التنويريدراسات دينية

نظرية المشيئة في القدر وعلاقتها بالتراث الكلامي

قراءة نقدية في مفهوم القضاء والقدر بين حتمية العلم المسبق وديناميكية الفاعلية الإلهية وحرية الإنسان

من خلال المقالات الثلاث المنشورة في هذه المنصة المباركة أمكن القول إن هناك أطروحة كلامية جديدة يقدمها كتاب “محاسن إعادة النظر في مفهوم القضاء والقدر، من نظرية العلم إلى نظرية المشيئة”، كما اتضحت معالم هذه النظرية وأبعادها الاعتقادية ومقصدها الحركي الإصلاحي في نيل سعادتي الدنيا والآخرة.

المقالات السابقة حاولت تأصيل كل فكرة من أفكار “نظرية المشيئة” بإيجاز من القرآن الكريم والسنة النبوية، وهذا هو الأهم، لكن من المهم كذلك التعريج على بعض مسائل الاتفاق والاختلاف مع “نظرية العلم”، مما يبين جانب الأصالة وجانب التجديد في الطرح الجديد.

أولا: تعريف القضاء وتعريف القدر

إن التعريف الموروث عمن قبلنا -والذي تتبناه نظرية العلم- يعتبر القضاء علماً أزلياً بإيجاد شيء، والقدر حكم بوجوده في الواقع بحلول الأجل. فالأشياء والأحداث وفق هذا التصور موجودة في الأزل كمعلومة لا تتخلف، ودور المشيئة ليس التقرير والاختيار بل فقط مباشرة التنفيذ. بينما ترى نظرية المشيئة أن المعلومات تحتاج بالضرورة إلى من يقررها تباعا، وهي وليدة عملية القضاء الذي يعني الحكم بإيجاد شيء، والقدر الذي يعني التقرير في مقادير هذا الشيء من الطول والعرض واللون والحجم… وغير ذلك من المقدرات ومقدار كل منها. وهذه العملية تحتاج لفاعل قادر ومدرك وحر في الاختيار وهو ما يمكن تسميته “القيوم”. والله قيوم على ملكه، ويوم القيامة هو يوم الحكم والفصل، والإنسان خليفة الله في الأرض وقيوم عليها. فالقيوم والقوامة والقيامة والاستخلاف والحكم والفصل والتدبير والقضاء والقدر كلها تدور في فلك واحد وكأنها مترادفات لغوية لما يسمى بلغة العصر “القرار”.

إن تعريف نظرية المشيئة لكل من القضاء والقدر مستمد من استقراء سياقات الآيات القرآنية، التي تجعل القضاء حكماً بوجود شيء؛ والقدر حكماً في تفاصيل ومقادير هذا الشيء، ففي القضاء نورد قوله تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَٰلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ﴾ (الحجر، 66)، وقوله تعالى: ﴿ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (طه، 72)، وفي القدر ﴿ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ۖ ﴾ (سبأ، 11)، وقوله تعالى: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ﴾ (فصلت، 10) فهو سبحانه قضى الأمر، وقدر فيه. وهو استقراء لا يكاد يتخلف.

ثم إن السياقات القرآنية لا تجعل أحدهما أزلياً انقطع حبله وجف قلمه، والآخر يجري مجرى التاريخ، بل إن عملية تقرير المعلومات وتبديلها عملية مستمرة ومتأثرة بالإرادة البشرية الحادثة وبالسنن الكونية الجارية. وهذا وحده يجعل نظرية العلم في محل شك وتساؤل. قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (غافر، 20) وقال سبحانه ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (السجدة، 25). وقال جل جلاله: ﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (البروج، 15-16).

وإذا استقر التفسير في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (الإسراء، 30) على أنَّ “يُقدِّر” ضد “يَبْسُط”، وهذا صحيح، إلا أنه يحتمل معنيين إضافيين: الأول أن الله تعالى يبسط الرزق وهو القادر على ذلك، والثاني أن الله تعالى يبسط الرزق بقدر معين أو بتقدير معين. وهذا يؤكده السياق اللغوي كما يؤكده قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (العنكبوت، 62) وكذلك قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ، 39). فإضافة “له” في “ويقدر له” واستحضار قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (الشورى، 27)، يجعل المعنى أقرب للقدرة على البسط، والقدرة على التحكم في مقدار البسط. فبسط الرزق يتم بالقضاء، ومقدار ذلك يسمى القدر.

ثانيا: المشيئة البشرية هبة من المشيئة الإلهية

لا بد أن نميز بين المشيئة الإلهية كصفة أزلية تمثل القدرة على الاختيار والترجيح، وبين عمل هذه المشيئة في الواقع، تماما كما هو الأمر في القدرة على الإدراك والتمييز والعلم الخبري، والقدرة على الخلق وعملية الخلق، والقدرة على السمع والنظر وعملية السمع أو النظر. قال تعالى: ﴿ قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران، 29). فجعل سبحانه علمه بما قد يفعلونه ضمن قدرته الشاملة على الإدراك.

ومشيئة الله هي التي أرادت أن يكون الإنسان حرا، وأن يفعل بإرادته ما يشاء، فقال سبحانه: ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ ﴾ (الكهف، 29) وقال جل جلاله ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ (التكوير، 27-28). لكن المؤمن الحقيقي بالقضاء والقدر يستبدل هذه المشيئة الحرة بالعبودية لله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب، 36). فتأمل كيف بينت الآية الكريمة معنى القضاء وكيف حددت غايته ومقصده!!

إن المشيئة الإلهية ترتبط لدى الأشاعرة بالعلم الخبري الأزلي؛ فكل ما علمه الله في الأزل يجب أن يقع حتماً، ومشيئة الله تنفيذية وليست تقريرية، وهي مطلقة لدرجة تلغي فاعلية مشيئة العبد، لأن العبد عندهم فاعل مجازي والفاعل الحقيقي هو الله تعالى. والفعل البشري عندهم مخلوق لله تعالى حتى لا يقولوا بتعدد الخالق، ومشيئة العبد عندهم تابعة لمشيئة الله، وأن ارتباط فعل العبد بمشيئته يسمى كسبا لإكساب الفعل مسؤولية فاعله لا لإثبات حرية الفاعل واختياره، لأن الفعل في اعتقادهم واقع لا محالة، وليس للعبد مشيئة حقيقية في وجوده أو تركه، ويبقى فقط من يتحمل مسؤوليته، وهذا ما ترفضه “نظرية المشيئة”.

أما المعتزلة فحصروا المشيئة الإلهية في دائرة التشريع والعدل والخير، معتبرين أن العبد مستقل تماماً بمشيئته في أفعاله الاختيارية دون حاجة لمشيئة إلهية متجددة تُصاحب الفعل. وهذا في رأي “نظرية المشيئة” يحد من سلطة الله في مملكته، ويخالف قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير، 29) وهي آية تابعة للآيتين قبلها وليست نافية أو ناسخة لهما.

لذلك حاول ابن تيمية أن يركز على حرية الفاعل وقدرته على الفعل، فميز بين المشيئة الكونية والإرادة التشريعية، وأن للعبد إرادة حقيقية بها ينسب الفعل له، وأن علم الله كاشف وليس سببا في وقوع الفعل. وإذا كان الفلاسفة يقولون إن العلة التامة إذا وُجدت، وجب وجود معلولها معها في نفس الآن والزمان دون تراخٍ مثل حركة خاتم اليد وحركة اليد؛ تتحركان معاً، وبما أن الله علة تامة أزلية، وجب أن يكون العالم معلولاً مقارناً له في الأزل، فإن ابن تيمية نقض هذه القاعدة من أصلها بالحس والعقل، وقال إن العلة الفاعلة يجب عقلاً أن تتقدم على مفعولها. فالفاعل يسبق الفعل؛ لأن إحداث الشيء يقتضي صيرورته من العدم إلى الوجود، والوجود بعد العدم ينافي المقارنة الأزلية. لو كان المعلول مقارناً دائماً لعلته، لما حدث في العالم شيء جديد، لأن كل علة ستتصل بمعلولها أزلاً، وهذا يخالف المشاهدة والحس.

أضاف ابن تيمية -في رده على الفلاسفة والأشاعرة والمعتزلة- شيئا مهما وهو التمييز بين “قدم النوع” و”قدم العين”، فالمشيئة الإلهية أزلية تعني القدرة على الاختيار والقرار، لكن اختيار شيء معين هو حادث وله بداية ونهاية، كما أن فعل العبد يحتاج عناية إلهية دائمة ومستمرة تمده بالقدرة على الفعل وتزيح عنه موانع حدوثه، فالإنسان قادر على الفعل غير عاجز عنه، لكنه محتاج لمدد رباني مستمر ليتمكن من الفعل، ومحتاج لمشيئة ربانية حتى لا يمنع منه.

وإذا كان رأي ابن تيمية يعد مرتكزا أساسيا لنظرية المشيئة، فإنها لا تتطابق معه في كل شيء، بل تقدم رؤية قائمة على السنن والقدرة، الله يخلق ويقضي ويبدع الأنظمة والقدرات والسنن الكونية، والإنسان مخلوق لله وقادر بمشيئة الله على الفعل، ويخرج الفعل إلى الوجود بما أفاء الله عليه من قدرة وإرادة، وما مكنه من سنن إن شاء سبحانه بعدما يشاء العبد ويباشر الأسباب. فعندما يختار العبد فعلاً ويباشر أسبابه، فإن تحقق النتيجة يخضع للقوانين التكوينية الإلهية؛ فالتأثير والتمكين لله خلقاً وأمراً، ولكن الصدور والتوجيه للعبد كسباً وصناعة واقعية، مما ينفي الجبر التام (الأشاعرة) وينفي الاستقلال الانفصالي عن الله (المعتزلة). وفعل العبد لا يتم انطلاقا من علم كاشف وإنما من مشيئة بشرية عازمة (متقدمة) ومشيئة إلهية حاسمة (لاحقة) في التوفيق والتمكين أو المنع، قال تعالى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير، 27-29).

فالأشياء والأحداث في أصلها ليست موضوع علم إلا بعد أن تكون موضوع مشيئة، لأن موضوع العلم يتحدد في أحد أمرين: علم الملكة والذي يعني الحكمة والقدرة على الإدراك والتمييز والفهم، وهو نقيض الحمق والجنون، وهو يسبق عملية القضاء والقدر، ويساهم فيها إلى جانب القدرة والإرادة، والعلم الخبري الذي يعني المعلوم أي ضد الجهل والمجهول، وهذا وليد عملية القضاء والقدر وتابع لها. وذلك لأن المعلومة تحتاج لمن يقررها بمشيئة حرة وفاعلة وحية، وهو “القيوم” سبحانه.

ثالثا: دور الإيمان بالقضاء والقدر

إن دور القضاء والقدر وفق “نظرية العلم” هو إثبات علم الله بالأحداث منذ الأزل، وبالتالي فهو يقوم بتقييد مشيئة الله تعالى، فالمشيئة مضطرة لاختيار ما سبق به العلم وجف به القلم حتى لا يكون علم الله مخطئا، والإنسان يجد في هذا التصور جبرية واضحة إذ كل ما صدر عنه لا يمكن أن يصدر خلافه، فيتهرب من المسؤولية ويلقيها على القدر. فنظرية العلم تقيد إرادة الله في الاختيار قبل أن تلغي إرادة الإنسان، فإذا كان العلم سابقا أزلا، وكان هذا العلم لا يخطئ ولا يحتمل الخطأ أصبحت الإرادة مجبرة على اختيار ما سبق به العلم. والحقيقة أن العلم الخبري لا يقوم بذاته ليكون صحيحا أو حقيقيا إلا إذا تأسس على قدرة قوية وإرادة صارمة تضمن وقوعه.

أما “نظرية المشيئة” فترى أن الحي القيوم فعال لما يريد، وكل يوم هو في شأن ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد، 39). وهذا يقر لله بدور المدبر لشؤون الكون، لا تأخذه سنة ولا نوم عن هذه الوظيفة الحية الديناميكية، يعطي السائل، ويجيب الداعي ويراقب العاصي ويقدم ويؤخر، ويصرف الآيات ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (فاطر، 41). وهذه كلها قرارات ربانية تتوزع على الخلق والحفظ والتدبير والأمر والمعاد والجزاء، وتوجد ليلة عظيمة سميت بليلة القدر ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ (الدخان، 4-5). وهذا الأمر يجعل الإنسان تحت العناية الربانية والمراقبة الإلهية في كل لحظة، مما يبعث على الرغبة والرهبة ويضع الإنسان تحت مسؤوليته.

إن مسألة القضاء والقدر ليست مسألة علم أو جهل، بل قضية سيادة على الكون في كل القرارات المتعلقة بالخلق والتدبير والعناية بالخلق والتكليف والأمر والبعث والنشور… أي مسألة مشيئة تسود وتعلو على ما سواها من المشيئات بخصوص قرار صنع المعلومة أو السماح بها أو تعديلها. وهكذا يتضح أن دور الإيمان بالقضاء والقدر هو في الحقيقة التسليم لله بما اختص به من قرارات في الخلق والحفظ والتدبير والمعاد والجزاء، ثم ترويض النفس البشرية على أن تختار بشكل طوعي مراد الله الذي أرسلت به الرسل والأنبياء، عليهم وعلى نبينا الخاتم أفضل الصلاة والسلام.

في “نظرية العلم” يكون الإنسان مُسَلِّما ومُستَسْلِما لما جرى به القدر وجف به القلم منذ الأزل بما في ذلك مصيره الدنيوي والأخروي، أما في نظرية المشيئة فلا شك تحضر معية الله وعنايته بخلقه بشكل آني وديناميكي، ويستحضر الإنسان مسؤوليته سواء أمام المقدرات التي وهبها الله له، أو من خلال الأوامر والنواهي التي جاءت بها الرسل والرسالات، وكذلك من خلال ما ينتظره يوم القيامة من حساب وجزاء، ﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء، 88-89).

إن الإيمان بالقضاء والقدر مثله مثل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، كلها ركائز لصناعة المصير وتحقيق سعادة الدنيا والآخرة. فالمؤمن يرجو من إيمانه أن يحقق له خيري الدنيا والآخرة، ويعتقد أن هذا الإيمان مهدد بالزوال إذا لم يعتنِ به، وأنه يزيد وينقص وفق تزكيته لنفسه وتسلسل اختياراته وليس وفق أمور ميتافيزيقية لا يد له فيها. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة، 38-39).

وبالتالي فإن الإيمان بالقضاء والقدر هو متعلق بالسيادة والقرار بين القيوم الأكبر سبحانه، وبين القيوم الأصغر المستخلف على الأرض، فإذا قال الإنسان باختياره لخالق الكون ﴿ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة، 285) فقد تحقق الإيمان، وإذا ﴿ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (البقرة، 93) فقد انتفى الإيمان. ولا يؤمن به إلا من آمن بيوم القيامة المشتق من القوامة والقيومية والذي فيه يكون الحكم والفصل.

رابعا: طبيعة القضاء والقدر (ثابت أو متغير)

لذلك فإن تعريف “نظرية العلم” للقضاء والقدر يميل لجعل الأعمار محددة والأرزاق جامدة والمصير محتوماً، بينما “نظرية المشيئة” ترى أن الدعاء وهو من القدر يرد البلاء فيعتلجان إلى يوم القيامة، وأن اختيارات العبد كلها لها تأثير على مستقبله، فالتداوي يجلب الشفاء بمشيئة الله، والصبر يجلب النصر بإذن الله، ﴿ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف، 90).

كثيرة هي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تجعل النتائج مبنية على مقدماتها، وأن هذه المقدمات في متناول العبد وفي استطاعته ولا ينقصه سوى العزم والإرادة، قال تعالى: ﴿ لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ (التوبة، 44-46). واللبيب إذا وقف عند قوله تعالى: (ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم) وجد أجوبة غزيرة في السورة كلها عن سبب ذلك، كلها تُرجع الأمر إلى فعلهم الخبيث المتكرر وليس لأسباب ميتافيزيقية أزلية.

خامسا: ما هو الإشكال المركزي؟

لما كانت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تارة تميل نحو الجزم بالمعلومة وتارة التركيز على المشيئة الحرة؛ انحاز الفلاسفة والعلماء نحو “نظرية العلم”، وظنوا بذلك أنهم ينزهون الله عن الجهل. فكان عليهم أن ينزهوه بداية عن العبث والهوى، وقبل ذلك عن الحمق والجنون تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فالعلماء هم من لهم قوة الإدراك ووسائل الإدراك وليس بالضرورة الذين لهم أخبار كثيرة. وتنزيه الله عن الجهل حاصل ما دامت المعلومة لا تنتقل من مجال الاستحالة إلى الإمكان إلا بإذنه تعالى، ولا تنتقل من الإمكان إلى المعلومة المؤكدة إلا بقضائه وتقديره، ولا تتجسد في الواقع إلا بتمكينه وتوفيقه.

لذلك جاءت “نظرية المشيئة” لتحقق هذا الغرض، فتبين أن القضاء والقدر هو وظيفة التقرير والتدبير، أي عملية تحويل المستحيلات إلى ممكنات أو تحويل الممكنات إلى كائنات. وهذا الأمر يحتاج إلى علم بمعنى الحكمة والخبرة والقدرة على الإدراك والتمييز، ويحتاج إلى قدرة وقوة، وكذلك إلى إرادة قادرة على الاختيار والتمييز.

والمشيئة بدورها؛ بتوجيه من الحكمة؛ تارة تميل للسنن الكونية، وتارة للمعجزات، وتارة للحرية البشرية، وتارة للابتلاء، وتارة لدعاء العباد. قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ (طه، 129)، وقال جل وعلا: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ (الأنعام، 2) فإن لكل مخلوق أجلاً، وللكون كله أجل مسمى، “وهؤلاء قد أتوا بالسبب، ولكن الذي أخره عنهم كلمة ربك المتضمنة لإمهالهم وتأخيرهم وضرب الأجل المسمى (…) ولعلهم يراجعون أمر الله فيتوب عليهم ويرفع عنهم العقوبة إذا لم تحق عليهم الكلمة” (تفسير السعدي).

سادسا: كيف تطورت إشكالية القضاء والقدر؟

الفلاسفة ربطوا بين كمال الله وتنزيهه عن التغير بنفي أن تقوم بذاته أفعال أو إرادات متجددة متعلقة بالمخلوقات، فالله عندهم علة تامة أزلية، والعالم يترتب عنه أزلا، قال الغزالي: إن جمهور الفلاسفة يرون العالم “لم يزل موجودا مع الله تعالى” مع تقدم الله عليه بالعلة والرتبة لا بالزمان. ولهذا انتقد الغزالي تصورهم للفاعل، لأن الفاعل -في تصوره- ليس مجرد سبب تفيض عنه الأشياء بالضرورة، بل هو من يصدر عنه الفعل مع الإرادة والاختيار.

أفلاطون: مشكلة الكمال والخير والنظام

تمثل أفلاطون الإله على أنه المبدأ الأعلى الذي يصدر عنه الخير ونظام العالم، وأنه فعل محض وكامل ينظم العالم وفق نموذج عقلي أزلي. لذلك يجب أن يكون كاملا وغير خاضع للتغير والنقص. لكن أفلاطون عندما ينزه الإله عن النقص والتغير يعتبر أن الفعل المتجدد أو ما يسمى عند علماء الكلام بالصفات الاختيارية هو عين النقص والتغير. والحقيقة كما ذهب إلى ذلك الغزالي وابن تيمية أن الفعل الحي والمتجدد والتفاعل مع المخلوقات هو عين الكمال.

أرسطو: وضوح صورة الإله الفلسفي

جاء أرسطو ليصور الإله على أنه أزلي، غير متحرك، وهو علة الحركة دون أن يتحرك. لا نقص، لا انتقال من القوة إلى الفعل، ولا تغير في الذات. فالله ليس فاعلا مختارا بين أفعال ممكنة بشكل حادث أو متجدد، والعالم نفسه أبدي. والسؤال هو كيف يمكن لمبدأ لا يتغير أن يكون فاعلا لأشياء تتغير؟

فحين تم تنزيه الذات الإلهية عن قيام الأفعال الاختيارية المتجددة بها، بحجة أن التغير والحوادث ينافيان كمال القدم، انتهى بعض الفلاسفة إلى تصور العالم وآثاره على أنها ملازمة للواجب أزلاً، فأصبح الحادث الفرد متأخرًا داخل السلسلة، بينما صارت السلسلة من حيث المبدأ غير مبتدئة.

الفارابي: تحويل الإله الأرسطي إلى نظام فيض

توضح الدراسات الحديثة أن الفارابي جمع بين التصور الأرسطي للأول وبين نموذج الفيض الأفلاطوني، بحيث يكون الأول (الصانع) مصدر وجود الموجودات، ويصدر عنه الوجود في نظام هرمي يسميه الفيض الرباني. فالإله عنده واحد، كامل، أزلي، غير متغير، ومنه يتدرج وجود الموجودات. وإذا جعلنا كمال الذات مانعًا من الفعل الاختياري المتجدد، فإننا نضطر إلى تفسير وجود العالم بنظام صادر عن الذات على نحو لا يفسر التخصيص الإرادي الحقيقي.

ابن سينا: الإله واجب الوجود بذاته

ابن سينا يجعل الله واجب الوجود بذاته، وما عداه: ممكن الوجود بذاته، واجب بغيره، والعالم يصدر عن الواجب بواسطة الفيض. فالصدور ليس حادثًا بعد عدم، وإنما هو مرتبط بالواجب ارتباطًا ضروريًا. كما أن ابن سينا يجعل فعل الله خارج الزمن، ومنه يصدر العقل الأول، ثم سلسلة العقول والأفلاك.

يتضح إذن الارتباط العضوي بين الفلاسفة الغير مسلمين (أفلاطون وأرسطو) والفلاسفة المسلمين (الفارابي وابن سينا) فكلهم ينظرون إلى العلم كمعلومات أزلية، ثم الإرادة كعزم على الفعل وليس كاختيار بين احتمالات ممكنة، ثم الفعل كضرورة حتمية يفرضها العلم والنظام والوحدانية… وبذلك يكون عندهم المستقبل جاهزا بحكم الضرورة. لذلك فإن فلسفة ابن سينا تشكل أوضح صورة جاءت “نظرية المشيئة” لنقدها وتفكيكها.

سابعا: تطور حل مسألة القضاء والقدر

خلف تصور ابن سينا للقضاء والقدر والمستمد من الفلاسفة إشكالات كلامية، وهذا ما عمل الفلاسفة المسلمون على تفكيكه بشكل جزئي لكن لم يخرجوا على مظلة “نظرية العلم” كما رسمها ابن سينا، مما ترك إشكالات كلامية إلى اليوم.

الغزالي: المنعطف الأول نحو نظرية المشيئة

الغزالي لا يقبل بقول الفلاسفة بأن العلة الأزلية تستلزم أن يكون العالم أزليًا. ويرى أن القول بإرادة الله لا يستلزم أن يكون متعلق الإرادة أزليًا؛ يمكن أن تكون الإرادة الإلهية أزلية ومتعلقها حادثًا في وقت معين. ولهذا انتقد الغزالي تحديدًا تصورهم للفاعل. فالفاعل عنده ليس مجرد سبب تفيض عنه الأشياء بالضرورة، بل هو من يصدر عنه الفعل مع الإرادة والاختيار. وهذا أساس جيد ارتكزت عليه “نظرية المشيئة”. لكن الغزالي وقف في منتصف الطريق، فقد عمل على تحرير الإرادة من ضرورة الفيض، لكنه لم يحرر نظرية القدر بالكامل من أولوية “العلم الخبري” السابق.

الجويني: الإرادة الإلهية تقرر الحوادث

لقد أضاف الجويني خطوة مهمة في اتجاه نظرية المشيئة، فبدل أن يكون التركيز على مجرد: “الله يعلم ما سيكون” فقد أصبح التركيز على: “الله يريد وقوع الحوادث ويخصصها”. لكن فكرته واجهت مشكلة: إذا كانت الإرادة صفة قديمة، فكيف يتعلق بها الحادث؟ وإذا قلنا إن الإرادة نفسها حادثة، فهل قامت الحوادث بالذات الإلهية؟

وجوابا على هذه المسألة ترى نظرية المشيئة أن الإرادة هي القدرة على الاختيار، وهي صفة أزلية، بينما عملية الاختيار فهي حادثة. فالصفة رمز للكمال والجمال والجلال، وعملها رمز للحياة والقيومية، وهو عين الكمال.

الماتريدي: الإرادة الإلهية والفعل الإنساني

جاء الماتريدي بخطوة جديدة لا تقل أهمية، فقد جعل اختيار الإنسان سابقًا على تعلق الفعل الإلهي بالخلق في تفسيره للفعل الإنساني: “الإنسان يختار ويقصد، ثم يخلق الله الفعل”. فهو يقول إن الله خالق أفعال العباد، وأن الفعل لا يقع خارج إرادته، لكنه في الوقت نفسه يحافظ على الاختيار البشري والمسؤولية. وفي حل المسألة يميز بين: الإرادة الكونية والإرادة الشرعية. فيمكن أن يقع الشيء بإرادة الله الكونية دون أن يكون محبوبًا أو مأمورًا به شرعًا. وهذا قريب جدًا من تسلسل الأمور عند “نظرية المشيئة”: الاختيار البشري ثم المشيئة أو التقدير الإلهي ثم وقوع الفعل.

الرازي: الصفات الاختيارية

لقد بدأ الرازي باختبار الأدلة التي جعلت قيام الصفات والأفعال المتجددة بالذات مستحيلًا. فإذا سلمنا في نظره أن “الحادث لا يقوم بالقديم” فلماذا يكون: “الفعل المتجدد نقصًا”؟ فالرازي هدم الثقة المطلقة في بعض البراهين التي استُعملت لتحصين التنزيه من الفعل المتجدد.

ابن رشد: محاولة الرد على الغزالي

عمل ابن رشد على إعادة صياغة المنطق الأرسطي والدفاع عنه من ناحية العلم السابق. فهو يرى أن الله لا يتغير ويعلم الموجودات وله تعلق بالعالم يمكن وصفه بالإرادة والخلق، لكن بمعنى خاص. غير أنه يرفض أن تكون إرادة الله شبيهة بإرادة الإنسان؛ فالإرادة الإلهية عنده لا تنطوي على تغير أو انتقال، وهو يجعل الله سببًا أولًا وغايةً للعالم. لكنه لا يجعل المشيئة المتجددة أساس النظام. فكان بذلك آخر محاولة فلسفية كبرى لحل المشكلة من داخل الإطار الأرسطي.

المعتزلة

لقد أضاف المعتزلة لبنة أخرى في نظرية المشيئة، وهو الإقرار بحرية الفعل الإنساني في الاختيار ومن ثم المسؤولية عنه. ففي نظرهم إذا كان الإنسان مسؤولا حقيقة عن فعله، فكيف يكون فعله مخلوقا ومحددا من الله؟ وخلصوا أن الإنسان فاعل حقيقي لأفعاله الاختيارية، وأن قدرته واختياره ليسا مجرد اقتران بالفعل كما في التصور الأشعري، بل الإنسان ينتج فعله، لأن نسبة الفعل إليه شرط للعدل والثواب والعقاب.

جدير بالذكر أن نظرية المشيئة تعترض على الخلق بمعناه الفلسفي الذي يجعل خالقا آخر مع الله، فتصف عمل الإنسان بأنه مفعول وليس مخلوقا، لأن الخلق أخص من الفعل، وإذا كان لا بد للفعل البشري من عملية خلق فهي الإذن والتمكين والإبراء بعد إقدار العبد على فعل فعله. وهذا يحيل على الاعتراض الثاني هو أن مشيئة الإنسان وإن كانت قادرة ومستقلة وحرة إلا أنها مفتقرة لمشيئة الله في التمكين، فلا يقع في ملكه إلا ما أذن له أن يكون. لكن وقوع الفعل خارج إرادة الإنسان وقدرته واختياره له من بين احتمالات أخرى؛ أو جريان الفعل بخلاف ما تجري به العادة؛ لا ينسب إليه أو يعفى من تبعاته.

لكن المعتزلة مثل غيرهم لم يقدموا تفكيكا للعلم على شاكلة “نظرية المشيئة”، بحيث يكون “علم الملكة” نافيا للحمق والجنون والهوى، و”العلم الخبري” نافيا للجهل بما هو معلوم، بل سلموا بكون المستقبل معلوما دون الحاجة للقضاء والقدر لتقريره.

ابن تيمية: الله فاعل بمشيئته وقدرته

ابن تيمية ذهب مذهب الغزالي في رفض مقولات الفلاسفة. فرفض التسليم بأن التغير في الذات هو نقص بالضرورة، ويرفض كذلك أن يكون كل ما ليس أزليًا هو مخلوقًا بالضرورة. فهو يتحدث عن الصفات الاختيارية التي تقوم بالذات بمشيئة الله وقدرته، مثل الكلام والخلق والرحمة والغضب وغيرها. والأهم أنه يرى أن الله يفعل بمشيئته وقدرته، وأن أفعال الله الاختيارية ليست بالضرورة مخلوقة لمجرد كونها متجددة. وبذلك فإن ابن تيمية في مشروعه يكسر التلازم الذي أقامه علم الكلام بين الزمني هو المخلوق والأزلي هو غير المتجدد. وتحديدًا في الكلام الإلهي: “يمكن أن تكون أفعال الكلام متجددة، قائمة بالله، وليست مخلوقة، دون أن يكون ذلك نقصًا في الذات الإلهية”.

من جهة أخرى فإن ابن تيمية يقر بفاعلية الإنسان وقدرته على الفعل وحريته في الاختيار، فالإنسان فاعل مريد حر وقادر، والله عليم وخالق. فإذا كان ابن تيمية يعتبر أن الإنسان لا يحتاج أن يخلق فعله بشكل مستقل حتى لا يكون تعدد الخالق، فإن السؤال يبقى حول من أخرج الفعل للوجود، هل العلم والخلق (الله) أم القدرة والاختيار (العبد)؟ هنا تأتي مقولة “العلم الكاشف” التي يعتبرها ابن تيمية ليست مسؤولة عن الفعل البشري. الأمر الذي ليس مقنعا لنظرية المشيئة.

ثامنا: نظرية المشيئة بديل حقيقي لنظرية العلم

تنظر نظرية المشيئة إلى الخالق باعتباره فاعلا حرا مختارا حكيما، وإلى الإنسان على أنه فاعل حر عاقل، وإلى المستقبل كذلك على أنه مفتوح على خيارات متعددة، وأن المعلومة المستقبلية ليست قائمة بذاتها وإنما هي مفتقرة للقضاء والقدر. فالقضاء والقدر هو الذي يقرر المعلومة ويعمل على تنفيذها ويسهر على حمايتها أو يعمل على تغييرها. فالذي سيقع ليس هو ما كان معلوما أزلا، وإنما ما أنتجه عمل الإرادة وفق منظور الحكمة وسهرت على تنفيذه القدرة.

العناصر الذاتيةالعناصر الموضوعيةالفاعليةالأثرالنتيجة
الحكمة (العلم)
+
الإرادة
+ القدرة
الدوافع
الأسباب
السنن
القضاء والقدرالعلم الخبري
+
الكتابة
تنفيذ ووقوع

فالمعرفة وحدها لا تصنع الحتمية في المستقبل، فحتى ذلك الممكن الذي خصصه القضاء والقدر ليصبح معلوما، فإنه ليس لازم الوقوع ما لم يكن قضاء مبرما، تحميه الإرادة والقدرة ويبقى معتبرا لدى الحكمة، وإلا فإن الأصل فيه أنه معرض للتغيير والتبديل ما دام لم يقع، قال تعالى: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد، 39).

إن نظرية المشيئة تصرح بوضوح أنه إذا كانت المشيئة أساس الفعل الإلهي، فينبغي أن يعاد ترتيب القضاء والقدر والعلم على أساسها، لا أن يجعل العلم السابق أصلًا يفرض الحادث قبل تعلق المشيئة به. فعوض القول إن الله قضى بشيء لأنه علمه؛ يصبح وفق الطرح الجديد أن الله يعلم المستقبل لأنه قضاه وقدره. فربنا يباشر الوجود بالحكمة والمشيئة والقدرة والقضاء، ثم يكون العلم الخبري متعلقاً بما استقر عليه القضاء.

يمكن القول إن الفعل البشري هو فعل مشترك بين الله والعبد لكن ليس على مستوى واحد، فالإرادة البشرية تختار وتقصد الفعل وتسعى في أسبابه، والمشيئة الربانية بعد ذلك تمكن له أو تمنعه. فإذا كانت إرادة العبد عازمة وقاصدة فإرادة الله حاكمة وحاسمة في وجود الفعل أو عدم وجوده. وهذا التفصيل يساعد في فهم الابتلاء والمسؤولية والثواب والعقاب والدعاء والتوكل والمعجزة وغيرها.

خاتمة

لا تنطلق نظرية المشيئة من فراغ، وإنما تستأنف سلسلة من الاجتهادات التي بدأت بنقد الفلاسفة للعلية، وبلغت عند الغزالي إلى إعادة الاعتبار للإرادة، وعند المتكلمين إلى البحث في تعلق الإرادة بالحوادث، وعند ابن تيمية إلى إثبات الصفات والأفعال الاختيارية القائمة بالذات بمشيئة الله وقدرته. غير أن هذه الجهود، في تقديري، لم تُستثمر في إعادة بناء نظرية القضاء والقدر بناءً يجعل المشيئة أصلًا ومركزاً كما تقترحها نظرية المشيئة.

لقد عملت نظرية المشيئة على البحث عن جواب لسؤال أنهك الخاصة والعامة: إذا كان الله يعلم بالتحديد ما سأفعله، وعلمه لا يمكن أن يخطئ، فكيف يكون فعلي اختيارياً؟ ثم تبنت منظورا يجعل “العلم الخبري” نتيجة لعملية القضاء والتقدير وليس هو الذي يفرض الواقعة على الله، لأن الله تعالى فاعل وليس مجرد عالم.

فالمستقبل ما لم يُقضَ ويُقدَّر بعدُ ليس موضوعًا للعلم الخبري، بل مجالٌ للمشيئة والاختيار؛ وما قضاه الله وقدره صار معلومًا له، ولو لم يقع بعد. والأشياء لا تقع لأنها معلومة، وإنما تُعلم علمًا خبريًا لأنها قُضيَت وقُدِّرت وتعيّنت. وبذلك يكون العنوان الثانوي «من نظرية العلم إلى نظرية المشيئة» في كتاب “محاسن إعادة النظر في مفهوم القضاء والقدر” ذا دلالة قوية على محاولة نظرية المشيئة إعادة ترتيب عدة عناصر منها: العلم، المشيئة، القدر، ومعرفة الذات الإلهية والحرية البشرية. والغزالي نفسه جعل الإرادة أداة تخصيص أحد الممكنين عن الآخر، لا مجرد معرفة به.

وأخيرا فما كان من توفيق فمن الله صاحب الفضل والمنة، وما كان من خطأ فمن نفسي، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

القرشي محمد


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى