مِنَ الهَمَجِيَّةِ إِلَى البَرْبَرِيَّةِ
بَرْبَرِيَّةُ التَّنْوِيرِ وَالحَضَارَةِ عِنْدَ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو

“تَكْشِفُ القِرَاءَةُ النَّقْدِيَّةُ لِمَفْهُومِ البَرْبَرِيَّةِ عِنْدَ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو أَنَّ أَخْطَرَ مَا يُمَيِّزُ البَرْبَرِيَّةَ الحَدِيثَةَ أَنَّهَا لَمْ تَعُدْ نَقِيضًا خَارِجِيًّا لِلْحَضَارَةِ، وَلَا بَقَايَا لِمَرْحَلَةٍ بِدَائِيَّةٍ تَجَاوَزَهَا التَّارِيخُ، بَلْ أَصْبَحَتْ وجودا كَامِنًا فِي صَمِيمِ الحَضَارَةِ الحَدِيثَةِ ذَاتِهَا”
1 – مُقَدِّمَةٌ:
إِنَّ السُّؤَالَ المَرْكَزِيَّ الإِشْكَالِيَّ الَّذِي يَطْرَحُهُ مَاكْس هُورْكْهَايْمَر (Max Horkheimer) وَثِيُودُور أَدُورْنُو (Theodor Adorno) فِي كِتَابِهِمَا المَشْهُورِ “جَدَلُ التَّنْوِيرِ” (Dialectic of Enlightenment) هُوَ: “لِمَاذَا تَغْرَقُ الإِنْسَانِيَّةُ فِي نَمَطٍ جَدِيدٍ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ، بَيْنَمَا كَانَ يُفْتَرَضُ بِهَا أَنْ تُحَقِّقَ فِي ضَوْءِ العَقْلَانِيَّةِ وَالتَّنْوِيرِ حَالَةً إِنْسَانِيَّةً حَضَارِيَّةً أَكْثَرَ نُبْلًا؟”(). وَفِي هَذَا العَمَلِ يَجْرِي تَوْصِيفُ البَرْبَرِيَّةِ الحَادِثَةِ فِي صُلْبِ الحَضَارَةِ الرَّأْسْمَالِيَّةِ بِأَنَّهَا بَرْبَرِيَّةٌ مِنْ نَوْعٍ جَدِيدٍ، مُخْتَلِفَةٌ تَمَامًا عَنْ تِلْكَ الحَالَةِ الهَمَجِيَّةِ السَّابِقَةِ لِلْحَضَارَةِ الَّتِي سَادَتْ فِي عُصُورِ مَا قَبْلَ الحَضَارَةِ؛ وَمِنَ البَدَاهَةِ أَنَّ الحَدِيثَ عَنْ بَرْبَرِيَّةٍ جَدِيدَةٍ يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ وُجُودَ نَوْعٍ قَدِيمٍ مِنْهَا، وَعَلَيْهِ فَإِنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ يُثِيرُ مَطْلَبَ التَّسَاؤُلِ حَوْلَ مَفْهُومِ البَرْبَرِيَّةِ الجَدِيدَةِ. وَالسُّؤَالُ الَّذِي يَطْرَحُ نَفْسَهُ هُنَا: مَا طَبِيعَةُ هَذَا النَّمَطِ الجَدِيدِ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ؟ وَكَيْفَ يَخْتَلِفُ عَنِ الأَشْكَالِ البَرْبَرِيَّةِ الأُخْرَى القَدِيمَةِ المُفْتَرَضَةِ؟ )).
فَالبَرْبَرِيَّةُ الجَدِيدَةُ الَّتِي فَرَضَتْ نَفْسَهَا فِي عُمْقِ الحَضَارَةِ الرَّأْسْمَالِيَّةِ – كَمَا يَرَاهَا أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر – تَخْتَلِفُ كُلِّيًّا عَنِ البَرْبَرِيَّةِ البِدَائِيَّةِ الهَمَجِيَّةِ الَّتِي سَادَتْ فِي العُصُورِ التَّارِيخِيَّةِ القَدِيمَةِ، وَهِيَ أَيْضًا لَيْسَتْ لَحْظَةً تَارِيخِيَّةً ظَهَرَتْ ثُمَّ اخْتَفَتْ مَعَ ظُهُورِ الحَضَارَةِ؛ بَلْ هِيَ بَرْبَرِيَّةٌ حَدِيثَةُ النَّشْأَةِ انْبَثَقَتْ فِي قَلْبِ الحَضَارَةِ الإِنْسَانِيَّةِ نَفْسِهَا وَفِي مَرْحَلَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ مِنْ مَرَاحِلِ تَطَوُّرِهَا؛ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ الهَمَجِيَّةَ (Savagery) ظَهَرَتْ فِي مَرْحَلَةٍ سَابِقَةٍ فِي التَّطَوُّرِ تَلَتْهَا الحَضَارَةُ (Civilization)، وَفِي قَلْبِ الحَضَارَةِ الحَدِيثَةِ وُلِدَتِ البَرْبَرِيَّةُ الجَدِيدَةُ (Barbarism) الَّتِي تُمَثِّلُ مَرْحَلَةً مُخِيفَةً رَهِيبَةً فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ، يَحْكُمُهَا العُنْفُ وَالدَّمُ وَالإِجْرَامُ ضِدَّ الإِنْسَانِيَّةِ وَالحَضَارَةِ.
وَهُنَا يُعْلِنُ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو بِأَنَّ التَّنْوِيرَ وَالعَقْلَانِيَّةَ لَمْ يَسْتَطِيعَا القَضَاءَ بِالضَّرُورَةِ عَلَى البَرْبَرِيَّةِ القَدِيمَةِ الَّتِي أُعِيدَ إِنْتَاجُهَا فِي صُورَةٍ أَكْثَرَ تَنْظِيمًا وَعَقْلَنَةً وَتِقَانَةً. وَهَذِهِ البَرْبَرِيَّةُ الجَدِيدَةُ شَدِيدَةُ التَّحَضُّرِ وَالتَّمَدُّنِ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَخْدِمُ أَكْثَرَ أَدَوَاتِ الحَضَارَةِ فَتْكًا وَتَقَدُّمًا: العِلْمَ وَالتِّقْنِيَةَ وَالبِيرُوقْرَاطِيَّةَ وَالإِدَارَةَ العَقْلَانِيَّةَ وَوَسَائِلَ الإِعْلَامِ وَالتَّنْظِيمَ الصِّنَاعِيَّ.
وَتُعَدُّ المَحْرَقَةُ النَّازِيَّةُ (الهُولُوكُوسْت) المِثَالَ الأَوْضَحَ لِلْبَرْبَرِيَّةِ الجَدِيدَةِ؛ إِذْ لَمْ تَكُنِ انْفِجَارًا بِدَائِيًّا خَارِجَ الحَضَارَةِ الغَرْبِيَّةِ، بَلْ ظَهَرَتْ عَلَى صُورَةِ جَرِيمَةٍ مُنَظَّمَةٍ اسْتُخْدِمَتْ فِيهَا مُنْجَزَاتُ الحَضَارَةِ الحَدِيثَةِ نَفْسِهَا. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ لَا يُطْلِقُ المُؤَلِّفَانِ وَصْفَ البَرْبَرِيَّةِ عَلَى الشُّعُوبِ المَوْجُودَةِ فِي “الخَارِجِ”، وَلَا يَسْتَخْدِمَانِهِ وَسْمًا اسْتِعْمَارِيًّا لِلْآخَرِ المُخْتَلِفِ؛ وَإِنَّمَا يُوَجِّهَانِ النَّقْدَ إِلَى الحَضَارَةِ الغَرْبِيَّةِ ذَاتِهَا، كَاشِفَيْنِ أَنَّ مَشْرُوعَ التَّنْوِيرِ يُمْكِنُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى نَقِيضِهِ عِنْدَمَا يَتَحَوَّلُ العَقْلُ مِنْ وَسِيلَةٍ لِلتَّحَرُّرِ إِلَى أَدَاةٍ لِلسَّيْطَرَةِ وَالإِخْضَاعِ وَالإِبَادَةِ. فَالبَرْبَرِيَّةُ كَمَا يَرَاهَا أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر لَيْسَتْ مَرْحَلَةً بِدَائِيَّةً سَابِقَةً لِلْحَضَارَةِ، بَلْ هِيَ نَوْعٌ مِنَ التَّوَحُّشِ الإِنْسَانِيِّ الَّذِي يُولَدُ فِي أَحْشَاءِ الحَضَارَةِ الإِنْسَانِيَّةِ نَفْسِهَا، وَهِيَ نَمَطٌ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ الَّتِي تَسْتَخْدِمُ مُنْجَزَاتِ الحَضَارَةِ العَقْلِيَّةِ وَالتِّقْنِيَّةِ وَالتَّنْظِيمِيَّةِ فِي مُمارَسَةِ القَمْعِ وَالوَحْشِيَّةِ؛ إِنَّهَا، بِهَذَا المَعْنَى، بَرْبَرِيَّةٌ مُتَحَضِّرَةٌ أَوْ وَحْشِيَّةٌ عَقْلَانِيَّةٌ مُنَظَّمَةٌ)).
وَبِصُورَةٍ عَامَّةٍ، يَسْتَخْدِمُ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو مُصْطَلَحَ “النَّمَطِ الجَدِيدِ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ” تَعْبِيرًا عَنِ الفَظَائِعِ الدَّمَوِيَّةِ الَّتِي شَهِدَتْهَا أُورُوبَّا ضِدَّ اليَهُودِ وَالأَقَلِّيَّاتِ العِرْقِيَّةِ فِي النِّصْفِ الأَوَّلِ مِنَ القَرْنِ العِشْرِينَ، وَلَا سِيَّمَا تِلْكَ الَّتِي بَلَغَتْ ذُرْوَتَهَا فِي المذابح النَّازِيَّةِ وَالفَاشِيَّةِ وَالسِّتَالِينِيَّةِ كما في َجَرَائِمِ الإِبَادَةِ الجَمَاعِيَّةِ الَّتِي ارْتُكِبَتْ ضِدَّ الإِنْسَانِيَّةِ، وَهِيَ تِلْكَ الَّتِي فَاقَتْ فِي وَحْشِيَّتِهَا ضِدَّ الإِنْسَانِ وَالإِنْسَانِيَّةِ كُلَّ تَصَوُّرٍ أَوْ خَيَالٍ إِنْسَانِيٍّ مُمْكِنٍ، وَقَدْ أَصْبَحَ القِسْمُ الأُورُوبِّيُّ مِنْ هَذِهِ الجَرَائِمِ يُعْرَفُ بِاسْمِ “الهُولُوكُوسْت” الَّذِي تتمثل خلاصته الرهيبة في أُوشْفِيتْز التي أصبحت رمزا للوحشية ضد الإنسانية. وَغَنِيٌّ عَنِ البَيَانِ أَنَّ السِّمَةَ المُمَيِّزَةَ لِهَذِهِ الفَظَائِعِ – بِحَسَبِ السَّرْدِيَّةِ الَّتِي يُقَدِّمُهَا “جَدَلُ التَّنْوِيرِ” – حَاضِرَةٌ بِالفِعْلِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ لَحَظَاتِ الحَيَاةِ الحَدِيثَةِ دَاخِلَ “العَالَمِ المُدَارِ”؛ لِأَنَّ التَّوْحِيدَ، وَالتَّشَيُّؤَ، وَقَابِلِيَّةَ الضَّبْطِ وَالسَّيْطَرَةِ وَالحِسَابِ، تَتَخَلَّلُ كُلَّ مَجَالٍ مِنْ مَجَالَاتِهِ )).
2- بَرْبَرِيَّةُ التَّنْوِيرِ:
جَاءَ التَّنْوِيرُ لِيُحَرِّرَ عُقُولَ البَشَرِ مِنَ الخُرَافَاتِ وَالأَوْهَامِ وَالأَسَاطِيرِ، وَلِيُزِيلَ مِنْ نُفُوسِهِمْ مَشَاعِرَ الخَوْفِ مِنَ المَجْهُولِ وَمِنْ قُيُودِ الطَّبِيعَةِ وَسَطْوَتِهَا. وَاسْتَطَاعَ أَرْبَابُ التَّنْوِيرِ، بِالعِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ العِلْمِيَّةِ، نَزْعَ السِّحْرِ عَنِ العَالَمِ وَإِزَالَةَ الغُمُوضِ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ أَنْسَاقٍ عِلْمِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ لِلتَّفْسِيرِ ضِمْنَ أَنْظِمَةٍ فِكْرِيَّةٍ وَقَانُونِيَّةٍ وَأَخْلَاقِيَّةٍ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَقَدْ عَمِلُوا دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى إِخْضَاعِ الأُمُورِ وَالقَضَايَا الإِنْسَانِيَّةِ جَمِيعِهَا لِلنَّقْدِ وَالمُسَاءَلَةِ وَالرَّصْدِ وَالتَّحْلِيلِ.
وَلَكِنَّ العَقْلَ التَّنْوِيرِيَّ فِي رِحْلَتِهِ نَحْوَ التَّحَرُّرِ مِنَ الخَوْفِ الأُسْطُورِيِّ قَدْ تَصَلَّبَ وَتَحَجَّرَ، وَأَصْبَحَ نَفْسُهُ عَقْلًا أُسْطُورِيًّا شُمُولِيًّا، وَهُوَ فِي وَضْعِيَّةِ التَّصَلُّبِ هَذِهِ تَجَاوَزَ حُدُودَ المَعْرِفَةِ العِلْمِيَّةِ الحَقَّةِ، وَتَبَنَّى الوَضْعِيَّةَ العِلْمِيَّةَ ليحَوَّلَ العِلْمَ إِلَى قُوَّةٍ أَدَاتِيَّةٍ لِلْهَيْمَنَةِ وَالسَّيْطَرَةِ عَلَى الحَيَاةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ بِأَسْرِهَا فِي مُخْتَلِفِ تَجَلِّيَاتِهَا الإِنْسَانِيَّةِ. وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ بَدَأَتِ القُوَّةُ التَّنْوِيرِيَّةُ تُقْصِي كُلَّ مَا هُوَ غَيْرُ قَابِلٍ لِلْقِيَاسِ، ثم تقصيه وتُنْكَرُ وُجُودُه وتُعَبِّرُ عَنِ الرَّغْبَةِ فِي أَلَّا يَبْقَى أَيُّ شَيْءٍ خَارِجَ دَائِرَةِ السَّيْطَرَةِ أَوِ الهَيْمَنَةِ المَعْرِفِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الإِطْلَاقِ ().
وَوِفْقًا لِهُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو، فَإِنَّ صِرَاعَ البَشَرِ دَاخِلَ العَالَمِ التَّنْوِيرِيِّ تَحَوَّلَ إِلَى صِرَاعٍ مِنْ أَجْلِ الحِفَاظِ عَلَى الهُوِيَّةِ وَالوُجُودِ. فَالعَقْلُ اخْتُزِلَ إِلَى عَقْلٍ أَدَاتِيٍّ، أَيْ إِلَى مُجَرَّدِ مَهَارَاتٍ لِلْبَقَاءِ وَتَحْقِيقِ المَنْفَعَةِ الخَاصَّةِ. وَقَدْ شَكَّلَتْ هَذِهِ القَضِيَّةُ مَوْضُوعَ الاسْتِطْرَادِ الأَوَّلِ فِي كِتَابِ “جَدَلِ التَّنْوِيرِ” (Dialectic of Enlightenment)، المُعَنْوَنِ: “أوديسيوس أَوِ الأُسْطُورَةُ وَالتَّنْوِيرُ” (Odysseus or Myth and Enlightenment).
وَفِي الاسْتِطْرَادِ الثَّانِي، مِنْ “جَدَلِ التَّنْوِيرِ” المَوْسُومِ “جُولْيِيت أَوِ التَّنْوِيرُ وَالأَخْلَاقُ” (Juliette or Enlightenment and Morality)، () يَرَى المُؤَلِّفَانِ أَنَّ العَقْلَ الأَدَاتِيَّ يَنْتَهِي إِلَى إِنْكَارِ أَيِّ أَسَاسٍ لِلْأَخْلَاقِ: فَالعَقْلُ التَّنْوِيرِيُّ، فِي النِّهَايَةِ، لَا يَسْتَطِيعُ حَتَّى أَنْ يُقَدِّمَ حُجَّةً حَاسِمَةً وَاحِدَةً ضِدَّ القَتْلِ، أَوِ الاسْتِغْلَالِ المَنْهَجِيِّ، أَوْ إِخْضَاعِ الآخَرِينَ بِوَصْفِهِمْ وَسَائِلَ لِحِفْظِ الذَّاتِ وَتَحْقِيقِ الرِّبْحِ وَالمُتْعَةِ. وَعَلَى العَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، فَفِي غِيَابِ أَمْرٍ أَخْلَاقِيٍّ حَقِيقِيٍّ، يُصْبِحُ التَّعَامُلُ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ وَكُلِّ شَخْصٍ، إِذْ يُعَامَلُ الأَشْخَاصُ أَنْفُسُهُمْ بِوَصْفِهِمْ أَشْيَاءَ عَلَى أَيِّ حَالٍ أَوْ بِاعْتِبَارِهِمْ أَدَوَاتٍ لِتَحْقِيقِ الغَايَاتِ الخَاصَّةِ، هُوَ الأَمْرَ السَّائِدُ، وَإِنْ كَانَ أَمْرًا لَا مُبَالِيًا أَخْلَاقِيًّا.
إِنَّ اخْتِزَالَ العَقْلِ إِلَى الأَدَاتِيَّةِ، وَتَحَوُّلَ الفِكْرِ الحُرِّ إِلَى فِكْرٍ سُلْطَوِيٍّ شُمُولِيٍّ، أَدَّيَا إِلَى فَقْدَانِ القُدْرَةِ عَلَى التَّأَمُّلِ الذَّاتِيِّ وَالتَّفْكِيرِ الحُرِّ، وَمِنْ ثَمَّ إِلَى التَّدْمِيرِ الذَّاتِيِّ لِقِيَمِ التَّنْوِيرِ. لَقَدْ كَانَ الوَعْدُ العَظِيمُ لِلْعَقْلِ – قَبْلَ تَحَوُّلِهِ إِلَى وَظِيفَةٍ أَدَاتِيَّةٍ لَا تَفْعَلُ سِوَى تَحْدِيدِ الوَسَائِلِ المُلَائِمَةِ لِأَيَّةِ غَايَاتٍ كَانَتْ، سَوَاءٌ تَعَلَّقَ الأَمْرُ بِالتَّزْوِيدِ الفَعَّالِ بِالغِذَاءِ، أَوِ التَّعْلِيمِ، أَوْ غَازِ (زِيكلُون ب) () – هُوَ الحُرِّيَّةَ المُتَحَقِّقَةَ مِنْ خِلَالِ التَّفْكِيرِ فِي الغَايَاتِ الجَدِيرَةِ بِالنِّضَالِ الإِنْسَانِيِّ، وَكَانَ يُفْتَرَضُ بِالعَقْلِ أَنْ يُحَقِّقَ ذَاتَهُ بِالقُدْرَةِ عَلَى مُمارَسَةِ التَّأَمُّلِ الذَّاتِيِّ النَّقْدِيِّ، وَأَنْ يُوَفِّرَ عَلَى الأَقَلِّ القَدْرَ المُمْكِنَ مِنَ الحُرِّيَّةِ الإِنْسَانِيَّةِ. غَيْرَ أَنَّهُ، عِنْدَمَا أَصْبَحَ العَقْلُ مُطَابِقًا لِلُّوجِسْتِيَّاتِ، فَإِنَّ وَعْدَهُ بِالحُرِّيَّةِ قَدْ تَحَطَّمَ، وَبِالكَرَامَةِ الإِنْسَانِيَّةِ قَدْ سَقَطَ وَانْكَسَرَ().
2 -1- أُودِيسْيُوس نَمُوذَجًا لِلْبَرْبَرِيَّةِ الأَدَاتِيَّةِ:
وَتُقَدَّمُ شَخْصِيَّةُ البَطَلِ الأُسْطُورِيِّ أُودِيسْيُوس (فِي الأُودِيسَّةِ) نَمُوذَجًا أَوَّلِيًّا لِرَجُلِ الأَعْمَالِ الحَدِيثِ، الَّذِي تُشَكِّلُ مُغَامَرَاتُهُ مَشْرُوعًا لِلْهَيْمَنَةِ وَالسَّيْطَرَةِ وَحِفْظِ الذَّاتِ وَالسَّيْطَرَةِ. وَهُوَ الكَائِنُ الأُسْطُورِيُّ الَّذِي وَظَّفَ دَهَاءَهُ وَقُدْرَتَهُ عَلَى اسْتِخْدَامِ العَقْلِ (الأَدَاتِيِّ) مِنْ أَجْلِ السَّيْطَرَةِ وَالهَيْمَنَةِ وَاسْتِغْلَالِ كُلِّ الإِمْكَانِيَّاتِ المُتَاحَةِ كَوَسِيلَةٍ لِتَحْقِيقِ غَايَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ دُونَ إِضَاعَةِ الوَقْتِ فِي التَّفْكِيرِ فِي القِيَمِ الأَخْلَاقِيَّةِ وَالإِنْسَانِيَّةِ. وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ يُمَثِّلُ أُودِيسْيُوس الذَّاتَ التَّنْوِيرِيَّةَ المُتَحَضِّرَةَ، الَّتِي تُكَافِحُ الآلِهَةَ الجَبَّارَةَ وَالتِّيتَانَاتِ الأُسْطُورِيَّةَ القَدِيمَةَ().
وَعِنْدَمَا يَنْتَقِلُ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو إِلَى حَلْقَةِ مُوَاجَهَةِ أُودِيسْيُوس لِلْعِمْلَاقِ السِّيكلُوبِيِّ بُولِيفِيمُوس()، فَإِنَّهُمَا يَرَيَانِ فِي هَذِهِ المُوَاجَهَةِ صِدَامًا بَيْنَ أُودِيسْيُوس، بِوَصْفِهِ نَمُوذَجًا مُبَكِّرًا لِلْعَقْلِ التَّنْوِيرِيِّ، وَعَالما يَنْتَمِي إِلَى «عَصْرٍ بَرْبَرِيٍّ حَقِيقِيٍّ». غَيْرَ أَنَّ هَذَا العَصْرَ البَرْبَرِيَّ لَا يُمَثِّلُ، فِي تَصَوُّرِهِمَا، الحَالَةَ الحَيَوَانِيَّةَ الخَالِصَةَ أَوْ حَالَةَ فَقْدَانِ الوَعْيِ وَالاسْتِسْلَامِ لِلْمُتْعَةِ، كَمَا تَظْهَرُ فِي حَلْقَةِ آكِلِي اللُّوتُسِ () الَّتِي تَسْبِقُ حَلْقَةَ السِّيكلُوبِ. فَبُولِيفِيمُوس، بِوَصْفِهِ رَاعِيًا وَصَيَّادًا، قَدْ تَجَاوَزَ إِلَى حَدٍّ مَا تِلْكَ الحَالَةَ الطَّبِيعِيَّةَ الخَامَ؛ إِذْ يَمْتَلِكُ مَسْكَنًا وَقَطِيعًا وَمِلْكِيَّةً، وَيُمَارِسُ أَشْكَالًا أَوَّلِيَّةً مِنَ التَّنْظِيمِ وَالإِنْتَاجِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ «البَرْبَرِيَّةَ» الَّتِي يُمَثِّلُهَا السِّيكلُوبُ لَا تَقَعُ خَارِجَ التَّارِيخِ وَالحَضَارَةِ تَمَامًا، بَلْ تُمَثِّلُ مَرْحَلَةً بَدَائِيَّةً مِنْ مَرَاحِلِ تَشَكُّلِ المُجْتَمَعِ، تَجَاوَزَ فِيهَا الإِنْسَانُ الحَالَةَ الطَّبِيعِيَّةَ الخَامَ، مِنْ دُونِ أَنْ يَبْلُغَ بَعْدُ مَرْحَلَةَ القَانُونِ وَالنِّظَامِ الاجْتِمَاعِيِّ المُشْتَرَكِ.
وَفِي الأُسْطُورَةِ يَتَمَكَّنُ أُودِيسْيُوس، فِي النِّهَايَةِ، مِنَ التَّفَوُّقِ عَلَى العِمْلَاقِ ذِي العَيْنِ الوَاحِدَةِ بُولِيفِيمُوس بِالحِيلَةِ، كَمَا يَتَفَوَّقُ عَلَى كُلِّ قُوَّةٍ تَفُوقُ قُدْرَتَهُ وَاسْتِطَاعَتَهُ فِي رِحْلَتِهِ المَشْؤُومَةِ. وَمِنْ أَجْلِ شَرْحٍ أَوْفَى لِهَذَا الجَانِبِ مِنْ حِكَايَةِ المُوَاجَهَةِ بَيْنَ أُودِيسْيُوس بَطَلِ الأُسْطُورَةِ وَالوَحْشِ الأُسْطُورِيِّ بُولِيفِيمُوس، يُذْكَرُ أَنَّ أُودِيسْيُوس لَمْ تَكُنْ لَدَيْهِ أَيُّ فُرْصَةٍ لِمُوَاجَهَةِ العِمْلَاقِ ذِي العَيْنِ الوَاحِدَةِ بُولِيفِيمُوس بِالقُوَّةِ الجَسَدِيَّةِ؛ لِأَنَّ العِمْلَاقَ يَفُوقُهُ قُوَّةً وَاقْتِدَارًا، وَلِذَا لَجَأَ إِلَى العَقْلِ وَالحِيلَةِ. فَعِنْدَمَا سَأَلَهُ بُولِيفِيمُوس عَنِ اسْمِهِ، أَجَابَهُ أُودِيسْيُوس: “اسْمِي لَا أَحَدَ”. وَبَعْدَ أَنْ فَقَأَ أُودِيسْيُوس وَرِفَاقُهُ عَيْنَ العِمْلَاقِ، أَخَذَ العِمْلَاقُ بُولِيفِيمُوس يَصْرُخُ طَالِبًا النَّجْدَةَ. فَسَأَلَهُ بَقِيَّةُ العَمَالِقَةِ مِنْ قَوْمِهِ: “مَنْ يُؤْذِيكَ؟”، فَأَجَابَ: لَا أَحَدَ يُؤْذِينِي. فَفَهِمُوا كَلَامَهُ بِمَعْنَاهُ الظَّاهِرِ، وَظَنُّوا أَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِهُجُومٍ، فَتَرَكُوهُ وَلَمْ يُسَاعِدُوهُ. وَهَذَا المَوْقِفُ يَتَضَمَّنُ نَسَقًا مِنَ الأَفْكَارِ الفَلْسَفِيَّةِ، تَتَمَثَّلُ أُولَاهَا فِي فِكْرَةِ التَّضْحِيَةِ بِالذَّاتِ؛ لِأَنَّ أُودِيسْيُوس يَتَخَلَّى مُؤَقَّتًا – فِي هَذَا المَوْقِفِ – عَنْ اسْمِهِ وَهُوِيَّتِهِ وَاعْتِزَازِهِ بِذَاتِهِ مِنْ أَجْلِ النَّجَاةِ. فَهُوَ يُصْبِحُ لُغَوِيًّا “لَا أَحَدَ” لِكَيْ يُحَافِظَ عَلَى وُجُودِهِ الفِعْلِيِّ.
وَتَتَمَثَّلُ هَذِهِ الفِكْرَةُ فِي الوَحْدَةِ السِّحْرِيَّةِ بَيْنَ الكَلِمَةِ وَالشَّيْءِ: فَفِي التَّفْكِيرِ الأُسْطُورِيِّ تُعَامَلُ الكَلِمَةُ كَمَا لَوْ كَانَتْ مُتَطَابِقَةً تَمَامًا مَعَ الشَّيْءِ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَالاسْمُ وَالإِنْسَانُ شَيْءٌ وَاحِدٌ. أَمَّا أُودِيسْيُوس فَيُدْرِكُ أَنَّ الاسْمَ مُجَرَّدُ عَلَامَةٍ لُغَوِيَّةٍ، وَيُمْكِنُ فَصْلُهَا عَنْ صَاحِبِهَا وَاسْتِعْمَالُهَا بِطَرِيقَةٍ خَادِعَةٍ. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ يَسْتَفِيدُ أُودِيسْيُوس مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ كَلِمَةِ “لَا أَحَدَ” بِوَصْفِهَا اسْمًا اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ، وَبَيْنَ مَعْنَاهَا العَادِيِّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى غِيَابِ أَيِّ شَخْصٍ. فَعِنْدَمَا يَقُولُ بُولِيفِيمُوس: “لَا أَحَدَ يُؤْذِينِي”، يَكُونُ كَلَامُهُ صَحِيحًا مِنْ جِهَةِ الاسْمِ، لَكِنَّهُ يَعْنِي لِلسَّامِعِينَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ شَخْصٌ يُؤْذِيهِ. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ يَرْمُزُ أُودِيسْيُوس إِلَى العَقْلِ التَّنْوِيرِيِّ الأَدَاتِيِّ: العَقْلِ الَّذِي يَتَغَلَّبُ عَلَى الطَّبِيعَةِ وَالقُوَّةِ المُبَاشِرَةِ بِالتَّخْطِيطِ وَالحِسَابِ وَالسَّيْطَرَةِ عَلَى اللُّغَةِ. أَمَّا بُولِيفِيمُوس فَيُمَثِّلُ مَرْحَلَةً أَقْدَمَ مِنَ التَّفْكِيرِ، لَا يمكن التَّمْيِيزَ فيها بَيْنَ الاسْمِ بِوَصْفِهِ عَلَامَةً وَالشَّيْءِ الَّذِي يَحْمِلُهُ. وَأَخِيرًا فَإِنَّ انْتِصَارَ أُودِيسْيُوس لَهُ ثَمَنٌ: إِذْ كَيْ يَحْفَظَ ذَاتَهُ، يَضْطَرُّ إِلَى إِنْكَارِهَا مُؤَقَّتًا. وَهَذِهِ هِيَ المُفَارَقَةُ الأَسَاسِيَّةُ: فالإِنْسَانُ يَنْجُو وَيُحَافِظُ عَلَى هُوِيَّتِهِ مِنْ خِلَالِ التَّضْحِيَةِ بِجُزْءٍ مِنْ هُوِيَّتِهِ وَقَمْعِ ذَاتِهِ().
وَيُظْهِرُ هَذَا الأمر أَنَّ البَرْبَرِيَّةَ القَدِيمَةَ لَمْ تَخْتَفِ تَمَامًا حَتَّى مِنْ ذِهْنِ بَطَلِ التنوير أوديسيوس؛ بَلْ جَرَى فَقَطْ كَبْتُهَا فِي اللَّاوَعْيِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَلَيْسَتْ عَوْدَةُ البَرْبَرِيَّةِ الأُسْطُورِيَّةِ المَكْبُوتَةِ هِيَ مَا يَجْعَلُ التَّغَلُّبَ عَلَى البَرْبَرِيِّ القَدِيمِ فِعْلًا بَرْبَرِيًّا إِلَى هَذَا الحَدِّ، كَمَا أَنَّ هذا الأَمْرَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمُجَرَّدِ اسْتِخْدَامِ العُنْفِ عِنْدَ إِعْمَاءِ المَخْلُوقِ ذِي العَيْنِ الوَاحِدَةِ فِي صِرَاعِ البَقَاءِ. بَلْ إِنَّ مَا يَكْشِفُ الطَّابِعَ البَرْبَرِيَّ لِأُودِيسْيُوس هُوَ لَا مُبَالَاتُهُ بِمَصِيرِ بُولِيفِيمُوس، وَإِحْجَامُهُ عَنِ التَّعَرُّفِ بِنَفْسِهِ فِي مُعَانَاةِ السِّيكلُوبِ. فَفِي النِّهَايَةِ، يَهْتَمُّ الوَحْشُ بِخِرَافِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَهْتَمُّ أُودِيسْيُوس بِأَفْرَادِ طَاقَمِهِ، وَهُوَ الَّذِي يُضَحِّي بِبَعْضِهِمْ بِبُرُودٍ أَثْنَاءَ مُحَاوَلَتِهِ الهَرَبَ. فَأُودِيسْيُوس، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كَوْنِهِ رَمْزًا لِلْحَضَارَةِ وَالعَقْلِ وَالحِيلَةِ، لَمْ يَتَحَرَّرْ تَمَامًا مِنَ البَرْبَرِيَّةِ كُلِّيًّا؛ فَالبَرْبَرِيَّةُ كَامِنَةٌ فِي أَعْمَاقِهِ، وَقَدْ أَخْفَاهَا وَضَبَطَهَا تَحْتَ مَظْهَرِ العَقْلَانِيَّةِ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ البَرْبَرِيَّةَ القَدِيمَةَ مَا زَالَتْ قَائِمَةً وَفِي الأَعْمَاقِ اللَّاشُعُورِيَّةِ كَامِنَةً، وَقَدْ ظَهَرَتْ فِي سُلُوكِهِ الوَحْشِيِّ تِجَاهَ بُولِيفِيمُوس مِنْ جِهَةٍ، وَرِفَاقِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. فَالبَرْبَرِيَّةُ فِي سُلُوكِ أُودِيسْيُوس تَبْدُو صَرِيحَةً؛ إِذْ فَقَأَ عَيْنَ بُولِيفِيمُوس الوَحِيدَةَ، وَأَظْهَرَ بُرُودَهُ الأَخْلَاقِيَّ إِزَاءَ رِفَاقِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَلَمْ يَتَرَدَّدْ فِي التَّعَامُلِ مَعَ بُولِيفِيمُوس وَالآخَرِينَ بِوَصْفِهِمْ مُجَرَّدَ خَسَائِرَ مَقْبُولَةٍ مِنْ أَجْلِ نَجَاتِهِ وَانْتِصَارِهِ. وَهُوَ فِي غَمْرَةِ صِرَاعِهِ مَعَ الوَحْشِ أَصْبَحَ وَحْشًا أَكْثَرَ رهبة وتَوَحُّشًا.
وَعَلَى خِلَافِ أُودِيسْيُوس، فَإِنَّ الوَحْشَ الأُسْطُورِيَّ بُولِيفِيمُوس أَظْهَرَ اهْتِمَامًا تِجَاهَ خِرْفَانِهِ وأكباشه الَّتِي كَانَ يَرْعَاهَا. وَمِنْ أَكْثَرِ مَظَاهِرِ بَرْبَرِيَّةِ أُودِيسْيُوس أَنَّهُ قَبِلَ التَّضْحِيَةَ بِبَعْضِ أَفْرَادِ طَاقَمِهِ بِبُرُودٍ مِنْ أَجْلِ الفَوْزِ وَالنَّجَاةِ. وَهُنَا يَتَّضِحُ لَنَا أَنَّ البَرْبَرِيَّةَ الجَدِيدَةَ لَا تَتَمَثَّلُ فِي الانْفِجَارِ الغَرِيزِيِّ أَوِ العُنْفِ الوَحْشِيِّ المُبَاشِرِ فَحَسْبُ، بَلْ قَدْ تَتَّخِذُ صُورَةً أَكْثَرَ حَدَاثَةً: أَيْ فِي الحِسَابِ العَقْلَانِيِّ البَارِدِ، وَغِيَابِ التَّعَاطُفِ، وَتَحْوِيلِ الآخَرِينَ إِلَى أَدَوَاتٍ قَابِلَةٍ لِلتَّضْحِيَةِ. وَمِنْ هُنَا تُصْبِحُ الحُدُودُ بَيْنَ “المُتَحَضِّرِ” وَ”البَرْبَرِيِّ” مُضْطَرِبَةً؛ فَقَدْ يَكُونُ الوَحْشُ أَكْثَرَ عَاطِفَةً، بَيْنَمَا يَكُونُ بَطَلُ الحَضَارَةِ أَكْثَرَ قَسْوَةً وَبُرُودًا.
فَعِنْدَمَا فَقَأَ أُودِيسْيُوس عَيْنَ بُولِيفِيمُوس بِوَحْشِيَّةٍ، وَهَرَبَ مِنَ الكَهْفِ مَعَ أَصْحَابِهِ مُخْتَبِئِينَ بَيْنَ الكِبَاشِ، أَخَذَ الوَحْشُ بُولِيفِيمُوس يَتَحَسَّسُ خِرَافَهُ وَاحِدًا وَاحِدًا، ثُمَّ تَحَدَّثَ بِحَنَانٍ عَنْ كَبْشِهِ الكَبِيرِ، مُتَسَائِلًا بِحُزْنٍ وَقَلَقٍ عَنْ تَأَخُّرِهِ فِي الخُرُوجِ. وَهُنَا تَكْشِفُ الأُسْطُورَةُ أَنَّ بُولِيفِيمُوس يَمْتَلِكُ قَدْرًا مِنَ العَاطِفَةِ وَالرِّعَايَةِ تِجَاهَ حَيَوَانَاتِهِ، مَعَ أَنَّهُ يَأْكُلُ البَشَرَ وَيُقَدَّمُ بِوَصْفِهِ مُتَوَحِّشًا. وَفِي المُقَابِلِ، كَانَ أُودِيسْيُوس مُسْتَعِدًّا لِلتَّضْحِيَةِ بِبَعْضِ رِفَاقِهِ مِنْ أَجْلِ نَجَاتِهِ. وهنا تكمن مُفَارَقَةً غَرِيبَةً؛ إِذْ يَبْدُو بُولِيفِيمُوس وَحْشِيًّا فِي سُلُوكِهِ تِجَاهَ البَشَرِ، لَكِنَّهُ عَطُوفٌ عَلَى خِرَافِهِ وَأَكْبَاشِهِ؛ وَعَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، يَبْدُو أُودِيسْيُوس مُتَحَضِّرًا وَعَقْلَانِيًّا، لَكِنَّهُ كَانَ بَارِدًا تِجَاهَ رِفَاقِهِ مِنَ البَشَرِ، لَمْ يَأْبَهْ بِهِمْ عِنْدَمَا تَقْتَضِي مَصَالِحُهُ ذَلِكَ. وَهَذَا لَا يَعْنِي أَبَدًا أَنَّ بُولِيفِيمُوس كَانَ رَحِيمًا عُمُومًا، بَلْ يَعْنِي أَنَّ الفَصْلَ المُطْلَقَ بَيْنَ الوَحْشِ المُتَوَحِّشِ وَالإِنْسَانِ المُتَحَضِّرِ أَمْرٌ فِيهِ صُعُوبَةٌ إِلَى حَدٍّ مَا )).
فِي هَذَا المَقْطَعِ، يُعِيدُ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو قِرَاءَةَ قِصَّةِ “أُودِيسْيُوس” (Odysseus) وَ”بُولِيفِيمُوس” (Polyphemus) فِي الأُودِيسَّةِ (Odyssey) بِوَصْفِهَا تَعْبِيرًا رَمْزِيًّا عَنِ التَّنَاقُضِ الكَامِنِ فِي الحَضَارَةِ الغَرْبِيَّةِ وَمَشْرُوعِ التَّنْوِيرِ. فَالحَضَارَةُ، فِي نَظَرِهِمَا، لَمْ تَتَجَاوَزِ البَرْبَرِيَّةَ بِصُورَةٍ نِهَائِيَّةٍ، بَلْ أَخْفَتْهَا دَاخِلَ بِنْيَتِهَا الخَاصَّةِ. وَلِهَذَا فَإِنَّ “البَرْبَرِيَّةَ القَدِيمَةَ” لَمْ تَخْتَفِ، وَإِنَّمَا جَرَى قَمْعُهَا وَإِبْعَادُهَا إِلَى اللَّاوَعْيِ، بِحَيْثُ ظَلَّ الإِنْسَانُ “المُتَحَضِّرُ” يَحْمِلُ دَاخِلَهُ بَقَايَا العُنْفِ وَالنَّزَعَاتِ البِدَائِيَّةِ فِي صُورَةٍ مَكْبُوتَةٍ.
وَمِنْ هُنَا، لَا يَرَى هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو أَنَّ المُشْكِلَةَ الأَسَاسِيَّةَ فِي قِصَّةِ أُودِيسْيُوس تَكْمُنُ فَقَطْ فِي اسْتِعْمَالِ العُنْفِ ضِدَّ “السِّيكلُوبِ” (Cyclops) العِمْلَاقِ بُولِيفِيمُوس (Polyphemus) عِنْدَمَا أَعْمَاهُ لِيَنْجُوَ، لِأَنَّ هَذَا العُنْفَ قَدْ يَبْدُو جُزْءًا مِنْ صِرَاعِ البَقَاءِ أَوِ الدِّفَاعِ عَنِ النَّفْسِ. غَيْرَ أَنَّ تَحْلِيلَهُمَا يَذْهَبُ إِلَى مُسْتَوًى أَعْمَقَ، إِذْ يَعْتَبِرَانِ أَنَّ البَرْبَرِيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ تَظْهَرُ فِي البُرُودِ العَاطِفِيِّ وَاللَّامُبَالَاةِ تِجَاهَ مُعَانَاةِ الآخَرِ. فَأُودِيسْيُوس، رَغْمَ كَوْنِهِ بَطَلَ العَقْلِ وَالحَضَارَةِ، لَا يَتَعَرَّفُ إِلَى نَفْسِهِ فِي أَلَمِ بُولِيفِيمُوس، وَلَا يَرَى فِيهِ كَائِنًا يَسْتَحِقُّ التَّعَاطُفَ، بَلْ يَتَعَامَلُ مَعَهُ بِوَصْفِهِ مُجَرَّدَ عَقَبَةٍ يَنْبَغِي تَجَاوُزُهَا. وَالأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَتَعَامَلُ مَعَ أَفْرَادِ طَاقَمِهِ أَنْفُسِهِمْ بِطَرِيقَةٍ أَدَاتِيَّةٍ، وَقَدْ وَجَدَ أَنَّ تَضْحِيَاتِهِمْ مُلْزِمَةٌ فِي سَبِيلِ نَجَاتِهِ وَتَحْقِيقِ هَدَفِهِ )).
وَهُنَا تَظْهَرُ الفِكْرَةُ الأَسَاسِيَّةُ عِنْدَ أَدُورْنُو: فَالبَرْبَرِيَّةُ الحَدِيثَةُ لَيْسَتْ دَائِمًا عُنْفًا وَحْشِيًّا مُبَاشِرًا، بَلْ قَدْ تَتَّخِذُ شَكْلًا عَقْلَانِيًّا بَارِدًا وَمَحْسُوبًا خَالِيًا مِنَ التَّعَاطُفِ الإِنْسَانِيِّ. وَلِذَلِكَ يُبْرِزُ النَّصُّ مُفَارَقَةً لَافِتَةً حِينَ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ “الوَحْشَ” بُولِيفِيمُوس يَبْدُو أَكْثَرَ ارْتِبَاطًا بِخِرَافِهِ وَاهْتِمَامًا بِهَا مِنِ اهْتِمَامِ أُودِيسْيُوس بِرِجَالِهِ. وَمِنْ خِلَالِ هَذَا القَلْبِ الجَدَلِيِّ، يُحَاوِلُ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو إِظْهَارَ أَنَّ الحَضَارَةَ الحَدِيثَةَ قَدْ تُنْتِجُ شَكْلًا مِنَ القَسْوَةِ الأَدَاتِيَّةِ يَفُوقُ البَرْبَرِيَّةَ البِدَائِيَّةَ نَفْسَهَا خُطُورَةً. فَالعَقْلُ، عِنْدَمَا يَنْفَصِلُ عَنِ التَّعَاطُفِ وَالاعْتِرَافِ بِالآخَرِ، يَتَحَوَّلُ إِلَى أَدَاةٍ لِلسَّيْطَرَةِ وَالهَيْمَنَةِ وَالتَّضْحِيَةِ بِالبَشَرِ بِاسْمِ النَّجَاةِ أَوِ التَّقَدُّمِ أَوِ العَقْلَانِيَّةِ.
وَلِهَذَا يُمَثِّلُ أُودِيسْيُوس، فِي قِرَاءَتِهِمَا، نَمُوذَجَ الذَّاتِ الغَرْبِيَّةِ الحَدِيثَةِ: الذَّاتِ الذَّكِيَّةِ، القَادِرَةِ عَلَى الحِسَابِ وَالسَّيْطَرَةِ، لَكِنَّهَا فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ بَارِدَةٌ وَأَدَاتِيَّةٌ وَمُسْتَعِدَّةٌ لِلتَّضْحِيَةِ بِالآخَرِينَ فِي سَبِيلِ أَهْدَافِهَا.
إِنَّ البَرْبَرِيَّةَ التَّنْوِيرِيَّةَ، القَائِمَةَ عَلَى الدَّهَاءِ، تَجْعَلُ “العَصْرَ البَرْبَرِيَّ الحَقِيقِيَّ”، القَائِمَ عَلَى “الغَبَاءِ”، يَبْدُو أَكْثَرَ إِنْسَانِيَّةً. أَوْ كَمَا يَقُولُ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو: “إِنَّ غَبَاءَ العِمْلَاقِ، الَّذِي يُشَكِّلُ جَوْهَرَ وَحْشِيَّتِهِ البَرْبَرِيَّةِ مَا دَامَ فِي وَضْعِ القُوَّةِ، يُمَثِّلُ شَيْئًا أَفْضَلَ حِينَ يُسْقِطُهُ مَنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ الأَفْضَلَ” (). وَرُبَّمَا كَانَ “العَصْرُ البَرْبَرِيُّ الحَقِيقِيُّ” يَتَمَيَّزُ بِحَرْبِ الجَمِيعِ ضِدَّ الجَمِيعِ، لَكِنَّهُ كَانَ أَيْضًا حَالَةً مِنَ الوَفْرَةِ؛ إِذْ كَانَ الأَقْوِيَاءُ يَأْخُذُونَ الأَفْضَلَ وَالأَكْثَرَ، غَيْرَ أَنَّ الضُّعَفَاءَ كَانُوا لَا يَزَالُونَ قَادِرِينَ عَلَى الاخْتِبَاءِ إِذَا حَالَفَهُمُ الحَظُّ بِالبَقَاءِ، فَأَخَذُوا مَا يَتَبَقَّى، وَهُوَ مَا كَانَ قَدْ يَكْفِيهِمْ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يُرِيدُ أَدُورْنُو التَّمْيِيزَ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ: بَيْنَ البَرْبَرِيَّةِ القَدِيمَةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى القُوَّةِ الجَسَدِيَّةِ وَالغَبَاءِ وَالعُنْفِ المُبَاشِرِ، وَيُمَثِّلُهَا بُولِيفِيمُوس، وَالبَرْبَرِيَّةِ التَّنْوِيرِيَّةِ الحَدِيثَةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى الدَّهَاءِ وَالحِسَابِ وَالسَّيْطَرَةِ العَقْلَانِيَّةِ البَارِدَةِ، وَيُمَثِّلُهَا أُودِيسْيُوس.
وَهُنَا فَإِنَّ غَبَاءَ العِمْلَاقِ يُشَكِّلُ جَوْهَرَ وَحْشِيَّتِهِ البَرْبَرِيَّةِ مَا دَامَ فِي وَضْعِ القُوَّةِ، وَهَذَا هُوَ المَقْصُودُ بِأَنَّ غَبَاءَ بُولِيفِيمُوس كَانَ مُخِيفًا وَبَرْبَرِيًّا مَا دَامَ العِمْلَاقُ قَوِيًّا وَمُسَيْطِرًا؛ لِأَنَّهُ يَسْتَخْدِمُ قُوَّتَهُ بِعُنْفٍ وَيَلْتَهِمُ البَشَرَ. لَكِنْ عِنْدَمَا يَهْزِمُهُ أُودِيسْيُوس، الَّذِي يُفْتَرَضُ أَنَّهُ أَكْثَرُ عَقْلًا وَتَحَضُّرًا، يَظْهَرُ العِمْلَاقُ فَجْأَةً فِي صُورَةٍ أَضْعَفَ وَأَكْثَرَ إِثَارَةً لِلشَّفَقَةِ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ أُودِيسْيُوس، بِاعْتِبَارِهِ مُمَثِّلًا لِلْعَقْلِ وَالحَضَارَةِ، كَانَ يُفْتَرَضُ أَنْ يَكُونَ أَرْحَمَ وَأَكْثَرَ وَعْيًا أَخْلَاقِيًّا. لَكِنَّهُ اسْتَخْدَمَ تَفَوُّقَهُ العَقْلِيَّ بِطَرِيقَةٍ بَارِدَةٍ وَقَاسِيَةٍ؛ وَلِذَلِكَ يَبْدُو بُولِيفِيمُوس، رَغْمَ غَبَائِهِ وَوَحْشِيَّتِهِ، أَكْثَرَ إِنْسَانِيَّةً مِنْهُ فِي بَعْضِ اللَّحَظَاتِ.
وَيُشَارُ فِي هَذَا السِّيَاقِ إِلَى أَنَّ “العَصْرَ البَرْبَرِيَّ” كَانَ عَصْرَ وَفْرَةٍ، وَهَذَا لَا يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ عَصْرًا عَادِلًا أَوْ آمِنًا؛ فَقَدْ سَادَتْ فِيهِ قَاعِدَةُ الأَقْوَى وَ”حَرْبُ الجَمِيعِ ضِدَّ الجَمِيعِ”. لَكِنَّ الطَّبِيعَةَ كَانَتْ مَا تَزَالُ وَاسِعَةً وَغَيْرَ خَاضِعَةٍ لِتَنْظِيمٍ شَامِلٍ: فَالأَقْوِيَاءُ يَسْتَوْلُونَ عَلَى القِسْمِ الأَكْبَرِ وَالأَفْضَلِ، وَالضُّعَفَاءُ يَسْتَطِيعُونَ الفِرَارَ أَوِ الاخْتِبَاءَ خَارِجَ نِطَاقِ سُلْطَةِ الأَقْوِيَاءِ، وَمَا يَتَبَقَّى مِنَ الثَّرْوَةِ الطَّبِيعِيَّةِ قَدْ يَكْفِيهِمْ لِلْبَقَاءِ. وَعَلَى خِلَافِ هَذِهِ الصُّورَةِ، فَقَدْ أَصْبَحَتِ السَّيْطَرَةُ شَامِلَةً وَمُنَظَّمَةً وَعَقْلَانِيَّةً فِي المُجْتَمَعِ الحَدِيثِ، وَلَكِنْ لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مَكَانٌ خَارِجِيٌّ يَسْتَطِيعُ الضَّعِيفُ الاخْتِبَاءَ فِيهِ، وَلَمْ تَعُدِ البَقَايَا تَصِلُ إِلَيْهِ تِلْقَائِيًّا. فَالنِّظَامُ الحَدِيثُ يُحْصِي المَوَارِدَ وَيُوَزِّعُهَا وَيَسْتَحْوِذُ عَلَيْهَا، وَقَدْ يَحْرِمُ الإِنْسَانَ مِنْهَا بِطَرِيقَةٍ إِدَارِيَّةٍ بَارِدَةٍ. وَهَذَا يَعْنِي، فِي تَحْلِيلِ أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر، أَنَّ البَرْبَرِيَّةَ القَدِيمَةَ كَانَتْ وَحْشِيَّةً وَمُبَاشِرَةً، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ شَامِلَةً؛ أَمَّا البَرْبَرِيَّةُ التَّنْوِيرِيَّةُ فَهِيَ عَقْلَانِيَّةٌ وَمُنَظَّمَةٌ، وَلِذَلِكَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَكُونَ أَشَدَّ قَسْوَةً وَفَظَاعَةً وَإِحْكَامًا، وَمِنْ هُنَا تَبْدُو بَرْبَرِيَّةُ بُولِيفِيمُوس، عَلَى فَظَاعَتِهَا، أَقَلَّ خَطَرًا مِنْ بَرْبَرِيَّةِ العَقْلِ الحَدِيثِ عِنْدَمَا يَتَحَوَّلُ إِلَى أَدَاةٍ لِلسَّيْطَرَةِ بِلَا تَعَاطُفٍ وَلَا غَايَةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ )).
وَأَخِيرًا، يَجْدُرُ التَّذْكِيرُ بِأَنَّ “بُولِيفِيمُوس” ذَا العَيْنِ الوَاحِدَةِ وَالعَقْلِ البَسِيطِ لَمْ يَكُنْ يُشَارُ إِلَيْهِ أَصْلًا بِوَصْفِهِ بَرْبَرِيًّا. فَفِي النَّصِّ الهُومِيرِيِّ، يُقَدَّمُ بِالأَحْرَى بِوَصْفِهِ مُتَوَحِّشًا، يَتَمَيَّزُ بِوُجُودِهِ المُنْعَزِلِ وَأَكْلِهِ لِلُحُومِ البَشَرِ. وَمِنْ خِلَالِ تَعَامُلِ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو مَعَ بُولِيفِيمُوس بِوَصْفِهِ بَرْبَرِيًّا لَا مُتَوَحِّشًا، فَإِنَّهُمَا يَضَعَانِ “السِّيكلُوبَ” لَا خَارِجَ المُجْتَمَعِ المَدَنِيِّ، بَلْ عِنْدَ بِدَايَتِهِ — وَهِيَ بِدَايَةٌ قَدْ تَكُونُ، وَفْقَ الطَّبِيعَةِ الجَدَلِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ، نِهَايَتَهُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، يُمْكِنُ وَصْفُ هَذَا النَّمَطِ مِنَ البَرْبَرِيِّ بِأَنَّهُ وَضْعٌ بَيْنِيٌّ: لَيْسَ مُتَوَحِّشًا تَمَامًا، وَلَا مُتَحَضِّرًا تَمَامًا. وَعَلَى أَيِّ حَالٍ، فَإِنَّ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو لَا يَضَعَانِ تَمْيِيزًا وَاضِحًا بَيْنَ البَرْبَرِيَّةِ وَالتَّوَحُّشِ. وَفِي الوَاقِعِ، فَهُمَا لَا يَتَوَقَّفَانِ عِنْدَ مُصْطَلَحِ “التَّوَحُّشِ” أَصْلًا، بَلْ يَحْصُرَانِ اهْتِمَامَهُمَا فِي البَرْبَرِيَّةِ بِوَصْفِهَا المُشْكِلَةَ المَطْرُوحَةَ دَاخِلَ الحَضَارَةِ التَّنْوِيرِيَّةِ وَمَا قَبْلَ تَارِيخِهَا الأُسْطُورِيِّ.
وَبِالعَوْدَةِ إِلَى التَّشْخِيصِ العَامِّ الَّذِي يُقَدِّمُهُ “جَدَلُ التَّنْوِيرِ”، وَالقَائِلِ إِنَّ الإِنْسَانِيَّةَ تَغْرَقُ فِي نَمَطٍ جَدِيدٍ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ، فَإِنَّ النَّصَّ لَا يَتْرُكُ مَجَالًا كَبِيرًا لِلشَّكِّ فِي أَنَّ هَذَا السُّقُوطَ يَتَّجِهُ إِلَى الوَرَاءِ. وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ عِنْدَمَا يُوصَفُ التَّدْمِيرُ الذَّاتِيُّ لِلتَّنْوِيرِ بِأَنَّهُ “تَرَاجُعٌ” أَوْ “انْتِكَاسٌ”.
وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو يُقَدِّمَانِ تَشْخِيصًا مُتَشَائِمًا لِلْحَضَارَةِ الحَدِيثَةِ. فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يُؤَدِّيَ التَّنْوِيرُ وَالتَّقَدُّمُ العَقْلِيُّ وَالعِلْمِيُّ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ الحُرِّيَّةِ وَالإِنْسَانِيَّةِ، وجدا أَنَّ البَشَرِيَّةَ تَنْزَلِقُ نَحْوَ “نَمَطٍ جَدِيدٍ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ المُعَقْلَنَةِ”. وَيَعْنِي مَفْهُومُ “السُّقُوطِ إِلَى الوَرَاءِ” فِي هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ التَّارِيخَ الإِنْسَانِيَّ لَا يَسِيرُ فِي خَطٍّ تَقَدُّمِيٍّ صَاعِدٍ كَمَا وَعَدَتْ فَلْسَفَاتُ التَّنْوِيرِ، بَلْ يَبْدُو وَكَأَنَّهُ يَتَرَاجَعُ أَوْ يَنْتَكِسُ أَوْ يَعُودُ إِلَى أَشْكَالٍ مِنَ الوَحْشِيَّةِ القَدِيمَةِ وَالعُنْفِ الكِلَاسِيكِيِّ؛ لَكِنَّ هَذَا “الرُّجُوعَ إِلَى الوَرَاءِ” لَا يَعْنِي العَوْدَةَ إِلَى البَرْبَرِيَّةِ القَدِيمَةِ أَوِ البِدَائِيَّةِ، بَلْ يَعْنِي أَنَّ الحَضَارَةَ الحَدِيثَةَ نَفْسَهَا – رَغْمَ تَقَدُّمِهَا العِلْمِيِّ وَالتِّقْنِيِّ – أَعَادَتْ إِنْتَاجَ العُنْفِ وَالهَيْمَنَةِ بِصُورَةٍ أَكْثَرَ تَنْظِيمًا وَعَقْلَانِيَّةً. وَتَتَجَلَّى هَذِهِ المُفَارَقَةُ فِي تَصَوُّرٍ يَرَى أَنَّهُ كُلَّمَا ازْدَادَ التَّقَدُّمُ التِّقْنِيُّ وَالعَقْلَانِيُّ أَصْبَحَ البَشَرُ أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى السَّيْطَرَةِ وَالعَقْلَنَةِ وَالتَّنْظِيمِ، وَأَيْضًا أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى القَمْعِ وَالفَتْكِ وَالتَّدْمِيرِ. وَلِذَا فَإِنَّ “البَرْبَرِيَّةَ الجَدِيدَةَ” تَخْتَلِفُ عَنِ البَرْبَرِيَّةِ القَدِيمَةِ: فَهِيَ لَيْسَتْ فَوْضَوِيَّةً أَوْ بِدَائِيَّةً، بَلْ بَرْبَرِيَّةٌ حَدِيثَةٌ إِدَارِيَّةٌ وَتِقْنِيَّةٌ وَعَقْلَانِيَّةٌ. وَمِنْ هُنَا جَاءَتْ فِكْرَةُ أَنَّ الإِنْسَانِيَّةَ “تَغْرَقُ” فِي هَذَا النَّمَطِ الجَدِيدِ، أَيْ فِي التَّقَدُّمِ نَفْسِهِ الَّذِي يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ إِمْكَانِيَّةَ الانْحِدَارِ وَالسُّقُوطِ الحَضَارِيِّ لِلْإِنْسَانِيَّةِ().
كَذَلِكَ، فَإِنَّ الأُطْرُوحَةَ المَرْكَزِيَّةَ لِكِتَابِ “جَدَلِ التَّنْوِيرِ”، الَّتِي تُوَظَّفُ فِي عَمَلِيَّةِ تَفْسِيرِ هَذَا السُّقُوطِ فِي البَرْبَرِيَّةِ الجَدِيدَةِ، تَقُولُ: “إِنَّ الأُسْطُورَةَ تَأْخُذُ صُورَةَ تَنْوِيرٍ، وَلَكِنَّ التَّنْوِيرَ يَرْتَدُّ إِلَى الأُسْطُورَةِ”. وَبِصَرْفِ النَّظَرِ عَنِ الكَيْفِيَّةِ الَّتِي يُمْكِنُ بِهَا تَأْوِيلُ هَذِهِ الأُطْرُوحَةِ عُمُومًا، فَإِنَّ العُنْصُرَ المُهِمَّ هُنَا هُوَ أَنَّ البَرْبَرِيَّةَ تَرْتَبِطُ مَفْهُومِيًّا بِالأُسْطُورَةِ (إِنْ لَمْ تَكُنْ مُطَابِقَةً لَهَا بِبَسَاطَةٍ)، وَهُوَ مَا يَعْنِي، تَبَعًا لِذَلِكَ، أَنَّ الارْتِدَادَ إِلَى الأُسْطُورَةِ يُعَادِلُ السَّيْرَ فِي الطَّرِيقِ المُؤَدِّي إِلَى النَّمَطِ الجَدِيدِ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ. وَيَبْدُو أَنَّ هَذَا الأَمْرَ يُفْضِي إِلَى مُفَارَقَةٍ تَتَمَثَّلُ فِي السُّقُوطِ مُجَدَّدًا فِي نَمَطٍ بَرْبَرِيٍّ جَدِيدٍ.
غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ المُفَارَقَةَ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَدُورْنُو، لَا تُعَبِّرُ إِلَّا عَنِ الوَضْعِ الجَدَلِيِّ لِلْوَاقِعِ نَفْسِهِ، حَيْثُ تَتَشَابَكُ دَائِمًا عَنَاصِرُ التَّقَدُّمِ وَالتَّرَاجُعِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ. وَبِهَذَا المَعْنَى، فَإِنَّ السُّقُوطَ مُجَدَّدًا فِي شَيْءٍ جَدِيدٍ يَنْطَوِي عَلَى جَانِبَيْنِ: الأَوَّلِ، أَنَّ الفَظَائِعَ الَّتِي لَاحَظَهَا مُؤَلِّفَا “جَدَلِ التَّنْوِيرِ” تُمَثِّلُ طَرِيقَةً جَدِيدَةً فِي السُّقُوطِ إِلَى الوَرَاءِ. فَلَمْ يَسْبِقْ قَطُّ أَنْ بَلَغَ الطَّرِيقُ إِلَى البَرْبَرِيَّةِ مِثْلَ هَذِهِ المُسْتَوَيَاتِ مِنَ التَّحَضُّرِ، الأَمْرُ الَّذِي يَجْعَلُ السُّقُوطَ أَكْثَرَ حِدَّةً وَعُنْفًا. وَالثَّانِي، أَنَّهُ رَغْمَ أَنَّ الدُّخُولَ فِي البَرْبَرِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ، بِحُكْمِ التَّعْرِيفِ، نَوْعًا مِنَ التَّرَاجُعِ، فَإِنَّ حَالَةَ البَرْبَرِيَّةِ الَّتِي يَجْرِي الارْتِدَادُ إِلَيْهَا تَكُونُ قَدْ تَغَيَّرَتْ جَذْرِيًّا. فَمِنْ خِلَالِ رَادِيكَالِيَّةِ الخَوْفِ الأُسْطُورِيِّ، وَمِنْ خِلَالِ الحُضُورِ الشَّامِلِ لِبِنْيَةٍ نَسَقِيَّةٍ مُتَصَلِّبَةٍ تُعِيقُ الانْعِتَاقَ وَالتَّحَرُّرَ، تُصْبِحُ البَرْبَرِيَّةُ أَكْثَرَ تَدْمِيرًا حِينَ يُمَارِسُهَا أُولَئِكَ “الَّذِينَ بَلَغُوا دَرَجَةً عَالِيَةً مِنَ العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ.
3 – بَرْبَرِيَّةُ صِنَاعَةِ الثَّقَافَةِ:
فِي كِتَابِهِ “الحَدُّ الأَدْنَى مِنَ الأَخْلَاقِ” كَتَبَ يَقُولُ: “لَقَدْ بَلَغَتِ البَرْبَرِيَّةُ الآنَ حَدًّا أَصْبَحَتْ فِيهِ وَفْرَةُ السِّلَعِ الثَّقَافِيَّةِ الَّتِي تُسْتَهْلَكُ بِلَا تَمْيِيزٍ كَارِثِيَّةً، لِأَنَّ هَذِهِ الوَفْرَةَ تَجْعَلُ مِنَ المُسْتَحِيلِ عَلَى الفَرْدِ أَنْ يَهْتَدِيَ إِلَى غَايَتِهِ، وَكَمَا يَبْحَثُ المَرْءُ فِي مَتْجَرٍ ضَخْمٍ لِلْغَايَةِ عَنْ دَلِيلٍ يُرْشِدُهُ، فَإِنَّ السُّكَّانَ المَحْشُورِينَ بَيْنَ البَضَائِعِ يَنْتَظِرُونَ مَنْ يُرْشِدُهُمْ” ().
وَفِي الفَصْلِ الشَّهِيرِ “صِنَاعَةُ الثَّقَافَةِ: التَّنْوِيرُ بِوَصْفِهِ خِدَاعًا جَمَاهِيرِيًّا”، مِنْ كِتَابِهِمَا “جَدَلِ التَّنْوِيرِ”، يُحَاوِلُ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو أَنْ يُبَرْهِنَا عَلَى أَنَّ بِنْيَةَ الاسْتِبْدَادِ الكُلِّيَّةَ لِلْحَدَاثَةِ تَتَّخِذُ تَدَابِيرَ عَنِيفَةً حَسَّاسَةً وَدَقِيقَةً مِنْ أَجْلِ تَدْمِيرِ القُدْرَةِ المُقْلِقَةِ لِلتَّأَمُّلِ الذَّاتِيِّ؛ إِذْ يَعْمَدُ أَبَاطِرَةُ هَذَا الاسْتِبْدَادِ إِلَى كَبْتِ وَعْيِ النَّاسِ وَتَدْمِيرِ إِرَادَتِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ العَمَلِ عَلَى خِدَاعِهِمْ بِالذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ وَالتِّكْنُولُوجِيَا وَوَسَائِلِ الإِعْلَامِ الجَمَاهِيرِيَّةِ. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ تَحَوَّلَ التَّنْوِيرُ إِلَى خِدَاعٍ جَمَاهِيرِيٍّ يَقُومُ عَلَى تَصْنِيعِ الحَاجَاتِ الزَّائِفَةِ وَإِشْبَاعِهَا فِي الوَقْتِ ذَاتِهِ عَبْرَ وَسَائِلِ الإِعْلَامِ المُتَاحَةِ، بُغْيَةَ قَمْعِ الرَّغَبَاتِ وَالحَاجَاتِ الحَقِيقِيَّةِ عِنْدَ الأَفْرَادِ.
وَقَدْ تَنَاوَلَ أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر الدَّوْرَ الخَطِيرَ الَّذِي تُمَارِسُهُ وَسَائِلُ الإِعْلَامِ فِي مَجَالِ اسْتِلَابِ العُقُولِ وَاسْتِنْزَافِ الطَّاقَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ الخَلَّاقَةِ عِنْدَ الأَفْرَادِ، وَقَدْ بَيَّنَا فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا تُوجَدُ فُرُوقٌ جَوْهَرِيَّةٌ بَيْنَ اسْتِخْدَامِ وَسَائِلِ الإِعْلَامِ الجَمَاهِيرِيَّةِ لِنَشْرِ الدِّعَايَةِ السِّيَاسِيَّةِ النَّازِيَّةِ، وَبَيْنَ اسْتِخْدَامِهَا لِلسَّيْطَرَةِ عَلَى العُقُولِ وَقُوَى العَمَلِ دَاخِلَ المُجْتَمَعِ الرَّأْسْمَالِيِّ المُتَقَدِّمِ، وَقَدْ أَدْرَكَا أَنَّ هَذِهِ الوَسَائِلَ الإِعْلَامِيَّةَ تَهْدِفُ فِي نِهَايَةِ الأَمْرِ إِلَى تَحْقِيقِ الهَيْمَنَةِ الشَّامِلَةِ لِلرَّأْسْمَالِيَّةِ عَلَى مُخْتَلِفِ القُوَى السِّيَاسِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ فِي المُجْتَمَعِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ لَمْ يَرَ أَدُورْنُو فِي أَفْلَامِ هُولِيُوود وَرُسُومِ دِيزْنِي المُصَوَّرَةِ أَكْثَرَ مِنْ تَعْبِيرٍ عَنِ السِّمَةِ البَرْبَرِيَّةِ لِلثَّقَافَةِ التَّنْوِيرِيَّةِ الأَدَاتِيَّةِ نَفْسِهَا. وَفِي صَوْغٍ آخَرَ يَرَى أَدُورْنُو أَنَّ “صِنَاعَةَ الثَّقَافَةِ” بَرْبَرِيَّةٌ تَعْمَلُ عَلَى تَدْمِيرِ قُدْرَةِ الإِنْسَانِ العَقْلِيَّةِ وَاسْتِئْصَالِ قُدْرَتِهِ الذَّاتِيَّةِ عَلَى التَّعْبِيرِ الذَّاتِيِّ الحُرِّ الأَصِيلِ.
3 – 1 -التَّمَاثُلُ وَالمِعْيَارِيَّةُ:
وَقَدْ وَجَدَ أَدُورْنُو أَنَّ الصِّنَاعَةَ الثَّقَافِيَّةَ تَعْمَلُ بِصُورَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ عَلَى “إِصَابَةِ كُلِّ شَيْءٍ بِالتَّشَابُهِ وَالتَّمَاثُلِ الكُلِّيِّ”، وَهُوَ عِنْدَمَا يُلَمِّحُ إِلَى أَنَّ الصِّنَاعَةَ الثَّقَافِيَّةَ “تُصِيبُ كُلَّ شَيْءٍ بِالتَّشَابُهِ”، فَهُوَ يَقْصِدُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُصْبِحُ خَاضِعًا لِلْمَنْطِقِ نَفْسِهِ، أَيْ مَنْطِقِ الكَفَاءَةِ، وَالتَّبَادُلِ، وَالإِنْتَاجِ، وَالاسْتِهْلَاكِ. وَلِهَذَا تَبْدُو الأَفْلَامُ وَالأَغَانِي وَالسِّلَعُ جَمِيعُهَا مُتَشَابِهَةً وَمُتَجَانِسَةً عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ وَإِيقَاعٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا التَّوْحِيدُ المِعْيَارِيُّ يَشْمَلُ حَتَّى الأَفْرَادَ أَنْفُسَهُمْ، إِذْ يُصْبِحُونَ نَتِيجَةَ هَذِهِ الفَعَّالِيَّةِ التَّجَانُسِيَّةِ أَشْخَاصًا قَابِلِينَ لِلاسْتِبْدَالِ.
وَلَا يَتَوَقَّفُ أَدُورْنُو عَنْ نَقْدِهِ لِلدَّهَاءِ الفَنِّيِّ الَّذِي تَعْتَمِدُهُ الصِّنَاعَةُ الثَّقَافِيَّةُ فِي تَحْقِيقِ هَيْمَنَةِ التَّمَاثُلِ (Sameness) عَلَى حِسَابِ الاخْتِلَافِ وَالتَّفَرُّدِ (). فَالقِصَصُ، وَالحَبَكَاتُ، وَالأَنْمَاطُ، وَالأَلْحَانُ، وَالشَّخْصِيَّاتُ المُتَشَابِهَةُ بِنْيَوِيًّا عَلَى الدَّوَامِ، تُقَدَّمُ كَمَا لَوْ كَانَتْ جَدِيدَةً. وَعَلَى هَذِهِ المَنْهَجِيَّةِ تَعْمَلُ الصِّنَاعَةُ الثَّقَافِيَّةُ عَلَى تَحْقِيقِ التَّجَانُسِ فِي السُّلُوكِ، وَتَفْرِضُ عَلَى الأَفْرَادِ نَمَطًا مُعَيَّنًا مِنَ السُّلُوكِ المِعْيَارِيِّ تَحْتَ عُنْوَانِ الاسْتِجَابَاتِ النَّمَطِيَّةِ المِعْيَارِيَّةِ لِلْأَفْرَادِ. وَيَتِمُّ ذَلِكَ تَحْدِيدًا وَفْقَ نَمْذَجَةِ البَشَرِ فِي قَوَالِبَ جَاهِزَةٍ مِنَ السُّلُوكِ وَالتَّفْكِيرِ وَالفِعْلِ، وَهِيَ بِذَلِكَ تَقُومُ بِتَدْمِيرِ القُدُرَاتِ الذَّاتِيَّةِ الأَصِيلَةِ لِلْأَفْرَادِ، وَتَحْرِمُهُمْ أَيْضًا مِنَ الوَسَائِلِ الضَّرُورِيَّةِ الَّتِي تُسَاعِدُهُمْ عَلَى التَّأَمُّلِ الذَّاتِيِّ النَّقْدِيِّ الفِعْلِيِّ وَالعَفْوِيِّ. وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ تَكْشِفُ الوَظِيفَةُ الأُسْطُورِيَّةُ لِصِنَاعَةِ الثَّقَافَةِ الَّتِي تُدَمِّرُ التَّفَرُّدَ وَالنَّقْدَ وَالخُصُوصِيَّةَ وَالفَرْدِيَّةَ، وَتُحَوِّلُ الثَّقَافَةَ وَالنَّاسَ إِلَى كِيَانَاتٍ عَدَمِيَّةٍ مُتَشَابِهَةٍ تَتَحَرَّكُ فِي أَسْوَاقِ النَّخَاسَةِ الثَّقَافِيَّةِ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يَرَى أَدُورْنُو أَنَّ مُنْتَجَاتِ الثَّقَافَةِ الجَمَاهِيرِيَّةِ المِعْيَارِيَّةِ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤَدِّيَ بِصُورَةٍ أَكْثَرَ فَاعِلِيَّةً المُهِمَّةَ الَّتِي سَاهَمَتْ فِيهَا الثَّقَافَةُ البُرْجُوَازِيَّةُ دَائِمًا، وَالمُتَمَثِّلَةَ فِي “إِخْضَاعِ الغَرَائِزِ الثَّوْرِيَّةِ”، وَهِيَ الدَّوَافِعُ الَّتِي تَدْفَعُ الإِنْسَانَ إِلَى رَفْضِ الظُّلْمِ وَتَغْيِيرِ النِّظَامِ الاجْتِمَاعِيِّ القَائِمِ وَبِنَاءِ مُجْتَمَعٍ أَفْضَلَ. إِنَّهَا تَتَّجِهُ نَحْوَ المُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّهَا تُرِيدُ تَجَاوُزَ الرَّأْسْمَالِيَّةِ وَعَلَاقَاتِ السَّيْطَرَةِ القَائِمَةِ (). وَيُمَيِّزُ أَدُورْنُو فِي هَذَا السِّيَاقِ بَيْنَ الغَرَائِزِ الهَمَجِيَّةِ وَالغَرَائِزِ البَرْبَرِيَّةِ، وَيَقْصِدُ أَدُورْنُو بِالغَرَائِزِ الهَمَجِيَّةِ الغَرَائِزَ البِدَائِيَّةَ السَّابِقَةَ لِلْحَضَارَةِ، الَّتِي تَتَمَثَّلُ فِي الدَّوَافِعِ وَالمُيُولِ البِدَائِيَّةِ الوَحْشِيَّةِ القَدِيمَةِ الَّتِي تُهَدِّدُ الحَضَارَةَ الإِنْسَانِيَّةَ التَّنْوِيرِيَّةَ بِرُمَّتِهَا؛ وَهِيَ الدَّوَافِعُ العُدْوَانِيَّةُ وَالبِدَائِيَّةُ الكَامِنَةُ فِي الإِنْسَانِ، مِثْلَ الرَّغْبَةِ فِي الانْتِقَامِ وَالتَّدْمِيرِ وَالهَيْمَنَةِ وَالعُنْفِ غَيْرِ المُنْضَبِطِ. وَهِيَ الغَرَائِزُ العَدَمِيَّةُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا فْرُويْد فِي كِتَابِهِ “الحَضَارَةُ وَسَخَطُهَا” (Civilization and Its Discontents)، إِذْ يَرَى أَنَّ الحَضَارَةَ تَقُومُ بِكَبْحِ الغَرَائِزِ البِدَائِيَّةِ وَتَنْظِيمِهَا؛ لِأَنَّ إِطْلَاقَهَا بِلَا حُدُودٍ يُهَدِّدُ المُجْتَمَعَ نَفْسَهُ. وَهَذِهِ الغَرَائِزُ لَا تَتَّجِهُ نَحْوَ مُسْتَقْبَلٍ أَفْضَلَ، بَلْ نَحْوَ العَوْدَةِ إِلَى حَالَةٍ مُتَخَيَّلَةٍ تَسْبِقُ الحَضَارَةَ وَالقَانُونَ وَالضَّبْطَ الاجْتِمَاعِيَّ ().
وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى، إِذَا كَانَتِ الغَرَائِزُ الثَّوْرِيَّةُ تَتَّجِهُ نَحْوَ تَجَاوُزِ النِّظَامِ القَائِمِ بِاتِّجَاهِ المُسْتَقْبَلِ، فَإِنَّ الغَرَائِزَ البَرْبَرِيَّةَ الهَمَجِيَّةَ تَتَّجِهُ نَحْوَ تَقْوِيضِ النِّظَامِ القَائِمِ عَبْرَ العَوْدَةِ إِلَى مَاضٍ مُتَخَيَّلٍ. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الغَرَائِزَ الهَمَجِيَّةَ حَالَةٌ سَابِقَةٌ عَلَى الحَضَارَةِ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ جَوْهَرِيًّا عَنِ النَّمَطِ الجَدِيدِ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ الَّذِي يَنْشَأُ فِي قَلْبِ الحَضَارَةِ التَّنْوِيرِيَّةِ، أَيِ البَرْبَرِيَّةِ الَّتِي تَكُونُ نِتَاجًا لِلثَّقَافَةِ التَّنْوِيرِيَّةِ ذَاتِهَا. وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ إِخْضَاعَ الغَرَائِزِ البَرْبَرِيَّةِ الهَمَجِيَّةِ القَدِيمَةِ وَالسَّيْطَرَةَ عَلَيْهَا لَيْسَ ضَرُورِيًّا لِلْحَضَارَةِ فَحَسْبُ، بَلْ يُشَكِّلُ جُزْءًا مِنَ النَّمَطِ الجَدِيدِ لِلْبَرْبَرِيَّةِ الحَضَارِيَّةِ الَّتِي تَتَجَلَّى فِي مُنْتَجَاتِ الصِّنَاعَةِ الثَّقَافِيَّةِ. فَالصِّنَاعَةُ الثَّقَافِيَّةُ، كَالسِّينَمَا التِّجَارِيَّةِ، وَالإِذَاعَةِ، وَالإِعْلَانَاتِ، وَالتَّرْفِيهِ الجَمَاهِيرِيِّ، تَعْمَلُ عَلَى تَهْدِئَةِ النَّاسِ وَقَمْعِهِمْ وَإِشْغَالِهِمْ وَإِفْرَاغِ تَوَتُّرَاتِهِمْ. وَهِيَ بِذَلِكَ تُؤَدِّي وَظِيفَتَيْنِ: تَحْيِيدَ الغَرَائِزِ الثَّوْرِيَّةِ، إِذْ تَمْنَعُ الغَضَبَ الاجْتِمَاعِيَّ مِنَ التَّحَوُّلِ إِلَى وَعْيٍ نَقْدِيٍّ وَفِعْلٍ سِيَاسِيٍّ أَوَّلًا، وَمِنْ ثَمَّ تَقُومُ بِضَبْطِ الغَرَائِزِ البَرْبَرِيَّةِ الهَمَجِيَّةِ، إِذْ تَعْمَلُ عَلَى تَصْرِيفِ العُدْوَانِ وَالخَوْفِ وَالرَّغَبَاتِ المَكْبُوتَةِ عَبْرَ مَشَاهِدِ العُنْفِ وَالتَّرْفِيهِ وَالتَّنَافُسِ؛ لِتَمْنَعَ عَمَلِيَّةَ انْفِجَارِهَا مُبَاشَرَةً فِي المُجْتَمَعِ.
وَهُنَا تَكْمُنُ المُفَارَقَةُ، وَذَلِكَ أَنَّ صِنَاعَةَ الثَّقَافَةِ تَكْبَحُ البَرْبَرِيَّةَ (الهَمَجِيَّةَ) القَدِيمَةَ، لَكِنَّهَا تَفْعَلُ ذَلِكَ بِطَرِيقَةٍ بَرْبَرِيَّةٍ حَدِيثَةٍ. إِذْ تُحَافِظُ عَلَى النِّظَامِ وَالانْضِبَاطِ، وَلَكِنَّهَا فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ تُسَيْطِرُ عَلَى الأَفْرَادِ وَتُضْعِفُ اسْتِقْلَالَهُمْ وَتَنْتَزِعُ مِنْهُمْ قُدْرَتَهُمْ عَلَى التَّفْكِيرِ وَالنَّقْدِ. وَعَلَى هَذِهِ الحَالِ يُصْبِحُ إِخْضَاعُ الإِنْسَانِ الكَامِلُ لِلتَّرْفِيهِ المِعْيَارِيِّ صُورَةً مِنْ صُوَرِ “البَرْبَرِيَّةِ الجَدِيدَةِ”، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ البَرْبَرِيَّةَ الجَدِيدَةَ لَيْسَتْ عَوْدَةً بَسِيطَةً إِلَى الوَحْشِيَّةِ القَدِيمَةِ، بَلْ هِيَ بَرْبَرِيَّةٌ تُنْتِجُهَا الحَضَارَةُ الحَدِيثَةُ نَفْسُهَا: حَضَارَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ تِقْنِيًّا، لَكِنَّهَا تَسْتَخْدِمُ التَّنْظِيمَ وَالعَقْلَ الأَدَاتِيَّ وَصِنَاعَةَ الثَّقَافَةِ فِي السَّيْطَرَةِ عَلَى الإِنْسَانِ. فَالصِّنَاعَةُ الثَّقَافِيَّةُ تَضْبِطُ العُنْفَ البِدَائِيَّ وَتُسَيْطِرُ عَلَى دَوَافِعِهِ، وَهِيَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ تَلْجُمُ الثَّوْرَةَ الاجْتِمَاعِيَّةَ وَتَقْمَعُهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ؛ وَهِيَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ تَمْنَعُ المُجْتَمَعَ مِنَ الانْهِيَارِ، وَلَكِنَّهَا تُحَافِظُ أَيْضًا عَلَى نِظَامِ السَّيْطَرَةِ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ. وَمِنْ هُنَا تُصْبِحُ عَمَلِيَّةُ “التَّهْذِيبِ” وَالسَّيْطَرَةِ الكُلِّيَّةِ شَكْلًا حَدِيثًا مِنْ أَشْكَالِ البَرْبَرِيَّةِ. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ فَإِنَّ قَمْعَ الغَرَائِزِ البَرْبَرِيَّةِ القَدِيمَةِ ضَرُورِيٌّ لِاسْتِمْرَارِ أَيِّ حَضَارَةٍ، لَكِنَّ هَذَا القَمْعَ نَفْسَهُ يَتَحَوَّلُ إِلَى “بَرْبَرِيَّةٍ حَضَارِيَّةٍ” جَدِيدَةٍ عِنْدَمَا يُصْبِحُ شَامِلًا وَآلِيًّا وَيَقْضِي عَلَى الحُرِّيَّةِ وَالتَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ().
3-2- هَمَجِيَّةُ الصِّنَاعَةِ الثَّقَافِيَّةِ:
يَبْحَثُ أَدُورْنُو فِي الكَيْفِيَّاتِ الَّتِي يَعْتَمِدُهَا المُجْتَمَعُ الرَّأْسْمَالِيُّ لِإِخْضَاعِ الغَرَائِزِ الهَمَجِيَّةِ بِطَرِيقَةٍ بَرْبَرِيَّةٍ، وَهُوَ فِي هَذَا السِّيَاقِ يُمَيِّزُ بَيْنَ النَّزَعَاتِ القَمْعِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ دَائِمًا جُزْءًا مِنَ الثَّقَافَةِ، وَبَيْنَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا صِنَاعَةُ الثَّقَافَةِ بِتَأْصِيلِ الطَّابِعِ القَمْعِيِّ لِلثَّقَافَةِ المُعَاصِرَةِ. فَالثَّقَافَةُ الصِّنَاعِيَّةُ تُرَسِّخُ الشُّرُوطَ الَّتِي تُرَوِّضُ الأَفْرَادَ عَلَى قَبُولِ الحَيَاةِ القَاسِيَةِ وَتَحَمُّلِهَا، وَهَذَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ كُلٌّ مِنْ أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر فِي نَقْدِهِمَا لِـ”الصِّنَاعَةِ الثَّقَافِيَّةِ” (Culture Industry)، إِذْ أَوْضَحَا أَنَّ الثَّقَافَةَ الجَمَاهِيرِيَّةَ الحَدِيثَةَ – مِثْلَ الأَفْلَامِ التِّجَارِيَّةِ، وَالتَّرْفِيهِ الاسْتِهْلَاكِيِّ، وَالإِعْلَامِ الجَمَاهِيرِيِّ – لَا تَقْتَصِرُ عَلَى التَّسْلِيَةِ فَقَطْ، بَلْ تَقُومُ بِوَظِيفَةٍ أَعْمَقَ تَتَمَثَّلُ فِي تَكْيِيفِ النَّاسِ نَفْسِيًّا وَاجْتِمَاعِيًّا مَعَ وَاقِعِ القَهْرِ الاجْتِمَاعِيِّ وَالحَيَاةِ القَاسِيَةِ دَاخِلَ المُجْتَمَعِ الرَّأْسْمَالِيِّ الحَدِيثِ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الثَّقَافَةَ المُصَنَّعَةَ لَيْسَتْ ثَقَافَةً تَنْبَعُ بِحُرِّيَّةٍ مِنَ النَّاسِ، بَلْ هِيَ ثَقَافَةٌ تُنْتَجُ بِطَرِيقَةٍ صِنَاعِيَّةٍ وَمُنَظَّمَةٍ بِهَدَفِ التَّوْجِيهِ وَالاسْتِهْلَاكِ وَالرِّبْحِ (). وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الصِّنَاعَةَ الثَّقَافِيَّةَ تُعَلِّمُ الأَفْرَادَ كَيْفَ يَتَقَبَّلُونَ التَّعَبَ وَالاسْتِغْلَالَ وَالاغْتِرَابَ بَدَلًا مِنْ أَنْ يُقَاوِمُوهَا. فَهِيَ تَجْعَلُ الوَاقِعَ القَاسِيَ يَبْدُو طَبِيعِيًّا وَعَادِيًّا وَيُمْكِنُ احْتِمَالُهُ. وَهُنَا يَكْمُنُ وَجْهُ المُفَارَقَةِ؛ فَالنَّاسُ يَشْعُرُونَ بِالمَلَلِ وَالفَرَاغِ وَالتَّكْرَارِ دَاخِلَ النِّظَامِ الحَدِيثِ، لَكِنْ بَدَلًا مِنْ أَنْ يَدْفَعَهُمْ هَذَا البُؤْسُ إِلَى التَّمَرُّدِ أَوِ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ، يَتِمُّ تَوْجِيهُهُ بِطَرِيقَةٍ تَجْعَلُهُمْ يَبْحَثُونَ عَنْ مَزِيدٍ مِنَ التَّرْفِيهِ وَالاسْتِهْلَاكِ وَالطَّاعَةِ. وَهَذَا يَتَطَلَّبُ تَسْلِيمَ أَنْفُسِهِمْ إِلَى السُّلْطَةِ الجَمَاعِيَّةِ الَّتِي سَئِمُوهَا: أَيْ إِنَّ الأَفْرَادَ يَعُودُونَ فِي النِّهَايَةِ إِلَى الخُضُوعِ لِلنِّظَامِ نَفْسِهِ الَّذِي سَبَّبَ لَهُمُ المَلَلَ وَالاغْتِرَابَ؛ لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ الثَّقَافِيَّةَ تَجْعَلُهُمْ غَيْرَ قَادِرِينَ عَلَى تَخَيُّلِ بَدِيلٍ حَقِيقِيٍّ. وَالفِكْرَةُ الأَسَاسِيَّةُ هِيَ: أَنَّ الثَّقَافَةَ الجَمَاهِيرِيَّةَ لَا تُحَرِّرُ الإِنْسَانَ مِنَ القَمْعِ، بَلْ تُسَاعِدُهُ عَلَى التَّكَيُّفِ مَعَهُ وَإِعَادَةِ إِنْتَاجِهِ، حَتَّى يُصْبِحَ الخُضُوعُ لِلنِّظَامِ يَبْدُو وَكَأَنَّهُ اخْتِيَارٌ طَبِيعِيٌّ أَوْ مَصْدَرُ رَاحَةٍ )).
إِنَّ بَرْبَرِيَّةَ الصِّنَاعَةِ الثَّقَافِيَّةِ تَتَمَثَّلُ فِي العَمَلِ عَلَى اسْتِنْزَافِ عُقُولِ الأَفْرَادِ وَتَرْوِيضِهِمْ وَإِخْضَاعِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ تَجْرِيدِهِمْ مِنَ الطَّاقَةِ النَّقْدِيَّةِ إِلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَجْعَلُهُمْ يَشْعُرُونَ بِالعَجْزِ وَعَدَمِ القُدْرَةِ عَلَى تَقْرِيرِ المَصِيرِ. وَمَعَ ذَلِكَ، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ صِنَاعَةَ الثَّقَافَةِ لَيْسَتْ تَعْبِيرًا مُبَاشِرًا عَنِ البَرْبَرِيَّةِ الجَدِيدَةِ ذَاتِهَا، بِقَدْرِ مَا هِيَ تَعْبِيرٌ عَنِ الشُّرُوطِ الَّتِي تَجْعَلُهَا مُمْكِنَةً: فَالأَفْلَامُ وَالإِعْلَانَاتُ قَدْ تَعْمَلُ بِصُورَةٍ مَنْهَجِيَّةٍ عَلَى إِسْكَاتِ التَّأَمُّلِ، وَالنَّقْدِ، وَالعَفْوِيَّةِ، وَقَدْ تَجْعَلُ، فِي نِهَايَةِ المَطَافِ، التَّعَاطُفَ الحَقِيقِيَّ مَعَ مَصِيرِ الآخَرِينَ أَمْرًا مُسْتَحِيلًا تَقْرِيبًا.
فَصِنَاعَةُ الثَّقَافَةِ لَا تَقْتُلُ النَّاسَ بِصُورَةٍ مُبَاشِرَةٍ، كَمَا تَفْعَلُ آلَةُ الإِبَادَةِ أَوْ مُعَسْكَرَاتُ الاعْتِقَالِ؛ وَلَكِنَّهَا قَدْ تُنْشِئُ الشُّرُوطَ النَّفْسِيَّةَ وَالاجْتِمَاعِيَّةَ الَّتِي تَسْمَحُ بِظُهُورِ البَرْبَرِيَّةِ الجَدِيدَةِ، مِثْلَ: تَعْطِيلِ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ، وَتَطْبِيعِ الطَّاعَةِ، وَإِضْعَافِ الفَرْدِ، وَتَحْوِيلِ العُنْفِ إِلَى أَمْرٍ مَأْلُوفٍ أَوْ مَقْبُولٍ. وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ يُمَيِّزُ أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر بَيْنَ البَرْبَرِيَّةِ الجَدِيدَةِ الَّتِي يُهَيِّئُ لَهَا المَنَاخُ الثَّقَافِيُّ وَالاجْتِمَاعِيُّ وَالنَّفْسِيُّ شُرُوطَ الطَّاعَةِ وَاللَّامُبَالَاةِ، وَبَيْنَ البَرْبَرِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ الَّتِي تَحُضُّ عَلَى القَتْلِ وَالعُنْفِ وَالدَّمِ وَالهَدْمِ المُنَظَّمِ وَالإِبَادَةِ المُمَنْهَجَةِ. وَهُنَا، فِي هَذَا السِّيَاقِ، يَرَى أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر أَنَّ البَرْبَرِيَّةَ المُعَاصِرَةَ تَتَّخِذُ تَدَابِيرَ تَتَجَاوَزُ مُجَرَّدَ إِزْهَاقِ الأَرْوَاحِ: فَالإِبَادَةُ الحَدِيثَةُ لَا تَكْتَفِي بِقَتْلِ الإِنْسَانِ، بَلْ تُجَرِّدُهُ مِنْ كَرَامَتِهِ وَانْتِمَائِهِ وَاسْمِهِ وَفَرْدِيَّتِهِ، وَتُحَوِّلُهُ إِلَى رَقْمٍ أَوْ مَادَّةٍ هُلَامِيَّةٍ قَابِلَةٍ لِلْإِدَارَةِ وَالتَّصْفِيَةِ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ فِعْلِيًّا. وَفِي هَذَا المَعْنَى يَرَى أَدُورْنُو إِنَّ المَوْتَ فِي مُعَسْكَرَاتِ الاعْتِقَالِ اكْتَسَبَ رُعْبًا جَدِيدًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ مَوْتًا فَرْدِيًّا طَبِيعِيًّا، بَلْ أَصْبَحَ نَتِيجَةَ عَمَلِيَّةٍ صِنَاعِيَّةٍ وَبِيرُوقْرَاطِيَّةٍ مُنَظَّمَةٍ، يُمْحَى فِيهَا الإِنْسَانُ بِوَصْفِهِ ذَاتًا مُتَفَرِّدَةً. وَهُنَا تَكْمُنُ “بُرُودَةُ” البَرْبَرِيَّةِ الحَدِيثَةِ: فَالقَتْلُ لَا يَجْرِي فِي انْفِجَارِ غَضَبٍ عَابِرٍ، بَلْ عَبْرَ حِسَابَاتٍ وَلَوَائِحَ وَأَوَامِرَ وَتِقْنِيَّاتٍ إِدَارِيَّةٍ دَقِيقَةٍ، فَمُنْذُ أُوشْفِيتْز (Auschwitz)، أَصْبَحَ الخَوْفُ مِنَ المَوْتِ يَعْنِي رُهَابًا مَصِيرِيًّا وُجُودِيًّا يَفُوقُ الخَوْفَ مِنَ المَوْتِ الحَقِيقِيِّ بِأَلْفِ مَرَّة ().
وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى، إِنَّ الأَفْلَامَ وَالإِعْلَانَاتِ وَ”الصِّنَاعَةَ الثَّقَافِيَّةَ”، رَغْمَ تَأْثِيرِهَا العَمِيقِ فِي إِضْعَافِ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ وَالتَّعَاطُفِ الإِنْسَانِيِّ، لَا تَقُومُ مُبَاشَرَةً بِعَمَلِيَّةِ القَتْلِ المَادِّيِّ كَمَا يَحْدُثُ فِي الحُرُوبِ أَوْ مُعَسْكَرَاتِ الإِبَادَةِ. بَلْ تُمَهِّدُ لَهُ وَتُحَضِّرُ لَهُ شُرُوطَهُ الثَّقَافِيَّةَ، وَهِيَ فِي كُلِّ الأَحْوَالِ تُجْهِزُ عَلَى الأَفْرَادِ ثَقَافِيًّا وَاغْتِرَابِيًّا، إِذْ تُجَرِّدُهُمْ مِنَ الطَّاقَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي تَعْتَمِلُ فِطْرِيًّا فِي تَكْوِينِهِمْ وَوُجُودِهِمْ.
وَهُنَا يُمَيِّزُ أَدُورْنُو بَيْنَ مُسْتَوَيَيْنِ مِنَ الفِعْلِ: يَتَمَثَّلُ الأَوَّلُ فِي شُرُوطِ البَرْبَرِيَّةِ، أَيْ فِي الظُّرُوفِ النَّفْسِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي تُهَيِّئُ النَّاسَ لِقَبُولِ العُنْفِ وَالطَّاعَةِ وَاللَّامُبَالَاةِ. ثُمَّ تَتَحَقَّقُ البَرْبَرِيَّةُ فِعْلِيًّا، أَيْ بِالوُصُولِ إِلَى القَتْلِ الجَمَاعِيِّ المُنَظَّمِ، وَذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي حَدَثَ فِي “أُوشْفِيتْز” (Auschwitz). وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الثَّقَافَةَ الجَمَاهِيرِيَّةَ قَدْ تُنْتِجُ أَفْرَادًا سَلْبِيِّينَ، وَتُضْعِفُ قُدْرَتَهُمْ عَلَى التَّفْكِيرِ وَالتَّعَاطُفِ، وَتَجْعَلُهُمْ أَكْثَرَ قَابِلِيَّةً لِلْخُضُوعِ، لَكِنَّهَا لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا بِعَمَلِيَّةِ الإِبَادَةِ. وَلِذَا عَلَيْنَا أَنْ نُمَيِّزَ بَيْنَ فِعْلِ التَّمْهِيدِ لِلْبَرْبَرِيَّةِ وَبَيْنَ البَرْبَرِيَّةِ القُصْوَى ذَاتِهَا. وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ يَتَبَدَّى قَوْلُ أَدُورْنُو: “مُنْذُ أُوشْفِيتْز، أَصْبَحَ الخَوْفُ مِنَ المَوْتِ يَعْنِي الخَوْفَ مِنْ أَشْيَاءَ أَسْوَأَ مِنَ المَوْتِ”؛ وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الرُّعْبَ الحَدِيثَ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ المَوْتِ نَفْسِهِ، بَلْ يُغَطِّي وَضْعِيَّاتِ إِذْلَالِ الفَرْدِ وَتَحْوِيلِهِ إِلَى رَقْمٍ وَتَجْوِيعِهِ وَتَعْذِيبِهِ وَسَلْبِ إِنْسَانِيَّتِهِ قَبْلَ القَتْلِ، وَهَذَا يَعْنِي، وَفْقًا لِأَدُورْنُو، أَنَّ مُعَسْكَرَاتِ الإِبَادَةِ لَمْ تَكْتَفِ بِقَتْلِ الإِنْسَانِ، بَلْ حَطَّمَتْ إِنْسَانِيَّتَهُ بِطَرِيقَةٍ مُمَنْهَجَةٍ وَبَارِدَةٍ، وَهَذَا مَا يَجْعَلُهَا عِنْدَ أَدُورْنُو شَكْلًا جَدِيدًا وَمُرْعِبًا مِنَ البَرْبَرِيَّةِ الحَدِيثَةِ.
فَفِي دَاخِلِ العَالَمِ المُدَارِ الَّذِي يَدْمِجُ، وَفْقًا لِمَبْدَإِ المُحَايَثَةِ الخَاصِّ بِهِ، كُلَّ مَا يُوجَدُ دَاخِلَ نَسَقِ الخُضُوعِ. وهنا لَا يَنْبَغِي لِلنَّظَرِيَّةِ النقدية أَنْ تَتَسَلَّحَ فَحَسْبُ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَتَحَوَّلَ هِيَ نَفْسُهَا إِلَى نَوْعٍ مِنَ السِّلَاحِ الفِكْرِيِّ القَادِرِ عَلَى اخْتِرَاقِ “القَفَصِ الفُولَاذِيِّ الصُّلْبِ”، بِحَسَبِ العِبَارَةِ الشَّهِيرَةِ لِمَاكْس فِيبَر، وَهَذَا الاخْتِرَاقُ يَجِبُ أَنْ يَصْدِمَ صِنَاعَةَ الثَّقَافَةِ وَنَسَقَ التَّنْوِيرِ الشُّمُولِيَّ فِي آنٍ وَاحِدٍ. وَمِنَ المُهِمِّ أَنَّ اسْتِخْدَامَ مُصْطَلَحِ “البَرْبَرِيَّةِ” ذَاتِهِ يُشَكِّلُ طَرِيقَةً قَوِيَّةً لِإِطْلَاقِ هَذَا السِّلَاحِ. وَهُنَا يُرَكِّزُ البَاحِثَانِ عَلَى شُمُولِيَّةِ بَرْبَرِيَّةِ مُعَسْكَرَاتِ المَوْتِ الَّتِي تَبْدَأُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَفِي كُلِّ قِسْمٍ وَجَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِ الحَيَاةِ المُدَارَةِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ صِنَاعَةَ الثَّقَافَةِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ شَرْطٍ، بَلْ هِيَ بِالفِعْلِ جُزْءٌ تَكْوِينِيٌّ مِنَ البِنْيَةِ البَرْبَرِيَّةِ الَّتِي تَقُودُ إِلَى الاسْتِغْلَالِ اللَّاإِنْسَانِيِّ وَالقَتْلِ الجَمَاعِيِّ الَّذِي تَرْتَكِبُهُ، وَمِنْ دَاخِلِهَا، المُجْتَمَعَاتُ التَّنْوِيرِيَّةُ().
وفي تفصيل أعمق وأشمل، يَرَى أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر أَنَّ البَرْبَرِيَّةَ لَمْ تَبْدَأْ فَجْأَةً فِي مُعَسْكَرَاتِ الإِبَادَةِ، وَقَدْ وَجَدَا أَنَّ جُذُورَ هَذِهِ البَرْبَرِيَّةِ تَكْمُنُ فِي صُلْبِ الحَيَاةِ الحَدِيثَةِ نَفْسِهَا. فَالمُجْتَمَعُ الحَدِيثُ المُنَظَّمُ وَالخَاضِعُ لِمَنْطِقِ الإِدَارَةِ وَالعَقْلَنَةِ يَفْرِضُ عَلَى الأَفْرَادِ أَنْمَاطًا مُتَشَابِهَةً مِنَ التَّفْكِيرِ وَالسُّلُوكِ، حَتَّى يُصْبِحَ الإِنْسَانُ جُزْءًا مِنْ نِظَامٍ شَامِلٍ يَصْعُبُ عَلَيْهِ الخُرُوجُ مِنْهُ. وَهَذَا قَرِيبٌ مِمَّا عَبَّرَ عَنْهُ مَاكْس فِيبَر بِصُورَةِ «القَفَصِ الفُولَاذِيِّ». وَمِنْ هُنَا، لَا يَكْفِي أَنْ تَقُومَ النَّظَرِيَّةُ النَّقْدِيَّةُ بِوَصْفِ هَذَا الوَاقِعِ أَوْ تَفْسِيرِهِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تُصْبِحَ أَدَاةً فِكْرِيَّةً لِمُقَاوَمَتِهِ وَكَشْفِ آلِيَّاتِهِ. وَلِهَذَا يَسْتَخْدِمُ أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر كَلِمَةَ «البَرْبَرِيَّةِ» بِوَصْفِهَا صَدْمَةً مَعْرِفِيَّةً تُنَبِّهُ إِلَى أَنَّ المُجْتَمَعَ الَّذِي يَصِفُ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ عَقْلَانِيٌّ وَمُتَحَضِّرٌ يُمْكِنُ أَنْ يَحْمِلَ فِي دَاخِلِهِ عَنَاصِرَ القَمْعِ وَاللَّاإِنْسَانِيَّةِ. وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ يَرَيَانِ أَنَّ «بَرْبَرِيَّةَ مُعَسْكَرَاتِ المَوْتِ تُوجَدُ فِي كُلِّ مَكَانٍ فِي صُلْبِ الحَيَاةِ الحَدِيثَةِ»، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الشُّرُوطَ الَّتِي تَجْعَلُ البَرْبَرِيَّةَ القُصْوَى مُمْكِنَةً قَدْ تَبْدَأُ فِي تَفَاصِيلِ الحَيَاةِ العَادِيَّةِ: فِي إِخْضَاعِ الإِنْسَانِ، وَإِلْغَاءِ فَرْدِيَّتِهِ، وَتَحْوِيلِهِ إِلَى شَيْءٍ، وَتَعْوِيدِهِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَإِضْعَافِ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّفْكِيرِ وَالنَّقْدِ.
وَهُنَا تَظْهَرُ أَهَمِّيَّةُ صِنَاعَةِ الثَّقَافَةِ، فَوَسَائِلُ الإِعْلَامِ وَالتَّرْفِيهِ وَالثَّقَافَةُ الجَمَاهِيرِيَّةُ لَيْسَتْ، فِي نَظَرِهِمَا، مَجَالًا بَرِيئًا وَمُنْفَصِلًا عَنِ القَمْعِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُسْهِمُ فِي تَوْحِيدِ الوَعْيِ، وَإِضْعَافِ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ، وَجَعْلِ الإِنْسَانِ أَكْثَرَ قَبُولًا بِالنِّظَامِ القَائِمِ، وَلِذَا فَإِنَّهَا تُصْبِحُ جُزْءًا مِنَ البِنْيَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي يُمْكِنُ، فِي ظُرُوفٍ مُعَيَّنَةٍ، أَنْ تُنْتِجَ أَشْكَالًا أَشَدَّ مِنَ السَّيْطَرَةِ وَالعُنْفِ. وَبِاخْتِصَارٍ، فَإِنَّ البَرْبَرِيَّةَ الحَدِيثَةَ، وَفْقَ أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر، لَا تَتَوَلَّدُ فَقَطْ فِي لَحْظَةِ القَتْلِ وَالإِبَادَةِ، بَلْ تَبْدَأُ قَبْلَ ذَلِكَ، عِنْدَمَا يَفْقِدُ الإِنْسَانُ اسْتِقْلَالَهُ وَقُدْرَتَهُ عَلَى النَّقْدِ، وَيَتَحَوَّلُ تَدْرِيجِيًّا إِلَى جُزْءٍ مُطِيعٍ مِنْ نِظَامٍ شَامِلٍ يُسَيْطِرُ عَلَى حَيَاتِهِ وَوَعْيِهِ )).
لَكِنْ حَتَّى إِذَا كَانَتِ البَرْبَرِيَّةُ شَدِيدَةُ التَّحَضُّرِ حَاضِرَةً فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَقَدْ يَبْقَى هُنَاكَ سَبَبٌ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ دَرَجَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ (أَوْ مُسْتَوَيَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ مِنَ الشِّدَّةِ) لِلْبَرْبَرِيَّةِ — وَمِنْ ثَمَّ قَدْ تُوجَدُ أَيْضًا حَاجَةٌ إِلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ أَشْكَالِهَا الأَكْثَرِ ضِمْنِيَّةً وَأَشْكَالِهَا الأَكْثَرِ صَرَاحَةً. وَفِي الوَاقِعِ، فَإِنَّ الفَصْلَ الخَامِسَ مِنْ “جَدَلِ التَّنْوِيرِ”، المُعَنْوَنَ “عَنَاصِرُ مُعَادَاةِ السَّامِيَّةِ: حُدُودُ التَّنْوِيرِ”، يُعَالِجُ هَذَا التَّمْيِيزَ مِنْ خِلَالِ الحَدِيثِ عَنِ المَرَاحِلِ المُخْتَلِفَةِ لِمُعَادَاةِ السَّامِيَّةِ، بِوَصْفِهَا تَعْبِيرًا مَخْصُوصًا عَنِ النَّمَطِ الجَدِيدِ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ. وَيَتَأَلَّفُ هَذَا الفَصْلُ مِنْ سَبْعِ أُطْرُوحَاتٍ مُطَوَّلَةٍ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يُبَيِّنَ المَصَادِرَ المُخْتَلِفَةَ لِمُعَادَاةِ السَّامِيَّةِ وَآلِيَّةَ اشْتِغَالِهَا الكَامِنَةَ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ أُصُولَ مُعَادَاةِ السَّامِيَّةِ يَنْبَغِي البَحْثُ عَنْهَا أَيْضًا فِي وَظَائِفِهَا الاقْتِصَادِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ، فَإِنَّ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو يُشِيرَانِ إِلَى أَنَّ الجَانِبَ الأَهَمَّ فِي مُعَادَاةِ السَّامِيَّةِ الحَدِيثَةِ يَتَمَثَّلُ فِي تَحَوُّلِهَا إِلَى أَيْدِيُولُوجِيَا إِثْنُو-قَوْمِيَّةٍ قَائِمَةٍ عَلَى لَا شَيْءَ سِوَى النُّفُورِ المَرَضِيِّ أَوِ العُنْصُرِيَّةِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، “فَاليَهُودُ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى الفَاشِيِّينَ، لَيْسُوا أَقَلِّيَّةً، بَلْ هُمُ العِرْقُ المُضَادُّ، المَبْدَأُ السَّلْبِيُّ فِي ذَاتِهِ؛ وَيَتَوَقَّفُ ازْدِهَارُ العَالَمِ عَلَى إِبَادَتِهِمْ” ().
4- البَرْبَرِيَّةُ العُنْصُرِيَّةُ – العَدَاءُ لِلسَّامِيَّةِ:
يَرَى أَدُورْنُو أَنَّ “الهُولُوكُوسْتَ” يُجَسِّدُ بِوُضُوحٍ كَبِيرٍ مَفْهُومَ “البَرْبَرِيَّةِ”. وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ مُعَادَاةَ السَّامِيَّةِ (Anti-Semitism) – لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَوْقِفٍ سِيَاسِيٍّ أَوْ فِكْرِيٍّ فَحَسْبُ، بَلْ آلِيَّةٌ نَفْسِيَّةٌ مُشَوَّهَةٌ تَرْتَبِطُ بِطَرِيقَةِ إِدْرَاكِ الإِنْسَانِ لِلْآخَرِينَ. وَتَتَمَثَّلُ هَذِهِ الآلِيَّةُ فِي عَمَلِيَّةِ “الإِسْقَاطِ الزَّائِفِ” (False Projection)، الَّذِي يَخْتَلِفُ فِي مَعْنَاهُ وَدَلَالَتِهِ عَنِ الإِسْقَاطِ العَادِيِّ (Projection)، كَمَا يَتَّضِحُ فِي التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ؛ فَالإِنْسَانُ فِي الإِسْقَاطِ الطَّبِيعِيِّ يَنْسِبُ إِلَى الآخَرِينَ مَشَاعِرَهُ أَوْ مَخَاوِفَهُ أَوْ رَغَبَاتِهِ الخَاصَّةَ. وَهَذَا أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ إِلَى حَدٍّ مَا؛ لِأَنَّنَا لَا نُدْرِكُ العَالَمَ بِصُورَةٍ مُحَايِدَةٍ تَمَامًا، بَلْ نَرَاهُ دَائِمًا عَبْرَ تَصَوُّرَاتِنَا وَتَجَارِبِنَا. لَكِنَّ أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر يَتَحَدَّثَانِ فِي هَذَا السِّيَاقِ عَنْ شَكْلٍ مَرَضِيٍّ مِنَ الإِسْقَاطِ، أَيْ: “الإِسْقَاطِ الزَّائِفِ” (False Projection)، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الشَّخْصَ يَفْقِدُ القُدْرَةَ عَلَى رُؤْيَةِ الآخَرِ كَمَا هُوَ فِي الوَاقِعِ؛ إِذْ يُسْقِطُ عَلَيْهِ صُورَةً جَاهِزَةً وَثَابِتَةً مُسْبَقًا. فَعَلَى سَبِيلِ المِثَالِ: الشَّخْصُ المُعَادِي لِلْيَهُودِ لَا يَنْظُرُ إِلَى الفَرْدِ اليَهُودِيِّ بِوَصْفِهِ إِنْسَانًا حَقِيقِيًّا لَهُ صِفَاتُهُ الخَاصَّةُ، بَلْ يَرَى فِيهِ مُبَاشَرَةً: “اليَهُودِيَّ الخَطِرَ”، أَوْ “المُتَآمِرَ”، أَوْ “الغَرِيبَ”، بِحَسَبِ الصُّوَرِ النَّمَطِيَّةِ المُسْبَقَةِ المَوْجُودَةِ فِي ذِهْنِهِ. وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ يَتِمُّ تَعْطِيلُ حَقْلِ التَّغْذِيَةِ الرَّاجِعَةِ بَيْنَ “الذَّاتِ وَالمَوْضُوعِ”. فَفِي الإِدْرَاكِ الطَّبِيعِيِّ: الإِنْسَانُ يُسْقِطُ بَعْضَ التَّصَوُّرَاتِ الخَاطِئَةِ عَلَى المَوْضُوعِ المُدْرَكِ، لَكِنَّ الوَاقِعَ يُصَحِّحُ هَذِهِ التَّصَوُّرَاتِ بِاسْتِمْرَارٍ. أَمَّا فِي “الإِسْقَاطِ الزَّائِفِ”، فَإِنَّ الذَّاتَ تَرْفُضُ التَّصْحِيحَ، وَتَتَمَسَّكُ بِصُورَتِهَا الوَهْمِيَّةِ مَهْمَا كَانَتِ الوَقَائِعُ مُخَالِفَةً لَهَا. وَلِهَذَا يُصْبِحُ الآخَرُ “بِلَا حِمَايَةٍ أَمَامَ أَهْوَاءِ الذَّاتِ”، أَيْ: يُخْتَزَلُ إِلَى صُورَةٍ نَمَطِيَّةٍ، وَيُجَرَّدُ مِنْ فَرْدِيَّتِهِ، وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ تُصْبِحُ كَرَاهِيَةُ الآخَرِ أَمْرًا مَشْرُوعًا، وَاضْطِهَادُهُ وَاجِبًا مَطْلُوبًا. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ العُنْصُرِيَّ لَا يَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ الوَاقِعِ كَمَا هُوَ، بَلْ يُرِيدُ إِجْبَارَهُ عَلَى مُطَابَقَةِ الصُّورَةِ الَّتِي يَحْمِلُهَا فِي ذِهْنِهِ، أَيِ الصُّورَةِ السَّوْدَاوِيَّةِ الَّتِي يُسْقِطُهَا عَلَى مَوْضُوعِهِ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ العُنْفَ العُنْصُرِيَّ يُحَاوِلُ أَنْ يَفْرِضَ عَلَى الضَّحِيَّةِ صُورَةً تُشْبِهُ الصُّورَةَ النَّمَطِيَّةَ الَّتِي اخْتَرَعَهَا العُنْصُرِيُّ مُسْبَقًا.
وَمَهْمَا بَلَغَتْ شُمُولِيَّةُ هَذِهِ النَّظَرِيَّةِ، فَإِنَّهَا تَسْتَطِيعُ – عَلَى الأَقَلِّ – أَنْ تَسْتَوْعِبَ الأُصُولَ المُخْتَلِفَةَ لِمُعَادَاةِ السَّامِيَّةِ، وَأَنْ تُفَسِّرَ التَّحَوُّلَاتِ الَّتِي بَدَأَتْ بِالإِقْصَاءِ، ثُمَّ تَطَوَّرَتْ إِلَى مُمَارَسَاتِ الأَذَى الجَسَدِيِّ المُبَاشِرِ، وُصُولًا فِي النِّهَايَةِ إِلَى الإِبَادَةِ المَنْهَجِيَّةِ لِلْيَهُودِ. وَبِهَذَا المَعْنَى، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ هُنَاكَ تَصَاعُدًا فِي شِدَّةِ العُنْفِ وَالتَّعَصُّبِ وَالكَرَاهِيَةِ، وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ أَيْضًا فِي تَصَاعُدٍ مُسْتَمِرٍّ لِلْأَفْعَالِ البَرْبَرِيَّةِ الصَّرِيحَةِ، بِالمُقَارَنَةِ مَعَ البُنَى البَرْبَرِيَّةِ الكَامِنَةِ().
4-1- البَرْبَرِيَّةُ العُنْصُرِيَّةُ – اليَهُودُ أُنْمُوذَجًا:
فَاليَهُودُ عِنْدَمَا يَرْفُضُونَ أَكْلَ الخَنَازِيرِ لِاعْتِبَارَاتٍ ثَقَافِيَّةٍ تَخُصُّهُمْ، فَإِنَّهُمْ يُضْطَهَدُونَ بِوَصْفِهِمْ خَنَازِيرَ، أَيْ إِنَّ اليَهُودَ يُكْرَهُونَ وَيُضْطَهَدُونَ بِسَبَبِ اخْتِلَافِهِمُ الدِّينِيِّ وَالثَّقَافِيِّ نَفْسِهِ، بَلْ وَيُوصَمُونَ رَمْزِيًّا بِمَا يُحَرِّمُونَهُ دِينِيًّا. وَالمَقْصُودُ هُنَا هُوَ: أَنَّ العُنْصُرِيَّةَ لَا تَقُومُ عَلَى مَنْطِقٍ عَقْلَانِيٍّ، بَلْ عَلَى إِسْقَاطَاتٍ نَفْسِيَّةٍ وَعَدَاءٍ تِجَاهَ الاخْتِلَافِ وَعَدَمِ الانْدِمَاجِ الكَامِلِ دَاخِلَ المُجْتَمَعِ المُهَيْمِنِ. وَهُنَا يَقُومُ التَّمْيِيزُ العُنْصُرِيُّ ضِدَّ اليَهُودِ عَلَى مَبْدَإِ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَنْدَمِجُ كُلِّيًّا فِي الثَّقَافَةِ السَّائِدَةِ يُصَنَّفُ عَلَى أَنَّهُ دَخِيلٌ تَجِبُ تَصْفِيَتُهُ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ المُجْتَمَعَ الحَدِيثَ يَفْرِضُ مَعَ الزَّمَنِ أَنْمَاطًا مُعَيَّنَةً مِنَ الثَّقَافَةِ الهَمَجِيَّةِ الَّتِي تَتَمَثَّلُ فِي السُّلُوكِ وَالقِيَمِ وَالعَادَاتِ بِطَرِيقَةٍ تَبْدُو وَكَأَنَّهَا طَبِيعِيَّةٌ وَبَدِيهِيَّةٌ. فَالحَضَارَةُ الإِنْسَانِيَّةُ رَاكَمَتْ عَبْرَ تَارِيخِهَا الطَّوِيلِ مَجْمُوعَةً مِنَ القُيُودِ وَالضَّوَابِطِ وَالتَّابُوهَاتِ وَالمَحْظُورَاتِ الَّتِي تُنَظِّمُ الدَّوَافِعَ وَالسُّلُوكَ الإِنْسَانِيَّ. وَهَذِهِ المَحْظُورَاتُ لَيْسَتْ اعْتِبَاطِيَّةً عَلَى أَيِّ حَالٍ؛ إِذْ تُشَكِّلُ تَرَسُّبًا ثَقَافِيًّا كَثَّفَتْهُ قُرُونٌ مِنْ تَارِيخِ الحَضَارَةِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَقَدْ تَحَوَّلَتْ هَذِهِ المَحْظُورَاتُ تَدْرِيجِيًّا إِلَى عَادَاتٍ وَقِيَمٍ وَمَعَايِيرَ أَخْلَاقِيَّةٍ وَأَنْمَاطٍ مَقْبُولَةٍ مِنَ السُّلُوكِ وَالانْدِمَاجِ الاجْتِمَاعِيِّ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَحْظُورٍ حَضَارِيٍّ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ خِبْرَةً تَارِيخِيَّةً مُتَرَاكِمَةً، أَسْهَمَتْ فِي كَبْحِ العُنْفِ وَالانْدِفَاعَاتِ الهَدَّامَةِ وَجَعْلِ الحَيَاةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ مُمْكِنَةً. غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ المَحْظُورَاتِ قَدْ تُؤَدِّي أَيْضًا وَظِيفَةً قَمْعِيَّةً عِنْدَمَا تَتَجَاوَزُ تَنْظِيمَ الغَرَائِزِ إِلَى إِخْضَاعِ الإِنْسَانِ وَتَثْبِيتِ النِّظَامِ الاجْتِمَاعِيِّ القَائِمِ.
وَغَنِيٌّ عَنِ البَيَانِ أَنَّ هَذَا النَّسَقَ الثَّقَافِيَّ المُتَرَسِّبَ تَارِيخِيًّا وَالمُتَصَلِّبَ حَضَارِيًّا يَفْرِضُ هَيْمَنَةً عَنِيفَةً عَلَى عُقُولِ الأَفْرَادِ وَسُلُوكِهِمْ، وَعِنْدَمَا يَرْفُضُ فَرْدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ الانْدِمَاجَ بِالكَامِلِ فِي هَذِهِ الأَنْمَاطِ وَالرَّوَاسِبِ الحَضَارِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ سَيُوَاجِهُونَ تَحَدِّيَاتٍ عَنِيفَةً مِنْ قِبَلِ المُجْتَمَعِ، وَيُبْنَى عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الأَفْرَادَ عِنْدَمَا يُرِيدُونَ التَّمَيُّزَ بِخُصُوصِيَّةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ ثَقَافِيَّةٍ أَوِ اجْتِمَاعِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ سَيُعَرِّضُهُمْ لِلنَّبْذِ الاجْتِمَاعِيِّ؛ إِذْ سَيُنْظَرُ إِلَيْهِمْ بِوَصْفِهِمْ: “دُخَلَاءَ”، أَوْ غُرَبَاءَ مُزْعِجِينَ، أَوْ مَصْدَرَ تَهْدِيدٍ غَيْرِ مُبَرَّرٍ. وَهُنَا يَسْتَخْدِمُ أَدُورْنُو مَفْهُومَ: “النُّفُورِ القَهْرِيِّ” (Compulsive Aversion)، وَيَعْنِي بِهِ نَمَطًا مِنَ الكَرَاهِيَةِ المُتَوَحِّشَةِ الَّتِي تُفَارِقُ أَيَّ صِيغَةٍ عَقْلَانِيَّةٍ، وَهِيَ كَرَاهِيَةٌ تَتَمَثَّلُ فِي شُعُورٍ غَاضِبٍ مُتَوَحِّشٍ أَوِ اسْتِجَابَةٍ نَفْسِيَّةٍ مَرَضِيَّةٍ شِبْهِ تِلْقَائِيَّةٍ ضِدَّ الاخْتِلَافِ وَالتَّمَيُّزِ. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ فَإِنَّ العُنْصُرِيَّةَ لَا تَنْشَأُ فَقَطْ مِنِ اخْتِلَافٍ حَقِيقِيٍّ، بَلْ مِنْ عَجْزِ المُجْتَمَعِ المُهَيْمِنِ عَنْ تَقَبُّلِ مَا لَا يَنْسَجِمُ تَمَامًا مَعَ نَمُوذَجِهِ المُوَحَّدِ. وَمِنْ هُنَا تُصْبِحُ الجَمَاعَاتُ المُخْتَلِفَةُ – مِثْلَ اليَهُودِ فِي أُورُوبَّا الحَدِيثَةِ – هَدَفًا لِلْإِسْقَاطَاتِ وَالخَوْفِ وَالكَرَاهِيَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تُذَكِّرُ المُجْتَمَعَ بِخَطَرٍ يَكْمُنُ فِي المُجْتَمَعِ وَيُهَدِّدُهُ بِصُورَةٍ دَائِمَةٍ().
وَيَقُومُ تَفْسِيرُ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو لِكَيْفِيَّةِ اشْتِغَالِ مُعَادَاةِ السَّامِيَّةِ عَلَى نَظَرِيَّةٍ ذَاتِ طَابِعٍ تَحْلِيلِيٍّ نَفْسِيٍّ تَتَعَلَّقُ بِـ”الإِسْقَاطِ الزَّائِفِ” (كَمَا تُعْرَضُ فِي الأُطْرُوحَةِ السَّادِسَةِ). وَالإِسْقَاطُ الزَّائِفُ إِسْقَاطٌ مَرَضِيٌّ يَأْخُذُ طَابِعًا سَرَطَانِيًّا فِي بِنْيَةِ الفِعْلِ الإِدْرَاكِيِّ لِلْأَفْرَادِ. فَالإِسْقَاطُ الزَّائِفُ يَعْنِي الإِفْرَاطَ فِي تَحْمِيلِ مَوْضُوعِ الإِدْرَاكِ صُوَرًا سَلْبِيَّةً مُعَيَّنَةً تَعْمَلُ عَلَى تَعْطِيلِ كُلِّ اسْتِجَابَةٍ تَأَمُّلِيَّةٍ نَحْوَهُ. وَهَكَذَا تُعَلَّقُ حَلْقَةُ التَّغْذِيَةِ الرَّاجِعَةِ بَيْنَ الذَّاتِ وَالمَوْضُوعِ – وَهِيَ الحَلْقَةُ الَّتِي تَقُومُ عَادَةً بِتَصْحِيحِ الإِسْقَاطَاتِ المُتَضَمَّنَةِ فِي فِعْلِ الإِدْرَاكِ – بِحَيْثُ تُتْرَكُ تِلْكَ الإِسْقَاطَاتُ بِلَا قُيُودٍ، وَيُتْرَكُ المَوْضُوعُ بِلَا حِمَايَةٍ أَمَامَ أَهْوَاءِ الذَّاتِ. وَإِذَا أَرَدْنَا التَّعْبِيرَ عَنْ ذَلِكَ بِصُورَةٍ حَادَّةٍ: فَإِذَا اعْتُبِرَ شَخْصٌ مَا يَهُودِيًّا، لَكِنَّهُ لَا يَبْدُو كَذَلِكَ بِمَا فِيهِ الكِفَايَةُ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَكْمُ صُورَةِ اليَهُودِيَّةِ المُسْقَطَةِ عَلَى وَجْهِهِ.
جَاءَ فِي “الأُطْرُوحَةِ السَّادِسَةِ” مِنَ الفَصْلِ المَوْسُومِ “عَنَاصِرُ مُعَادَاةِ السَّامِيَّةِ: حُدُودُ التَّنْوِيرِ” فِي كِتَابِ جَدَلِ التَّنْوِيرِ لِهُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو مَا يَلِي: “تَقُومُ مُعَادَاةُ السَّامِيَّةِ عَلَى مَبْدَإِ الإِسْقَاطِ الزَّائِفِ. إِنَّهَا نَقِيضُ المُحَاكَاةِ الحَقِيقِيَّةِ، وَتَرْتَبِطُ ارْتِبَاطًا عَمِيقًا بِالمَكْبُوتِ” (). وَهَذَا يَعْنِي، حَسَبَ أَدُورْنُو، أَنَّ الشَّخْصَ المُعَادِيَ لِلسَّامِيَّةِ يَنْسِبُ إِلَى اليَهُودِ دَوَافِعَهُ وَرَغَبَاتِهِ وَمَخَاوِفَهُ المَكْبُوتَةَ الَّتِي لَا يَسْتَطِيعُ الاعْتِرَافَ بِوُجُودِهَا فِي نَفْسِهِ، وَيُبْنَى عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الشَّخْصَ المُعَادِيَ لِلسَّامِيَّةِ لَا يَرَى اليَهُودَ كَمَا هُمْ، بَلْ يَجْعَلُهُمْ صُورَةً خَارِجِيَّةً لِمَا يَكْمُنُ فِي دَاخِلِهِ. وَهُنَا يُفَرِّقُ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو بَيْنَ عَمَلِيَّتَيْنِ أَسَاسِيَّتَيْنِ فِي التَّفَاعُلِ مَعَ الوَسَطِ الخَارِجِيِّ: فَهُنَاكَ المُحَاكَاةُ الحَقِيقِيَّةُ، وَهِيَ نَمَطٌ مِنَ التَّفَاعُلِ يَجْعَلُ فِيهَا الإِنْسَانُ نَفْسَهُ شَبِيهًا بِالعَالَمِ المُحِيطِ بِهِ، وَيَتَفَاعَلُ مَعَ المُخْتَلِفِ حَتَّى يُصْبِحَ المَجْهُولُ مَأْلُوفًا. وَعَلَى خِلَافِ ذَلِكَ هُنَاكَ الإِسْقَاطُ الزَّائِفُ الَّذِي بِمُوجَبِهِ يَجْعَلُ الإِنْسَانُ العَالَمَ الخَارِجِيَّ شَبِيهًا بِعَالَمِهِ الدَّاخِلِيِّ؛ فَيَنْسِبُ إِلَى الآخَرِ دَوَافِعَهُ العُدْوَانِيَّةَ وَمَخَاوِفَهُ المَكْبُوتَةَ، ثُمَّ يُعَامِلُ هَذَا الآخَرَ بِوَصْفِهِ عَدُوًّا. فَالمُعَادِي لِلسَّامِيَّةِ، مَثَلًا، قَدْ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ رَغَبَاتٍ فِي السَّيْطَرَةِ أَوِ الاسْتِغْلَالِ أَوِ التَّآمُرِ، لَكِنَّهُ يَرْفُضُ الاعْتِرَافَ بِهَا، فَيُسْقِطُهَا عَلَى اليَهُودِ، ثُمَّ يَضْطَهِدُهُمْ بِسَبَبِ صِفَاتٍ نَسَبَهَا إِلَيْهِمْ مِنْ ذَاتِهِ. وَهَكَذَا تَتَحَوَّلُ الضَّحِيَّةُ إِلَى تَجْسِيدٍ مُتَوَهَّمٍ لِشُرُورِ المُضْطَهِدِ نَفْسِهِ. وَيَعْنِي الإِسْقَاطُ الزَّائِفُ خَلَلًا فِي العَلَاقَةِ بَيْنَ الذَّاتِ وَالعَالَمِ الخَارِجِيِّ، تَنْسِبُ الذَّاتُ بِمُوجَبِهِ إِلَى الآخَرِينَ دَوَافِعَهَا وَرَغَبَاتِهَا العُدْوَانِيَّةَ المَكْبُوتَةَ الَّتِي تَرْفُضُ الاعْتِرَافَ بِوُجُودِهَا فِي دَاخِلِهَا، ثُمَّ تَتَعَامَلُ مَعَهُمْ بِوَصْفِهِمْ مَصْدَرًا لِلْخَطَرِ وَالعَدَاءِ )).
وَيَتَكَوَّنُ فَصْلُ “عَنَاصِرُ مُعَادَاةِ السَّامِيَّةِ: حُدُودُ التَّنْوِيرِ” فِي كِتَابِ جَدَلِ التَّنْوِيرِ مِنْ سَبْعِ أُطْرُوحَاتٍ، وَلَمْ يَضَعْ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو عَنَاوِينَ مُسْتَقِلَّةً لَهَا؛ لِذَلِكَ فَالعَنَاوِينُ الآتِيَةُ تُلَخِّصُ مَضْمُونَ كُلِّ أُطْرُوحَةٍ:
الأُطْرُوحَةُ الأُولَى: اليَهُودُ بِوَصْفِهِمْ مَوْضُوعًا لِلْهَيْمَنَةِ وَالإِبَادَةِ.
يَنْظُرُ الفَاشِيُّونَ إِلَى اليَهُودِ لَا بِوَصْفِهِمْ أَقَلِّيَّةً، بَلْ بِوَصْفِهِمْ “العِرْقَ المُضَادَّ” وَتَجْسِيدًا لِلشَّرِّ، فِي حِينِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ اللِّيبَرَالِيُّونَ بِوَصْفِهِمْ جَمَاعَةً دِينِيَّةً تَحْتَاجُ إِلَى الحِمَايَةِ. وَيَنْتَقِدُ المُؤَلِّفَانِ المَوْقِفَيْنِ؛ لِأَنَّ اللِّيبَرَالِيَّةَ تَتَوَهَّمُ أَنَّ المُجْتَمَعَ مُتَّحِدٌ وَمُنْسَجِمٌ، وَتَتَجَاهَلُ أَنَّ الاضْطِهَادَ مُتَأَصِّلٌ فِي النِّظَامِ الاجْتِمَاعِيِّ القَائِمِ. فَصُورَةُ اليَهُودِ الَّتِي يَرْسُمُهَا الفَاشِيُّونَ لَيْسَتْ إِلَّا صُورَةَ الفَاشِيِّينَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ.
الأُطْرُوحَةُ الثَّانِيَةُ: مُعَادَاةُ السَّامِيَّةِ بِوَصْفِهَا تَنْفِيسًا عَنِ الغَضَبِ الاجْتِمَاعِيِّ.
لَا تُحَقِّقُ مُعَادَاةُ السَّامِيَّةِ مَنْفَعَةً اقْتِصَادِيَّةً حَقِيقِيَّةً لِلْجَمَاهِيرِ، لَكِنَّهَا تَمْنَحُهَا فُرْصَةً لِتَصْرِيفِ غَضَبِهَا وَنَزْعَتِهَا التَّدْمِيرِيَّةِ فِي ضَحِيَّةٍ ضَعِيفَةٍ. وَلِذَلِكَ يَصِفُهَا المُؤَلِّفَانِ بِأَنَّهَا “تَرَفٌ لِلْجَمَاهِيرِ”، بَيْنَمَا تَسْتَفِيدُ مِنْهَا الطَّبَقَةُ الحَاكِمَةُ لِصَرْفِ الأَنْظَارِ عَنْ أَسْبَابِ الظُّلْمِ الحَقِيقِيَّةِ، وَإِفْسَادِ الجَمَاهِيرِ وَتَرْهِيبِ المُعَارِضِينَ.
الأُطْرُوحَةُ الثَّالِثَةُ: اليَهُودُ كَبْشُ فِدَاءٍ لِلنِّظَامِ الاقْتِصَادِيِّ.
تَبْحَثُ هَذِهِ الأُطْرُوحَةُ فِي الأَسَاسِ الاقْتِصَادِيِّ لِمُعَادَاةِ السَّامِيَّةِ البُرْجُوَازِيَّةِ. فَقَدِ ارْتَبَطَ اليَهُودُ تَارِيخِيًّا بِالتِّجَارَةِ وَالتَّدَاوُلِ المَالِيِّ، فَأُلْصِقَتْ بِهِمْ مَسْؤُولِيَّةُ الاسْتِغْلَالِ الرَّأْسْمَالِيِّ، مَعَ أَنَّ مَصْدَرَ الاسْتِغْلَالِ الحَقِيقِيَّ يَكْمُنُ فِي عَلَاقَاتِ الإِنْتَاجِ وَمِلْكِيَّةِ وَسَائِلِ الإِنْتَاجِ. وَهَكَذَا يَصْرُخُ المُجْتَمَعُ: “أَمْسِكُوا اللِّصَّ!” ثُمَّ يُشِيرُ إِلَى اليَهُودِ، فَيَتَحَوَّلُونَ إِلَى كَبْشِ فِدَاءٍ لِلنِّظَامِ الرَّأْسْمَالِيِّ.
الأُطْرُوحَةُ الرَّابِعَةُ: الجُذُورُ الدِّينِيَّةُ لِمُعَادَاةِ السَّامِيَّةِ.
لَمْ تُلْغِ مُعَادَاةُ السَّامِيَّةِ القَوْمِيَّةُ الحَدِيثَةُ العَدَاءَ المَسِيحِيَّ القَدِيمَ لِلْيَهُودِ، بَلْ أَعَادَتْ تَوْظِيفَهُ فِي صُورَةٍ قَوْمِيَّةٍ وَعُنْصُرِيَّةٍ. فَقَدْ ضَعُفَتِ المَضَامِينُ الرُّوحِيَّةُ لِلدِّينِ، لَكِنَّ أَشْكَالَهُ الجَامِدَةَ وَتَعَصُّبَهُ بَقِيَا قَائِمَيْنِ. وَلِذَلِكَ يَرَى المُؤَلِّفَانِ أَنَّ مُعَادَاةَ السَّامِيَّةِ هِيَ مَا تَبَقَّى لَدَى بَعْضِ المَسِيحِيِّينَ مِنْ “دِينِ المَحَبَّةِ” بَعْدَ تَفْرِيغِهِ مِنْ مَضْمُونِهِ.
الأُطْرُوحَةُ الخَامِسَةُ: النُّفُورُ وَمُحَاكَاةُ الطَّبِيعَةِ المَكْبُوتَةِ.
تُفَسِّرُ هَذِهِ الأُطْرُوحَةُ العَدَاءَ لِلْيَهُودِ انْطِلَاقًا مِنَ النُّفُورِ الغَرِيزِيِّ وَمِنْ قَمْعِ النَّزْعَةِ إِلَى المُحَاكَاةِ. فَالإِنْسَانُ المُتَحَضِّرُ يَقْمَعُ فِي نَفْسِهِ الطَّبِيعَةَ وَالجَسَدَ وَالعَفْوِيَّةَ وَالمُحَاكَاةَ، ثُمَّ يَشْعُرُ بِالنُّفُورِ مِمَّنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُمْ يُجَسِّدُونَ هَذِهِ الصِّفَاتِ. وَتَسْتَغِلُّ الفَاشِيَّةُ هَذَا النُّفُورَ، فَتَسْمَحُ لِلْجَمَاهِيرِ بِإِطْلَاقِ دَوَافِعِهَا المَكْبُوتَةِ ضِدَّ اليَهُودِ تَحْتَ غِطَاءٍ سِيَاسِيٍّ مَشْرُوعٍ.
الأُطْرُوحَةُ السَّادِسَةُ: الإِسْقَاطُ الزَّائِفُ وَالبَارَانُويَا.
يَنْسِبُ المُعَادِي لِلسَّامِيَّةِ إِلَى اليَهُودِ دَوَافِعَهُ العُدْوَانِيَّةَ وَرَغَبَاتِهِ وَمَخَاوِفَهُ المَكْبُوتَةَ. وَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ شَبِيهًا بِالعَالَمِ، يَجْعَلُ العَالَمَ شَبِيهًا بِذَاتِهِ المَرِيضَةِ؛ فَيَرَى فِي الضَّحِيَّةِ عَدُوًّا يَحْمِلُ الشَّرَّ المَوْجُودَ فِيهِ هُوَ. وَلِذَلِكَ تُفْهَمُ مُعَادَاةُ السَّامِيَّةِ بِوَصْفِهَا إِسْقَاطًا زَائِفًا وَبَارَانُويَا اجْتِمَاعِيَّةً.
الأُطْرُوحَةُ السَّابِعَةُ: عَقْلِيَّةُ البِطَاقَةِ أَوِ التَّفْكِيرُ بِالقَوَالِبِ الجَاهِزَةِ
لَمْ تَعُدْ مُعَادَاةُ السَّامِيَّةِ، فِي المُجْتَمَعِ الجَمَاهِيرِيِّ الحَدِيثِ، مَوْقِفًا فَرْدِيًّا مُسْتَقِلًّا، بَلْ أَصْبَحَتْ بَنْدًا ضِمْنَ “بِطَاقَةٍ” أَيْدِيُولُوجِيَّةٍ جَاهِزَةٍ. فَمَنْ يَقْبَلِ البَرْنَامَجَ الفَاشِيَّ يَقْبَلْ مَعَهُ تِلْقَائِيًّا القَوْمِيَّةَ المُتَطَرِّفَةَ، وَمُعَادَاةَ الشُّيُوعِيَّةِ، وَتَدْمِيرَ النِّقَابَاتِ، وَاضْطِهَادَ اليَهُودِ. وَهُنَا يَحِلُّ التَّفْكِيرُ النَّمَطِيُّ وَالاخْتِيَارُ بَيْنَ حُزَمٍ أَيْدِيُولُوجِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ مَحَلَّ الحُكْمِ الفَرْدِيِّ وَالتَّجْرِبَةِ الشَّخْصِيَّةِ().
4-2- عَقْلِيَّةُ التَّذْكِرَةِ:
يَتَنَاوَلُ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو مَفْهُومَ “عَقْلِيَّةِ التَّذْكِرَةِ” (Ticket Mentality) فِي الأُطْرُوحَةِ السَّابِعَةِ، وَهِيَ الأُطْرُوحَةُ الأَخِيرَةُ مِنْ فَصْلِ “عَنَاصِرُ مُعَادَاةِ السَّامِيَّةِ: حُدُودُ التَّنْوِيرِ” فِي كِتَابِ جَدَلِ التَّنْوِيرِ، وَالمَقْصُودُ بِهَا: الحُزْمَةُ الأَيْدِيُولُوجِيَّةُ الجَاهِزَةُ؛ أَيْ تَبَنِّي مَجْمُوعَةٍ كَامِلَةٍ مِنَ المَوَاقِفِ وَالأَفْكَارِ السِّيَاسِيَّةِ مِنْ دُونِ فَحْصٍ نَقْدِيٍّ. وَفِي هَذِهِ الأُطْرُوحَةِ يُبَيِّنَانِ لَنَا أَنَّ الإِنْسَانَ فِي المُجْتَمَعِ الحَدِيثِ لَا يَخْتَارُ أَفْكَارَهُ وَمَوَاقِفَهُ بِحُرِّيَّةٍ، بَلْ يَتَبَنَّى حُزْمَةً أَيْدِيُولُوجِيَّةً جَاهِزَةً، كَمَا يَخْتَارُ النَّاخِبُ قَائِمَةً أَوْ “تَذْكِرَةً” حِزْبِيَّةً كَامِلَةً. وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ يَرَى البَاحِثَانِ أَنَّ مُعَادَاةَ السَّامِيَّةِ قَدِ اخْتَفَتْ شَكْلِيًّا، وَلَكِنَّهَا تَرَاجَعَتْ إِلَى وَضْعِيَّتِهَا الكُمُونِيَّةِ الضَّارِبَةِ فِي العُمْقِ. وَنَتِيجَةً لِهَذَا الانْسِحَابِ مِنَ السَّطْحِ إِلَى العُمْقِ، لَا يَخْتَفِي العَدَاءُ لِلسَّامِيَّةِ، بَلْ يَتَوَارَى وَيَتَخَفَّى وَيَتَنَكَّرُ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَحْتَاجُ حَتَّى إِلَى اتِّخَاذِ شَكْلِ مُعَادَاةِ السَّامِيَّةِ الصَّرِيحَةِ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يَرَى هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو أَنَّ مُعَادَاةَ السَّامِيَّةِ لَمْ تَخْتَفِ فِعْلِيًّا مِنَ المُجْتَمَعِ، وَإِنَّمَا تَغَيَّرَتْ طَرِيقَةُ ظُهُورِهَا؛ فَلَمْ تَعُدْ تُعْلَنُ دَائِمًا فِي صُورَةِ كَرَاهِيَةٍ صَرِيحَةٍ لِلْيَهُودِ، بَلْ أَصْبَحَتْ كَامِنَةً دَاخِلَ أَنْمَاطِ التَّفْكِيرِ وَالسُّلُوكِ السِّيَاسِيِّ وَالاجْتِمَاعِيِّ لِلْجَمَاعَاتِ وَالأَفْرَادِ. وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ العُنْصُرِيَّةِ البِنْيَوِيَّةِ لِلتَّعَصُّبِ العِرْقِيِّ، يَسْتَخْدِمُ أَدُورْنُو مَفْهُومَ “عَقْلِيَّةِ التَّذْكِرَةِ” وَيُوَظِّفُهُ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ عُبُودِيَّةِ الفَرْدِ لِأَنْمَاطٍ مِنَ التَّفْكِيرِ المُؤَدْلَجَةِ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ لَنَا إِنَّ الأَفْرَادَ لَا يَخْتَارُونَ أَفْكَارَهُمْ وَتَصَوُّرَاتِهِمْ أَوْ مَوَاقِفَهُمْ بِصُورَةٍ حُرَّةٍ عَلَى أَسَاسٍ مِنَ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ الحُرِّ المُسْتَقِلِّ، بَلْ يَخْضَعُونَ فِي تَفْكِيرِهِمْ لِأَنْمَاطٍ فِكْرِيَّةٍ أَيْدِيُولُوجِيَّةٍ جَاهِزَةٍ عَلَى صُورَةِ نَسَقٍ مِنَ المَوَاقِفِ الجَاهِزَةِ المُصَنَّعَةِ مُسْبَقًا. وَيُبْنَى عَلَى هَذَا التَّصَوُّرِ أَنَّ الأَفْرَادَ يُؤَسِّسُونَ أَفْكَارَهُمْ عَلَى أَسَاسٍ صَرِيحٍ مِنَ الانْتِمَاءَاتِ الأَيْدِيُولُوجِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ الَّتِي يَخْضَعُونَ لَهَا بِصُورَةٍ عَفْوِيَّةٍ غَرِيزِيَّةٍ، وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ مِنَ الحُزَمِ الأَيْدِيُولُوجِيَّةِ يَتَّخِذُونَ مَوَاقِفَهُمُ التَّعَصُّبِيَّةَ ضِدَّ الأَقَلِّيَّاتِ وَالأَدْيَانِ وَالعُرُوقِ وَالقَوْمِيَّاتِ وَالطَّوَائِفِ وَالمُهَاجِرِينَ. وَفِي هَذَا المَدَارِ لَمْ يَعُدْ مُجْدِيًا أَنْ يُعْلِنَ الفَرْدُ عَدَاءَهُ لِلسَّامِيَّةِ أَوْ مَوْقِفَهُ العُنْصُرِيَّ أَيًّا كَانَ؛ لِأَنَّ طَرِيقَةَ تَفْكِيرِهِ أَصْبَحَتْ مُبَرْمَجَةً عَلَى التَّصْنِيفِ وَالطَّاعَةِ وَرَفْضِ المُخْتَلِفِ وَتَحْمِيلِ المَسْؤُولِيَّةِ لِجَمَاعَةٍ أَوْ حِزْبٍ سِيَاسِيٍّ أَوِ اتِّجَاهٍ أَيْدِيُولُوجِيٍّ )).
وَيُلَاحَظُ فِي هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر يَقُولَانِ بِسُخْرِيَةٍ: “لَكِنْ لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مُعَادُونَ لِلسَّامِيَّةِ”. وَهُمَا بِذَلِكَ يُرِيدَانِ القَوْلَ جَوْهَرِيًّا إِنَّ مُعَادَاةَ السَّامِيَّةِ بَقِيَتْ قَائِمَةً، وَلَكِنَّهَا أَصْبَحَتْ بِنْيَوِيَّةً، أَيْ لَا تَحْتَاجُ إِلَى الأَشْخَاصِ الَّذِينَ يُعْلِنُونَ العَدَاءَ لِلسَّامِيَّةِ صَرَاحَةً؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ العُنْصُرِيَّةَ ضِدَّ السَّامِيَّةِ تَتَخَفَّى فِي عُمْقِ الأَيْدِيُولُوجِيَّاتِ وَفِي البِنْيَةِ الذِّهْنِيَّةِ لِلْأَفْرَادِ، كَمَا فِي المَوَاقِفِ الَّتِي تَبْدُو طَبِيعِيَّةً أَوْ مُحَايِدَةً مِنْ حَيْثُ المَظْهَرِ، وَهَذِهِ العُدْوَانِيَّةُ البِنْيَوِيَّةُ أَصْبَحَتْ نَمُوذَجًا يُمْكِنُ تَطْبِيقُهُ عَلَى أَيِّ جَمَاعَةٍ أُخْرَى تُقَدَّمُ بِوَصْفِهَا عَدُوًّا أَوْ خَطَرًا. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ مُعَادَاةَ السَّامِيَّةِ أَصْبَحَتْ جُزْءًا بِنْيَوِيًّا فِي نِظَامِ تَفْكِيرٍ جَمَاعِيٍّ جَاهِزٍ. وَهَذَا يَعْنِي، فِي سِيَاقِ الأُطْرُوحَةِ السَّابِعَةِ، أَنَّ الخَطَرَ لَمْ يَعُدْ مَحْصُورًا فِي خِطَابِ الكَرَاهِيَةِ الصَّرِيحِ، بَلْ أَصْبَحَ مَوْجُودًا فِي “عَقْلِيَّةِ التَّذْكِرَةِ” ذَاتِهَا: أَيْ فِي اسْتِعْدَادِ الإِنْسَانِ لِتَلَقِّي الأَحْكَامِ الجَاهِزَةِ، وَتَصْنِيفِ النَّاسِ، وَطَاعَةِ الجَمَاعَةِ، وَاسْتِبْعَادِ المُخْتَلِفِ مِنْ دُونِ تَفْكِيرٍ نَقْدِيٍّ. وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى، إِذَا كَانَتْ تَسْمِيَةُ مُعَادَاةِ السَّامِيَّةِ قَدِ اخْتَفَتْ مِنَ الخِطَابِ العَلَنِيِّ، فَإِنَّ مَنْطِقَهَا بَقِيَ كَامِنًا فِي طَرِيقَةِ التَّفْكِيرِ الأَيْدِيُولُوجِيِّ؛ وَيُبْنَى عَلَى ذَلِكَ أَنَّ العَدَاءَ لِلسَّامِيَّةِ قَائِمٌ مُتَخَفٍّ وَكَامِنٌ فِي العُمْقِ الأَيْدِيُولُوجِيِّ لِلثَّقَافَةِ، حَتَّى مَعَ إِنْكَارِ الجَمِيعِ وُجُودَ مِثْلِ هَذِهِ العُدْوَانِيَّةِ ضِدَّهَا. وَفِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ الجَدِيدَةِ تُصْبِحُ مُعَادَاةُ السَّامِيَّةِ (وَالعُنْصُرِيَّةُ عُمُومًا) أَكْثَرَ تَغَلْغُلًا وَانْتِشَارًا؛ لِأَنَّهَا تَبْقَى ضِمْنِيَّةً فِي مُعْظَمِ الأَحْيَانِ؛ إِذْ يَسْتَمِرُّ حُضُورُهَا الشَّامِلُ مِنْ خِلَالِ عَدَمِ إِظْهَارِ نَفْسِهَا عَلَى حَقِيقَتِهَا. وَهَذَا النَّمَطُ مِنْ مُعَادَاةِ السَّامِيَّةِ (أَوِ العُنْصُرِيَّةِ) البِنْيَوِيَّةِ أَوِ الكَامِنَةِ يُضِيفُ كَيْفِيَّةً جَدِيدَةً إِلَى البَرْبَرِيَّةِ الَّتِي لَا تَتَنَكَّرُ فِي هَيْئَةِ الحَضَارَةِ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ نَفْسُهَا نَتِيجَةٌ لِلْحَضَارَةِ الحَدِيثَةِ().
وَهُنَا يُرِيدُ أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر القَوْلَ إِنَّ البَرْبَرِيَّةَ الحَدِيثَةَ لَمْ تَعُدْ تَظْهَرُ فَقَطْ فِي شَكْلِ عُنْفٍ بِدَائِيٍّ مُبَاشِرٍ، بَلْ أَصْبَحَتْ: عَقْلَانِيَّةً، وَمُنَظَّمَةً، وَمُنْدَمِجَةً دَاخِلَ الحَضَارَةِ الحَدِيثَةِ نَفْسِهَا. أَيْ إِنَّ الحَضَارَةَ الحَدِيثَةَ لَا تُخْفِي البَرْبَرِيَّةَ فَقَطْ، بَلْ قَدْ تُنْتِجُهَا مِنْ دَاخِلِ مُؤَسَّسَاتِهَا وَأَنْظِمَتِهَا العَقْلَانِيَّةِ ذَاتِهَا. وَهُنَا تَظْهَرُ الفِكْرَةُ الأَسَاسِيَّةُ فِي جَدَلِ التَّنْوِيرِ: أَنَّ التَّنْوِيرَ (Enlightenment) وَالحَضَارَةَ الحَدِيثَةَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَوَّلَا بِصُورَةٍ مُفَارِقَةٍ، أَوْ عَلَى نَحْوٍ مُتَنَاقِضٍ ظَاهِرِيًّا، إِلَى أَدَوَاتٍ لِإِعَادَةِ إِنْتَاجِ الهَيْمَنَةِ وَالعُنْفِ بَدَلَ القَضَاءِ عَلَيْهِمَا.
وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو، فَإِنَّ مُعَادَاةَ السَّامِيَّةِ تَرْتَبِطُ بِوُضُوحٍ بِالنِّظَامِ الخَاصِّ بِالمُجْتَمَعِ الطَّبَقِيِّ المُسْتَنِيرِ وَالمُتَحَضِّرِ: “إِنَّ اضْطِهَادَ اليَهُودِ، شَأْنُهُ شَأْنُ كُلِّ اضْطِهَادٍ، لَا يُمْكِنُ فَصْلُهُ عَنْ ذَلِكَ النِّظَامِ. أَمَّا جَوْهَرُ هَذَا النِّظَامِ، مَهْمَا حَاوَلَ أَحْيَانًا أَنْ يَتَخَفَّى، فَهُوَ العُنْفُ الَّذِي يَتَجَلَّى اليَوْمَ بِصُورَةٍ عَلَنِيَّةٍ” (). ومن ثم فـ “إِنَّ العِرْقَ اليَوْمَ هُوَ تَأْكِيدُ الذَّاتِ لَدَى الفَرْدِ البُرْجُوَازِيِّ، المُنْدَمِجِ دَاخِلَ الجَمَاعَةِ البَرْبَرِيَّةِ” (). وَلَا يَقْتَصِرُ هَذَا التَّعْرِيفُ عَلَى إِبْرَازِ العَلَاقَةِ المُبَاشِرَةِ بَيْنَ العُنْصُرِيَّةِ وَالبَرْبَرِيَّةِ، بَلْ إِنَّهُ، مِنْ خِلَالِ عَكْسِ سِمَةِ البَرْبَرِيَّةِ وَإِرْجَاعِهَا إِلَى مَصْدَرِهَا، يُمَارِسُ ذَلِكَ النَّوْعَ مِنَ القَلْبِ الجَدَلِيِّ الَّذِي يُمَيِّزُ تَفْكِيرَ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو: فَإِقَامَةُ الذَّاتِ بِوَصْفِهَا “عِرْقًا” فِي مُوَاجَهَةِ “عِرْقٍ مُضَادٍّ” بَرْبَرِيٍّ، إِنَّمَا تَكْشِفُ فِي الوَاقِعِ الطَّبِيعَةَ البَرْبَرِيَّةَ لِهَذَا الادِّعَاءِ نَفْسِهِ وَلِلنِّظَامِ الَّذِي يُحَافِظُ عَلَيْهِ.
يَكْشِفُ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو عَنِ التَّنَاقُضِ الدَّاخِلِيِّ فِي طَبِيعَةِ العُنْصُرِيَّةِ الحَدِيثَةِ؛ إِذْ يَعْتَقِدَانِ أَنَّ دُعَاةَ الدِّفَاعِ عَنِ “الحَضَارَةِ” وَ”النَّقَاءِ العِرْقِيِّ” هُمْ أَنْفُسُهُمُ الَّذِينَ يُمَارِسُونَ البَرْبَرِيَّةَ. وَيُضِيفَانِ أَنَّ المُجْتَمَعَ العُنْصُرِيَّ يَخْتَلِقُ صُورَةً مُتَخَيَّلَةً عَنِ “العِرْقِ” (Race)، ثُمَّ يُسْقِطُ صِفَاتِ هَذِهِ الصُّورَةِ المُتَخَيَّلَةِ عَلَى جَمَاعَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، مِثْلَ: الدُّونِيَّةِ، أَوِ التَّوَحُّشِ، أَوِ الخَطَرِ، أَوْ عَدَمِ التَّحَضُّرِ. وَهَذَا الأَمْرُ يُشَكِّلُ امْتِدَادًا لِفِكْرَةِ “الإِسْقَاطِ الزَّائِفِ” (False Projection)؛ فَالذَّاتُ العُنْصُرِيَّةُ لَا تَرَى الآخَرِينَ كَمَا هُمْ، بَلْ تَصْنَعُ عَنْهُمْ صُورَةً مُسْبَقَةً، ثُمَّ تَتَعَامَلُ مَعَهَا وَكَأَنَّهَا حَقِيقَةٌ طَبِيعِيَّةٌ أَوْ بِيُولُوجِيَّةٌ. وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ العُنْصُرِيَّةَ الحَدِيثَةَ لَا تَكْتَفِي بِالاخْتِلَافِ الثَّقَافِيِّ أَوِ الدِّينِيِّ، بَلْ تُحَاوِلُ تَحْوِيلَ الاخْتِلَافِ إِلَى طَبِيعَةٍ بِيُولُوجِيَّةٍ ثَابِتَةٍ، أَوْ “جَوْهَرٍ عِرْقِيٍّ دَائِمٍ”، أَيْ إِنَّهَا تَجْعَلُ الآخَرَ يَبْدُو مُخْتَلِفًا بِالفِطْرَةِ، لَا بِسَبَبِ الظُّرُوفِ الاجْتِمَاعِيَّةِ أَوِ التَّارِيخِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ لِتَكْوِينِهِ البِيُولُوجِيِّ وَالعِرْقِيِّ. وَهُنَا يَبْدُو أَنَّ العِرْقَ اليَوْمَ هُوَ تَأْكِيدُ الذَّاتِ لَدَى الفَرْدِ البُرْجُوَازِيِّ، المُنْدَمِجِ دَاخِلَ الجَمَاعَةِ البَرْبَرِيَّةِ. فَالفَرْدُ دَاخِلَ المُجْتَمَعِ الحَدِيثِ يَشْعُرُ بِالضَّعْفِ وَالقَلَقِ وَالاغْتِرَابِ، فَيَبْحَثُ عَنْ هُوِيَّةٍ جَمَاعِيَّةٍ قَوِيَّةٍ يَنْتَمِي إِلَيْهَا، مِثْلَ: الأُمَّةِ، أَوِ العِرْقِ، أَوِ الجَمَاعَةِ القَوْمِيَّةِ. فَيَبْدَأُ بِتَأْكِيدِ ذَاتِهِ عَبْرَ الانْتِمَاءِ إِلَى “عِرْقٍ مُتَفَوِّقٍ”، لَكِنَّ المُفَارَقَةَ هِيَ أَنَّ هَذَا التَّأْكِيدَ لِلذَّاتِ لَا يَجْعَلُهُ أَكْثَرَ تَحَضُّرًا، بَلْ يَدْمِجُهُ دَاخِلَ الجَمَاعَةِ البَرْبَرِيَّةِ، أَيْ إِنَّ الجَمَاعَةَ الَّتِي تَزْعُمُ الدِّفَاعَ عَنِ الحَضَارَةِ وَالنَّقَاءِ تُمَارِسُ فِي الحَقِيقَةِ: الإِقْصَاءَ، وَالكَرَاهِيَةَ، وَالعُنْفَ، وَالتَّشَيُّؤَ.
وَهُنَا يُحَدِّثُنَا أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر عَنْ مَفْهُومِ “القَلْبِ الجَدَلِيِّ”، وَهُوَ مَفْهُومٌ أَسَاسِيٌّ فِي نَظَرِيَّتِهِمَا؛ فَالخِطَابُ العُنْصُرِيُّ يَقُولُ: نَحْنُ مُتَحَضِّرُونَ، وَالآخَرُونَ بَرَابِرَةٌ، لَكِنَّ التَّحْلِيلَ الجَدَلِيَّ يَقْلِبُ المُعَادَلَةَ: فَمُجَرَّدُ بِنَاءِ الهُوِيَّةِ عَلَى الكَرَاهِيَةِ وَالإِقْصَاءِ وَالعُنْفِ هُوَ نَفْسُهُ فِعْلٌ بَرْبَرِيٌّ. أَيْ إِنَّ الَّذِي يَصِفُ الآخَرِينَ بِالبَرْبَرِيَّةِ يَكْشِفُ، مِنْ خِلَالِ هَذَا السُّلُوكِ نَفْسِهِ، عَنْ بَرْبَرِيَّتِهِ الخَاصَّةِ. وَبِاخْتِصَارٍ، إِنَّ العُنْصُرِيَّةَ الحَدِيثَةَ لَيْسَتْ دِفَاعًا عَنِ الحَضَارَةِ، بَلْ هِيَ شَكْلٌ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ الحَدِيثَةِ الَّتِي: تَرْتَدِي لُغَةَ العَقْلِ، وَالعِلْمِ، وَالبِيُولُوجِيَا، وَالقَوْمِيَّةِ، لَكِنَّهَا تَقُومُ فِي جَوْهَرِهَا عَلَى: الخَوْفِ، وَالإِقْصَاءِ، وَتَحْوِيلِ البَشَرِ إِلَى تَصْنِيفَاتٍ جَامِدَةٍ.
وَحَتَّى الآنَ، لَمْ يَكُنْ لِمَفْهُومِ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو عَنِ العِرْقِ وَالعُنْصُرِيَّةِ تَأْثِيرٌ كَبِيرٌ فِي دِرَاسَاتِ العِرْقِ النَّقْدِيَّةِ الأَحْدَثِ، وَالأَمْرُ نَفْسُهُ يَنْطَبِقُ عَلَى النَّظَرِيَّةِ النَّقْدِيَّةِ لِمَدْرَسَةِ فْرَانْكْفُورْت عُمُومًا. وَلَيْسَ هَذَا بِالأَمْرِ المُفَاجِئِ، نَظَرًا لِأَنَّ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو لَمْ يَكُونَا وَاضِحَيْنِ بِمَا يَكْفِي فِي تَوْسِيعِ مَفْهُومِهِمَا لِلْعِرْقِ لِيَشْمَلَ أَنْمَاطًا أُخْرَى مِنَ العُنْصُرِيَّةِ، مِثْلَ العُنْصُرِيَّةِ ضِدَّ السُّودِ، أَوْ ضِدَّ المُسْلِمِينَ، أَوْ ضِدَّ الآسِيَوِيِّينَ (كَمَا أَنَّ تَصَوُّرَهُمَا لَمْ يَكُنْ يَسْمَحُ بَعْدُ بِشَيْءٍ مِنْ قَبِيلِ التَّقَاطُعِيَّةِ) )).
وَالآنَ، بَعْدَ أَنْ جَرَى تَحْدِيدُ مَعَالِمِ النَّمَطِ الجَدِيدِ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ، يَنْبَغِي قَوْلُ شَيْءٍ عَنِ المَفْهُومِ المُكَمِّلِ لَهُ، أَيِ البَرْبَرِيَّةِ القَدِيمَةِ أَوِ البِدَائِيَّةِ، الَّتِي يُفْتَرَضُ أَنَّهَا سَبَقَتِ الحَضَارَةَ التَّنْوِيرِيَّةَ. فَإِذَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ المُدَمِّرَةُ لِلتَّنْوِيرِ هِيَ النَّمَطَ الجَدِيدَ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ، فَإِنَّ الدَّافِعَ الأَصْلِيَّ لِلتَّنْوِيرِ كَانَ مُوَجَّهًا ضِدَّ مَرْحَلَةٍ سَابِقَةٍ مِنَ الخُرَافَةِ وَالحُكْمِ العَارِي لِلْقُوَّةِ. وَإِنَّ تَسْمِيَةَ مِثْلِ هَذِهِ المَرْحَلَةِ التَّطَوُّرِيَّةِ بِـ”البَرْبَرِيَّةِ” تَنْسَجِمُ مَعَ الفَهْمِ الزَّمَنِيِّ لِمَفْهُومِ البَرْبَرِيَّةِ. فَهَذَا الفَهْمُ (الحَدِيثُ المُبَكِّرُ) يُشَكِّلُ الخَلْفِيَّةَ الضَّرُورِيَّةَ الَّتِي يَتَحَدَّدُ عَلَى أَسَاسِهَا مَفْهُومُ النَّمَطِ الجَدِيدِ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ بِأَسْرِهِ.
5-بَرْبَرِيَّةُ الشِّعْرِ بَعْدَ أُوشْفِيتْز:
تُعَدُّ عِبَارَةُ أَدُورْنُو الشَّهِيرَةُ “إِنَّ كِتَابَةَ الشِّعْرِ بَعْدَ أُوشْفِيتْز عَمَلٌ بَرْبَرِيٌّ” مِنْ أَكْثَرِ أَقْوَالِهِ إِثَارَةً لِلنِّقَاشِ وَبَقَاءً فِي الذَّاكِرَةِ. لَكِنَّ هَذِهِ العِبَارَةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُفْهَمَ مُنْفَصِلَةً عَنْ سِيَاقِهَا. فَأَدُورْنُو يَرَى أَنَّ كَارِثَةَ أُوشْفِيتْز وَضَعَتِ الثَّقَافَةَ وَالفِكْرَ وَالفَنَّ أَمَامَ أَزْمَةٍ عَمِيقَةٍ: إِذْ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلثَّقَافَةِ الَّتِي ادَّعَتِ التَّقَدُّمَ وَالتَّحَضُّرَ أَنْ تَسْتَمِرَّ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا بَعْدَ أَنْ شَهِدَ العَالَمُ هَذِهِ الوَحْشِيَّةَ؟ إِنَّ الثَّقَافَةَ نَفْسَهَا وَالفَلْسَفَةَ إِلَى جَانِبِهَا عَجَزَتَا عَنْ مَنْعِ حَادِثَةِ أُوشْفِيتْز مِنَ الوُقُوعِ، بَلِ الأَمْرُ أَشَدُّ؛ فَإِنَّهُمَا – أَيِ الثَّقَافَةُ وَالفَلْسَفَةُ – سَاهَمَتَا – فِي أَحْيَانٍ – فِي تَغْذِيَةِ الفِكْرِ النَّازِيِّ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَصْبَحَتَا مُتَوَاطِئَتَيْنِ مَعَهُ بِشَكْلٍ رَادِيكَالِيٍّ. وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ يَرَى أَدُورْنُو أَنَّ هُنَاكَ نَوْعًا مِنَ “البَرْبَرِيَّةِ” كَامن فِي صَمِيمِ وُجُودِنَا؛ أَيْ فِي اسْتِمْرَارِنَا فِي المَعِيشِ حَتَّى بَعْدَ أُوشْفِيتْز: فَأَيُّ كَلِمَةٍ، بَلْ أَيُّ حَرْفٍ تَحَرَّكَ بِهِ لِسَانُ آدَمِيٍّ بَعْدَ حَادِثَةِ أُوشْفِيتْز دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنِ اسْتِمْرَارِ الحَيَاةِ.() وَيَسْتَنْتِجُ أَدُورْنُو بِأَنَّ الأَشْيَاءَ كُلَّهَا بِلَا اسْتِثْنَاءٍ بَرْبَرِيَّةٌ بَعْدَ أُوشْفِيتْز. مِنْ هُنَا نَفْهَمُ أَحَدَ مَعَانِي قَوْلِ أَدُورْنُو: “بَرْبَرِيَّةٌ فَجَّةٌ أَنْ يُكْتَبَ الشِّعْرُ بَعْدَ أُوشْفِيتْز”. فَالشِّعْرُ بَرْبَرِيٌّ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بَرْبَرِيٌّ. وَكُلُّ مَا يَخْطُرُ بِبَالِكَ فَهُوَ بَرْبَرِيٌّ: كِتَابَتُكَ، تَنَفُّسُكَ، عَيْشُكَ. بَلْ إِنَّ مُجَرَّدَ التَّفْكِيرِ بَرْبَرِيٌّ؛ لِأَنَّهُ شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ الوُجُودِ بَعْدَ أُوشْفِيتْز. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يَقُولُ أَدُورْنُو: لَا أَرَى أَحَدًا نَاقِضًا عَلَيَّ قَوْلِي: إِنَّ حَادِثَةَ أُوشْفِيتْز مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ فَشَلِ الثَّقَافَةِ. فَوُقُوعُهَا بَيْنَ رَائِعٍ وَبَارِعٍ مِنَ الفَلْسَفَاتِ وَالفُنُونِ وَالعُلُومِ التَّنْوِيرِيَّةِ أَمْرٌ إِذَا يُسِّرَ لَكَ اسْتِنْبَاطُهُ، فَإِنَّ العُلُومَ وَهَذِهِ “الرُّوحَ” لَمْ تَسْتَطِعْ كَبْحَ جِمَاحِ الإِنْسَانِ وَلَا تَغْيِيرَهُ. وَأَيُّمَا امْرِئٍ نَافَحَ عَنْ ثَقَافَةٍ مُهْتَرِئَةٍ بَالِيَةٍ مُذْنِبَةٍ، فَإِنَّنِي أَعُدُّهُ مُوَالِيًا لَهَا. وَأَمَّا مَنِ اعْتَزَلَهَا وَخَلَعَ رِبْقَتَهَا فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى البَرْبَرِيَّةِ، الَّتِي يَظْهَرُ أَنَّهَا هِيَ عَيْنُ الثَّقَافَةِ حِينَ تَكْشِفُ الثَّقَافَةُ عَنْ نَفْسِهَا” ().
وَيَرَى أَدُورْنُو أَنَّ مُجَرَّدَ الحَدِيثِ عَنِ المَأْسَاةِ قَدْ يَتَحَوَّلُ إِلَى كَلَامٍ فَارِغٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى مُوَاجَهَةِ الحَقِيقَةِ المَأْسَاوِيَّةِ لِمَا حَدَثَ فِي أُوشْفِيتْز. وَمِنْ هُنَا يُؤَسِّسُ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ “كِتَابَةَ الشِّعْرِ بَعْدَ أُوشْفِيتْز لَا تَكُونُ إِلَّا فِعْلًا بَرْبَرِيًّا”، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَحْوِيلَ المُعَانَاةِ الهَائِلَةِ إِلَى عَمَلٍ فَنِّيٍّ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى تَجْمِيلِهَا أَوْ تَحْوِيلِهَا إِلَى مَوْضُوعٍ ثَقَافِيٍّ قَابِلٍ لِلاسْتِهْلَاكِ. لَكِنَّ المُشْكِلَةَ أَعْمَقُ مِنَ الشِّعْرِ نَفْسِهِ؛ فَهِيَ تَمَسُّ الثَّقَافَةَ وَالفِكْرَ وَالنَّقْدَ جَمِيعًا. فَالعَالَمُ الحَدِيثُ، الَّذِي كَانَ يُفْتَرَضُ أَنْ يُحَقِّقَ تَقَدُّمَ العَقْلِ وَالرُّوحِ، انْتَهَى إِلَى نَوْعٍ مِنَ التَّشَيُّؤِ الشَّامِلِ الَّذِي يُهَدِّدُ الإِنْسَانَ وَرُوحَهُ. وَلِهَذَا لَا يَكْفِي أَنْ يَظَلَّ الفِكْرُ النَّقْدِيُّ مُجَرَّدَ تَأَمُّلٍ نَظَرِيٍّ مُنْعَزِلٍ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُوَاجِهَ الوَاقِعَ الَّذِي أَنْتَجَ هَذِهِ الكَارِثَةَ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يَقُولُ أَدُورْنُو: “حَتَّى الوَعْيُ الأَكْثَرُ تَطَرُّفًا بِالمَصِيرِ المَشْؤُومِ يُهَدِّدُهُ الانْحِدَارُ إِلَى ثَرْثَرَةٍ فَارِغَةٍ. وَيَجِدُ النَّقْدُ الثَّقَافِيُّ نَفْسَهُ فِي مُوَاجَهَةِ المَرْحَلَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ جَدَلِ الثَّقَافَةِ وَالبَرْبَرِيَّةِ (…) إِنَّ التَّشَيُّؤَ المُطْلَقَ يَعْمَلُ اليَوْمَ عَلَى ابْتِلَاعِ الرُّوحِ ابْتِلَاعًا كَامِلًا. أَمَّا الفِكْرُ النَّقْدِيُّ، فَلَا يَسْتَطِيعُ مُوَاجَهَةَ هَذَا التَّحَدِّي مَا بَقِيَ حَبِيسَ التَّأَمُّلِ المُكْتَفِي بِذَاتِهِ” ().
وَعِنْدَمَا يَقُولُ أَدُورْنُو: “إِنَّ الوَعْيَ الأَكْثَرَ تَطَرُّفًا بِالمَصِيرِ المَشْؤُومِ يُهَدِّدُهُ الانْحِدَارُ إِلَى ثَرْثَرَةٍ فَارِغَةٍ”، فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ وَاعِيًا تَمَامًا بِحَجْمِ الكَارِثَةِ، وَقَدْ يَتَحَدَّثُ عَنْهَا بِأَشَدِّ العِبَارَاتِ إِدَانَةً، وَمَعَ ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَوَّلَ هَذَا الكَلَامُ إِلَى ثَرْثَرَةٍ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ كَثْرَةَ الكَلَامِ عَنِ المَأْسَاةِ لَا تَعْنِي بِالضَّرُورَةِ أَنَّنَا فَهِمْنَاهَا أَوْ وَاجَهْنَا أَسْبَابَهَا. فَقَدْ تُصْبِحُ أُوشْفِيتْز مَوْضُوعًا لِلْخِطَابَاتِ وَالكُتُبِ وَالفُنُونِ، ثُمَّ يَفْقِدُ الحَدِيثُ عَنْهَا قُوَّتَهُ الأَخْلَاقِيَّةَ وَالنَّقْدِيَّةَ. وَهُنَا تَكْمُنُ المُفَارَقَةُ؛ إِذْ يَتَحَوَّلُ الكَلَامُ فِي إِدَانَةِ البَرْبَرِيَّةِ إِلَى تَكْوِينٍ فِي بِنْيَةِ الثَّقَافَةِ نَفْسِهَا الَّتِي تَسْتَوْعِبُ كُلَّ شَيْءٍ وَتُحَوِّلُهُ إِلَى مَادَّةٍ قَابِلَةٍ لِلتَّدَاوُلِ.
وَهُنَا يَعْتَرِضُ أَدُورْنُو عَلَى جَدَلِ “الثَّقَافَةِ وَالبَرْبَرِيَّةِ”؛ لِأَنَّنَا نَمِيلُ دَائِمًا إِلَى المُقَابَلَةِ بَيْنَ الثَّقَافَةِ وَالبَرْبَرِيَّةِ: فَالثَّقَافَةُ تَعْنِي التَّحَضُّرَ، وَالعَقْلَ، وَالفَنَّ، وَالأَخْلَاقَ، وَفِي المُقَابِلِ تَعْنِي البَرْبَرِيَّةُ العُنْفَ وَالتَّوَحُّشَ وَالهَدْمَ وَالتَّدْمِيرَ. وَفِي نَقْدِهِ لِهَذَا التَّقَابُلِ يَرَى أَدُورْنُو أَنَّ أُوشْفِيتْز لَمْ تَحْدُثْ خَارِجَ الحَضَارَةِ الأُورُوبِّيَّةِ، بَلْ حَدَثَتْ دَاخِلَ حَضَارَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ تَمْتَلِكُ الفَلْسَفَةَ وَالمُوسِيقَى وَالأَدَبَ وَالعِلْمَ وَالتِّكْنُولُوجِيَا وَالجَامِعَاتِ. وَهُنَا تَتَجَلَّى المُفَارَقَةُ الخَطِيرَةُ: فَـالثَّقَافَةُ الغَرْبِيَّةُ الرَّاقِيَةُ وَالمُتَقَدِّمَةُ لَمْ تَمْنَعِ البَرْبَرِيَّةَ. وَعَلَى النَّقِيضِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ بَعْضَ عَنَاصِرِ الحَضَارَةِ الحَدِيثَةِ، مِثْلَ العَقْلِ الأَدَاتِيِّ وَالتَّنْظِيمِ البِيرُوقْرَاطِيِّ وَالتِّكْنُولُوجِيَا وَالطَّاعَةِ المُؤَسَّسِيَّةِ، وُظِّفَتْ تَوْظِيفًا فَعَّالًا فِي خِدْمَةِ الإِبَادَةِ. وَهَذَا يَعْنِي، فِي النِّهَايَةِ وَفْقَ أَدُورْنُو، أَنَّ العَلَاقَةَ بَيْنَ الثَّقَافَةِ وَالبَرْبَرِيَّةِ هِيَ عَلَاقَةٌ جَدَلِيَّةٌ: البَرْبَرِيَّةُ لَيْسَتْ بِالضَّرُورَةِ نَقِيضًا لِلثَّقَافَةِ؛ إِذْ يُمْكِنُ أَنْ تَنْشَأَ مِنْ دَاخِلِ الثَّقَافَةِ وَالحَضَارَةِ نَفْسَيْهِمَا.
وَالسُّؤَالُ الَّذِي يَطْرَحُهُ أَدُورْنُو هُوَ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْفَنِّ أَنْ يَسْتَمِرَّ بَعْدَ أَنْ حَدَثَ مَا حَدَثَ؟ فَعِنْدَمَا يَكْتُبُ الشَّاعِرُ قَصِيدَةً جَمِيلَةً عَنِ الأَلَمِ، فَقَدْ يُحَوِّلُ مُعَانَاةَ الضَّحَايَا إِلَى مَوْضُوعٍ جَمَالِيٍّ. وَقَدْ تَمْنَحُ القَصِيدَةُ القَارِئَ مُتْعَةً فَنِّيَّةً مِنْ مَأْسَاةٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى مَصْدَرٍ لِلْمُتْعَةِ. وَهُنَا تَكْمُنُ “البَرْبَرِيَّةُ”: لَيْسَتِ البَرْبَرِيَّةُ فِي وُجُودِ الكَلِمَاتِ أَوِ الأَوْزَانِ الشِّعْرِيَّةِ ذَاتِهَا، وَإِنَّمَا فِي خَطَرِ تَحْوِيلِ الأَلَمِ غَيْرِ القَابِلِ لِلتَّصَوُّرِ إِلَى مَادَّةٍ جَمَالِيَّةٍ قَابِلَةٍ لِلاسْتِهْلَاكِ. وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ يَضَعُ أَدُورْنُو الفَنَّ فِي مَأْزِقٍ وُجُودِيٍّ: إِذَا صَمَتَ الفَنُّ أَمَامَ أُوشْفِيتْز، فَقَدْ يَتَخَلَّى عَنْ وَاجِبِهِ فِي الشَّهَادَةِ. وَإِذَا تَكَلَّمَ عَنْهَا، فَقَدْ يُحَوِّلُ العَذَابَ إِلَى مَوْضُوعٍ جَمَالِيٍّ. وَهَذِهِ المَعْضِلَةُ تَحْدِيدًا هِيَ الَّتِي تَمْنَحُ عِبَارَةَ أَدُورْنُو قُوَّتَهَا.
وَلِهَذَا فَإِنَّ أَدُورْنُو يُوَجِّهُ النَّقْدَ فِي اتِّجَاهَيْنِ مَعًا: فَالشِّعْرُ بَعْدَ أُوشْفِيتْز مُشْكِلَةٌ، وَلَكِنَّ إِعْلَانَ اسْتِحَالَةِ الشِّعْرِ بَعْدَ أُوشْفِيتْز مُشْكِلَةٌ أَيْضًا.
وَعِنْدَمَا يَقُولُ أَدُورْنُو: “إِنَّ التَّشَيُّؤَ المُطْلَقَ… يَسْتَعِدُّ اليَوْمَ لِابْتِلَاعِ الرُّوحِ ابْتِلَاعًا كَامِلًا”، نَصِلُ إِلَى العُمْقِ الفَلْسَفِيِّ لِمَوْقِفِهِ مِنَ الاغْتِرَابِ الإِنْسَانِيِّ؛ فَالتَّشَيُّؤُ (Reification) يَعْنِي تَحْوِيلَ الإِنْسَانِ وَالعَلَاقَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ وَالقِيَمِ إِلَى أَشْيَاءَ تَخْضَعُ لِمَنْطِقِ المَنْفَعَةِ وَالتَّبَادُلِ وَالحِسَابِ وَالسَّيْطَرَةِ. وَهُنَا يَفْقِدُ الإِنْسَانُ ذَاتَهُ الحُرَّةَ وَكَيَانَهُ الإِنْسَانِيَّ؛ إِذْ يَتَحَوَّلُ إِلَى رَقْمٍ أَوْ وَظِيفَةٍ أَوْ مَوْرِدٍ أَوْ وَحْدَةٍ قَابِلَةٍ لِلْإِدَارَةِ. وَهُنَا أَيْضًا تُجَسِّدُ أُوشْفِيتْز، فِي هَذَا المَنْظُورِ، صُورَةً قُصْوَى وَمُرْعِبَةً لِهَذَا المَنْطِقِ: لَقَدْ أَصْبَحَ البَشَرُ أَرْقَامًا، وَصَارَتْ عَمَلِيَّةُ قَتْلِهِمْ خَاضِعَةً لِلتَّنْظِيمِ وَالحِسَابِ وَالإِدَارَةِ وَالتِّكْنُولُوجِيَا. وَالمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ حَادِثَةً تَارِيخِيَّةً مُنْفَصِلَةً فَحَسْبُ، بَلْ تَكْشِفُ عَنْ إِمْكَانٍ مُرْعِبٍ كَامِنٍ فِي الحَضَارَةِ الحَدِيثَةِ: أَنْ تَتَحَوَّلَ العَقْلَانِيَّةُ نَفْسُهَا إِلَى أَدَاةٍ لِلسَّيْطَرَةِ وَالإِبَادَةِ. وَهَذَا المَوْقِفُ مِنَ الحَضَارَةِ يَحْمِلُ فِي ذَاتِهِ سُخْرِيَةً فَلْسَفِيَّةً عَمِيقَةً مِنْ فِكْرَةِ التَّقَدُّمِ. فَقَدْ وَعَدَ عَصْرُ التَّنْوِيرِ وَالحَدَاثَةِ بِأَنْ يُؤَدِّيَ تَطَوُّرُ العَقْلِ وَالعِلْمِ وَالثَّقَافَةِ إِلَى تَقَدُّمِ الإِنْسَانِيَّةِ وَإِلَى مَزِيدٍ مِنَ العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ وَالعَقْلَانِيَّةِ وَالأَنْسَنَةِ؛ لَكِنَّ أُوشْفِيتْز حَطَّمَتْ هَذِهِ المُعَادَلَةَ، فَالمُجْتَمَعُ الَّذِي أَنْتَجَ فَلْسَفَةً عَظِيمَةً وَمُوسِيقَى عَظِيمَةً وَعُلُومًا مُتَقَدِّمَةً اسْتَطَاعَ أَيْضًا أَنْ يَسْتَخْدِمَ العِلْمَ وَالتَّنْظِيمَ وَالتِّكْنُولُوجِيَا فِي الإِبَادَةِ().
وَهُنَا يَكْمُنُ التَّسَاؤُلُ الرَّئِيسُ لِأَدُورْنُو: إِذَا كَانَ تَقَدُّمُ العَقْلِ وَالثَّقَافَةِ لَمْ يَمْنَعْ أُوشْفِيتْز، فَمَا مَعْنَى أَنْ نَتَحَدَّثَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ “تَقَدُّمِ الحَضَارَةِ”؟ وَهُنَا أَيْضًا يَرَى أَدُورْنُو “أَنَّ الفِكْرَ النَّقْدِيَّ لَا يَسْتَطِيعُ مُوَاجَهَةَ هَذَا التَّحَدِّي الحَضَارِيِّ مَا دَامَ يَظَلُّ حَبِيسَ التَّأَمُّلِ المُكْتَفِي بِذَاتِهِ”، وَوَفْقَ أَدُورْنُو فَإِنَّ النَّاقِدَ أَوِ الفَيْلَسُوفَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْلِسَ بَعِيدًا عَنِ العَالَمِ وَيَتَأَمَّلَ المَأْسَاةَ، ثُمَّ يَعْتَقِدَ أَنَّ مُهِمَّتَهُ قَدِ انْتَهَتْ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَمَا يُصْبِحُ النَّقْدُ مُجَرَّدَ نَشَاطٍ فِكْرِيٍّ مُغْلَقٍ عَلَى ذَاتِهِ، فَإِنَّهُ يَفْقِدُ قُدْرَتَهُ عَلَى مُقَاوَمَةِ الوَاقِعِ الَّذِي يَنْتَقِدُهُ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ النَّقْدَ الحَقِيقِيَّ يَجِبُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِعَلَاقَتِهِ بِالوَاقِعِ الاجْتِمَاعِيِّ وَالتَّارِيخِيِّ الَّذِي أَنْتَجَ البَرْبَرِيَّةَ، وَأَنْ يَكْشِفَ الشُّرُوطَ الَّتِي جَعَلَتْهَا مُمْكِنَةً، بَدَلَ الاكْتِفَاءِ بِالتَّعْلِيقِ عَلَيْهَا مِنَ الخَارِجِ.
وَبِاخْتِصَارٍ شَدِيدٍ، لَمْ تَكْشِفْ أُوشْفِيتْز فَشَلَ الحَضَارَةِ فِي القَضَاءِ عَلَى البَرْبَرِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ كَشَفَتْ أَنَّ البَرْبَرِيَّةَ يُمْكِنُ أَنْ تَنْشَأَ مِنْ قَلْبِ الحَضَارَةِ نَفْسِهَا. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ تُصْبِحُ عِبَارَةُ “كِتَابَةُ قَصِيدَةٍ بَعْدَ أُوشْفِيتْز عَمَلٌ بَرْبَرِيٌّ” أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ حُكْمٍ عَلَى الشِّعْرِ. إِنَّهَا سُؤَالٌ عَنْ إِمْكَانِ الثَّقَافَةِ ذَاتِهَا بَعْدَ الكَارِثَةِ: هَلْ تَسْتَطِيعُ الفَلْسَفَةُ وَالفَنُّ وَالأَدَبُ وَالنَّقْدُ الاسْتِمْرَارَ كَمَا كَانَتْ مِنْ قَبْلُ، وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ؟ وَجَوَابُ أَدُورْنُو لَيْسَ بِبَسَاطَةٍ “لَا تَكْتُبُوا الشِّعْرَ”، وَإِنَّمَا أَقْرَبُ إِلَى القَوْلِ: لَا يُمْكِنُ لِلْفَنِّ وَالفِكْرِ بَعْدَ أُوشْفِيتْز أَنْ يَسْتَمِرَّا بِبَرَاءَةٍ؛ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَغَيَّرَا وَأَنْ يَحْمِلَا فِي دَاخِلِهِمَا وَعْيًا بِالكَارِثَةِ وَبِالشُّرُوطِ الحَضَارِيَّةِ الَّتِي جَعَلَتْهَا مُمْكِنَةً.
وَهَذَا التَّمْيِيزُ مُهِمٌّ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ يُفَسِّرُ لِمَاذَا عَادَ أَدُورْنُو لَاحِقًا إِلَى مَسْأَلَةِ الشِّعْرِ بَعْدَ أُوشْفِيتْز وَعَدَّلَ مَوْقِفَهُ بِطَرِيقَةٍ أَكْثَرَ دِقَّةً، وُصُولًا إِلَى عِبَارَتِهِ الشَّهِيرَةِ فِي الجَدَلِ السَّلْبِيِّ عَنْ أَنَّ “المُعَانَاةَ الدَّائِمَةَ لَهَا مِنَ الحَقِّ فِي التَّعْبِيرِ بِقَدْرِ مَا لِلْمُعَذَّبِ مِنَ الحَقِّ فِي الصُّرَاخِ”.
فَفِي تَحْلِيلِهِ الدَّقِيقِ لِمَعْنَى عِبَارَةِ “بَعْدَ أُوشْفِيتْز” عِنْدَ أَدُورْنُو، يُحَدِّدُ كْرِيسْتِيَان سْكِيرْكِه (Christian Skirke) أَرْبَعَةَ تَأْوِيلَاتٍ مُمْكِنَةٍ:
1 – يُمْكِنُ فَهْمُ عِبَارَةِ أَدُورْنُو عَلَى أَنَّهَا حَظْرٌ سُلْطَوِيٌّ لِمُمَارَسَةِ الفَنِّ بَعْدَ أُوشْفِيتْز. كَأَنَّ أَدُورْنُو يُصْدِرُ أَمْرًا أَوْ حُكْمًا سُلْطَوِيًّا بِمَنْعِ الفَنِّ وَالشِّعْرِ بَعْدَ أُوشْفِيتْز. أَيْ يُمْكِنُنَا أَنْ نَقْرَأَ كَلَامَ أَدُورْنُو كَمَا لَوْ كَانَ يَقُولُ: بَعْدَ مَا حَدَثَ فِي أُوشْفِيتْز لَمْ يَعُدْ مِنَ الجَائِزِ أَخْلَاقِيًّا أَنْ نَكْتُبَ الشِّعْرَ أَوْ نُنْتِجَ الفَنَّ؛ لِأَنَّ الاسْتِمْرَارَ فِي الإِبْدَاعِ الجَمَالِيِّ بَعْدَ تِلْكَ الكَارِثَةِ قَدْ يَبْدُو نَوْعًا مِنَ اللَّامُبَالَاةِ تِجَاهَ آلَامِ الضَّحَايَا، أَوْ مُحَاوَلَةً لِتَحْوِيلِ المُعَانَاةِ الإِنْسَانِيَّةِ القُصْوَى إِلَى مَادَّةٍ لِلْمُتْعَةِ الجَمَالِيَّةِ. إِنَّ كَلَامَ أَدُورْنُو يُفْهَمُ، فِي هَذَا التَّأْوِيلِ، بِوَصْفِهِ قَاعِدَةً آمِرَةً صَادِرَةً عَنْ سُلْطَةِ النَّاقِدِ أَوِ الفَيْلَسُوفِ: لَا تَكْتُبُوا الشِّعْرَ بَعْدَ أُوشْفِيتْز. وَكَأَنَّ أَدُورْنُو يَمْنَحُ نَفْسَهُ حَقَّ تَحْدِيدِ مَا يَجُوزُ لِلْفَنَّانِ وَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ.
وَهَذَا التَّأْوِيلُ يُوَاجِهُ مُشْكِلَةً أَسَاسِيَّةً؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ عِبَارَةَ أَدُورْنُو أَكْثَرَ إِطْلَاقًا وَبَسَاطَةً مِمَّا تَحْتَمِلُ فَلْسَفَتُهُ. فَأَدُورْنُو لَمْ يَكُنْ، فِي مُجْمَلِ أَعْمَالِهِ، مُعَادِيًا لِلْفَنِّ بَعْدَ أُوشْفِيتْز، بَلْ ظَلَّ يَكْتُبُ عَنِ الفَنِّ وَالمُوسِيقَى وَالأَدَبِ، وَاهْتَمَّ خُصُوصًا بِأَعْمَالِ صَمُوئِيل بِيكت وَغَيْرِهَا مِنْ أَشْكَالِ الفَنِّ الحَدِيثِ. لِذَلِكَ يَصْعُبُ اعْتِبَارُ عِبَارَتِهِ مُجَرَّدَ فَتْوَى فَلْسَفِيَّةٍ بِتَحْرِيمِ الفَنِّ. وَالأَدَقُّ أَنْ نَقُولَ إِنَّ هَذَا هُوَ أَحَدُ المَعَانِي المُمْكِنَةِ لِلْعِبَارَةِ إِذَا أُخِذَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا: أَيْ تَحْوِيلُ قَوْلِ أَدُورْنُو مِنْ تَشْخِيصٍ لِأَزْمَةِ الفَنِّ بَعْدَ الكَارِثَةِ إِلَى أَمْرٍ مِعْيَارِيٍّ يَمْنَعُ إِنْتَاجَ الفَنِّ. وَبِعِبَارَةٍ شَدِيدَةِ الاخْتِصَارِ: التَّأْوِيلُ الأَوَّلُ يَفْهَمُ أَدُورْنُو كَأَنَّهُ يَقُولُ: “بَعْدَ أُوشْفِيتْز، يَجِبُ أَلَّا يَكُونَ هُنَاكَ شِعْرٌ”. لَكِنَّ المُشْكِلَةَ أَنَّ أَدُورْنُو، عَلَى الأَرْجَحِ، لَا يُرِيدُ إِلْغَاءَ الفَنِّ، بَلْ يُرِيدُ مُسَاءَلَةَ إِمْكَانِ الفَنِّ وَشُرُوطِهِ الأَخْلَاقِيَّةِ وَالجَمَالِيَّةِ بَعْدَ أُوشْفِيتْز.
2 – يُمْكِنُ فَهْمُ عِبَارَتِهِ بِأَنَّهَا رَفْضٌ لِلْفَنِّ القَائِمِ بَعْدَ أُوشْفِيتْز، بِمَعْنَى أَنَّ الفَنَّ بَعْدَ أُوشْفِيتْز هُوَ فَشَلٌ، مَهْمَا بَلَغَتْ جُهُودُ الفَنَّانِينَ.
3 – قَدْ تَعْنِي تَوْبِيخًا لِأُولَئِكَ الَّذِينَ يُنْتِجُونَ الفَنَّ أَوْ يُنَاقِشُونَهُ بَعْدَ أُوشْفِيتْز بِسَبَبِ تَوَاطُئِهِمْ مَعَ البَرْبَرِيَّةِ.
4 -أَوْ قَدْ تَعْنِي تَذْكِيرًا لِلْفَنَّانِينَ، وَجُمْهُورِهِمْ، وَنُقَّادِهِمْ، بِأَنَّ الفَنَّ بَعْدَ أُوشْفِيتْز قَدْ فَقَدَ قُوَاهُ الشِّعْرِيَّةَ الخَلَاصِيَّةَ.()”
وَبِسَبَبِ بَلَاغَتِهَا الفَارِقَةِ، قُوبِلَتْ عِبَارَةُ أَدُورْنُو بِرُدُودٍ قَاسِيَةٍ بِالقَدْرِ نَفْسِهِ، وَتَلَقَّاهَا مُعْظَمُ النَّاسِ وَفْقَ المَعْنَى الأَوَّلِ، أَيْ بِوَصْفِهَا حَظْرًا سُلْطَوِيًّا يَرْقَى إِلَى الرَّقَابَةِ. غَيْرَ أَنَّ الشَّاعِرَ وَكَاتِبَ المَقَالَاتِ الأَلْمَانِيَّ هَانْس مَاغْنُوس إِنْتْسِنْسْبِرْغَر (Hans Magnus Enzensberger) أَدْرَكَ أَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ قَصْدَ أَدُورْنُو، وَاعْتَبَرَ العِبَارَةَ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ تَحَدِّيًا حَاسِمًا لِلشُّعَرَاءِ: “إِذَا أَرَدْنَا الاسْتِمْرَارَ فِي الحَيَاةِ، فَيَجِبُ دَحْضُ هَذِهِ الجُمْلَةِ” (). وَيَتَوَافَقُ فَهْمُ إِنْتْسِنْسْبِرْغَر لِعِبَارَةِ أَدُورْنُو مَعَ البُعْدِ الثَّانِي الَّذِي يُحَدِّدُهُ سْكِيرْكِه، وَالَّذِي يُفِيدُ بِأَنَّ الفَنَّ بَعْدَ أُوشْفِيتْز لَا بُدَّ أَنْ يَفْشَلَ، مَهْمَا حَاوَلَ الفَنَّانُونَ وَمَهْمَا حَسُنَتْ نِيَّاتُهُمْ. غَيْرَ أَنَّ كِلَا الفَهْمَيْنِ خَاطِئٌ بِالقَدْرِ نَفْسِهِ — شَأْنُهُمَا شَأْنُ المَعْنَى الثَّالِثِ، الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ عِبَارَةُ أَدُورْنُو بِوَصْفِهَا اتِّهَامًا شَخْصِيًّا لِأُولَئِكَ الَّذِينَ مَا زَالُوا يَكْتُبُونَ الشِّعْرَ، بِسَبَبِ تَوَاطُئِهِمْ مَعَ البَرْبَرِيَّةِ.
وَمِنَ الوَاضِحِ أَنَّ أَدُورْنُو كَانَ يَتَعَمَّدُ اسْتِفْزَازَ القَارِئِ مِنْ خِلَالِ عِبَارَتِهِ، بِمَا فِي ذَلِكَ سُوءُ الفَهْمِ المُتَوَقَّعُ لَهَا. وَقَدْ أَتَاحَ لَهُ ذَلِكَ فُرْصَةً لِلْعَوْدَةِ إِلَيْهَا فِي مَقَالَاتِهِ اللَّاحِقَةِ لِكَيْ يُدَافِعَ عَنْ نَفْسِهِ ضِدَّ تِلْكَ القِرَاءَاتِ وَيُوَضِّحَ قَصْدَهُ الفِعْلِيَّ. وَهَذَا القَصْدُ يَتَمَثَّلُ فِيمَا حَدَّدَهُ سْكِيرْكِه بِوَصْفِهِ الفَهْمَ الرَّابِعَ المُمْكِنَ لِلْعِبَارَةِ، وَالَّذِي يُمْكِنُ إِعَادَةُ صِيَاغَتِهِ عَلَى النَّحْوِ الآتِي: أَرَادَ أَدُورْنُو أَنْ يُذَكِّرَ عَلَنًا جَمِيعَ المَعْنِيِّينَ بِالثَّقَافَةِ الأُورُوبِّيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ بِأَنَّ كُلَّ أَمَلٍ فِي الخَلَاصِ الجَمَالِيِّ هُوَ أَمَلٌ بَاطِلٌ — وَهُوَ مَا كَشَفَتْ عَنْهُ أُوشْفِيتْز بِصُورَةٍ فَاضِحَةٍ، بِوَصْفِهَا الكِنَايَةَ الجُزْئِيَّةَ عَنِ البَرْبَرِيَّةِ شَدِيدَةِ التَّحَضُّرِ (وَالمِيكَانِيكِيَّةِ الفَعَّالَةِ) )). فَالشِّعْرُ، بَعِيدًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مَحْظُورًا، أَصْبَحَ الآنَ مُثْقَلًا بِمُهِمَّةِ الاعْتِرَافِ بِطَابِعِهِ البَرْبَرِيِّ الخَاصِّ وَالتَّأَمُّلِ الجِذْرِيِّ فِيهِ، أَيِ الاعْتِرَافِ بِنَصِيبِهِ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ الشَّامِلَةِ. وَفِي النِّهَايَةِ، فَإِنَّ هَذَا النَّقْدَ الذَّاتِيَّ يُفْضِي إِلَى النَّفْيِ الذَّاتِيِّ لِلشِّعْرِ — عَلَى الأَقَلِّ فِي شَكْلِهِ الحَالِيِّ. وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ اعْتِرَافَ الشِّعْرِ بِاسْتِحَالَتِهِ الخَاصَّةِ هُوَ النَّمَطُ الوَحِيدُ الَّذِي يَبْقَى فِيهِ مُمْكِنًا. وَلِكَيْ يَظَلَّ هَذَا الإِمْكَانُ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ، وَقَادِرًا عَلَى التَّعْبِيرِ عَنِ الحَاجَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ وَالمُعَانَاةِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَلِكَيْ يَبْقَى لَهُ الحَقُّ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، يَنْبَغِي لِلشِّعْرِ وَلِنَقْدِهِ أَنْ يَعْكِسَا البَرْبَرِيَّةَ بِوَصْفِهَا سِمَةً مِنْ سِمَاتِ شَكْلِ حَيَاتِنَا المُتَحَضِّرَةِ ذَاتِهِ.
وَيُمْكِنُ قِرَاءَةُ عِبَارَةِ أَدُورْنُو القَائِلَةِ إِنَّ كِتَابَةَ الشِّعْرِ بَعْدَ أُوشْفِيتْز كَانَتْ عَمَلًا بَرْبَرِيًّا بِوَصْفِهَا مُبَالَغَةً أُخْرَى بِاسْمِ الحَقِيقَةِ. وَعِنْدَمَا يَعُودُ أَدُورْنُو مَرَّةً أُخْرَى إِلَى هَذِهِ العِبَارَةِ فِي “الجَدَلِ السَّلْبِيِّ” (Negative Dialectics)، يَبْدُو لِلْوَهْلَةِ الأُولَى وَكَأَنَّهُ يُخَفِّفُ مِنْ حِدَّتِهَا أَخِيرًا: “قَدْ يَكُونُ مِنَ الخَطَإِ القَوْلُ إِنَّهُ لَمْ يَعُدْ مُمْكِنًا كِتَابَةُ الشِّعْرِ بَعْدَ أُوشْفِيتْز”؛ لِأَنَّ “المُعَانَاةَ المُسْتَمِرَّةَ لَهَا مِنَ الحَقِّ فِي التَّعْبِيرِ بِقَدْرِ مَا لِلْمُعَذَّبِ مِنْ حَقٍّ فِي الصُّرَاخ” ().
وَمِنَ اللَّافِتِ أَنَّهُ لَا يَعُودُ هُنَا إِلَى مَسْأَلَةِ مَا إِذَا كَانَ الشِّعْرُ بَرْبَرِيًّا أَمْ لَا، بَلْ فَقَطْ إِلَى مَسْأَلَةِ إِمْكَانِ كِتَابَتِهِ. وَهَكَذَا، قَدْ يَبْقَى مِنَ المُمْكِنِ كِتَابَةُ شِعْرٍ ذِي مَعْنًى، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَعْنِي أَنَّ الشِّعْرَ قَدْ تَبَرَّأَ بِذَلِكَ مِنْ بَرْبَرِيَّتِهِ. وَفِي حَرَكَةٍ نَمُوذَجِيَّةٍ جِدًّا عِنْدَ أَدُورْنُو، لَا يَكْتَفِي بِإِعَادَةِ تَأْكِيدِ حُكْمِهِ بِطَرِيقَةٍ مُلْتَوِيَةٍ، بَلْ إِنَّهُ يُضَاعِفُ حِدَّتَهُ أَيْضًا عَبْرَ تَوْسِيعِ السُّؤَالِ مِنْ مَسْأَلَةِ الشِّعْرِ إِلَى مَسْأَلَةِ كَيْفِيَّةِ الاسْتِمْرَارِ فِي الحَيَاةِ أَصْلًا: “غَيْرَ أَنَّ السُّؤَالَ الأَقَلَّ ثَقَافِيَّةً لَيْسَ خَاطِئًا: هَلْ لَا تَزَالُ الحَيَاةُ بَعْدَ أُوشْفِيتْز مُمْكِنَةً أَصْلًا، وَهَلْ يَجُوزُ، فَوْقَ ذَلِكَ، لِمَنْ نَجَا مُصَادَفَةً وَكَانَ يَنْبَغِي – بِحَسَبِ مَنْطِقِ الأُمُورِ – أَنْ يُقْتَلَ، أَنْ يُوَاصِلَ العَيْشَ؟” وَبِوَصْفِهِ شَخْصًا نَجَا، يَجِدُ أَدُورْنُو نَفْسَهُ شَرِيكًا فِي ذَنْبٍ لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ حَيَاتِهِ وَحَيَاةِ الجَمِيعِ “يَفْتَرِضُ مُسْبَقًا ذَلِكَ البُرُودَ، أَيِ المَبْدَأَ الأَسَاسِيَّ لِلذَّاتِيَّةِ البُرْجُوَازِيَّةِ، الَّذِي لَمْ يَكُنْ أُوشْفِيتْز مُمْكِنًا مِنْ دُونِهِ” ().
وَقَدْ تَوَسَّعَ أَدُورْنُو فِي مَفْهُومِ “البُرُودِ” فِي حَدِيثٍ إِذَاعِيٍّ نُشِرَ لَاحِقًا تَحْتَ عُنْوَانِ “التَّرْبِيَةُ بَعْدَ أُوشْفِيتْز”. () أَمَّا مَسْأَلَةُ مَا إِذَا كَانَ هَذَا البُرُودُ الإِنْسَانِيُّ – الَّذِي يَدُلُّ عِنْدَ أَدُورْنُو عَلَى اللَّامُبَالَاةِ الإِنْسَانِيَّةِ العَامَّةِ تِجَاهَ مَصِيرِ الآخَرِينَ – يُشَكِّلُ مُجَرَّدَ شَرْطٍ مُسْبَقٍ لِلْبَرْبَرِيَّةِ المُتَحَضِّرَةِ أَمْ أَنَّهُ تَعْبِيرٌ عَنْهَا بِالفِعْلِ، فَلَا يُمْكِنُ حَسْمُهَا هُنَا. لَكِنْ مَا يَهُمُّ الحِجَاجَ الحَالِيَّ هُوَ أَنَّ الحَيَاةَ الَّتِي يَقُومُ اسْتِمْرَارُهَا عَلَى مِثْلِ هَذَا البُرُودِ هِيَ، بِصُورَةٍ لَا مَفَرَّ مِنْهَا، حَيَاةٌ دَاخِلَ الوَضْعِ البَرْبَرِيِّ. وَبِهَذَا المَعْنَى، يَنْبَغِي لِلْحَيَاةِ الوَاعِيَةِ عُمُومًا أَنْ تَتْبَعَ المُهِمَّةَ الَّتِي كَانَ أَدُورْنُو قَدْ فَرَضَهَا عَلَى الشِّعْرِ خُصُوصًا: فَإِذَا كَانَ لِلْحَيَاةِ أَنْ تَبْقَى مُمْكِنَةً أَوْ مَشْرُوعَةً أَصْلًا، فَعَلَيْهَا أَنْ تَخْضَعَ لِنَوْعٍ جِذْرِيٍّ مِنَ التَّأَمُّلِ الذَّاتِيِّ النَّقْدِيِّ فِي ضَوْءِ نَصِيبِهَا مِنَ الذَّنْبِ الشَّامِلِ. وَهَذَا يَتَضَمَّنُ مُوَاجَهَةَ السُّؤَالِ المُتَعَلِّقِ بِشَرْعِيَّةِ اسْتِمْرَارِ الحَيَاةِ نَفْسِهَا.
أَمَّا الكَيْفِيَّةُ الدَّقِيقَةُ الَّتِي يُمْكِنُ بِهَا مُمارَسَةُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّأَمُّلِ الذَّاتِيِّ الجِذْرِيِّ، فَتَبْقَى بَعِيدَةً كُلَّ البُعْدِ عَنِ الوُضُوحِ — رَغْمَ أَنَّ كِتَابَ “الأَخْلَاقِ الصُّغْرَى” (Minima Moralia) لِأَدُورْنُو يُمْكِنُ فَهْمُهُ بِوَصْفِهِ مُحَاوَلَةً لِاسْتِكْشَافِ إِلَى أَيِّ مَدًى يَسْتَطِيعُ البَشَرُ فِعْلًا تَحَمُّلَ مُهِمَّةِ النَّقْدِ الذَّاتِيِّ النَّافِي لِلذَّاتِ. غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ دَفْعُ العَزَاءِ الفَارِغِ وَالتَّأَمُّلِ المُكْتَفِي بِذَاتِهِ — اللَّذَيْنِ كَانَا الهَدَفَ الحَقِيقِيَّ لِعِبَارَةِ أَدُورْنُو عَنِ الشِّعْرِ بَعْدَ أُوشْفِيتْز — فَإِنَّ ذَلِكَ القَلِيلَ الَّذِي لَا يَزَالُ التَّنْوِيرُ قَادِرًا عَلَى فِعْلِهِ يَكُونُ قَدْ تَحَقَّقَ. وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ يَرَى أَدُورْنُو أَنَّهُ بَعْدَ أُوشْفِيتْز لَمْ تَعُدِ البَرْبَرِيَّةُ اسْتِثْنَاءً دَاخِلَ الحَضَارَةِ، بَلْ أَصْبَحَتْ سِمَةً كَامِنَةً فِي الوُجُودِ الحَدِيثِ نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَعُدِ الفَنُّ أَوِ الفِكْرُ قَادِرَيْنِ عَلَى ادِّعَاءِ النَّقَاءِ أَوِ البَرَاءَةِ.
فَبَعْدَ أَنْ وَصَفَ العَالَمَ الحَدِيثَ بِالبَرْبَرِيَّةِ، لَمْ يَكُنْ هَدَفُهُ الدَّعْوَةَ إِلَى الصَّمْتِ أَوِ العَدَمِيَّةِ، بَلِ البَحْثَ عَنْ أَسَاسٍ أَخْلَاقِيٍّ جَدِيدٍ يَمْنَعُ تَكْرَارَ الكَارِثَةِ. وَمِنْ هُنَا صَاغَ مَا سَمَّاهُ “القَانُونَ الأَخْلَاقِيَّ الجَدِيدَ” فِي كِتَابِ الدِّيَالِكْتِيكِ السَّلْبِيِّ.
هَذَا القَانُونُ يُعَدُّ عِنْدَ أَدُورْنُو إِعَادَةَ صِيَاغَةٍ جِذْرِيَّةً لِلْأَخْلَاقِ بَعْدَ أُوشْفِيتْز. فَالفَلْسَفَاتُ الأَخْلَاقِيَّةُ التَّقْلِيدِيَّةُ — الَّتِي كَانَتْ تَتَحَدَّثُ عَنِ الخَيْرِ وَالعَقْلِ وَالوَاجِبِ بِصُورَةٍ مُجَرَّدَةٍ — بَدَتْ لَهُ عَاجِزَةً بَعْدَ مُعَسْكَرَاتِ الإِبَادَةِ؛ لِأَنَّ الحَضَارَةَ نَفْسَهَا الَّتِي رَفَعَتْ شِعَارَاتِ العَقْلِ وَالتَّقَدُّمِ أَنْتَجَتِ الوَحْشِيَّةَ الحَدِيثَةَ(). وَهَذَا القَانُونُ الأَخْلَاقِيُّ يَقْتَضِي تَرْتِيبَ مَبَادِئِ النَّاسِ مِنْ جَدِيدٍ لِأَجْلِ أَلَّا يَدُورَ الزَّمَنُ دَوْرَتَهُ وَتَظْهَرَ أُوشْفِيتْز أُخْرَى أَوْ مَا شَاكَلَهَا مِنَ المَآسِي. لَقَدْ أَثْبَتَتْ وَاقِعَةُ أُوشْفِيتْز أَنَّ التَّقَدُّمَ المَزْعُومَ لِلْحَضَارَةِ لَمْ يَقْضِ عَلَى البَرْبَرِيَّةِ فِي دَوَاخِلِنَا، وَلَمْ يَكُنْ تَكْبِيلُهَا أَوْ كَبْتُهَا فِينَا نَاجِعًا فِي دَحْرِهَا، بَلْ قَامَ الجَهْلُ المُتَأَصِّلُ فِيهَا بِإِيقَادِ نَارِ العَوْدَةِ، عَوْدَةٍ شَدِيدَةِ التَّطَرُّفِ، عَوْدَةٍ ذَاتِ خَطَرٍ حَوَّلَتْ مَا كُنَّا نَحْلُمُ بِهِ مِنْ عَالَمٍ ذِي فِكْرٍ تَنْوِيرِيٍّ عَالَمِيٍّ إِلَى كَارِثَةٍ جَسِيمَةٍ انْتَفَتْ بَعْدَهَا أَيُّ مُحَاوَلَةٍ لِلْوُصُولِ إِلَى العَالَمِيَّةِ ().
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَّرَ أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر أَنَّهُ لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَأْمَلَ فِي الخَلَاصِ بِمُجَرَّدِ التَّمَسُّكِ بِالعَقْلِ الكُلِّيِّ المَزْعُومِ (العَقْلِ المَحْضِ عِنْدَ كَانْط). فَلَا وُجُودَ لِأَيِّ سَبِيلٍ يُمَكِّنُ البَشَرَ أَنْ يُحَرَّرُوا (أَوْ أَنْ يُحَرِّرُوا أَنْفُسَهُمْ) مِنْ ذَلِكَ المَبْدَإِ البَرْبَرِيِّ المُتَأَصِّلِ وَالمُتَجَذِّرِ فِينَا، كَمَا فِي صُورَتِهِ العَامَّةِ فِي ذِكْرِنَا لَهُ سَابِقًا، وَبَدَلًا مِنْ مُحَاوَلَةِ اسْتِعَادَةِ عَالَمِيَّةٍ غَيَّبَهَا الدَّهْرُ إِلَى الأَبَدِ، فَإِنَّ مَسْؤُولِيَّتَنَا فِي ظِلِّ هَذَا القَانُونِ الأَخْلَاقِيِّ الجَدِيدِ مُحَاسَبَةُ أَنْفُسِنَا عَلَى هَذَا الفَشَلِ الذَّرِيعِ ().
مِنَ المُهِمِّ القَوْلُ إِنَّ أَدُورْنُو يُلَمِّحُ إِلَى رُدُودٍ لَيْسَتْ بَرْبَرِيَّةً عَلَى الأَوْضَاعِ البَرْبَرِيَّةِ العَامَّةِ المَذْكُورَةِ سَابِقًا. وَيَجِبُ عَلَيْنَا تَرْكِيزُ اهْتِمَامِنَا عَلَى هَذِهِ الطُّرُقِ أَوِ الرُّدُودِ وَأَنْ نَسْتَجِيبَ لِنِدَائِهَا، وَخُصُوصًا قَانُونَهُ الأَخْلَاقِيَّ الجَدِيدَ الَّذِي لَا يَدْعُونَا إِلَى التَّفْكِيرِ وَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا إِلَى العَمَلِ مِنْ أَجْلِ اسْتِعَادَةِ الإِنْسَانِيَّةِ قَبْلَ وُقُوعِهَا فِي البَرْبَرِيَّةِ، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ “الكُلَّ” أَوْ “عُمُومَ المَوْجُودَاتِ” مُتَّصِفٌ بِالبَرْبَرِيَّةِ، فَالتَّطْبِيقُ العَمَلِيُّ الوَحِيدُ أَوِ “البْرَاكْسِيسُ” الوَحِيدُ المُنَاسِبُ بَعْدَ مَا حَصَلَ فِي أُوشْفِيتْز هُوَ تَوْجِيهُ جُهُودِنَا جَمِيعِهَا لِلتَّخَلُّصِ مِنْ بَرْبَرِيَّتِنَا. إِنَّنَا لَوْ مَحَّصْنَا الأَمْرَ لَوَجَدْنَا أَنَّهُ لَا مَنَاصَ مِنْ أَنْ يَظَلَّ هَذَا الأَمْرُ طُوبَاوِيًّا بَعِيدَ المَنَالِ، لِقَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ إِنَّ الوُجُودَ بِقَضِّهِ وَقَضِيضِهِ وَاقِعٌ فِي البَرْبَرِيَّةِ. وَلَكِنَّنِي أَسْتَطِيعُ القَوْلَ إِنَّ هُنَاكَ نُقْطَةَ بَدْءٍ مَا نَسْتَطِيعُ تَوْجِيهَ جُهُودِنَا نَحْوَهَا مِنْ أَجْلِ المَسِيرِ نَحْوَ تَحْقِيقِ هَذَا الحُلْمِ الطُّوبَاوِيِّ، عَلَى وَعُورَةِ الدَّرْبِ السَّالِكِ إِلَيْهِ.
6-بَرْبَرِيَّةُ الفَنِّ:
وَفِي العَمَلِ المُتَأَخِّرِ لِأَدُورْنُو، أَيْ “النَّظَرِيَّةِ الجَمَالِيَّةِ” (Ästhetische Theorie)، تُصْبِحُ نَتَائِجُ نَظَرِيَّتِهِ السَّلْبِيَّةِ أَكْثَرَ وُضُوحًا: فَحَتَّى الأَعْمَالُ الفَنِّيَّةُ الَّتِي يَعْتَرِفُ أَدُورْنُو بِأَصَالَتِهَا – سَوَاءٌ أَكَانَتْ لِبِيتْهُوفِن، أَوْ لِشُونْبِرْغ المُبَكِّرِ، أَوْ لِبِيكِيت، أَوْ لِكَافْكَا – لَيْسَتْ خَالِيَةً مِنَ البَرْبَرِيَّةِ، وَالهَيْمَنَةِ، وَالعُنْفِ. فَجَمِيعُهَا تَظَلُّ مُتَشَابِكَةً دَاخِلَ “رُوحِ العَالَمِ”، الَّذِي يَعْنِي، بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَدُورْنُو، الذَّنْبَ الكُلِّيَّ الَّذِي لَا يُمْكِنُ لِتِلْكَ الأَعْمَالِ أَنْ تَتَحَرَّرَ مِنْهُ إِلَّا عَبْرَ الإِلْغَاءِ الذَّاتِيِّ. غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ سَيَعْنِي الاسْتِسْلَامَ لِلْبَلَاهَةِ، وَالخُضُوعَ الكَامِلَ لِلْبَرْبَرِيَّةِ بَدَلًا مِنْ مُقَاوَمَتِهَا. ذَلِكَ لِأَنَّ الأَعْمَالَ الفَنِّيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ – بِخِلَافِ مُنْتَجَاتِ “صِنَاعَةِ الثَّقَافَةِ”، الَّتِي لَا تَبْدُو لِأَدُورْنُو سِوَى بَرْبَرِيَّةٍ خَالِصَةٍ – تَسْتَطِيعُ عَلَى الأَقَلِّ أَنْ تَعْكِسَ شُرُوطَهَا البَرْبَرِيَّةَ الخَاصَّةَ )).
وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الجَوَابَ الَّذِي تُقَدِّمُهُ “النَّظَرِيَّةُ الجَمَالِيَّةُ” لِمُشْكِلَةِ الحُضُورِ الشَّامِلِ لِلْبَرْبَرِيَّةِ عَلَى مُسْتَوَى الإِنْتَاجِ الفَنِّيِّ، فَإِنَّ مَقَالَ أَدُورْنُو “النَّقْدُ الثَّقَافِيُّ وَالمُجْتَمَعُ” يُقَدِّمُ بِالفِعْلِ جَوَابًا (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَلًّا) عَلَى مُسْتَوَى النَّقْدِ الثَّقَافِيِّ. وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُهُ عَلَى النَّحْوِ الآتِي: يَنْبَغِي لِمُمَارَسَةِ النَّقْدِ الثَّقَافِيِّ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى نَقْدٍ جَدَلِيٍّ لِلثَّقَافَةِ. فَمِثْلُ هَذَا النَّقْدِ يُطَبِّقُ فِعْلَ النَّفْيِ – الَّذِي يُشَكِّلُ، بِالمَعْنَى الأَدُورْنِيِّ، “الحَقِيقَةَ” دَاخِلَ النَّقْدِ الثَّقَافِيِّ – عَلَى مَفْهُومِ الثَّقَافَةِ ذَاتِهِ. وَهَذَا النَّقْدُ لَا يَتْرُكُ شَيْئًا بِلَا مُسَاءَلَةٍ، وَأَقَلُّ الأَشْيَاءِ إِعْفَاءً مِنَ النَّقْدِ هُوَ نَفْسُهُ؛ لَكِنَّهُ يَفْهَمُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ النَّجَاحَ الكَامِلَ: “حَتَّى أَكْثَرُ تَأَمُّلَاتِ الرُّوحِ جِذْرِيَّةً فِي فَشَلِهَا الخَاصِّ تَبْقَى مَحْدُودَةً بِحَقِيقَةِ أَنَّهَا تَظَلُّ مُجَرَّدَ تَأَمُّلٍ، مِنْ دُونِ أَنْ تُغَيِّرَ الوُجُودَ الَّذِي يَشْهَدُ فَشَلُ الرُّوحِ عَلَيْهِ” (). وَانْطِلَاقًا مِنْ وَعْيِهِ بِهَذَا الحَدِّ، لَا يَسْتَطِيعُ النَّقْدُ الجَدَلِيُّ أَنْ يَبْقَى مُنْغَلِقًا دَاخِلَ ذَاتِهِ بَحْثًا عَنِ العَزَاءِ فِي فِكْرَتِهِ الخَاصَّةِ؛ بَلْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَرِفَ بِالمُطَالَبَةِ الَّتِي يَطْرَحُهَا المَوْضُوعُ الثَّقَافِيُّ المُحَدَّدُ الَّذِي يُرَكِّزُ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَتَأَمَّلَ كَيْفَ تَعْكِسُ هَذِهِ المُطَالَبَةُ كُلِّيَّةَ المُجْتَمَعِ أَوْ تُقَاوِمُهَا. كَمَا يَنْبَغِي أَيْضًا دَفْعُ الارْتِبَاطِ الضَّرُورِيِّ بَيْنَ النَّاقِدِ وَالثَّقَافَةِ الَّتِي يَنْتَقِدُهَا إِلَى مَا يَتَجَاوَزُ مُجَرَّدَ التَّأَمُّلِ؛ إِذْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ، فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، عَنْ عِبَادَةِ الرُّوحِ (أَيْ صَنَمِيَّةِ الأَشْكَالِ “العُلْيَا” لِلتَّهْذِيبِ)، وَعَنْ كَرَاهِيَةِ الرُّوحِ أَيْضًا: “إِنَّ النَّاقِدَ الجَدَلِيَّ لِلثَّقَافَةِ يَجِبُ أَنْ يُشَارِكَ فِي الثَّقَافَةِ وَأَلَّا يُشَارِكَ فِيهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ. وَعِنْدَئِذٍ فَقَطْ يُنْصِفُ مَوْضُوعَهُ وَيُنْصِفُ نَفْسَهُ” ().
وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى، يَنْبَغِي لِلنَّاقِدِ أَنْ يَظَلَّ مُتَمَسِّكًا بِالجُزْئِيِّ، الَّذِي وَحْدَهُ تَسْتَطِيعُ الثَّقَافَةُ مِنْ خِلَالِهِ أَنْ تَكْشِفَ شَيْئًا مِنَ الحَقِيقَةِ، مِنْ دُونِ أَنْ يَنْخَدِعَ بِالوَهْمِ المُرِيحِ لِكُلِّيَّةِ الثَّقَافَةِ. لِأَنَّ “الكُلَّ هُوَ اللَّاحَقُّ”()، كَمَا يَقُولُ أَدُورْنُو فِي عِبَارَتِهِ الشَّهِيرَةِ فِي الشَّذْرَةِ 29 مِنْ “الأَخْلَاقِ الصُّغْرَى” (Minima Moralia). () وَفِي سِيَاقِ النَّقْدِ الثَّقَافِيِّ، يَعْنِي هَذَا أَنَّ كُلِّيَّةَ الثَّقَافَةِ المُطْمَئِنَّةَ تُغَذِّي البَرْبَرِيَّةَ مِنْ خِلَالِ إِنْكَارِهَا، فِي حِينِ أَنَّهُ لَا يَبْقَى لِلثَّقَافَةِ مِنْ قُدْرَةٍ عَلَى كَشْفِ شَيْءٍ مِنَ الحَقِيقَةِ إِلَّا عَبْرَ اعْتِرَافِهَا بِبَرْبَرِيَّتِهَا الخَاصَّةِ. وَهَذَا، بِالمُنَاسَبَةِ، هُوَ أَقْصَى مَا يُمْكِنُ الحُصُولُ عَلَيْهِ مِنْ أَمَلٍ عِنْدَ أَدُورْنُو.
وَهَكَذَا، فَإِنَّ النَّقْدَ الجَدَلِيَّ لِلثَّقَافَةِ هُوَ نَقْدٌ لِجَدَلِ الثَّقَافَةِ وَالبَرْبَرِيَّةِ. وَعِنْدَمَا يَتَحَدَّثُ أَدُورْنُو عَنْ هَذَا الجَدَلِ، فَإِنَّهُ يَسْتَحْضِرُ مَقُولَةَ فَالْتَر بِنْيَامِين الشَّهِيرَةَ فِي كِتَابِهِ “الإِشْرَاقَاتِ”: “لَا تُوجَدُ وَثِيقَةٌ ثَقَافِيَّةٌ لَيْسَتْ، فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، وَثِيقَةً بَرْبَرِيَّةً” ().
وَكَمَا يَظْهَرُ فِي الاقْتِبَاسِ الطَّوِيلِ أَعْلَاهُ، يَرَى أَدُورْنُو أَنَّ هَذَا الجَدَلَ قَدْ بَلَغَ مَرْحَلَتَهُ الأَخِيرَةَ، وَهُوَ مَا يَعْنِي – ضِمْنَ أُمُورٍ أُخْرَى – أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ مُمْكِنًا تَطْوِيقُهُ أَوِ احْتِوَاؤُهُ. لَقَدْ أَظْهَرَ التَّجَلِّي الصَّرِيحُ لِلْبَرْبَرِيَّةِ شَدِيدَةِ التَّحَضُّرِ فِي أُوشْفِيتْز أَنَّ الجَانِبَ البَرْبَرِيَّ فِي كُلِّ ثَقَافَةٍ لَمْ يَكْتَسِبِ اليَدَ العُلْيَا فَحَسْبُ، بَلْ بَلَغَ نُقْطَةً أَصْبَحَ مَعَهَا كُلُّ مَا لَا يُعَارِضُهُ بِصُورَةٍ صَارِمَةٍ مَوْضِعَ شَكٍّ. وَإِذَا كَانَ الشِّعْرُ يُمَثِّلُ ذُرْوَةَ التَّعْبِيرِ الأَكْثَرِ رَهَافَةً وَحَسَاسِيَّةً فِي الثَّقَافَةِ، وَالشَّكْلَ الأَكْثَرَ تَهْذِيبًا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ تَتَّخِذَهُ اللُّغَةُ، فَإِنَّ هَذَا يَجْعَلُ الشِّعْرَ تَعْبِيرًا أَكْثَرَ حِدَّةً عَنِ البَرْبَرِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ دَائِمًا وَجْهَهُ الآخَرَ، وَالَّتِي تَحَوَّلَتِ الثَّقَافَةُ الآنَ إِلَيْهَا بِصُورَةٍ نِهَائِيَّةٍ. إِنَّ الوَعْدَ بِالتَّهْذِيبِ الَّذِي يُمَثِّلُهُ الشِّعْرُ قَدْ جَرَى خِيَانَتُهُ؛ لِأَنَّ الشِّعْرَ مُتَوَاطِئٌ، شَأْنُهُ شَأْنُ كُلِّ شَيْءٍ آخَرَ، مَعَ وَاقِعٍ حَدَثَتْ فِيهِ أُوشْفِيتْز. وَبِهَذَا المَعْنَى، أَصْبَحَ الشِّعْرُ مُسْتَحِيلًا مِنَ النَّاحِيَةِ المِعْيَارِيَّةِ. بِالطَّبْعِ، يُمْكِنُ فَهْمُ حُكْمِ أَدُورْنُو بِطَرَائِقَ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا.
7-خَاتِمَةٌ:
يُعَانِي مَفْهُومُ البَرْبَرِيَّةِ عِنْدَ أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر مِنْ إِشْكَالِيَّةِ التَّشَابُكِ وَالغُمُوضِ. فَـ”النَّمَطُ الجَدِيدُ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ” يُمْكِنُ أَنْ يُشِيرَ إِلَى الحَيَاةِ الحَدِيثَةِ عُمُومًا، كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُشِيرَ إِلَى أَحْدَاثٍ دَمَوِيَّةٍ عَنِيفَةٍ كَمَا فِي أُوشْفِيتْز، أَوْ إِلَى مُعَانَاةِ النَّاسِ الوُجُودِيَّةِ فِي زَمَنِ الثَّقَافَةِ الرَّأْسْمَالِيَّةِ المُتَوَحِّشَةِ، أَوْ إِلَى كُلِّ ذَلِكَ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَيُضَافُ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ أَدُورْنُو اسْتَخْدَمَهُ لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الإِخْفَاقِ التَّنْوِيرِيِّ الجَمَالِيِّ.
وَرَغْمَ الغُمُوضِ الَّذِي يَتَلَبَّسُ مَفْهُومَ البَرْبَرِيَّةِ عِنْدَ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو، فَإِنَّهُمَا يُعْطِيَانِ لِهَذَا المَفْهُومِ وَظِيفَةً مَرْكَزِيَّةً يُحَقِّقُهَا اخْتِيَارُهُمَا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ؛ وَتَتَمَثَّلُ هَذِهِ الوَظِيفَةُ فِي الحِدَّةِ البَلَاغِيَّةِ لِلْكَلِمَةِ، أَيْ فِي المُبَالَغَةِ الَّتِي يَسْتَلْزِمُهَا حَتْمًا وَصْفُ شَيْءٍ مَا بِأَنَّهُ بَرْبَرِيٌّ. وَفَوْقَ الشِّحْنَةِ المِعْيَارِيَّةِ الَّتِي تَحْمِلُهَا كَلِمَةُ “البَرْبَرِيَّةِ” فِي ذَاتِهَا، يَسْعَى أَدُورْنُو إِلَى تَحْوِيلِهَا إِلَى سِلَاحٍ فِكْرِيٍّ. وَهَذَا السِّلَاحُ مُوَجَّهٌ ضِدَّ الحَضَارَةِ التَّنْوِيرِيَّةِ بِوَصْفِهَا نَقِيضًا مُعَادِلًا لِلْبَرْبَرِيَّةِ. وَهَكَذَا يُصْبِحُ مَفْهُومُ البَرْبَرِيَّةِ أَدَاةً لِلنَّقْدِ الذَّاتِيِّ لِلتَّنْوِيرِ وَالثَّقَافَةِ، مَعْكُوسًا بِذَلِكَ الدَّلَالَةَ الأَصْلِيَّةَ لِوَصْفِ شَيْءٍ أَوْ شَخْصٍ بِأَنَّهُ بَرْبَرِيٌّ. غَيْرَ أَنَّهُ، رَغْمَ أَنَّ البَرْبَرِيَّةَ قَدْ تَتَحَوَّلُ إِلَى وَسِيطٍ لِلتَّأَمُّلِ الذَّاتِيِّ النَّقْدِيِّ، فَإِنَّ الهَدَفَ مِنِ اسْتِخْدَامِهَا هُوَ تَحْدِيدًا أَلَّا تَتَوَسَّطَ، بَلْ أَنْ تُحِيلَ إِلَى وَاقِعٍ مُتَطَرِّفٍ مِنْ خِلَالِ اتِّخَاذِ تَدَابِيرَ بَلَاغِيَّةٍ – مَفْهُومِيَّةٍ مُتَطَرِّفَةٍ: بَلَاغَةٌ مُبَالَغٌ فِيهَا فِي مُوَاجَهَةِ حَضَارَةٍ مُبَالَغٍ فِيهَا، لَا تَسْتَجِيبُ لِلْحُجَجِ التَّصَالُحِيَّةِ. وَبِهَذَا المَعْنَى، تُصْبِحُ البَرْبَرِيَّةُ اسْمًا آخَرَ لِلْمُبَالَغَةِ الَّتِي هِيَ الوَاقِعُ نَفْسُهُ تَحْتَ شُرُوطِ الحَضَارَةِ التَّنْوِيرِيَّةِ.
إِنَّ مَعْقُولِيَّةَ هَذِهِ “الطَّرِيقَةِ” القَائِمَةِ عَلَى التَّضَادِّ تَعْتَمِدُ عَلَى مَعْقُولِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ السَّلْبِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ عِنْدَ أَدُورْنُو كَكُلٍّ؛ فَإِذَا لَمْ يُشَارِكِ المَرْءُ أَصْلًا مِثْلَ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ، فَإِنَّ اسْتِخْدَامَ مِطْرَقَةٍ بَلَاغِيَّةٍ مِثْلَ “النَّمَطِ الجَدِيدِ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ” لَنْ يَكُونَ مُقْنِعًا عَلَى الأَرْجَحِ. غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ الفَظَائِعِ المَلْمُوسَةِ فِي زَمَنِنَا الرَّاهِنِ قَدْ تَمْنَعُنَا مِنَ التَّخَلِّي سَرِيعًا عَنِ النَّبْرَةِ السَّلْبِيَّةِ لِلنَّظَرِيَّةِ النَّقْدِيَّةِ المُبَكِّرَةِ؛ فَهَذِهِ النَّظَرِيَّةُ الَّتِي تَبْدُو مُتَقَادِمَةً رُبَّمَا لَا تَزَالُ قَادِرَةً عَلَى أَنْ تُوَفِّرَ مُعْجَمًا لِفَهْمِ الحَاضِرِ.
وَكَمَا ذُكِرَ سَابِقًا، لَا يُوجَدُ عِنْدَ أَدُورْنُو مَفْهُومٌ نِهَائِيٌّ لِلْبَرْبَرِيَّةِ. بَلْ تُوجَدُ اسْتِخْدَامَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ مَقْصُودَةٌ لِهَذَا المَفْهُومِ الَّذِي يَكْتَسِبُ دَلَالَتَهُ المَفْهُومِيَّةَ دَاخِلَ البُنَى وَالسِّيَاقَاتِ الَّتِي يَظْهَرُ فِيهَا وَمِنْ خِلَالِهَا. وَيَتَمَثَّلُ أَثَرُهَا فِي جَمِيعِ تِلْكَ البُنَى فِي إِعَادَةِ تَوْجِيهِ الإِحَالَةِ مِنَ “الآخَرِ” وَ”السَّابِقِ” نَحْوَ “الذَّاتِ” التَّنْوِيرِيَّةِ نَفْسِهَا، بِحَيْثُ يُطْرَحُ السُّؤَالُ: “مَنْ هُوَ البَرْبَرِيُّ الآنَ؟”
وَالجَوَابُ هُوَ: نَحْنُ، حَضَارَتُنَا التَّنْوِيرِيَّةُ، وَمُنْتَجَاتُنَا الثَّقَافِيَّةُ. فَالبَرْبَرِيَّةُ لَا تَتَمَثَّلُ فِي مُجَرَّدِ بَقَايَا بِدَائِيَّةٍ؛ بَلْ إِنَّ الحَضَارَةَ التَّنْوِيرِيَّةَ وَمُنْتَجَاتِهَا قَدْ عَمِلَتْ عَلَى تَطْبِيعِ البَرْبَرِيَّةِ وَإِعَادَةِ إِنْتَاجِهَا بِاسْتِمْرَارٍ. أَمَّا الاسْتِجَابَةُ المُلَائِمَةُ لِهَذَا الإِدْرَاكِ، فَتَتَمَثَّلُ فِي مُمارَسَةٍ أَقَلَّ تَوَاطُؤًا مَعَ الشُّرُوطِ البَرْبَرِيَّةِ لِلْحَيَاةِ الإِنْسَانِيَّةِ الحَدِيثَةِ.
وَتَكْشِفُ القِرَاءَةُ النَّقْدِيَّةُ لِمَفْهُومِ البَرْبَرِيَّةِ عِنْدَ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو أَنَّ أَخْطَرَ مَا يُمَيِّزُ البَرْبَرِيَّةَ الحَدِيثَةَ أَنَّهَا لَمْ تَعُدْ نَقِيضًا خَارِجِيًّا لِلْحَضَارَةِ، وَلَا بَقَايَا لِمَرْحَلَةٍ بِدَائِيَّةٍ تَجَاوَزَهَا التَّارِيخُ، بَلْ أَصْبَحَتْ إِمْكَانًا كَامِنًا فِي صَمِيمِ الحَضَارَةِ الحَدِيثَةِ ذَاتِهَا. وَفِي هَذِهِ الوَضْعِيَّةِ تَنْقَلِبُ المُعَادَلَةُ التَّقْلِيدِيَّةُ الَّتِي تُقَابِلُ بَيْنَ الحَضَارَةِ وَالبَرْبَرِيَّةِ: فَمُعْطَيَاتُ العَقْلَانِيَّةِ وَالتَّقَدُّمِ العِلْمِيِّ وَالتِّقْنِيِّ وَالتَّنْظِيمِ البِيرُوقْرَاطِيِّ لَا تَضْمَنُ بِذَاتِهَا تَقَدُّمًا أَخْلَاقِيًّا فِي المُجْتَمَعَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ المُعَاصِرَةِ، وَعَلَى خِلَافِ ذَلِكَ يُمْكِنُ لِهَذِهِ المُعْطَيَاتِ الحَضَارِيَّةِ، عِنْدَمَا تَنْفَصِلُ عَنِ الغَايَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ وَالتَّحَرُّرِيَّةِ، أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى أَدَوَاتٍ فَتَّاكَةٍ أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى مُمارَسَةِ الهَيْمَنَةِ وَالسَّيْطَرَةِ وَالإِخْضَاعِ وَالتَّدْمِيرِ. وَمِنْ هَذِهِ المُفَارَقَةِ بَيْنَ البَرْبَرِيَّةِ وَالثَّقَافَةِ يُولَدُ المَعْنَى العَمِيقُ لِمَفْهُومِ “البَرْبَرِيَّةِ الجَدِيدَةِ”: إِنَّهَا لَيْسَتْ عَوْدَةً بَسِيطَةً إِلَى الوَحْشِيَّةِ القَدِيمَةِ، بَلْ وَحْشِيَّةٌ مُتَحَضِّرَةٌ عَقْلَانِيَّةٌ تِقْنِيَّةٌ وَمُنَظَّمَةٌ، وَلَكِنَّهَا أَكْثَرُ فَتْكًا وَتَدْمِيرًا لِلْحَضَارَةِ الأَخْلَاقِيَّةِ بِأَدَوَاتِ الحَضَارَةِ نَفْسِهَا.
وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ تَتَّصِلُ حَلَقَاتُ التَّحْلِيلِ المُخْتَلِفَةُ فِي جَدَلِ التَّنْوِيرِ ضِمْنَ مَنْطِقٍ وَاحِدٍ. فَأُودِيسْيُوس فِي الأُودِيسَّةِ يَكْشِفُ لَنَا البُذُورَ الأُولَى لِلْعَقْلِ الأَدَاتِيِّ الَّذِي يُوَظِّفُ الدَّهَاءَ مِنْ أَجْلِ السَّيْطَرَةِ وَالتَّضْحِيَةِ بِالآخَرِ؛ وَعَلَى هَذَا المِنْوَالِ الأُودِيسِّيِّ تَقُومُ الصِّنَاعَةُ الثَّقَافِيَّةُ الَّتِي تَتَبَنَّى هَذَا المَنْطِقَ فِي السَّيْطَرَةِ عَلَى الوَعْيِ وَالقِيَمِ وَالأَخْلَاقِ، فَتَفْعَلُ فِعْلَهَا الأُسْطُورِيَّ فِي تَنْمِيطِ الأَفْرَادِ، وَتَعْمَلُ عَلَى سَلْبِ عُقُولِهِمْ وَتَدْمِيرِ اسْتِقْلَالِهِمْ وَاحْتِوَاءِ قُدْرَتِهِمْ عَلَى التَّأَمُّلِ وَالنَّقْدِ.
وَفِي سِيَاقِ التَّوَحُّشِ ضِدَّ السَّامِيَّةِ، يُظْهِرُ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْعُنْصُرِيَّةِ أَنْ تَعْتَمِدَ عَلَى التَّصْنِيفَاتِ العِرْقِيَّةِ وَالإِسْقَاطِ الزَّائِفِ وَعَقْلِيَّةِ التَّذْكِرَةِ، وَأَنْ تَعْمَلَ مُجْتَمِعَةً عَلَى ارْتِكَابِ جَرَائِمَ رَهِيبَةٍ ضِدَّ الإِنْسَانِيَّةِ، وَقَدْ تَجَسَّدَتْ صُوَرُهَا البَرْبَرِيَّةُ الأَكْثَرُ بَشَاعَةً فِي أُوشْفِيتْز وَفِي الهُولُوكُوسْت عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ لَا يُمْكِنُ لِلْمَحْرَقَةِ أَنْ تَكُونَ مُجَرَّدَ حَادِثٍ عَرَضِيٍّ وَقَعَ خَارِجَ مَسَارِ الحَدَاثَةِ، بَلْ تَكُونُ تَحْذِيرًا تَارِيخِيًّا رَهِيبًا مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ عِنْدَمَا يَقْتَرِنُ التَّقَدُّمُ التِّقْنِيُّ بِالعَقْلِ الأَدَاتِيِّ وَالبُرُودِ الإِنْسَانِيِّ وَالطَّاعَةِ وَاللَّامُبَالَاةِ. وَيَتَوَافَقُ ذَلِكَ مَعَ انْتِقَالِ النَّصِّ مِنْ تَحْلِيلِ الصِّنَاعَةِ الثَّقَافِيَّةِ إِلَى تَحْلِيلِ البَرْبَرِيَّةِ الصَّرِيحَةِ وَالكَامِنَةِ فِي مُعَادَاةِ السَّامِيَّةِ.
وَمِنْ هُنَا أَيْضًا تَكْتَسِبُ عِبَارَةُ أَدُورْنُو الشَّهِيرَةُ “إِنَّ كِتَابَةَ الشِّعْرِ بَعْدَ أُوشْفِيتْز عَمَلٌ بَرْبَرِيٌّ” مَعْنَاهَا الأَعْمَقَ. إِذْ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْرَأَ بِوَصْفِهَا تَحْرِيمًا نِهَائِيًّا لِلْفَنِّ، وَإِنَّمَا بِوَصْفِهَا مُسَاءَلَةً جِذْرِيَّةً لِحَقِّ الثَّقَافَةِ فِي الاسْتِمْرَارِ كَمَا كَانَتْ بَعْدَ أَنْ أَخْفَقَتْ فِي مَنْعِ الكَارِثَةِ، بَلْ وَأَسْهَمَتْ بَعْضُ بُنَاهَا فِي جَعْلِهَا مُمْكِنَةً. وَلِذَلِكَ عَادَ أَدُورْنُو نَفْسُهُ إِلَى هَذِهِ القَضِيَّةِ مُؤَكِّدًا حَقَّ المُعَانَاةِ فِي التَّعْبِيرِ؛ فَالمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي وُجُودِ الفَنِّ بَعْدَ أُوشْفِيتْز، وَإِنَّمَا فِي كَيْفِيَّةِ إِمْكَانِ الفَنِّ وَالفِكْرِ وَالحَيَاةِ بَعْدَ أُوشْفِيتْز مِنْ دُونِ أَنْ تَتَحَوَّلَ ذَاكِرَةُ الضَّحَايَا إِلَى سِلْعَةٍ ثَقَافِيَّةٍ أَوْ خِطَابٍ أَجْوَفَ.
وَبِهَذَا المَعْنَى لَا يَنْتَهِي نَقْدُ أَدُورْنُو وَهُورْكْهَايْمَر إِلَى التَّشَاؤُمِ أَوِ العَدَمِيَّةِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ قَتَامَةِ تَشْخِيصِهِمَا. فَالكَشْفُ عَنِ البَرْبَرِيَّةِ الكَامِنَةِ فِي الحَضَارَةِ هُوَ فِي ذَاتِهِ مُحَاوَلَةٌ لِإِنْقَاذِ الوَعْدِ التَّحَرُّرِيِّ لِلتَّنْوِيرِ مِنِ انْحِرَافِهِ الأَدَاتِيِّ. وَلِذَلِكَ تُصْبِحُ مُهِمَّةُ النَّقْدِ أَنْ يَدْفَعَ العَقْلَ إِلَى نَقْدِ ذَاتِهِ، وَأَنْ يَسْتَعِيدَ قُدْرَتَهُ عَلَى التَّأَمُّلِ فِي غَايَاتِهِ، وَأَنْ يُقَاوِمَ التَّشَيُّؤَ وَالامْتِثَالَ وَالبُرُودَ وَاللَّامُبَالَاةَ تِجَاهَ مُعَانَاةِ الآخَرِينَ. وَمِنْ هُنَا يَكْتَسِبُ المَطْلَبُ الأَخْلَاقِيُّ الَّذِي تَبَلْوَرَ عِنْدَ أَدُورْنُو بَعْدَ أُوشْفِيتْز دَلَالَتَهُ القُصْوَى: يَنْبَغِي إِعَادَةُ بِنَاءِ الفِكْرِ وَالتَّرْبِيَةِ وَالثَّقَافَةِ وَالحَيَاةِ بِحَيْثُ يَكُونُ مَنْعُ تَكْرَارِ أُوشْفِيتْز وَأَيِّ شَكْلٍ مُمَاثِلٍ مِنْ أَشْكَالِ البَرْبَرِيَّةِ غَايَتَهَا الأَخْلَاقِيَّةَ الأُولَى. وَهَذَا هُوَ الاتِّجَاهُ الَّذِي يَصِلُ إِلَيْهِ النَّصُّ حِينَ يَنْتَقِلُ مِنْ تَشْخِيصِ البَرْبَرِيَّةِ إِلَى البَحْثِ عَنْ أَسَاسٍ أَخْلَاقِيٍّ يَمْنَعُ تَكْرَارَ الكَارِثَةِ.
وَهَكَذَا، فَإِنَّ القِيمَةَ الفَلْسَفِيَّةَ لِمَفْهُومِ البَرْبَرِيَّةِ عِنْدَ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو تَكْمُنُ فِي قَلْبِهِ لِلسُّؤَالِ التَّقْلِيدِيِّ رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ: إذ لَمْ يَعُدِ السُّؤَالُ أَيْنَ تَنْتَهِي البَرْبَرِيَّةُ وَتَبْدَأُ الحَضَارَةُ، بَلْ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْحَضَارَةِ نَفْسِهَا أَنْ تُصْبِحَ بَرْبَرِيَّةً؟ وَفِي هَذَا السُّؤَالِ تَكْمُنُ رَاهِنِيَّةُ جَدَلِ التَّنْوِيرِ: فَالمِعْيَارُ الحَقِيقِيُّ لِلتَّحَضُّرِ لَيْسَ مِقْدَارَ مَا يَمْتَلِكُهُ المُجْتَمَعُ مِنْ عِلْمٍ وَتِقْنِيَةٍ وَتَنْظِيمٍ، وَإِنَّمَا مِقْدَارُ مَا يَحْفَظُهُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ حُرِّيَّةٍ وَاسْتِقْلَالٍ وَكَرَامَةٍ وَقُدْرَةٍ عَلَى التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ وَالتَّعَاطُفِ مَعَ مُعَانَاةِ الآخَرِ؛ وَحِينَ تَفْقِدُ الحَضَارَةُ هَذِهِ القِيَمَ والمعاني، فَإِنَّ تَقَدُّمَهَا المَادِّيَّ لَا يَحُولُ دُونَ البَرْبَرِيَّةِ، بَلْ قَدْ يَمْنَحُ البَرْبَرِيَّةَ أَدَوَاتٍ هيمنة وسيطرة لَمْ تعهدها مِنْ قَبْلُ.
د. عَلِي أَسْعَد وَطْفَة
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






