ألكسندر كويريه ونقد الفكر الميكانيكي
قراءة في نشأة العلم الكلاسيكي وإعادة بناء المفاهيم من غاليليو إلى ديكارت

ملخص المقال المترجَم:
يتناول هذا المقال، الذي كتبه بيير كوستابيل ضمن ملف تكريمي لألكسندر كويريه، إسهام هذا الأخير في تاريخ العلوم ونقد الفكر الميكانيكي، من خلال استعراض جانب من أعماله التي تناولت تشكل الميكانيكا الحديثة وتحول الفكر العلمي في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وقد نُشر المقال سنة 1965 في العدد الثاني من المجلد الثامن عشر من «مجلة تاريخ العلوم وتطبيقاتها»، في سياق تكريس هذا العدد لتكريم كويريه وإبراز مكانته العلمية والفكرية بعد وفاته. ويعرض كوستابيل أبرز إسهامات كويريه في هذا المجال، ويتوقف عند بعض دراساته حول غاليليو وديكارت، وقوانين الحركة والتصادم، ومفهوم التجربة، موضحا من خلالها طبيعة منهجه في قراءة تاريخ العلم وعنايته بالمفاهيم التي وجّهت تشكل العلم الحديث. ولا يقتصر المقال على عرض هذه الأعمال، بل ينطوي أيضا على تقدير واضح للمكانة التي احتلها كويريه في تاريخ العلوم، وللأثر الذي خلفه مشروعه في دراسة الفكر العلمي وفهم نشأة العلم الكلاسيكي.
إذا كانت الميكانيكا العقلانية أو العامة تمثل اليوم علما تتضاءل أهميته النسبية باطراد، في الوقت الذي تنكب فيه على استخدام لغة رياضية تتطور وتتقنن خارجها، فإن الفكر الميكانيكي قد اضطلع في الماضي، منذ العصور القديمة إلى عهد قريب، بدور محوري؛ ومن ثم كان على فيلسوف مثل ألكسندر كويريه أن يهتم بالحيز المتميز الذي يفتحه هذا الفكر أمام دراسة المفاهيم والدوافع الكفيلة بإلقاء الضوء على المسار العلمي. ذلك أن التأثير المستديم لفيزياء أرسطو ليس ظاهرة يمكن الاستغناء عن البحث في أسبابها العميقة. فهذه الفيزياء مشروع طموح لعلم عام بالحركة، أي لمعالجة منطقية لكل ما يندرج في باب التغير. ومما لا شك فيه أن فهم الكيفية التي أخفق بها هذا المشروع، لينتهي، بعد إدخال تبسيطات مميزة، إلى بناء «ميكانيكا»، وأن هذه الميكانيكا قد فرضت، في الواقع، سلطة تفسيرية معممة لم تفلت منها حتى التقاليد الأرخميدية التي أعيد اكتشافها في القرن السادس عشر، هو ما يقتضي فهما سليمًا للشروط التي أطرت الثورة العلمية التي افتتحت في القرن السابع عشر؛ وهو فهم لا تكفي التخصصية لبلوغه وتحليله.
وبعد الأعمال العلمية الرصينة التي أنجزها كل من ماخ ودوهيم، غدت الحاجة ماسة إلى نظرة جديدة، لا تكون أسيرة استقطاب تفرضه ألفة مفرطة مع الصورة المكتملة للميكانيكا الكلاسيكية، بل تكون، في الوقت نفسه، مشبعة بمعرفة الفلسفة وتاريخها معرفة عميقة. وكان ألكسندر كويريه هو الرجل الذي اقتضته هذه اللحظة.
كان كويريه مؤهلا لذلك بما حصّله من ثقافة، وبما امتلكه كذلك من نفاذ في النظر مكّنه من الوقوف على حقيقة بالغة الأهمية: فالفلسفة الدينية تلتقي، عند نشأة العلم الوضعي في القرنين السادس عشر والسابع عشر، بظاهرة تحوّل في الذهنية؛ ومن ثم يغدو تحليل هذه الظاهرة تحليلا موضوعيا مهمة أساسية. غير أن تضافر الظروف الملائمة لا يكفي، في حد ذاته، لإفضاء العمل إلى إنجاز موفق؛ إذ تفصل بين تلاقي هذه الظروف وبين تحقيق عمل فكري ناجح مسافة لا يستطيع اجتيازها إلا ما تتمتع به شخصية فكرية مرموقة من قيمة ذاتية.
منذ أن شرع ألكسندر كويريه في البحث الذي كان سيكرس مكانته كمؤرخ للعلم، استطاع، على نحو موفق، أن يميز بين التأمل الكوسمولوجي والتأمل الميكانيكي، من غير أن يفصل أحدهما عن الآخر. فبعد ترجمته، سنة 1934، للكتاب الأول من كتاب كوبرنيكوس «في الدوران السنوي للأجرام السماوية»، مرفقا بمقدمة وهوامش، انصبت أولى أعماله البارزة، في إطار توجهه الجديد، على غاليليو وديكارت، وعلى غاليليو وتجربة بيزا، وذلك سنة 1937.
وحين برهن على أن هذه التجربة الشهيرة لا يمكن أن تكون قد أجريت على النحو الذي يتخيله الناس، لم يكن كويريه يزعزع بذلك أساس الأفكار المتوارثة فحسب، بل كان يكتشف لنفسه، ويكشف لقرائه في آن واحد، ذلك الموضع الفلسفي المتميز الذي تشكله فكرة «التجربة الحاسمة»، والأهمية البالغة للتفكير الميتافيزيقي السابق على كل نزوع إلى مساءلة «الطبيعة»، فضلا عن الطابع المضلل لتجربة تجريبية يراد منها أن تفصل مباشرة بين الفرضيات المتنافسة.
غير أن مثل هذا التحليل النقدي المثمر لم يكن له ما يبرره إلا حيث كان يمكن لفكرة الجواب التجريبي أن تكون قد أسهمت في توجيه تقدم العلم؛ وكان ألكسندر كويريه يدرك لماذا كانت الميكانيكا الأرضية، في مطلع القرن السابع عشر، تسلك مسارا مغايرا لمسار الميكانيكا السماوية، على الرغم من وعي كبار العلماء بوحدتهما. ولكي يلتئم هذان المساران، كان لا بد من استيعاب أول قانون قابل للصياغة الرياضية، أي قانون سقوط الأجسام الثقيلة، وما ترتب عليه من نتائج بالنسبة إلى المفاهيم الأساسية للديناميكا.
يتمثل فضل ألكسندر كويريه الذي لا تنال منه السنون في أنه سخر لدراسة هذا النموذج الأولي الذي يصلح مثالا للعلم الجديد، كل ما اختزنته ثقافته من سعة الاطلاع ونفاذ البصيرة. وقد أظهرت «دراسات غاليليية» التي صدرت سنة 1939، عشية الحرب العالمية الثانية، بصورة حاسمة، الدرس الذي ينبغي استخلاصه من تلك المحاولات المتعثرة التي يجسد غاليليو وديكارت، من خلال أخطائهما المتعاقبة، اكتمالها وبلوغها غايتها. فإذا كان غاليليو قد نجح، بإعادة إدخال الزمن في النظرية، في تفسير الحركة المتسارعة بانتظام، والانتقال من التسارع إلى قانون المسافات المقطوعة، فإنه دفع ثمن هذا النجاح غاليا. فلم يكن قادرا على التجرد من الشروط الجاذبية التي تميز الميكانيكا الأرضية، كي يتصور قانون العطالة. وقد ترك مجد صياغته لديكارت، وإن كانت النزعة الهندسية المفرطة التي تميز منهج هذا الأخير قد حالت دون بلوغه صياغة مكتملة للقانون.
ذلك أن استبعاد الزمن هو العيب الملازم للبناء الديكارتي؛ غير أن ميتافيزيقا التكافؤ في «الحالة» بين الحركة والسكون، التي يقوم عليها هذا البناء، كانت ضرورية للتحرر من هاجس قديم ظل يلازم التفكير منذ العصور القديمة: ذلك الهاجس الذي كان يجعل الكمال قائما في الاستدارة.
هل ثمة حاجة إلى التأكيد على أن دراسة الميكانيكا كانت تفضي، على هذا النحو، إلى واحدة من أكثر مسائل الكوسمولوجيا القديمة إلحاحا وتعذرا؟ ففي مختلف أنحاء العالم، ارتبط اسم كويريه، بالنسبة إلى تلامذة كثيرين غدوا هم أنفسهم أساتذة من بعده، بحدث حاسم في حياتهم، وبالنور الذي استمدوه من تلك الصفحات البارعة التي تقاس فيها كلفة التقدم من خلال التضافر الإيجابي بين الإخفاقات والنجاحات، والتي يستعاد فيها المسار المتعرج للفكر في حقيقته المؤثرة.
ولم يسبق لأحد أن صاغ وحلّ، على نحو أفضل من ألكسندر كويريه، ذروة المفارقة التي تتمثل في تصور ديكارت لقانون العطالة، في اللحظة نفسها التي كانت فيها الأسس التي اكتسبتها فيزياء ديكارت حديثا تجعل «تحققه» مستحيلا استحالة صارمة، بسبب نفي الخلاء.
وبسبب الظروف التي نُشرت فيها «الدراسات الغاليليية»، لم تُحدث الصدى الفوري الذي كان يمكن أن يتوقعه المرء بالنظر إلى الوضع الذي أشرنا إليه آنفا. ففي أمريكا التقى ألكسندر كويريه أولا مستمعين متعطشين إلى تعليمه، علمهم ما تنطوي عليه الجرأة الديكارتية من فوائد. أما في بلاد ديكارت، فلم يلبث وضوح نظرته النافذة إلى المسائل الجوهرية أن فرض نفسه. وقد أتاحت له الدروس التي ألقاها في القسم السادس من المدرسة التطبيقية للدراسات العليا أن يستكمل، بمناسبة بحثه في قوانين التصادم، فحصه النقدي لميكانيكا تأملية كانت قد مارست في عصرها قدرة استثنائية على الإيحاء والتأثير.
أما قوانين التصادم، فقد كانت تمس مجالا أسهمت فيه أعمال سابقة، ولا سيما أعمال بول موي، في إضاءة بعض النقاط المهمة؛ غير أن ألكسندر كويريه هو الذي استطاع أن يستخلص أقصى ما يمكن استخلاصه من المفارقة التي انطوت عليها المغامرة الديكارتية، والمتمثلة في أن القوانين التي صيغت وأُثبتت للأجسام الصلبة هي، في الواقع، قوانين الأجسام اللينة.
وكان له كذلك أن يكشف لمستمعيه عن عمل لم يحظ من الشهرة إلا بالقليل، كعمل ماركوس مارسي، وأن يبين، من خلال عمل ماريوت، الصراع بين مفهومي النسبية والتركيب، ذلك الصراع الذي أفضى إلى القضاء على مفهوم القوة بوصفها كمية حركة.
لا نملك، من الآثار الملموسة لذلك التدريس، سوى الملاحظات الموجزة التي دونها المستمعون. وقد حالت دون قيام ألكسندر كويريه بصياغة نتائج هذه الأبحاث في كتاب انشغالات بموضوعات أوسع نطاقا وأشد أهمية، فضلا عن انكبابه على بلورة تركيب شامل حول الثورة الفلكية؛ وهي أبحاث كانت قد أوصلته، خلال الفترة الممتدة بين 1954 و1956، إلى أزمة الميكانيكا في أواخر القرن السابع عشر.
أما عمل نيوتن، الذي كان قد شرع في دراسته منذ سنوات عدة، فقد كان كويريه يدرك، أكثر من أي أحد، أن الأمر يقتضي عملا تركيبيا شاملا، لا يمكن إنجازه إلا بصورة جماعية، ومن دون عزل أي مجال خاص عن سائر المجالات. وإذ اضطلع، إلى جانب ذلك، بدور ريادي في تنظيم هذا العمل وإنجازه، خصص كتابين مهمين لميكانيكا القرن السادس عشر: «ديناميكا نيكولو تارتاليا» (1957)، و«جان-باتيست بِنيديتي، ناقد أرسطو» (1959). وبذلك كان يعزز، على أتم وجه وأكثره فاعلية، تحليله لنشأة العلم الكلاسيكي، وهي المسألة التي كان قد أولى لها أهمية بالغة.
شدد ألكسندر كويريه، في «دراسات غاليليية»، على التحولات التي أخذت تطرأ على الذهنية الميكانيكية في القرن السادس عشر، وعلى تطور الأجوبة عن السؤال الحاسم “a quo moveantur projecta”، أي: «بماذا تتحرك المقذوفات؟». غير أنه كان من المهم أن تُحدَّد بصورة أدق مواضع تطبيق ذلك الجهد الرامي إلى إخضاع الظواهر للصياغة الرياضية، والذي كان يمهد الطريق أمام غاليليو. ومن هذا المنظور، كانت مسارات مقذوفات تارتاليا، وتأملات بِنيديتي في سقوط الأجسام الثقيلة، شاهدين بارزين، يستحقان دراسة معمقة.
وبإبراز المعارضة الواعية والمتأنية التي أقامها بِنيديتي في مواجهة فيزياء أرسطو التجريبية والكيفية، ورفضه للنزعة الفينيتية، لم يكن ألكسندر كويريه يكرم فحسب أحد رواد الانتقال من العالم المغلق إلى الكون اللامتناهي، بل كان يستعيد أيضا المصادر المباشرة للميكانيكا الغاليليية: انعدام “media quies”، أي «السكون الوسيط»، وتطابق حركة سقوط جميع الأجسام الثقيلة. وهكذا اكتملت الحلقة مع العمل الأول الذي خص به غاليليو وتجربة بيزا.
ولا يسعنا أن نختم من دون أن نذكر الدراسات التي خُصصت، في غضون ذلك، لمفهوم التجربة: «تجربة في القياس» (1953)، «الفرضية والتجربة عند نيوتن» (1956)، «كتاب غاليليو في حركة الأجسام الثقيلة: في التجربة المتخيلة وإساءة استخدامها» (1960). من الواضح أن الميكانيكا تحتل مكانة متميزة ضمن الأمثلة التي تبين دور التجربة الفكرية، وأننا مدينون لألكسندر كويريه برؤية دقيقة لما يشكل، من هذه الزاوية، تجربة حقيقية للعقل البشري في تاريخ العلم، كما ندين له أيضا باهتمامه الجاد بالشروط الملموسة للتجريب.
وإلى جانب النتائج التي تفضي إليها عملية التحليل المفهومي، واللازمة لإرساء معرفة دقيقة بالعلم الوضعي، فقد أفضى لقاء ألكسندر كويريه بميكانيكا القرنين السادس عشر والسابع عشر إلى فلسفة عامة للنشاط العلمي ذات مذاق فكري لا نظير له. ولئن كان الموت قد أوقف أعماله، فإنه لا يستطيع أن يوقف أصداء مؤلفاته، ولا الحركة التي تتخذ منها مركزا لها. ويعترف له تلامذته بكونه أستاذا كبيرا، يهدي إلى التفكير، يُوقَّر ويُحب.
بيير كوستابيل
ترجمة: يونس نحيب
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






