق الدين وعلم اللاهوت Logic of religion and theology

من الناحية التاريخية، كان منطق الدين يُطور في الغالب -إن لم يكن على نحو حصري- من قبل اللاهوتيين (وكذلك من قبل المتخصصين في الدراسات البوذية). غير أنّ هذا لا يبدو إلا انه مجرّد صدفة تاريخية historical accident، أي أنه لا يعكس طبيعة منطق الدين ذاته، بل يرتبط بظروف تاريخية عرضية.

يمكن تعريف علم اللاهوت بأنه دراسة يُفترض فيها، إلى جانب مسلّمات أخرى، صدقُ جملةٍ واحدة على الأقل تنتمي إلى عقيدة معيّنة، ولا يُسلِّم بها غيرُ المؤمنين بذلك الدين. وقد يحدث، بطبيعة الحال، أن تُعترف مثل هذه الجمل على أنها صادقة من قبل مؤمنين ينتمون إلى أديان مختلفة؛ غير أنّ الذين يقبلونها يظلون، في جميع الأحوال، منتمين إلى دينٍ ما، دون سواهم.

غير أنّه لا حاجة إلى أيّ افتراض من هذا القبيل لدراسة منطق الدين. فهذه الدراسة لا تتطلّب، في الواقع، إلا صنفين من الافتراضات: أولهما صنف القوانين والقواعد المنطقية العامة؛ وثانيهما صنف القضايا ما وراء اللغوية المتعلّقة بالخطابات الدينية RD كما هي موجودة عينيًا. فعلى سبيل المثال، ينبغي لدارس منطق الدين أن يفترض أنّ المؤمنين بدينٍ ما يقولون إن الله أبونا، لكنه لا يحتاج إلى افتراض أن الله أبونا؛ فهذه الجملة الأخيرة -وهذه وحدها- تُعدّ افتراضًا مميزًا لعلم اللاهوت.

[5.1] ويترتّب على ذلك أنّ منطق الدين ليس جزءًا من علم اللاهوت ولا من الدراسات البوذية. 

ويمكن التعبير عن ذلك أيضًا على النحو الآتي: إن اللاهوتي، بوصفه كذلك، لا يدرس إلا الخطاب الديني RD الخاص بدينه؛ أما دارس منطق الدين، فإنه يهتم بمشكلات مشتركة بين جميع الأديان (على النحو المذكور اعلاه). ومن ثمّ، فإن دارس المنطق ليس، من حيث هو كذلك، لاهوتيًا.

[5.2] ومع ذلك، فإن منطق الدين يُعدّ علمًا مساعدًا لعلم اللاهوت، بل يمكن القول إنه من أهمّ علومه المساعدة. وقد لا يبدو ذلك جليًا ما دام اللاهوتي منخرطًا في عمله الخاص، أي في صياغة مسلّماته الدينية وتطويرها، رغم استخدامه حينئذٍ للقوانين والقواعد المنطقية. غير أنّ الأمر يغدو واضحًا وذا صلة مباشرة عندما يبدأ اللاهوتي في التأمّل في عمله ذاته.

والوضع هنا شبيه -وإن لم يكن مطابقًا تمامًا- بما نجده في العلوم؛ إذ لا تظهر حاجة ملحّة إلى منطق العلم ما دام العالم منخرطًا في نشاطه العلمي المباشر، لكن ما إن يبدأ في التأمّل في عمله حتى يغدو منطق علمه ذا أهمية قصوى. غير أنّ الفرق يتمثّل في أنّ العالم ليس ملزمًا، بحكم طبيعة عمله، بمثل هذا التأمّل، في حين يمكن القول إن اللاهوتي مُلزَم به.

ومن ثمّ، يبدو أنّ منطق الدين أكثر صلة نسبيًا بعلم اللاهوت من صلة منطق العلوم بالعلوم نفسها. وثمّة وجهة خاصة يبدو فيها منطق الدين بالغ الأهمية بالنسبة إلى اللاهوت، وهي أنّ وظيفته تتمثّل في تحليل علم اللاهوت ذاته، أي في إقامة نسقٍ ما وراء لاهوتي meta-theological system. فمناط الأمر أن يُبيّن منطقيّ الدين للاهوتي ما الذي يفعله، وأيّ نوع من المنطق يستخدم، وأيّ قواعد يطبّق، وما إلى ذلك. وبطبيعة الحال، فإن هذا التحليل لا يمكن أن يتمّ إلا على نحوٍ عام.

ويعني ذلك أنّه ينبغي التمييز بين منطق الدين العام ومنطق دينٍ معيّن. غير أنّ حتى منطق دينٍ معيّن لا يقتضي أن يكون لاهوتًا؛ فالحجّة السابقة التي بيّنت أنّ منطق الدين العام ليس لاهوتًا تنطبق هنا أيضًا: إذ لا يحتاج دارس منطق دينٍ معيّن إلى افتراض أيّ قضية تنتمي إلى عقيدة ذلك الدين.

وفي هذا الكتاب، لن يُنظر إلا في المشكلات العامة لمنطق الدين. بل إن من المشكوك فيه أن يهتم أحد -باستثناء اللاهوتي- اهتمامًا كافيًا بإشكالات دينٍ بعينه بما يدفعه إلى البحث في منطقٍ خاص بذلك الدين.

برنامج منطق الدين the program of logic of religion

  1. تتمثّل المسألة الأولى التي ينبغي لمنطق الدين أن يواجهها في مسألة وجوده أو مشروعيته ذاتها. فبما أنّ هناك بالفعل خطابًا دينيًا  RD، فإنّ ضربًا من التحليل الدلالي له يظل ممكنًا دائمًا. غير أنّ مسألة صلاحية القواعد العامة لعلم الدلالة تظل بحاجة إلى فحص. كما أنّ مسألة إمكان إقامة منطق صوري ومنهجية في الدين تظل موضع خلاف كبير، ومن ثمّ ينبغي بحثها. وهذه، إذن، هي المهمة الأولى لمنطق الدين، وهي تقابل إحدى مهام فلسفة المنطق في إطار المنطق العام.

وفي سياق هذا البحث، ينبغي طرح السؤال عمّا إذا كانت هناك بُنى موضوعية يُعبَّر عنها في الخطاب الديني، وما إذا كان بعضها على الأقل يتّخذ صورة قضايا. وفقط إذا أُجيب عن هذين السؤالين بالإيجاب، تصبح الأجزاء اللاحقة من منطق الدين ممكنة. وعندئذٍ، ستُخصَّص فصول للمشكلات التالية.

  1. مشكلة البنية المنطقية للخطاب الديني RD وعلاقاته بأنماط الخطاب الأخرى. وهذه هي المشكلة المنطقية الداخلية للدين، وهي تندرج جزئيًا ضمن المنطق الصوري، وجزئيًا (بل أساسًا) ضمن منهجية الدين.
  2. مشكلة الدلالة في الخطاب الديني DR وهو مجال بالغ التعقيد والأهمية، وتمثل دراسته ما يمكن تسميته دلالة الدين.
  3. وأخيرًا، ينبغي تناول مسألة تسويغ القضايا الدينية؛ وهذه تندرج بكاملها ضمن منهجية الدين.

وعليه، يمكن التمييز بين أربعة أقسام رئيسة لمنطق الدين:

  1. في منطق الدين ذاته.
  2. في البنية المنطقية للخطاب الديني RD.
  3. في الدلالة في الخطاب الديني RD.
  4. في تسويغ القضايا الدينية.

أسامة الرشق

_________________________________

 يُقصد به نظام تحليلي يقع على مستوى أعلى من علم اللاهوت، ولا يشارك في إنتاج المعتقدات الدينية أو الدفاع عنها، بل يتخذها موضوعًا للدراسة والفحص. فهو لا يمارس اللاهوت، وإنما يحلّل طريقة بنائه لمفاهيمه واستدلالاته وقواعده المنطقية. وبعبارة أخرى، هو دراسة لعلم اللاهوت بوصفه خطابًا معرفيًا، لا بوصفه منظومة عقائدية. (المترجم)
4

  1. ↩︎
  2. ↩︎
  3. ↩︎
  4. ↩︎

اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى