فيلون السكندري وفكرة اللوغوس
من وساطة التنزيه التوراتي إلى إشكاليات التجسد المسيحي وجدل الكلام في الفكر الإسلامي

تحتوي المصادر الدينية اليهودية على العموم وخاصة التوراة على العديد من الألفاظ والعبارات المشتركة بين الإله والإنسان، وقد أدى التفسير الحرفي لهذه النصوص المقدسة إلى الوقوع في المشابهة والمماثلة بين الإله والبشر، وهذا ما يسمى بعقيدة التجسيم، أي النزول بالإله إلى عالم المادة، ومنحه صفات الإمكان، وإضفاء مقولات الجوهر وأعراضه عليه، ووصفه بالأحوال والأوضاع التي يمرّ بها الإنسان كالندم، والقلق، والمشي، وزيارة المرضى … إلخ، مع التنبيه أن مُعتقد التجسيم لا يقتصر على الديانة اليهودية حصراً بل هو موجود في كل الأديان، إلاّ أن اليهودية وصفت به بشدة نظراً لوجود صفات النقص في صلب نصوصها المؤسسة (الندم، الراحة، الأكل، الشرب، التنهد …)، وقد رفض الكثير من اليهود هذه العقيدة واشتغلوا على نقدها، منهم موسى بن ميمون إذ قال: “ينبغي أن يربى الصغار ويُعلن في الجمهور أن الله ليس بجسم، ولا قوة في جسم، ولا بينه وبين مخلوقاته أصلا …”، ويقول في تعريفه لتوحيد الله تعالى: “لا وحدانية أصلا إلا باعتقاد ذات واحدة بسيطة، لا تركيب فيها، ولا تكثير معاني، بل معنى واحد من أي الجهات لحظته، وبأي الاعتبارات اعتبرته، تجده واحدا”.
إن كثرة النصوص التشبيهيّة دفعت بعدد من فلاسفة اليهود إلى تأويل النصوص التوراتية التي تشتمل على التجسيم والتشبيه، حيث أكدوا أن هذه النصوص تحمل دلالات عميقة لا يمكن إدراكها عن طريق التفسير الحرفي، بل لا بد من تجاوز عالم المفردات إلى فهم روح النص من خلال تأويله، ومن هنا ظهرت مدارس تأويلية تعتمد على المجاز، وأخرى تأويلية منهجها يقوم على الوعظ والأخلاق، وكذلك تيارات عرفانية تأويلها للنصوص يعتمد على المعنى الصوفي.
ولعلّ من أبرز الفلاسفة اليهود التأويليين وأكثرهم تأثيراً في علم اللاهوت نجد فيلون السكندري (20 ق م / 50 م)، أين عاش زمن الفلسفة الهلنستية وهو ما يُفسر محاولاته التوفيق بين التوراة والفلسفة اليونانية وخاصة الأفلاطونية منها.
لتحقيق التنزيه عند فيلون فقد اعتمد على التأويل الرمزي في تفسير التوراة، ومثال ذلك في سفر التكوين حيث فسّر قصة آدم وحواء بالرمز، لأن حسبه ليس من المعقول أن الله تعالى العالم بكل شيء لا يعلم أن آدم سيأكل من الشجرة التي حذره منها، وليس من المعقول أنه لا يعلم أين يختبئ آدم، وكذلك ليس من المعقول وصف الرب بصفة إنسانية هي المشي … وفيلون لا يشكك في صدق التوراة وأنها وحي رباني، وإنما يرى أنها تحمل معان تحتاج إلى خبير بفقه الرموز لفهمها، ولهذا قدّم هذا التفسير لقصة آدم: “خلق الله العقل الخالص في عالم المثل وهو الإنسان، ثم صنع على مثال هذا العقل عقلا أقرب من الأرض وهو آدم، وأعطاه الحس وهو حواء معونة ضرورية له، فطاوع العقل الحس، وانقاد للذة، وهي الحية التي وسوست لحواء، فولدت النفس في ذاتها الكبرياء وهو قابيل وجمع الشرور، وانتفى منها الخير وهو هابيل ومات موتا خلقيا”، وبالتالي فهو يرمز لآدم بالعقل، ولحواء بالحس، ولقابيل بالشر والكبرياء، ولهابيل بالخير.
انتهى التنزيه عند فيلون بالإيمان بإله لا يفعل شيئا، ولا يخلق، وليست له أية صفة، ولا ينسب إليه أي شيء، هذا من جهة، ولكن من جهة أخرى فإن التوراة غنية بأعمال مذكورة للإله لا يمكن تجاهلها، وليخرج فيلون من مأزق التناقض الذي وقع فيه مع فراره المستمر من التجسيم والتشبيه، استحدث فكرة الإيمان باللوغوس (كلمة الرب) وجعلها واسطة بين الإله المتعالي والعالم المادي، فهذه الكلمة هي التي بها خلق الله العالم.
تطور تدريجياً مفهوم اللوغوس السكندري فكرياً ودينياً في البيئة الهلنستية وخاصة داخل التيارات الغنوصية إلى غاية الذروة بعد اختفاء المسيح واختلاف الناس من حوله، حيث نضجت فكرة أن الكلمة كان عند الله وكان إلهياً، ثم صار جسداً، أي أن اللوغوس لم يعد مجرد مبدأ عقلي، بل صار مرتبطاً بشخص المسيح وبالتجسّد، وبالتالي يمكن القول أن المسيحية وخاصة عن طريق يوحنا صاحب الإنجيل نقلت مفهوم اللوغوس من مستوى الوساطة بين الله والعالم عند فيلون إلى مستوى التجسد والخلاص، قبل أن تنقسم المسيحية نفسها داخلياً إلى مذاهب متنازعة بسبب عدم الاتفاق حول العلاقة بين الرب واللوغوس (طبيعة واحدة أو طبيعتين).
انتقل مفهوم اللوغوس إلى البيئة الإسلامية حيث أضحى مركز الجدل الكلامي ولكن في إطار توحيدي مختلف، فظهرت إشكالية هل كلام الله تعالى قديم قائم بذاته، أم أنه من أفعال الله تعالى؟ وقد تبنى المعتزلة القول بأن كلام الله مخلوق حادث، لأن حسبهم فإن إثبات كلام أزلي قائم بذات الله يؤدي إلى إثبات قديم آخر مع الله وهو مناقض للتوحيد، بينما رأى الطرف الآخر أن كلام الله قديم أزلي من صفات الله الذاتية … خرج هذا الجدل عن علاقة الكلمة الإلهية بالله وبالعالم بعد تدخل السياسة من التنظير والتأليف وخاصة في زمن الخليفة العباسي القادر بالله الذي أعلن موقفاً صريحاً لصالح قِدم كلمة الله، وتكفير من يخالف هذه العقيدة، لتنتهي بذلك مدرسة تقديم العقل على النقل، ويدخل الفكر الإسلامي داخل قالب مدرسة الطبيعة الواحدة التي لا نزال لحد اليوم نعيش آثارها ومنتجاتها.
أعتقد أننا في حاجة لأبحاث في هذا المجال، ليس لإحياء جدل أو خصومات لاهوتية قديمة، بل لتسليط الضوء على واقعنا الفكري الإسلامي المعاصر، الذي ما يزال يعيش توتراً بين قداسة النص، وآليات فهمه وتأويله، وهو ما يفتح المجال أمام تجديد الفكر الإسلامي بما يستجيب لتحولات العقل والمعرفة في عصرنا.
العفيفي فيصل
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






