التنويريفكر وفلسفة

ماري بارث والبناء المفهومي في ديداكتيك الفلسفة 

استراتيجيات بناء المفهوم الفلسفي: مقاربة بريت ماري بارث لتحفيز التفكير والتحليل لدى المتعلمين

بريت ماري بارث أستاذة وباحثة فرنسية من أصل سويدي. من القامات العلمية المعاصرة في علم النفس التربوي وتطبيقات العلوم المعرفية في التربية. من أهم مؤلفاتها: «تعلم التجريد»1987، «المعرفة في طور البناء»1993، «التلميذ الباحث، المعلم الوسيط»2013. حاولت أن تركز، في بعض إسهاماتها، على كيفية بناء المفاهيم، وهذا ما يهمنا في ديداكتيك مادة الفلسفة. ويمكن تلخيص ذلك من خلال ما يلي: هناك ثلاثة أركان لبناء المفهوم في الفلسفة بالتعليم الثانوي التأهيلي، وهي: الرمز، الخصائص والماصَدَق. وسنقدم مثالا لذلك بمفهوم الشخص لنفهم جوهر مساهمتها. ومعنى ذلك أننا سنحاول تطبيق مساهمتها في حقل الفلسفة، مع الإشارة إلى الفروق بين البناء المفهومي في الفلسفة وغيرها.

١) من حيث الما صَدق: الذات البشرية المفكرة والواعية بأفعالها؛ الإنسان الذي يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن قراراته؛ الفرد بوصفه غاية في ذاته يملك كرامة لا ثمن لها… هذه أمثلة موجبة، في المقابل هناك أمثلة سالبة لا ينطبق عليها مفهوم الشخص؛ كأن نقول الأشياء والبضائع، الآلات الحاسوبية، ظاهرة طبيعية… هنا نعرف حدود المفهوم.

٢) من حيث الخصائص: هناك خصائص حاسمة وأخرى غير حاسمة، والمتعلم حين يخطئ فلأنه يخلط بين ما هو حاسم وما هو ليس كذلك. حين نقارن بينهما، بين ما هو موجب وسالب، نستنتج الصفات أو الخصائص الضرورية التي بدونها يفقد الكائن صفة الشخص. وتتمثل في: الوعي والهوية، أي القدرة على التفكير والإدراك الذاتي عبر الزمان. وأيضا الحرية والمسؤولية الأخلاقية والقانونية، بمعنى القدرة على الاختيار الإرادي وتحمل نتائج الأفعال. إضافة إلى الكرامة والنزوع القيمي، من خلال امتلاك قيمة مطلقة بذاته. هنا سيدرك المتعلم أن الشكل الخارجي واللون والسن والقوة البدنية… خصائص غير حاسمة.

٣) من حيث الرمز أو التسمية: نرمز للمضمون المعرفي باسم أو كلمة (الشخص، الحرية، السببية…). وحين نستحضره نستحضر تلقائيا مضمونه، بدون ذكره (أي المضمون)… 

بيد أن ما يميز المفهوم الفلسفي عن باقي المفاهيم العلمية أو المعرفية في نموذج «بارث»، هو أنه مفهوم غير مغلق ولا يبنى مرة واحدة وإلى الأبد؛ بل هو بناء ديناميكي متواصل. إن النزاع الفلسفي هو في جوهره نزاع حامي الوطيس حول تحديد ما هو حاسم وما هو عَرَضي في خصائص المفهوم. فما يراه فيلسوف خاصية حاسمة (كالوعي والذاكرة عند لوك)، قد يراه آخر خاصية ثانوية أو عَرَضية في مقابل خاصية أخرى أشد حسما (كالإرادة عند شوپنهاور)… وهذا التزحزح المستمر في ضبط الخصائص وإعادة ترسيم حدود الماصَدَق هو ما يجعل فعل المفهمة في الفلسفة صيرورة تفكير مفتوحة لا تتوقف عند تعريف مُنجز.

نلاحظ إذن أن مسار التشكل الذهني لمفهوم الشخص، قد انطلق من ملاحظة الكائنات والأشياء ( الما صدق) ـــ عزل الوعي والكرامة والحرية — إدراك مفهوم الشخص كذات أخلاقية… الشخص بناء على ما سبق ذات واعية ومفكرة، مريدة ومختارة، تملك قيمة مطلقة وتتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن أفعالها، وليست شيئا أو وسيلة أبدا.

٤) كيف يستفيد المتعلم من الثالوث البارثي لحظة الإنشاء الفلسفي/الكتابة الفلسفية؟

– في لحظة الفهم أو التأطير الإشكالي للموضوع، يمكنه تفكيك مفاهيم السؤال أو القولة مثلا إلى خصائصها الحاسمة للكشف عن التناقض أو المفارقة التي تؤدي إلى صياغة الإشكال (مقابلة الوعي والذاكرة كأساس لهوية الشخص بالإرادة أو الجسد…)؛

– في لحظة التحليل والمناقشة: يشتغل المتعلم على الما صَدق عبر استدعاء أمثلة واقعية، تجارب ذهنية، أو أمثلة مضادة لتجسيد الأطروحة واختبار حدودها.

– في لحظة التركيب: يقوم بصياغة تركيب يعبر عن الرمز المعالج بناء على الخصائص التي جرى كشفها وتجميعها اثناء التحليل والمناقشة.

٥) كيف يمكن توظيف الشبكة الثلاثية البارثية في قراءة وتحليل النص الفلسفي؟

– رصد الرمز من خلال تحديد المفهوم المحوري والنواة المفهومية التي يؤسس عليها صاحب النص طرحه.

– استخراج الخصائص من خلال تتبع كيف يبني الفيلسوف مفهومه عبر عزل الصفات الحاسمة وإبعاد الصفات العرَضية. يتعلق الأمر بمعرفة كيف يعرف الفيلسوف سلبا وإيجابا داخل النص.

– تتبع الما صدق ذلك باستخراج الأمثلة، الاستعارات، الحالات الواقعية التي يستشهد بها النص لإثبات دعواه أو استبعاد المقاربات المخالفة.

٦) كيف نستثمر البناء المفهومي البارثي في المناقشة داخل الفصل؟

– المناقشة العمودية: يصبح المدرس وسيطا يقدم وضعيات وأمثلة موجبة وسالبة تتحدى تمثلات المتعلمين، بدلا من أن يقدم المعرفة جاهزة. كما يطرح أسئلة ميتا معرفية توجيهية من قبيل: ما الخاصية التي جعلتك تدخل هذا المثال ضمن المفهوم ؟ ما الصفة التي لو حذفتها لانهدم المفهوم؟

– المناقشة الأفقية: يدور النقاش بين المتعلمين حول فحص الخصائص الحاسمة والخصائص العرَضية. كما يحاول المتعلمون استخراج الما صدق أو الأمثلة المضادة لدحض أطروحات بعضهم البعض، مما يجعل الفصل يتحول إلى مختبر تفاعلي لبناء المعنى بدل التلقين والتلقي السلبي.

٧) وفي الأخير، يجب أن نوضح أن شبكة «بارث» ليست بذلك الحل السحري الذي يجيب عن كل شيء في الفلسفة. فالقيمة الحقيقية لهذا النموذج تكمن في كونه أداة عملية تساعد التلميذ على الخروج من الفهم السطحي والعامي للمفاهيم. وإذا كان هناك من يرى أن هذه الطريقة قد تبسط المفاهيم الشديدة التجريد (مثل الزمان أو العدم…)، فلعله يمكن الرد بالقول إننا لا نتعامل مع هذه الشبكة كـ «قالب جاهز ومغلق»، وإنما كأداة عمل أولية هدفها دفع المتعلموإلى التفكير، واكتشاف موضع الخلاف الفلسفي، وتدريبه على بناء الإشكال بدلا من حفظ تعاريف معجمية جاهزة ومعلّبة.

رحو اليوسفي


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رحو اليوسفي

باحث مغربي وأستاذ للفلسفة بسلك التعـليم الثانوي التأهيلي.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى