التنويريفنون

الموسيقي والعمارة: عن ماذا يبحث محمود رياض الحفيد؟ 

قراءة في كتاب «المسمع» وتفكيك جدلية الهوية بين النغم والفضاء المعماري

في أثناء بحثي عن مادة علمية لكتابي عن منطقة وسط القاهرة التي تعرف مجازا بالإسماعيلية، كنت أبحث عن المعماري العظيم محمود رياض الذي صمم مبنى جامعة الدول العربية وشارك في تصميم الفندق المجاور لها وعدد من البنايات في المنطقة. محمود رياض لم يكن معماريا تقليديا بل كان مبدعا، وقادني البحث إلى حفيد المعماري محمود رياض الذي يحاول أن يعطي العمارة معاني جديدة، ووقفت كثيرا أمام كتابه (الموسيقى والعمارة) الذي صدر باللغة الإنجليزية ولم يترجم للعربية إلى الآن. ينطلق رياض من (المسمع) وهو مكان الإنصات، حيث الجمهور الذي لديه شعور مستمر بالقلق تجاه مسار العمارة المعاصرة في الوطن العربي، ففي رأي محمود رياض الحفيد على مدى العقود الماضية، تذبذب الإنتاج المعماري في المنطقة بين اتجاهين مهيمنين: استيراد لغات شكلية معولمة منفصلة عن البنى المعرفية المحلية، وإعادة تدوير الزخارف التاريخية بوصفها تأكيدا زخرفيا على الهوية. وفي الحالتين، تعرض العمارة نفسها لخطرين متقابلين: إما الاغتراب الثقافي، أو الجمود النوستالجي.

من أفضل ما بنى عليه محمود رياض الحفيد دراسته فرضيته أن الهوية لا تكمن في التعبير السطحي، فهي لا تختزل في الزخرفة، ولا في لوحة المواد، ولا في تكرار الأشكال الموروثة، بل إن الهوية الثقافية تتجذر في أنظمة عميقة، في الطريقة التي تبني بها المجتمعات المعنى وتدرك الزمن، وتنظم الهرمية، وتتفاوض مع الذاكرة الجمعية. وإذا أرادت العمارة أن تتطور تطورا ذا معنى، فعليها أن تنخرط مع هذه البنى الكامنة لا مع بقاياها البصرية.

وعليه: فإن طرح المؤلف سؤاله المركزي في المسمع هو سؤال معرفي وليس سؤالا أسلوبيا:

كيف يمكن للعمارة في الوطن العربي أن تعيد الارتباط بأسسها الثقافية دون أن تنزلق إلى محاكاة الماضي أو تستسلم لهيمنة النماذج العالمية المتجانسة؟

يقترح الكتاب أن الجواب قد لا يعثر عليه داخل العمارة نفسها، بل في الموسيقى، فالموسيقى تعامل هنا لا بوصفها استعارة جمالية أو تشبيها شعريا، بل كنظام ثقافي متكامل. ففي التقاليد الموسيقية، ولا سيما نظام المقام العربي، نجد أنماطا مشفرة من الانتقال والتطور، والتوتر والانفراج، والتكرار، والارتجال، والمشاركة الجماعية، وهذه الأنماط تعكس تصورات ثقافية أعمق عن الاستمرارية والتحول، والتدرج الشعوري. وعلى خلاف العمارة، لم تخضع الموسيقى بالكامل لقولبة شكلية استعمارية، إذ ظل منطقها البنيوي متجذرا ثقافيا.

ويرى محمود رياض الحفيد أن هناك تقاطعات خمسة بين الموسيقى والعمارة هي تقاطعات: بنيوية، زمنية، إدراكية، وجدانية، وتوليدية. في المسمع، مكان الإنصات (العمارة، الموسيقى، المدينة والثقافة) لا تطرح العلاقة بين الموسيقى والعمارة بوصفها استعارة أو تشبيها أو استعارة جمالية سطحية، بل تصاغ ضمن إطار نظري محكم يتكون من خمسة تقاطعات متميزة ومترابطة يمكن من خلالها فهم التخصصين كنظامين ثقافيين متوازيين.

تتحرك هذه التقاطعات من النظام الهارموني إلى الإيقاع الزمني، ومن التجسيد السمعي إلى الترجمة الوجدانية وصولا إلى التجريد التحليلي بوصفه منهجية تصميمية، وهي تشكل معا قوسا معرفيا متكاملا يبين أن الموسيقى تؤدي وظيفة (مفتاح ثقافي) قادرة على كشف الكيفية التي تنظم بها المجتمعات المعنى وتدير الزمن وتشفر الذاكرة وتختبر الهوية الجمعية، ومن ثم تفتح أمام العمارة مسارا للتطور المتجذر ثقافيا، بدل الاكتفاء بالمحاكاة الأسلوبية أو الاقتباس الشكلي.

يرتكز التقاطع الأول على التقليد الفلسفي الكلاسيكي الذي ربط بين الموسيقى والعمارة من خلال مفهوم النسب والعلاقات التوافقية، فالموسيقى في بعدها البنيوي، هي نظام منظم من الفواصل والعلاقات تحكمه اتساقات رياضية دقيقة. إن التآلف والتنافر ليسا إحساسين اعتباطيين، بل نتاج علاقات نسبية محددة بين الدرجات الصوتية، وبالمقابل اعتمدت العمارة تاريخيا على أنظمة الانسجام البصري والتجريبي.

غير أن صياغة هذا المفهوم في المسمع تتجاوز الجماليات التناسبية لعصر النهضة، فالعمل لا يعيد إنتاج فكرة المخطط الهارموني الثابت، بل يعيد تعريف العمارة بوصفها تسلسلا من فضاءات مترابطة هارمونيا، أي مسارا تجريبيا يتقدم عبر علاقات متعاقبة على نحو يحاكي الحركة الهارمونية داخل المؤلف الموسيقي.

في هذا التصور، لا ينشأ الاتساق المعماري من نسب مقاسة داخل غرف منفصلة، بل من الاستمرارية العلائقية بين حلقات الفضاء المختلفة، كل فضاء يعمل كوتر ضمن تتابع أوسع، لا يكتمل معناه منفردا، بل من خلال علاقته بما يسبقه ويتبعه.

يؤسس هذا التقاطع لطرحين أساسيين: الأول، أن النظام الهارموني في العمارة يمكن أن يكون معبرا ثقافيا، فكما تختلف التقاليد الموسيقية في تنظيم الفواصل، والمراكز النغمية، وأنماط الحل، يمكن للانسجام المكاني أن يعكس بدوره بنى علائقية متجذرة في فهم ثقافي معين. ثانيا، إن التفكير في التسلسل الهارموني يسمح للعمارة بأن تتجاوز الإحالات الزخرفية إلى التراث، نحو إعادة قراءة بنيوية له، فإذا فهم الانسجام بوصفه منطقا علائقيا لا توفيقيا أسلوبيا، أمكن توليد هوية معمارية من الأنظمة الكامنة لا من تكرار الأشكال التاريخية.

ينتقل التقاطع الثاني من مفهوم النسب إلى مفهوم الزمن، فإذا كان النظام الهارموني يعالج العلاقات المتزامنة، فإن الإيقاع يعالج التعاقب. فالموسيقى لا تدرك دفعة واحدة، بل تنكشف عبر تنظيم زمني: وزن، وتكرار، وانزياح إيقاعي، وتسارع وتوقف، وذروة. وبالمثل، لا تختبر العمارة آنيا، بل تعاش على نحو تسلسلي، إدراك الفضاء هو إدراك زمني بطبيعته، يتشكل عبر الحركة، والترقب، والتحول، والذاكرة.

ضمن هذا الإطار يرى محمود رياض الحفيد أن تفهم العمارة بوصفها محفزا للحركة، كوريغرافيا تقود الجسد عبر فواصل مكانية مصاغة إيقاعيا، لا يعود الفضاء كتلة صامتة، بل يصبح مسارا متدرجا ينظم التجربة عبر الزمن.

تتحول الممرات إلى عبارات موسيقية والعتبات إلى ضربات أساسية، والأفنية إلى لازمات تتكرر، فيما تعمل لحظات الانعطاف المكاني بوصفها توترا يسبق الانفراج، يرسخ تكرارا. العناصر الإنشائية تمثل الإيقاع العام، بينما تدخل الاختلافات تعديلات في النغمة، وتشكل الذروة المكانية لحظة الحسم أو القفلة.

يعيد هذا التصور تعريف التصميم المعماري بوصفه تأليفا بالمعنى الموسيقي، فبدل أن يعامل الفضاء كموضوع للمشاهدة، يعامل كحدث يؤدى، يصبح المستخدم أقرب إلى مستمع يعبر مؤلفا، يتفاعل مع تسلسله وتحولاته.

دكتور خالد عزب


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى