التنويريسلايدرفكر وفلسفة

أدورنو: شَيْطانٌ فاوُسْتِيٌّ أَمْ مَلاكٌ نَقْدِيٌّ؟

ليوتار ناقدًا لأدورنو ومنقودًا

“الشَّكُّ أَوَّلُ مَرَاتِبِ اليَقِينِ؛ فَمَنْ لَمْ يَشُكَّ لَمْ يَنْظُرْ، وَمَنْ لَمْ يَنْظُرْ لَمْ يُبْصِرْ، وَمَنْ لَمْ يُبْصِرْ بَقِيَ فِي العَمَى وَالضَّلَالِ”  

أَبُو حَامِدٍ الغَزَالِيُّ ()

1- مقدمة :

تُعَدُّ رِوايةُ دكتور فاوستوس (Doctor Faustus)  لِـ توماس مان (Thomas Mann)  ()  واحِدَةً مِنْ أَهَمِّ الأَعْمالِ الأَدَبِيَّةِ الَّتي أُنْتِجَتْ في القَرْنِ العِشْرِينَ. وَهِيَ دِراسَةٌ إِبْداعِيَّةٌ لِقَضايا المُوسيقى وَاِلْعَبْقَرِيَّةِ، وَالثَّقافَةِ  وَبَحْثٌ في الأَزَماتِ السِّياسِيَّةِ وَالجَمالِيَّةِ لِلْحَداثَةِ، وَهِيَ تَتَمَحْوَرُ، جَوْهَرِيًّا، حَوْلَ الِاتِّفاقِ المَشْؤُومِ الَّذِي عَقَدَهُ فاوستوس مَعَ الشَّيْطانِ، وقد اصبح الشيطان مُرادِفًا لِاسْمِ أَدُورْنُو، وهذا التصور لأدورنو بِوَصْفِهِ الشَّيْطانَ الفاوُسْتِيَّ  أثار اهْتِمامِ الباحِثِينَ خِلالَ العُقُودِ الَّتي تَلَتْ نَشْرَ رِوايةِ مان، مِمَّا أَدَّى إِلَى مَجْمُوعَةٍ واسِعَةٍ مِنَ الِاسْتِجاباتِ النَّقْدِيَّةِ وَالتَّأْوِيلِيَّةِ  .() 

يَنْطَلِقُ جانُ فرانسوا ليوتار (Jean-François Lyotard) مِنْ رِوايةِ “دكتور فاوستوس”  (Doctor Faustus, 1947) لِتوماس مان (Thomas Mann) ، الَّتِي كَتَبَها مانُ بِمُساعَدَةِ أَدُورْنُو، وَلَا سِيَّما في الفُصُولِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُوسِيقَى الحَدِيثَةِ. وَيَرَى أَنَّ شَخْصِيَّةَ الشَّيْطانِ في الرِّوايةِ لا تُمَثِّلُ كائِنًا أُسْطُورِيًّا، بَلْ تُمَثِّلُ صَوْتَ السَّلْبِ المُطْلَقِ الَّذِي يَكْشِفُ الحَقِيقَةَ مِنْ خِلالِ النَّفْيِ. وَمِنْ هُنا يَتَساءَلُ ليوتار: أَلَيْسَ أَدُورْنُو نَفْسُهُ هُوَ هَذا ” الشَّيْطانُ”  الَّذِي لا يَكُفُّ عَنْ فَضْحِ الزَّيْفِ وَرَفْضِ المُصالَحَةِ مَعَ الواقِعِ؟ وَفي مَعْرِضِ الإِجابَةِ يَرَى ليوتار أَنَّ فَلْسَفَةَ أَدُورْنُو تَقُومُ عَلَى نَسَقٍ مِنَ الأَفْكارِ يَتَمَثَّلُ في رَفْضِ المُصالَحَةِ بَيْنَ النَّظَرِيَّةِ وَالواقِعِ، وَرَفْضِ الهُوِيَّةِ، وَالتَّطابُقِ، وَالاكْتِمالِ، وَالِانْسِجامِ الكاذِبِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ النَّقْدَ عِنْدَ أَدُورْنُو لا يَنْتَهِي أَبَدًا، فَكُلُّ نِظامٍ اجْتِماعِيٍّ أَوْ فَلْسَفِيٍّ يَدَّعِي أَنَّهُ بَلَغَ الحَقِيقَةَ الكامِلَةَ يُصْبِحُ مَوْضُوعًا لِلنَّقْدِ، وَهَذا ما يَجْعَلُ صَوْتَ أَدُورْنُو يُشْبِهُ ـ في نَظَرِ ليوتار ـ صَوْتَ الشَّيْطانِ الَّذِي يَقُولُ دائِمًا: ” لا تُصَدِّقُوا أَنَّ الخَلاصَ قَدْ تَحَقَّقَ” . 

2- ليوتار- أدورنو شيطاناً : 

في مَعْرِضِ نَقْدِهِ لِأَدُورْنُو كَتَبَ ليوتارُ مَقالًا شَهِيرًا بِعُنْوانِ “أدورنو شيطانًا”  (Adorno as the Devil)()،  وَهُوَ في هَذا المَقالِ لا يُطْلِقُ حُكْمًا أَخْلاقِيًّا أَوْ هُجُومًا شَتّائِمِيًّا، بَلْ يَسْتَخْدِمُ صُورَةَ الشَّيْطانِ المُسْتَمَدَّةَ مِنْ رِوايةِ ” فاوستوس”، الَّتِي كانَ أَدُورْنُو أَحَدَ أَبْطالِها وَمُؤَلِّفِيها في الوَقْتِ نَفْسِهِ، وَرُبَّما شَكَّلَتْ شَخْصِيَّةُ أَدُورْنُو إِحْدَى النَّماذِجِ الَّتِي اسْتَلْهَمَها توماسُ مان في بِناءِ شَخْصِيَّةِ ” الشَّيْطانِ” ، أَوْ أَحَدِ وُجُوهِها داخِلَ الرِّوايةِ. وَقَدْ وَجَدَ أَنَّ أَدُورْنُو حاضِرٌ في الرِّوايةِ بِوَصْفِهِ أَحَدَ الوُجُوهِ الَّتِي يَتَّخِذُها ” الشَّيْطانُ” ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فَلْسَفَتَهُ الجَمالِيَّةَ ـ كَما يَرَى ليوتار ـ تَقُومُ عَلَى نَوْعٍ مِنَ السَّلْبِيَّةِ المُطْلَقَةِ، أَوِ ” اللَّاهُوتِ السَّلْبِيِّ” ، الَّذِي يَجْعَلُ الفَنَّ يَحْمِلُ وَعْدًا بِالخَلاصِ مِنْ خِلالِ النَّفْيِ. وَقَدِ انْتَقَدَ ليوتارُ هَذا التَّصَوُّرَ، مُعْتَبِرًا أَنَّ الفَنَّانَ لَمْ يَعُدْ يُحَقِّقُ ” مَقاصِدَهُ” ، بَلْ أَصْبَحَ خاضِعًا لِقُوًى مَجْهُولَةٍ تَتَجاوَزُ القُوَّةَ الذَّاتِيَّةَ وَالطَّاقَةَ الإِبْداعِيَّةَ الَّتِي يَمْتَلِكُها.

وَيُلاحِظُ أَنَّ ليوتارَ يُرَكِّزُ عَلَى كِتابِ فَلْسَفَةِ المُوسِيقَى الحَدِيثَةِ لِأَدُورْنُو (Philosophy of Modern Music) ()، وَقَدْ وَجَدَ أَنَّ أَدُورْنُو يَمْنَحُ مُوسِيقَى أَرْنُولْد شُونْبَرْغ (Arnold Schoenberg) مَنْزِلَةً شِبْهَ خَلاصِيَّةٍ، لِأَنَّها تَرْفُضُ الِانْسِجامَ التَّقْلِيدِيَّ، وَتَكْشِفُ تَشَوُّهَ المُجْتَمَعِ، وَتَجْعَلُ الأَلَمَ حاضِرًا داخِلَ الشَّكْلِ المُوسِيقِيِّ. أَمَّا المُوسِيقَى الجَماهِيرِيَّةُ فَتُخْفِي الأَلَمَ، وَلِذَلِكَ يَرْفُضُها أَدُورْنُو. وَيَعْتَبِرُ ليوتارُ أَنَّ هَذا يَجْعَلُ الفَنَّ عِنْدَ أَدُورْنُو أَقْرَبَ إِلَى رِسالَةٍ دِينِيَّةٍ سَلْبِيَّةٍ. وَيُلاحِظُ ليوتارُ، في هَذا السِّياقِ، وُجُودَ بِنْيَةٍ لاهُوتِيَّةٍ في فِكْرِ أَدُورْنُو، إِذْ لا يَعِدُ بِالخَلاصِ، بَلْ يُحافِظُ عَلَى فِكْرَةٍ قِوامُها أَنَّ الحَقِيقَةَ لا تَظْهَرُ إِلَّا عَبْرَ النَّفْيِ، وَهَذا الأَمْرُ قَرِيبٌ مِمَّا يُسَمَّى في الفَلْسَفَةِ ” اللَّاهُوتِ السَّلْبِيِّ”  (Negative Theology)، أَيْ: لا نَسْتَطِيعُ وَصْفَ الحَقِيقَةِ مُباشَرَةً، بَلْ نَعْرِفُها بِما لَيْسَتْ هِيَ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ البِنْيَةُ اللَّاهُوتِيَّةُ، وَفْقَ ليوتار، هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ أَدُورْنُو يُشْبِهُ ” الشَّيْطانَ”  في رِوايةِ مان.

وَمِنْ ثَمَّ يَنْقُدُ ليوتارُ إِيمانَ أَدُورْنُو بِوُجُودِ حَقِيقَةٍ واحِدَةٍ، وَكَذَلِكَ يَرْفُضُ فِكْرَتَهُ الَّتِي تَقُولُ: إِنَّ الفَنَّ العَظِيمَ يَمْتَلِكُ امْتِيَازًا خَاصًّا، وَيَدْحَضُ وُجُودَ مِعْيارٍ لِلْحُكْمِ الجَمالِيِّ. وَمِنَ المَعْرُوفِ أَنَّ ليوتارَ لا يُؤْمِنُ بِالسَّرْدِيَّاتِ الحَداثِيَّةِ الكُبْرَى، أَوْ بِوُجُودِ حَقِيقَةٍ واحِدَةٍ، وَيَسْتَنْكِرُ ليوتارُ أَنْ يَكُونَ فِي الفَنِّ امْتِيَازَاتٌ خالِدَةٌ، وَمِنْ هُنا جاءَتْ عِبارَتُهُ الشَّهِيرَةُ فِي كِتابِ الوَضْعِ ما بَعْدَ الحَداثِيِّ: ” إِنَّ ما بَعْدَ الحَداثَةِ هِيَ عَدَمُ التَّصْدِيقِ بِالسَّرْدِيَّاتِ الكُبْرَى”  (La Condition postmoderne).  وَمِنْ وِجْهَةِ نَظَرِهِ فَإِنَّ أَدُورْنُو ما زالَ يَنْتَمِي إِلَى مَشْرُوعِ الحَداثَةِ  رَغْمَ نَقْدِهِ لَهُ()

وَيَنْطَلِقُ ليوتارُ مِنْ سُؤالٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ: لِماذا يَبْدُو أَدُورْنُو، فِي كِتاباتِهِ، كَأَنَّهُ لا يَفْعَلُ شَيْئًا سِوَى تَقْوِيضِ العالَمِ؟ فَأَدُورْنُو يَنْتَقِدُ الرَّأْسَمالِيَّةَ، وَالِاشْتِراكِيَّةَ، وَالبِيرُوقْراطِيَّةَ، وَالتَّنْوِيرَ، وَالثَّقافَةَ الجَماهِيرِيَّةَ، وَالفَنَّ التِّجارِيَّ، وَالفَلْسَفَةَ التَّقْلِيدِيَّةَ، وَالعِلْمَ الوَضْعِيَّ، وَكُلَّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا، حَتَّى مَفْهُومَ النَّقْدِ الَّذِي يَتَبَنَّاهُ، وَكَأَنَّ مُهِمَّتَهُ الوَحِيدَةَ هِيَ هَدْمُ كُلِّ يَقِينٍ، وَتَفْكِيكُ كُلِّ مَا هُوَ قائِمٌ، وَثابِتٌ، وَصامِدٌ، وَدائِمٌ. وَبِناءً عَلَى هَذا التَّصَوُّرِ التَّدْمِيرِيِّ يَسْتَحْضِرُ ليوتارُ صُورَةَ الشَّيْطانِ فِي ” دكتور فاوستوس” ؛ لِأَنَّ الشَّيْطانَ هُوَ الكائِنُ الَّذِي لا يَكُفُّ عَنْ قَوْلِ: ” لا” ، وَهَذِهِ الـ ” لا”  هِيَ جَوْهَرُ الفَلْسَفَةِ الأَدُورْنِيَّةِ.

وَهُنا يَذْهَبُ ليوتارُ بَعِيدًا، إِذْ يَرَى أَنَّ رِوايَةَ توماسِ مان لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رِوايَةٍ عَنْ مُوسِيقِيٍّ، بَلْ هِيَ رِوايَةٌ عَنْ مَصِيرِ الثَّقافَةِ الأُورُوبِّيَّةِ كُلِّها. وَالشَّيْطانُ فِيها لَيْسَ شَخْصِيَّةً دِينِيَّةً، بَلْ يُمَثِّلُ السَّلْبِيَّةَ، وَالإِنْكارَ، وَفَضْحَ الأَوْهامِ، وَانْهِيارَ المِثالِ الإِنْسانِيِّ. وَيَبْنِي عَلَى هَذا الأَساسِ أَنَّ أَدُورْنُو هُوَ المَصْدَرُ الحَقِيقِيُّ لِهَذا الصَّوْتِ الشَّيْطانِيِّ، وَقَدِ افْتَرَضَ أَنَّ توماسَ مان اسْتَعانَ بِأَدُورْنُو فِي كِتابَةِ الفُصُولِ المُوسِيقِيَّةِ لِلرِّوايَةِ، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَفْكارِ البَطَلِ المُوسِيقِيَّةِ مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ كِتابِ فَلْسَفَةِ المُوسِيقَى الحَدِيثَةِ.

وَالسُّؤَالُ الَّذِي يَطْرَحُ نَفْسَهُ هُنَا: لِمَاذَا يُشَبِّهُ ليوتارُ أَدُورْنُو بِالشَّيْطَانِ؟ وَالجَوَابُ هُوَ: لِأَنَّ أَدُورْنُو لَا يَسْمَحُ بِأَيِّ مُصَالَحَةٍ بَيْنَ الفِكْرِ وَالوَاقِعِ، وَبَيْنَ العَقْلِ وَالحَيَاةِ؛ إِذْ كُلَّمَا ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُمْ وَجَدُوا الحَقِيقَةَ يَأْتِي أَدُورْنُو لِيَقُولَ: ” هَذِهِ لَيْسَتِ الحَقِيقَةَ” . وَكُلَّمَا حَدَثَ تَقَدُّمٌ يَأْتِي أَدُورْنُو لِيَقُولَ: إِنَّ التَّقَدُّمَ نَفْسَهُ قَدْ أَصْبَحَ أَدَاةً لِلْهَيْمَنَةِ. وَكُلَّمَا قَالَ أَحَدُهُمْ: إِنَّ الفَنَّ يُعْرَفُ بِالجَمَالِ، رَدَّ أَدُورْنُو: إِنَّ الجَمَالَ أَصْبَحَ سِلْعَةً. وَهَذَا يَعْنِي، فِي النِّهَايَةِ، أَنَّ وَظِيفَةَ أَدُورْنُو هِيَ: تَعْكِيرُ الطُّمَأْنِينَةِ وَنُكْرَانُ الوُجُودِ.

وَبِالْمُقَارَنَةِ، فَإِنَّ الجَدَلَ عِنْدَ هِيغِلَ يَنْتَهِي بِالْمُصَالَحَةِ، وَعَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا الجَدَلَ لَا يَتَوَقَّفُ أَبَدًا عِنْدَ أَدُورْنُو، وَلَا يَنْتَهِي عَلَى الإِطْلَاقِ. وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ يَتَجَلَّى الجَدَلُ السَّلْبِيُّ عَلَى صُورَةِ مَحْكَمَةٍ دَائِمَةٍ، مُتَخَصِّصَةٍ فِي إِصْدَارِ أَحْكَامِ نَفْيٍ سَلْبِيَّةٍ، وَمَنْ يَدْخُلْ إِلَيْهَا يَخْرُجْ مُتَّهَمًا مُدَانًا، حَتَّى لَوْ كَانَ العَقْلُ نَفْسُهُ. وَلِهَذَا يَبْدُو أَدُورْنُو وَكَأَنَّهُ يَقِفُ خَارِجَ العَالَمِ لِيُحَاكِمَهُ.

فَعَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، يَرْفَعُ أَدُورْنُو شُونْبَرْغَ إِلَى مَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ، كَمَا يَرَاهُ، لَيْسَ مُجَرَّدَ مُؤَلِّفٍ مُوسِيقِيٍّ، إِنَّهُ ضَمِيرُ العَصْرِ وَوِجْدَانُهُ. فَالْعَمَلُ المُوسِيقِيُّ الحَقِيقِيُّ، كَمَا يَتَجَلَّى فِي مُوسِيقَى شُونْبَرْغ، يَجِبُ أَنْ يَحْمِلَ الأَلَمَ، وَالِانْكِسَارَ، وَالتَّشَوُّهَ، وَالِاغْتِرَابَ. وَعَلَى خِلَافِ هَذِهِ الصُّورَةِ، فَإِنَّ المُوسِيقَى الجَمَاهِيرِيَّةَ التِّجَارِيَّةَ تَكْذِبُ، وَتُخَادِعُ، وَتُشَوِّهُ الحَقِيقَةَ؛ إِذْ تُخْفِي الأَلَمَ الحَقِيقِيَّ، وَتُغَطِّي التَّنَاقُضَاتِ بِالأَمَلِ، وَالوَهْمَ بِالحَقِيقَةِ، وَالتَّسَلُّطَ بِالسُّلْطَةِ، وَهِيَ تُوهِمُنَا بِاللَّذَّةِ السَّطْحِيَّةِ الغَادِرَةِ. وَلِهَذَا يُدَافِعُ أَدُورْنُو عَنِ المُوسِيقَى الصَّعْبَةِ، مُوسِيقَى الشَّقَاءِ، وَالعَذَابِ، وَالأَمَلِ أَيْضًا. وَهَذَا التَّصَوُّرُ الجَمَالِيُّ لِلْفَنِّ الَّذِي يَنْشُدُهُ أَدُورْنُو يَبْدُو لِـ ليوتار تَصَوُّرًا دِينِيًّا يُعْطِي لِلْمُوسِيقَى دَوْرَهَا عَلَى صُورَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ رَسُولِيَّةٍ.

وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يَرَى ليوتارُ إِنَّ أَدُورْنُو يَرْفُضُ الدِّينَ مِنْ حَيْثُ المَظْهَرِ، لَكِنَّهُ يَحْتَفِظُ بِبِنْيَتِهِ؛ فَهُوَ يَنْتَظِرُ تَحَقُّقَ العَدَالَةِ، وَالحَقِّ، وَالمُصَالَحَةِ، وَلَكِنَّهُ يُؤَجِّلُهَا دَائِمًا، وَهُوَ مَوْقِفٌ يَقْتَرِبُ فِيهِ مِنَ اللَّاهُوتِ السَّلْبِيِّ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الحَقِيقَةَ لَا تُعْطَى، بَلْ تَظْهَرُ عَبْرَ النَّفْيِ.

وَهُنَا يَنْطَلِقُ الخِلَافُ الجَوْهَرِيُّ بَيْنَ ليوتار وَأَدُورْنُو. فَإِذَا كَانَ أَدُورْنُو يَقُولُ: إِذَا كَانَ كُلُّ شَيْءٍ سَلْبِيًّا… فَكَيْفَ نَسْتَطِيعُ الإِبْدَاعَ؟ وَإِذَا كَانَ كُلُّ نِظَامٍ كَاذِبًا… فَكَيْفَ نَعِيشُ؟ وَإِذَا كَانَ كُلُّ جَمَالٍ مَشْبُوهًا… فَكَيْفَ نَصْنَعُ فَنًّا؟ وَمِنْ هُنَا يَنْتَقِلُ ليوتارُ لَاحِقًا إِلَى فَلْسَفَةِ مَا بَعْدَ الحَدَاثَةِ.

وَفِي مَقَالَتِهِ ” مَا بَعْدَ الحَدَاثَةِ؟”  (What Is the Postmodern?)، يَرَى ليوتارُ أَنَّ فَلْسَفَةَ أَدُورْنُو تَرْتَبِطُ بِفِكْرَةٍ دِينِيَّةٍ يَهُودِيَّةٍ قَدِيمَةٍ هِيَ حَظْرُ الصُّوَرِ (Bilderverbot)، وَهِيَ الوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي تُحَرِّمُ صُنْعَ الصُّوَرِ أَوِ التَّمَاثِيلِ لِلَّهِ. فَبِالنِّسْبَةِ لِأَدُورْنُو، لَا يَجُوزُ لِلْفِكْرِ أَنْ يُقَدِّمَ صُورَةً مُكْتَمِلَةً وَنِهَائِيَّةً عَنِ الحَقِيقَةِ أَوْ عَنِ المُجْتَمَعِ الفَاضِلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ صُورَةٍ نِهَائِيَّةٍ تَتَحَوَّلُ إِلَى نَوْعٍ مِنَ الصَّنَمِ الفِكْرِيِّ الَّذِي يُخْفِي الوَاقِعَ وَيَطْمِسُ تَنَاقُضَاتِهِ. وَلِهَذَا يَرْفُضُ أَدُورْنُو كُلَّ فَلْسَفَةٍ تَدَّعِي امْتِلَاكَ الحَقِيقَةِ الكَامِلَةِ، أَوْ تَصَوُّرًا نِهَائِيًّا لِلْعَالَمِ.

وَفِي هَذَا السِّيَاقِ ابْتَكَرَ ليوتارُ مَفْهُومَ ” السَّامِي الكَئِيبِ”  (The Melancholic Sublime) لِيَصِفَ البُعْدَ الجَمَالِيَّ فِي فَلْسَفَةِ أَدُورْنُو. وَيَعُودُ مَفْهُومُ السَّامِي (The Sublime) إِلَى كَانْط، الَّذِي وَصَفَهُ بِأَنَّهُ ذَلِكَ الشُّعُورُ الَّذِي يَنْتَابُ الإِنْسَانَ عِنْدَمَا يُوَاجِهُ شَيْئًا يَفُوقُ قُدْرَةَ الخَيَالِ عَلَى إِدْرَاكِهِ أَوِ الإِحَاطَةِ بِهِ، وَهُوَ الأَمْرُ الَّذِي يُمَكِّنُهُ مِنْ إِدْرَاكِ حُدُودِ عَقْلِهِ. وَعِنْدَمَا يَصِفُ ليوتارُ هَذِهِ السِّمَةَ بِالسَّامِي الكَئِيبِ، فَإِنَّهُ يُوَظِّفُهَا لِلإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ بَعْضَ الفُنُونِ أَوِ الفَلْسَفَاتِ تَظَلُّ أَسِيرَةَ الحَنِينِ إِلَى حَقِيقَةٍ، أَوْ وَحْدَةٍ، أَوْ مَعْنًى مَفْقُودٍ، فَتَعِيشُ حَالَةً مِنَ الأَسَى الدَّائِمِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ بُلُوغَ هَذَا المِثَالِ.

وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ يُفَسِّرُ ليوتارُ فَلْسَفَةَ أَدُورْنُو عَلَى هَذِهِ المَنْهَجِيَّةِ؛ إِذْ يَرَى أَنَّ أَدُورْنُو، بِسَبَبِ تَمَسُّكِهِ بِحَظْرِ الصُّوَرِ، وَرَفْضِهِ تَقْدِيمَ صُوَرٍ إِيجَابِيَّةٍ لِلْمُصَالَحَةِ أَوِ اليُوتُوبِيَا، يَبْقَى أَسِيرَ حَنِينٍ دَائِمٍ إِلَى عَالَمٍ أَفْضَلَ لَا يُمْكِنُ تَمْثِيلُهُ. وَلِذَلِكَ يَصِفُ جَمَالِيَّةَ أَدُورْنُو بِأَنَّهَا ” سَامِيَةٌ كَئِيبَةٌ” . إِنَّ ليوتارَ يَسْتَخْدِمُ مَفْهُومَ السَّامِي الكَئِيبِ بِوَصْفِهِ أَدَاةً نَقْدِيَّةً ضِدَّ أَدُورْنُو؛ فَهُوَ لَا يَنْتَقِدُ نَظَرِيَّتَهُ الجَمَالِيَّةَ فَحَسْبُ، بَلْ يُصَنِّفُهُ أَيْضًا ضِمْنَ مُفَكِّرِي الحَدَاثَةِ الَّذِينَ مَا زَالُوا، فِي رَأْيِهِ، يَبْحَثُونَ عَنْ حَقِيقَةٍ كُلِّيَّةٍ أَوْ خَلَاصٍ تَارِيخِيٍّ، بَيْنَمَا تَدْعُو مَا بَعْدُ الحَدَاثَةِ إِلَى التَّخَلِّي عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الطُّمُوحَاتِ الكُبْرَى. وَقَدْ وَجَّهَ ليوتارُ نَقْدًا مُزْدَوَجًا لِأَدُورْنُو: نَقْدًا لِنَظَرِيَّتِهِ الجَمَالِيَّةِ، وَنَقْدًا لِمَوْقِعِهِ بِوَصْفِهِ مُمَثِّلًا لِمَشْرُوعِ الحَدَاثَةِ الَّذِي تَسْعَى مَا بَعْدُ الحَدَاثَةِ إِلَى تَجَاوُزِهِ.

3- ضد ليوتار: أَدُورْنُو ملاكاً 

يَرَى كَثِيرٌ مِنَ البَاحِثِينَ أَنَّ ليوتار قَرَأَ أَدُورْنُو مِنَ الخَارِجِ، وَلَمْ يَنْتَبِهْ إِلَى أَنَّ السَّلْبِيَّةَ عِنْدَ أَدُورْنُو لَيْسَتْ هَدْمًا، بَلْ مُقَاوَمَةً. فَهُوَ لَا يَقُولُ: ” كُلُّ شَيْءٍ بَاطِلٌ” ، بَلْ يَقُولُ: ” كُلُّ مُصَالَحَةٍ قَبْلَ إِزَالَةِ الظُّلْمِ هِيَ مُصَالَحَةٌ زَائِفَةٌ” . وَلِهَذَا انْتَقَدَهُ دان ويب (Dan Webb)، وَرُوبِرْت هالوت-كِنْتُور (Robert Hullot-Kentor)، وَسُوزَان باك-مُورْس (Susan Buck-Morss)، مُعْتَبِرِينَ أَنَّ تَشْبِيهَ أَدُورْنُو بِالشَّيْطَانِ يُغْفِلُ البُعْدَ الأَخْلَاقِيَّ العَمِيقَ فِي فَلْسَفَتِهِ. وَيَرَى مُعْظَمُ هَؤُلَاءِ النُّقَّادِ أَنَّ ليوتار أَسَاءَ فَهْمَ أَدُورْنُو؛ إِذْ قَرَأَهُ مِنْ خِلَالِ تَصَوُّرٍ مَسِيحِيٍّ وَلَاهُوتِيٍّ، وَقَدْ وَجَدُوا أَنَّ أَدُورْنُو ـ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ـ يَنْتَسِبُ إِلَى تَقَالِيدَ يَهُودِيَّةٍ عِلْمَانِيَّةٍ، وَأَنَّ هَذَا يُغَيِّرُ فَهْمَ فَلْسَفَتِهِ الجَمَالِيَّةِ جِذْرِيًّا.

وَيَتَّضِحُ مِنْ خِلَالِ هَؤُلَاءِ النُّقَّادِ أَنَّ تَحْلِيلَ ليوتار لِأَدُورْنُو يُظْهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ أَدُورْنُو بِوَصْفِهِ عَالِمَ اجْتِمَاعٍ، أَوْ نَاقِدًا لِلرَّأْسَمَالِيَّةِ، بَلْ قَرَأَهُ بِوَصْفِهِ مُفَكِّرًا يَحْمِلُ بَقَايَا بِنْيَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ دَاخِلَ فَلْسَفَتِهِ. وَيُرَكِّزُ هَؤُلَاءِ النُّقَّادُ عَلَى أَنَّ ليوتار أَسَاءَ الفَهْمَ، فَقَرَأَ أَدُورْنُو قِرَاءَةً مَسِيحِيَّةً، بَيْنَمَا كَانَ أَدُورْنُو أَقْرَبَ إِلَى التُّرَاثِ اليَهُودِيِّ السَّلْبِيِّ مِنْهُ إِلَى اللَّاهُوتِ المَسِيحِيِّ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ تَشْبِيهَهُ بِالشَّيْطَانِ لَيْسَ دَقِيقًا.

وَبِاخْتِصَارٍ، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ تَصْوِيرَ ليوتار لِأَدُورْنُو تَصْوِيرٌ مُضَلِّلٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْرَؤُهُ كَمَا لَوْ كَانَ مُفَكِّرًا مَسِيحِيًّا، فِي حِينِ أَنَّ الأَجْدَرَ هُوَ مُقَارَبَتُهُ بِوَصْفِهِ يَهُودِيًّا عِلْمَانِيًّا، تَشَكَّلَتْ فَلْسَفَتُهُ فِي أُفُقِ التُّرَاثِ اليَهُودِيِّ بَعْدَ أَنْ أُعِيدَتْ صِيَاغَتُهُ بِلُغَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ حَدِيثَةٍ.

فَالشَّيْطَانُ كما يتجلى في قِرَاءَةِ ليوتار لَا يبدو لنا رَمْزًا لِلشَّرِّ، بَلْ اسْتِعَارَةً لِلنَّفْيِ الجِذْرِيِّ الأدورني الَّذِي يَرْفُضُ كُلَّ مُصَالَحَةٍ وهمية مخادعة زَائِفَةٍ مَعَ الوَاقِعِ. وأدونو في هذا الوصف هو الملاك الذي يسائل العَالَمِ، وَيُفَكِّكُ أَوْهَامَ الِانْسِجَامِ، وَيَكْشِفُ مَا يُخْفِيهِ النِّظَامُ القَائِمُ مِنْ عُنْفٍ وَتَنَاقُضَاتٍ، دُونَ أَنْ يَدَّعِي امْتِلَاكَ الحَقِيقَةِ النِّهَائِيَّةِ. وَمِنْ هَذَا المَنْظُورِ، يَغْدُو الشَّيْطَانُ مَجَازًا لِلْعَقْلِ النَّقْدِيِّ الَّذِي يَظَلُّ وَفِيًّا لِوَاجِبِ البَحْثِ عَنِ الحَقِيقَةِ عَبْرَ السَّلْبِ، لَا عَبْرَ تَثْبِيتِ يَقِينٍ جَدِيدٍ.() 

فَالشَّيْطَانُ يَدْعُو إِلَى الشَّرِّ، وَالبُؤْسِ، وَالعُدْوَانِيَّةِ، أَمَّا صُورَةُ الشَّيْطَانِ لِأَدُورْنُو فَتَبْدُو فِكْرَةً مَلَائِكِيَّةً خَيِّرَةً. نَعَمْ، وَهَذِهِ إِحْدَى المُفَارَقَاتِ البَلَاغِيَّةِ وَالفَلْسَفِيَّةِ فِي اسْتِعْمَالِ ليوتار لِلِاسْتِعَارَةِ. فَفِي التَّقْلِيدِ الدِّينِيِّ، الشَّيْطَانُ رَمْزٌ لِلْإِغْوَاءِ، وَالشَّرِّ، وَالتَّمَرُّدِ عَلَى اللهِ، وَإِفْسَادِ الإِنْسَانِ. لِذَلِكَ فَإِنَّ القَارِئَ يَتَوَقَّعُ أَنْ يَكُونَ تَشْبِيهُ شَخْصٍ بِالشَّيْطَانِ تَشْبِيهًا سَلْبِيًّا. لَكِنَّ ليوتار يَقْلِبُ هَذَا التَّوَقُّعَ عَمْدًا.

فَالشَّيْطَانُ فِي مَقَالِهِ لَيْسَ شَخْصِيَّةً لَاهُوتِيَّةً، بَلْ اسْتِعَارَةٌ فَلْسَفِيَّةٌ. إِنَّهُ يُمَثِّلُ المَبْدَأَ الَّذِي يَرْفُضُ الطَّاعَةَ، وَيُقَاوِمُ التَّوَافُقَ، وَيُزَعْزِعُ اليَقِينَ، وَيَكْشِفُ الزَّيْفَ. وَمِنْ هَذِهِ الزَّاوِيَةِ، فَإِنَّ صِفَاتِهِ لَيْسَتِ الدَّعْوَةَ إِلَى الشَّرِّ، بَلِ الرَّفْضَ الدَّائِمَ لِكُلِّ مُصَالَحَةٍ مَعَ عَالَمٍ غَيْرِ عَادِلٍ.

وَهُنَا تَنْشَأُ المُفَارَقَةُ الَّتِي لَاحَظْتَهَا: فَالصُّورَةُ الَّتِي يَرْسُمُهَا ليوتار لِأَدُورْنُو تَبْدُو، فِي كَثِيرٍ مِنْ جَوَانِبِهَا، أَقْرَبَ إِلَى صُورَةِ النَّاقِدِ الأَخْلَاقِيِّ مِنْهَا إِلَى صُورَةِ الشَّيْطَانِ التَّقْلِيدِيَّةِ. فَأَدُورْنُو لَا يَدْعُو إِلَى الشَّرِّ، بَلْ يَرْفُضُ العُنْفَ، وَالعُدْوَانَ، وَالظُّلْمَ، وَالقَهْرَ، وَالبُؤْسَ، وَالحِرْمَانَ، وَيُدَافِعُ عَنِ الضَّحَايَا، وَيَكْشِفُ آلِيَّاتِ الهَيْمَنَةِ، وَيَرْفُضُ تَبْرِيرَ المُعَانَاةِ الإِنْسَانِيَّةِ.

وَلِهَذَا يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ اسْتِعَارَةَ ” الشَّيْطَانِ”  لَا تُشِيرُ إِلَى المَضْمُونِ الأَخْلَاقِيِّ لِفِكْرِ أَدُورْنُو، وَإِنَّمَا إِلَى مَوْقِعِهِ دَاخِلَ الفِكْرِ؛ فَهُوَ الَّذِي يَرْفُضُ أَنْ يَقُولَ: ” نَعَمْ”  لِلظُّلْمِ وَالقَهْرِ فِي العَالَمِ، وَيُعَارِضُ أَلْوَانَ الشَّرِّ المُخْتَلِفَةَ بِاسْتِمْرَارٍ، كَمَا أَنَّ الشَّيْطَانَ فِي المُخَيَّالِ الدِّينِيِّ هُوَ المُتَمَرِّدُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ النِّظَامَ القَائِمَ.

لَكِنْ يُمْكِنُنا  أَيْضًا تَوْجِيهُ نَقْدٍ إِلَى ليوتار مُفادُهُ أَنَّ هَذِهِ الِاسْتِعارَةَ  الشيطانية ” أدورنو شيطانا” قَدْ تَكُونُ مُضَلِّلَةً؛ لِأَنَّها تَنْقُلُ إِلَى ذِهْنِ القارِئِ حُمُولَةً دِينِيَّةً وَأَخْلاقِيَّةً سَلْبِيَّةً، بَيْنَما الصِّفاتُ الَّتِي يَنْسِبُها إِلَى أَدُورْنُو هِيَ، في مُعْظَمِها، صِفاتٌ يَراها كَثِيرُونَ فَضائِلَ نَقْدِيَّةً، مِثْلَ النَّزاهَةِ الفِكْرِيَّةِ، وَرَفْضِ الظُّلْمِ، وَالإِخْلاصِ لِلْحَقِيقَةِ. وَلِذَلِكَ قَدْ يَبْدُو التَّشْبِيهُ غَيْرَ مُتَناسِبٍ بَيْنَ الرَّمْزِ وَما يَرْمُزُ إِلَيْهِ.

وَبِعِبارَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ ليوتار لا يَسْتَعِيرُ مِنْ صُورَةِ الشَّيْطانِ بُعْدَها الأَخْلاقِيَّ، وَإِنَّما بُعْدَها الجَدَلِيَّ وَالتَّمَرُّدِيَّ. إِلَّا أَنَّ هَذا الِاخْتِيارَ يَبْقَى قابِلًا لِلنِّقاشِ؛ لِأَنَّ الرَّمْزَ الدِّينِيَّ لا يُمْكِنُ فَصْلُهُ بِسُهُولَةٍ عَنْ دَلالاتِهِ الأَخْلاقِيَّةِ الرَّاسِخَةِ، وَهَذا ما يَجْعَلُ القارِئَ يَشْعُرُ، كَما شَعَرْتَ أَنْتَ، بِأَنَّ الصُّورَةَ الإِيجابِيَّةَ الَّتِي يُقَدِّمُها لِأَدُورْنُو لا تَنْسَجِمُ تَمامًا مَعَ الصُّورَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ لِلشَّيْطانِ.

وَفي هَذا الفَضاءِ النَّقْدِيِّ يَنْقُدُ دان ويب (Dan Webb) رُؤْيَةَ ليوتار، الَّذِي يَرْسُمُ أَدُورْنُو عَلَى صُورَةِ الشَّيْطانِ في رِوايَةِ ” دكتور فاوستوس” ، في مَقالَتِهِ المَوْسُومَةِ: ” إِذا لَمْ يَكُنْ أَدُورْنُو هُوَ الشَّيْطانَ، فَلِأَنَّهُ يَهُودِيٌّ”   (If Adorno Isn’t the Devil, It’s Because He’s a Jew) () .  وَعَلَى خِلافِ ليوتار، يَرَى أَنَّ أَدُورْنُو يَرْمُزُ إِلَى العَقْلِ الكُلِّيِّ الَّذِي يُخْضِعُ الفَنَّ لِمَطالِبَ فَلْسَفِيَّةٍ صارِمَةٍ. وَقَدْ وَجَدَ أَنَّ ليوتار يَتَجاهَلُ الطَّبِيعَةَ الجَدَلِيَّةَ لِفَلْسَفَةِ أَدُورْنُو، وَيُغْفِلُ مَوْقِفَهُ النَّقْدِيَّ مِنَ الهُوِيَّةِ الفِكْرِيَّةِ وَالأَنْظِمَةِ المُغْلَقَةِ.

وَفي سِياقِ مُجادَلَتِهِ هَذِهِ يَرَى أَنَّ ليوتار قَرَأَ أَدُورْنُو مِنْ خِلالِ صُورَةٍ رِوائِيَّةٍ رَمْزِيَّةٍ أَكْثَرَ، وَلَمْ يُعِرْ اهْتِمامًا لِنُصُوصِهِ الفَلْسَفِيَّةِ، كَما أَنَّهُ اخْتَزَلَ الجَدَلَ السَّلْبِيَّ عِنْدَ أَدُورْنُو في نَزْعَةٍ شُمُولِيَّةٍ، مَعَ أَنَّ الجَدَلَ السَّلْبِيَّ عِنْدَ أَدُورْنُو يَقُومُ أَساسًا عَلَى مُقاوَمَةِ الشُّمُولِ وَالهُوِيَّةِ المُغْلَقَةِ. وَقَدْ وَجَدَ أَيْضًا أَنَّ ليوتار يَتَعامَلُ مَعَ رِوايَةِ توماس مان ” فاوستوس”  بِوَصْفِها مِفْتاحًا لِفَهْمِ أَدُورْنُو، مَعَ أَنَّ الرِّوايَةَ لا تَسْمَحُ بِهَذا التَّطابُقِ المُباشِرِ بَيْنَ الشَّخْصِيَّاتِ وَالأَشْخاصِ الحَقِيقِيِّينَ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ وَصْفَ أَدُورْنُو بِالشَّيْطانِ يَتَجاهَلُ الخَلْفِيَّةَ التَّارِيخِيَّةَ وَالفَلْسَفِيَّةَ الَّتِي تَشَكَّلَتْ في ظِلِّ تَجْرِبَةِ الِاضْطِهادِ النَّازِيِّ وَالمَنْفَى.

4- خاتمة : 

 وأخيرا يبدو لنا أن نَقْدَ ليوتار لِأَدُورْنُو ليس موضوعيا إذ يَعْتَمِدُ عَلَى قِراءَةٍ انْتِقائِيَّةٍ روائية َغَيْرِ دَقِيقَةٍ، ويبنى على ذلك َأَنَّ رِوايَةَ ” دكتور فاوستوس”  لا يمكنها أن تشكل مقدمة أَساسية كافِية حقاً  للنظر إلى  أَدُورْنُو بوصفه نَمُوذَجًا شيطانياً . وَيَسْتَنْتِجُ بناء على ذلك أَنَّ فَلْسَفَةَ أَدُورْنُو، بِخِلافِ ما يَفْتَرِضُهُ ليوتار، تَقُومُ عَلَى نَقْدِ أَنْظِمَةِ الفِكْرِ المُغْلَقَةِ وَالدِّفاعِ عَنِ اللَّامُتَطابِقِ ومهاجمة كل أشكال الظلم والقهر وكل أنواع الاستلاب والغربة والاغتراب  ، فَإِنَّ الخِلافَ بَيْنَ ليوتار وَأَدُورْنُو يَعْكِسُ اخْتِلافًا عَمِيقًا بَيْنَ الحَداثَةِ النَّقْدِيَّةِ الَّتِي يُمَثِّلُها أَدُورْنُو، وَما بَعْدَ الحَداثَةِ الَّتِي يُمَثِّلُها ليوتار.

د. علي أسعد وطفة

هَوامِشُ:

– Thomas Mann. Doctor Faustus. Translated by H. T. Lowe-Porter (New York: Alfred A. Knopf, 1948).

2- Laura Leslie, Adorno as the Devil in Mann’s Doctor Faustus: Aspects of Modernism in Music, Literature and Critique (MMus(R) thesis, 2014).

3- Lyotard, Jean-François. “Adorno as the Devil.” Telos 19 (Spring 1974): 127–137. https://doi.org/10.3817/0374019127.

4- Theodor W. Adorno. Philosophy of Modern Music. Translated by Anne G. Mitchell and Wesley V. Blomster. (London: Sheed and Ward, 1973).

5- Jean-François Lyotard. La Condition postmoderne: Rapport sur le savoir. (Paris: Les Éditions de Minuit, 1979), p. 7.

6- Laura Leslie, Adorno as the Devil in Mann’s Doctor Faustus: Aspects of Modernism in Music, Literature and Critique (MMus(R) thesis, 2014).

7- Dan Webb. “If Adorno Isn’t the Devil, It’s Because He’s a Jew’: Lyotard’s Misreading of Adorno through Thomas Mann’s Dr Faustus.” Philosophy and Social Criticism 35, no. 5 (2009): 517–531. https://doi.org/10.1177/0191453709103425.


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى