التنويريفكر وفلسفة

العلم ومركزية الرؤية الجمالية 

من برود الكلاسيكية إلى أناقة النسبية: كيف أصبح الجمال معياراً للحقيقة العلمية؟

«لا يدل الجميل ولا البهيج على أكثر من موقفنا في الحكم على الشيء المتكلم عنه» ديكارت.

«في الطبيعة بساطة، ومن ثم جمال عظيم» فاينمان

 إن القمر الذي كتب عنه الشعراء، وزيّن نوره ليل الأرض، وشبهت به النساء، لم يعد جميلًا، فالقمر مجرد وجه أو كرة مشوهة؛ ذلك ما يقوله التلسكوب أو العلم.

إن العلم بهذا المعنى يكشف حقائق الأشياء، بل يحول اعتقادنا بصدد الجمال إلى صدمة، ونحن الذين نعتقد أن الجمال موجود في الطبيعة أو الأشياء، فإذا بنا نكتشف -حين نقترب بحواس صناعية- أن الأشياء ليست كما هي بالنسبة إلى حواسنا الطبيعية.

فهل يمكن أن نذهب مع القول القائل إن الجمال شيء ذاتي لا علاقة له بالطبيعة التي هي آلة ضخمة أو ساعة كبيرة تحكمها الضرورة فحسب، ثم لا صلة له بالعلم أم نقول إن الطبيعة ابنة الجمال وأن العلم يكون علمًا حين يتضمن عنصر الجمال؟

– العلم الكلاسيكي وهامشية الرؤية الجمالية 

حقًا إن النظرة العلمية الكلاسيكية نظرة باردة مشاعريًا؛ لأنها تعتقد أنها واقعية، فهي تتعامل مع الطبيعة باستبعاد الجمال كليًا، فهو مجرد شيء ذاتي محض يخص الإنسان، وبالتالي فالجمال ـحسبهاـ ليس من صفات الطبيعة، وهكذا يبدو إذن أن الطبيعة خالية من عنصر الجمال، لذا فمعيار علمية العلم هو أن يُستبعد الجمال، وأما استدخاله فهو خلط للعلم بما ليس علمًا.

ولما كان من خصائص الأسلوب العلمي عزل أو فصل الذات عن الموضوع، لزِم حسب هذه النظرة أن يُستبعد الجمال ما دام مرتبطًا بالذات، إذن فدراسة الطبيعة يقتضي استبعاد الجمال، فالقمر ليس جميلًا، ألم يظهر بالتلسكوب على أنه مجرد شيء أو جُرم مادي من أشياء العالم، يدور بسبب الجاذبية؛ جاذبية كوكب الأرض.

إن النظرة العلمية الكلاسيكية تصور العالم بمختلف ظواهره جافًا وقاسيًا كأننا في عالم دون ألوان؛ عالم مادي في خواصه، فخواصه كمية وزنًا وحجمًا وشكلًا وعددًا، وخلاصة موقف هذه النظرة هي أن الجمال كما قال ديكارت ومعه إسبينوزا ليس «صفة في الشيء المدروس»، وإنما هو الأثر الذي ينشأ في الإنسان الدارس لذاك الشيء.

– العلمية الحديثة ومركزية الرؤية الجمـالية 

وعلى العكس تمامًا نرى في النظرة العلمية الجديدة اهتمامًا كبيرًا بالجمال إلى درجة يمكننا القول إن العالِم الذي يعمى عن رؤية الجمال هو عالِم قليل الحظ من العلم، وعلى هذا النحو في سياق أهمية الجمال في العلم كتب هنري بوانكاري يقول: «العالم لا يدرس الطبيعة؛ لأن في دراستها منفعة، لكنه يدرسها، لأنه يجد متعة في ذلك، وهو يجد في دراستها متعة؛ لأنها جميلة، ولو لم تكن الطبيعة جميلة لما كانت جديرة بأن تُعرَف، ولما كانت الحياة جديرة أن تُعاش».

إن دراسة الطبيعة بهذا المعنى تجعل العالم يشعر بالجمال، وسر هذا الجمال هو الطبيعة ذاتها، فلو لم تكن حاضنة للجمال، لكان الشعور بالجمال من دراستها منعدمًا أو ضئيلًا في الأقل، فملاحظة الطبيعة تظهر وجود الجمال بواسطة الإدراك الفوري أو التحليل الفكري العميق.

قد تبدو هذه مجرد أقوال شاعرية، فليس صعبًا أن نقول مع ريتشارد فاينمان: «في الطبيعة بساطة، ثم جمال عظيم»، لكن ما الدليل على وجود الجمال في الطبيعة؟ ما العناصر المحددة له؟

إن الجمال في النظرة الجديدة وسيلة من وسائل اكتشاف الحقيقة العلمية، بل إنه يعد معيارًا في الفيزياء مثلًا، ويُقدُّمُ على التجربة، يقول الفيزيائي بول ديراك: إن «وجود الجمال في معادلات العالِم أهم من جعل هذه المعادلات تنطبق على التجربة».

وهكذا فالجمال في العلوم الدقيقة وفي الفنون على السواء هو أهم مصدر من مصادر الاستنارة والوضوح، ولهذا يرى علماء الفيزياء «أن نظرية النسبية العامة هي أجمل النظريات الفيزيائية الموجودة على الإطلاق».

إن الجمال في الفيزياء هو السمة الغالبة؛ فالتجربة تخطئ في الغالب، والجمال قلما يخطئ، لكن ماذا نحن فاعلون لو لم تتفق وتنسجم نظرية أنيقة جدًّا مع مجموعة من الحقائق؟ لو كان الأمر كذلك، وكان الجمال أساسًا في العلم، فإنه يمكن باختصار أن نجد له تطبيقًا في مجال آخر.

– آينشتين ومعيارية الجمال في النظرية العلمية

والآن سنتوقف عند تصور آينشتين لجمالية النظرية العلمية، وكيف تكون علمية ثم مثيرة للإعجاب.

تكون النظرية العلمية مثيرة للإعجاب حسبه كلما كانت مقدماتها أبسط، والأشياء التي تربط بينها أشد اختلافًا، وصلاحيتها للتطبيق أوسع نطاقًا، ولنتوقف عند دلالة كل عنصر.

1ـ عنصر البساطة: يرى البعض أنه ما من نظرية منافسة للنسبية العامة في أناقتها وبساطة افتراضها، وما يميز البساطة هو الكمال والاقتصاد في الوقت ذاته، بمعنى أن تكون النظرية تأخذ الحقائق في الحساب، وألا تشمل إلا الضروري؛ لذا قال هايزنبورغ عن نظرية الكم: «لقد اتضح على الفور أنها مقنعة بفضل كمالها وجمالها التجريدي».

2- عنصر التناسق: يقول اينشتين: «لا علم من غير الاعتقاد بوجود تناسق داخلي في الكون، ويقصد بهذا العنصر انسجام الأجزاء مع بعضها البعض ومع الكل، ويتعلق الأمر بالربط بين حقائق عدة لم تكن فيما مضى تربط بينها صلة كارتباط المكان والزمان والحركة والمادة في نسبية آينشتين.

3- عنصر الروعة: يقتضي هذا العنصر وضوح النظرية في ذاتها، وإلقاءها الضوء على كثير من الأشياء، موحية بإجراء تجارب جديدة، فمثلًا: نيوتن أدهش العالم بتفسيره للأجسام الساقطة، ولظاهرتي المد والجزر، ولحركة الكواكب والمذنبات بثلاثة قوانين بسيطة، حتى آينشتين نفسه بفضل نظريته في النسبية العامة ألقى الضوء على علم الكونيات والفيزياء الفلكية وميكانيكا الكم.

وهكذا نخلص إلى القول إن الجمال يؤدي دورًا مهمًا في الرؤية العلمية، بل أصبح معيارًا كشأن معيارية العقل والتجريب والقابلية للتكذيب، ثم يجوز القول إن الجمال ليس مجرد ملصق ذاتي نلصقه على الأشياء، وإنما هو في صميمها ومن مكوناتها.

إن في الطبيعة الميكروسكوبية والماكروسكوبية جمالًا لا ينكره أو يُبعده إلا من أوتي حظًا قليلًا من التحليل الفكري، وضعفًا في الإدراك الفوري.

———-

رحو اليوسفي

المرجع: روبرت اغروس وجورج ستانسيو، العلم في منظوره الجديد.


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رحو اليوسفي

باحث مغربي وأستاذ للفلسفة بسلك التعـليم الثانوي التأهيلي.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى