التنويريسلايدرفنون

الرحلة وروح العمارة والفنون الإسلامية: كيف شكل الشوق الفن الإسلامي ؟ 

تأثير المدينتين المقدستين ورحلة الحج في صياغة الهوية البصرية والجمالية للحضارة الإسلامية

بدأت دراسة العمارة والفنون الإسلامية على يد المستشرقين، لذا كانت بداياتهم تركز على البحث على الجذور في الحضارات السابقة على الإسلام، في حين كانت نظرتهم للجزيرة العربية بها قصور نسبي، حيث كانت مناطق الأنباط والمَناذِرة والغساسنة في الشمال مناطق حضرية، كما كانت هناك حضارات قديمة في اليمن وعمان والبحرين، وكانت مكة المكرمة حاضرة والطائف حاضرة أيضًا، فيما شكلت المدينة ولواحقها حواضر، لذا بات من المهم البدء في سبر غور المرحلة المبكرة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، فالدين الإسلامي قامت رؤيته على استيعاب الماضي بما فيه من قيم وأدوات تفيد الحاضر وتطويعها وفقًا لمنظومة قيمه.

يبدأ البحث بعمارة المسجد النبوي الشريف في المدينة التي شكلت روح عمارة المساجد، فالمنبر والمحراب والمئذنة عناصر عُرفت في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وشكلت لاحقًا بتطورها الفن الإسلامي، وهذا ما يتنافى مع مقولات المستشرقين بأن هذه العناصر جاءت أو تأثرت بالآخر. كان الفعل التعبدي والحاجة إلى تلبيته في أكمل صورة هو الدافع إلى الابتكار، ومن ثم صاغ المسجد النبوي المساجد اللاحقة له وعُدّ مقياسًا يُقاس عليه.

لنرى أن الخط العربي الجاف واللين كانت بداياته من مكة المكرمة والمدينة المنورة، فهل هذا يقيم لنا رؤية مختلفة؟ لا شك أن التطور نراه في مناطق مختلفة من حواضر الإسلام شرقًا وغربًا، لتُشكل الرحلة للحج رافدًا يصب في مكة المكرمة والمدينة المنورة، فكأنهما بوتقة تصهر كل التأثيرات القادمة من هنا وهناك، من الهند شرقًا ومن المغرب والأندلس غربًا. جلس المجاورون في الحرمين، كان منهم من عمل في العمارة والحرف الفنية، ليصيغوا روحًا مختلفة جعلت من المدن المقدسة روحًا معبرة عن الوحدة والتنوع في العمارة والفنون الإسلامية.

كانت كسوة الكعبة بالفنون المرتبطة بها تعبيرًا عن شوق المسلمين لقبلتهم، فأبدعوا عبر العصور لتخرج في أبهى حلة، لذا جاءت معبرة عن ذلك. وإذا كان الشوق إلى المدينتين المقدستين كبيرًا، فإن مخطوطات دلائل الخيرات بتصاويرها المنتشرة من جنوب شرق آسيا إلى المغرب تعبر عن ذلك، فكان المسجد الحرام والمسجد النبوي حاضرين في تصاوير دلائل الخيرات، ومن هنا سيعرض الباحث نماذج منها.

كما كانت سجاجيد الصلاة عنصرًا آخر نرى فيه مكانة المدينتين المقدستين، حيث نرى الشوق لهما في استحضار الحرم المكي والمسجد النبوي في تصاوير سجاجيد الصلاة.

الرحلة إلى المدينتين صاغت العديد من الأدلة لهما، والباحث سيذهب إلى تطور الجغرافيا والرحلة إلى المدينتين، ومحاولات تقديم وصف لهما وتصوير المعالم بهما بصورة واضحة، لنرى محيي الدين اللاري قدم لنا في فتوح الرحمن تصاوير مع وصف مسهب، خاصة أن العديد من المعالم التي ذكرها اندثرت. فهذا الكتاب الذي يقدم جغرافيا وصفية يقدم لنا معها ما يكملها من صور مرسومة تقود من يزور الأراضي المقدسة إلى كل المساجد والمزارات بما فيها جبل أحد، فنُسخ عدة نسخ في مناطق مختلفة، والباحث سيعتمد نسخة متحف المتروبوليتان للدراسة مع نسخ أخرى.

هل كان الشوق إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة دافعًا لبناء روح مختلفة في العمارة والفنون الإسلامية؟ وإذا كانت البدايات منهما فكان أثرهما كبيرًا، فإن كونهما قلب الإسلام صارا قلبًا يصيغ الفن الإسلامي.

دكتور خالد عزب 


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى