التنويريدراسات دينية

من الإيمان بالقدر إلى فقه القدر والعمل به

قراءة في علاقة المشيئة الإلهية بحرية الإنسان ومسؤوليته، وتحويل الإيمان بالقضاء والقدر إلى منهج للمعرفة والعمل

استقر لدى الفقهاء أن ال فائدة في علم بال عمل، وأن العمل الصحيح والمقبول هو الذي تأسس على العلم الصحيح مصداقا لقوله تعال:ى َ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ الَ إِلََٰهَ إِالَّ اللَّهَّ ُ وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَ لِلْمُؤْمِنِين ﴾ْوَ الْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَ اللَّهَّ ُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَ مَثْوَ اكُم (محمد، الآية19 ). مما يجعلنا نتساءل عن عالقة الإ يمان بالقدر مع مقتضياته التطبيقية والعملية؟ هل هو مجرد إقرار سلبي بمشيئة الله وسننه وما أنزله من ابتالءات أم هو تفاعل إيجابي يبرز ما وهبه الله لإلنسان من قدرات وملكات بها سمى وارتقى ليكون خليفة في الأرض في ستحق التكريم الرباني وأن يباهي الله به مالئكته؟

إن مشروع إعادة النظر في مفهوم القضاء والقدر يثير سؤالا يتجاوز الجدل الكالمي التقليدي: هل ينبغي فه م القدر أساسا بوصفه علما سابقا يخبر بما سيقع، أم بوصفه نظاما يحدد خصائص الأشياء ومقاديرها وروابطها وشروط تحققها، ويتيح لإلنسان أن يختار ويسعى داخل هذا النظام؟ ومن هنا تأتي أهمية الانتقال «من نظرية العلم إلى نظرية المشيئة»: أي نقل مركز الثقل من سؤال”ما الذي عُلِم عن المستقبل”؟ ، إلى سؤال” كيف تتشكل الوقائع، وما مجال الاختيار الإنساني فيها، وكيف يقع الفعل بمشيئة الله”؟

المحور الأول: من القدر بوصفه خبرًا عن المستقبل إلى فقه شروط الأشياء

يقترح هذا التصور أال يُختزل القدر في معنى أن أحداث المستقبل مكتوبة أو معلوم ة قبل، وقوعها وهذا صحيح سواء تعلق العلم القبلي بجزء من هني هة آالف ب أم أو ماليين السنين حسب، طبيعة هذا المستقبل وأهميته بل أن يُنظر إليه أيضا باعتباره تحديدا لخصائص الأشياء ومقاديرها وعناصرها وروابطها وكيفياتها وتوابعها. فالشيء ال يعمل في فراغ؛ إنه يتشكل من، بنية، وشروط وحدود، وعالقات سببية، وسنن تنتظم بها حركته. وفهم هذه المحددات هو ما يمكن تسميته «فقه القدر»: معرفة النظام الذي تنتظم به الأشياء، وما تسمح به إمكاناتها، وما تمنعه حدوده ا وما ترتبط بها من نتائج ومسؤوليات.

ومن أبرز الآيات التي يُستأنس بها في هذا الإطار ﴾قوله تعالى: ﴿وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرا:(الفرقان2 )، وقوله جل وعال ﴾: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهَّ ُ لِكُل ِ شَيْءٍ قَدْرا (الطال:ق3 ) ُ، وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاه ﴾ٍبِقَدَر:(القمر49 )، وقوله سبحانه َٰ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّ ى* ﴾َٰوَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى:(الأعلى2 – 3 ).

هذه الآيات ال تسرد قائمة تفصيلية من «الأجزاء والروابط والكيفيات والكميات»، لكنها تفتح مجالا لفهم التقدير بوصفه إحكاما وتحديدا وانتظاما، ثم يأتي التفصيل العلمي ليشرح ما يمكن أن يتضمنه ذلك في الموجودات.

كما أن «فقه القدر» بهذا المعنى ال يعني كشف الغيب أو معرفة كل النتائج مسبقا، بل معرفة السنن والشروط التي بها تُفهم الظواهر ويحسن التعامل معها. قال تعال ى: ﴾ِ﴿وَ قَد ِرْ فِي السَّرْ د، (سبأ11 ). جاء في التفسير الميسر: “قدر– يا دوود-، المسامير في حلق الدروع فال تعمل الحلقة صغيرة فتضعف، فال تقوى الدروع على الدفاع، وال تجعلها كبيرة فتثقل على.”البسها يمكن تحديد هذا البناء النظري خمس خطوات: 1 – لكل شيء عناصر ومكونات أي شيء نريد إنشاءه أو إصالحه له عناصر يتوقف عليها وجوده وأداؤه.

2 – لهذه العناصر عالقات وخصائص ومقادير ال يكفي وجود العناصر؛ بل ينبغي معرفة وظائفها، وكيفية ارتباط بعضها ببعض، والمقادير المناسبة لكل منها. 3 – فهم هذه العالقات هو فقه للقدر أي معرفة ما يتوقف عليه الشيء، وما يصلحه، وما يفسده، وما الشروط التي تساعد على تحققه، و.مقدار كل عنصر 4 – الإنسان يختار ويتعلم ويأخذ بالأسباب يستخدم المعرفة والعقل والقدرة في اتخاذ القرار، ثم يعمل على تحقيق النتيجة المطلوبة.

5 – تتحقق النتائج بقدر تحقق شروطها يزداد احتمال النجاح حين تُفهم الشروط والأسباب و تضبط المقادير، وتع رف الروابط وال عالقات أي بقدر ما يكون في العمل البشري من الإتقان والإحسان، مع بقاء النتائج مرتبطة بعوامل أخرى وبما ال يملكه الإنس ان من قدرة على التحكم.:المحور الثاني تمييز وتحديد مفهوم القدر بحسب المفهوم الذي نتبناه و الذي نراه مشتقا من التعريف اللغوي وينسجم مع السياقات القرآنية ويصلح أن يكون مفهوما اصطالحيا، فإن القضاء هو قرار أو حكم يتعلق بوقوع الشيء أو الإذن بوقوعه، بينما القدر هو كذلك مجموعة قرارات ت حدد عناصر الشيء ومقداره وخصائصه.وشروطه وروابطه يترتب على هذا التفريق أن السؤال عن ال ق ضاء ليس فقط: هل وقع الحدث في علم سابق؟ بل كذلك أي إرادة قررت وقوع الشيء؟ و ما تملك هذه الإرادة من القدرة الضامنة لوقوعه. و الأمر نفسه في القدر والذي ليس فقط هندسة نظرية قبلية، بل كذلك يتعلق ب الشروط التي ت جعل وقوعه ممكنا والخصائص التي تحكمه، وما الأسباب التي يستطيع الإنسان معرفتها والتأثير فيها؟ وتأتي المشيئة في هذا البناء لتبين أن تحقق الأسباب ال يمنح الإنسان استقالالا مطلقا عن قدرة الله، كما أن وجود نظام لألشياء ال يعني أن كل فعل بشري وفق شروط النظام يأتي دائما وأبدا بالنتيجة المقصودة.إال إذا أذن الله »ومن المفيد هنا الاحتفاظ بمفهوم «النظام أو «Système»

الذي يتأسس عليه هذا الطرح لمفهوم القضاء والقدر: فالقدر ليس مجرد حوادث منفصلة، بل منظومة من السنن والروابط والحدود. والكتاب ة، ، وفق هذا التقريب تلعب دورين أساسيين كالهما في خدمة المشيئة ال قاهرة: الأول: أن ال شيء يقع إال بإذن الله وعلمه فقد كتب قبل أن يقع ﴿ وَ عِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ الَ يَعْلَمُهَا ُإِالَّ هُوَ ۚ وَ يَعْلَمُ مَا فِي الْبَر ِ وَ الْبَحْرِ ۚ وَ مَا تَسْقُطُ مِن وَ رَقَةٍ إِالَّ يَعْلَمُهَا وَ الَ حَبَّةٍ فِي ظُل َمَاتِ الأْ َرْ ضِ وَ ال ٍرَطْبٍ وَ الَ يَابِسٍ إِالَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين﴾، (الأنعام59 ).

والثاني: أن ال شيء يعجز الله تعالى، فإذا كتب ئا شي وقع بالضرورة، :قال تعالى ُ﴿ بَدِيع ُالسَّمَاوَ اتِ وَ الأْ َرْ ضِ ۖ وَ إِذَا قَضَىَٰ أَمْرا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُون﴾، (البقرة117 ).

المحور الثالث: مشيئة الإنسان عازمة

ومشيئة الله حاسمة عندما يتعلق الأمر بالفعل البشري فإن مشيئة الإنسان تكون عازمة نحو الفعل، بينما مشيئة الله تكون حاسمة في وقوع النتيجة من عدمها، فالمشيئتان ليستا على مستوى واحد، وليس بينهما تعارض. و من أهم الأدلة في هذا الباب قوله تعالى: َ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيم* ْوَ مَا تَشَاءُونَ إِالَّ أَن ﴾َيَشَاءَ اللَّهَّ ُ رَبُّ الْعَالَمِين:(التكوير28 – 29 ). فالآيت ا ن ليس بينهما نسخ وال محو وال ت.أويل وال تعطيل وتكمن أهمية تعاقب الآيتين في أن الآية الأولى ت ثب ت مشيئة حقيقية ل إلنسان عازمة على الفعل وإال بطلت نسبة الفعل لإلنسان إذا وقع أو أن الفعل لن يقع أصال، و الآية الثانية تنفي استقالل مشيئة الإنسان ب إحداث الفعل واستغناءها عن مشيئة الله. فالأولى تثبت أن الإنسان يشاء الاستقامة أو الغو اية، والثانية تقرر أن مشيئته تبقى تحت ظل ورحمة مشيئة رب العالمين.

بل تؤكد أن مشيئة الإنسان ما كانت لتكون ابتداء ثم ما كانت الخيارات أن تكون أمامها، ثم ما كانت لتختار من تلك الإمكانات المتاحة وأ يضا.ما كان اختيارها ليتحقق لو لم يشإ الله وهكذا تكون مشيئة الإنسان عازمة ومسؤولة عن قراره، وعن توجيه اختياره نحو الأسباب التي يراها مؤدية إلى غايته ومقصده؛ وتكون مشيئة الله مهيمنة و حاسمة فيما يمكن أن يقع أو ال يقع في ملكه.تعالى:وبهذا يمكن التمييز بين ثالث حلقات:الأولى قرار الإنسان في اختيار أحد الممكنات، ف القدر يحدد مجال الاختيار وإمكاناته، ويؤثر في شروطه، لكنه ال يستلزم أن يكون الاختيار نفسه مفروضا على الإنسان.:ثانيا سعيه في الأسباب.وفق ما يملك من قدرة وعلم بالسنن و الإنسان ليس مجرد محل تجري عليه الظروف؛ بل هو فاعل يوازن بين ا إلمكانات، ويريد ويختار ويسعى. لذلك ال يجوز مساواة تأثير الظروف بإلغاء فاعليته.:ثالثا تحقق النتيجة أو تعذرها وفق الحكمة والمشيئة الرباني تين.

فالإنسان مسؤول عن عزمه واختياره وسعيه في حدود قدرته ألن ه يملك مشيئ ة حقيقية، لكنه ال يملك ضمان النتائج وال التحكم المطلق في العالم. ال يتحدد التكليف بما يريده الإنسان وحده، وال بما تفرضه ظروفه وحدها، بل بما يوجبه الشرع ضمن ق درته واستطاعته الفعلية.

بهذا المعنى، ال يكون القدر مجرد حد خارجي للتكليف، بل يدخل في تشكيل المجال الذي يعمل الإنسان داخله، وفي الشروط التي تجعل بعض الخيارات ممكنة أو متعذرة، وبعض الأفعال ميسورة أو شاقة. لكن التأثير في الاختيار ال يعني بالضرورة إلغاء الاختيار. فقد يضي ق الفقر خيارات الإنسان من دون أن يحدد بالضرورة قراره الأخالقي، وقد يؤثر المرض في قدرته على العمل من دون أن يلغي كل ما يستطيع فعله.

ومهما تكن التربية السائدة والثقافة المجتمعية… والسلطة الحاكمة والظروف المحيطة فه ي كلها عوامل مؤثرة في مجال الاختيار لدى الإنسان، لكنها ال تثبت وحدها أن اختيا ره معدوم أو أنه ال محالة سيختار الاختيار الفالني ألن تطابق الظروف والأحوال ال يعطي نفس الاستجابة مما يبين.أن للشخصية دورها وتميزها السلوكي والأخالقي لذلك يعتني القرآن الكريم بسرد نماذج اختارت الكفر ألسباب تافهة، مثل مهابة القبيلة أو لنيل متاع قليل من الدنيا، بينما اختار آخرون الإسالم وه م تحت المنشار يقسمهم نصفين أو وسط مرمى النيران تأكل أجسادهم أحياء. بل إن القرآن الكريم ميز بين السابقين والالحقين لميزة في أنفسهم ﴿ َلا َيَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قَاتَلَ ۚ أُولََٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةا م ِنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن ب عْدُ وَ قَاتَلُوا ۚ وَ كُالا ﴾ٌوَ عَدَ اللَّهَّ ُ الْحُسْنَىَٰ ۚ وَ اللَّهَّ ُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير، (الحديد:الآية 0 1 ).

و ال ينبغي تصوير مشيئة الله ومشيئة الإنسان باعتبارهما إرادتين متنافستين على مستوى واحد. الإنسان يختار ويسعى اختيارا حقيقيا، بينما ال ت ستقل نتيجة جهده عن سلطان الله. وهذه الصياغة تقصد الجمع بين المسؤولية الإنسانية والهيمنة الإلهية.

ا لمحور الرابع: القدر محدد أساسي في التكليف تظهر صلة القدر بالتكليف في مجموعة من الآيات التي تربط المطلوب الشرعي بالوسع والاستطاعة والحال الواقعية للمكلَّف. قال تعالى: ُ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِ زْ قُه ُفَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاه ﴾ُ َّ اللَّه:(الطالق7 ). وقال: ﴾﴿الَ يُكَل ِفُ اللَّهَّ ُ نَفْسا إِالَّ وُ سْعَهَا:(البقرة286 ). وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَّ َ مَا ﴾ْاسْتَطَعْتُم:(التغابن16 ). وقال: ﴾ٍ﴿وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الد ِينِ مِنْ حَرَج:(الحج78 ).

( وتؤكد آية الإكراه في سورة النحل106 ) أن الحالة التي يقع فيها الإنسان تحت الإكراه ( ليست كحالة الاختيار الحر، كما تبين آية النور61 ) رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض في سياقها. وهذه النصوص ال تجعل كل ظرف عذرا تلقائيا، لكنها تمنع التسوية بين الناس في التكليف من غير نظر إلى القدرة والوس، ع والحال. فالتكليف ال يتوجه إلى إنسان مجرد عن شروطه وإنما إلى إنسان له قدرات وحدود وظروف.

ومن هنا يمكن أن يصبح القدر، وفق هذا البناء، محددا أساسيا في فهم التكليف: إنه المجال الواقعي الذي يتحرك داخله الإنسان، بما فيه من قدرة واستطاعة وعوائق وفرص. فالواجب الشرعي ال يُفهم بمعزل عن القدرة، كما ال تتحول نقص.القدرة إلى إعفاء مطلق من المسؤولية وتبقى الحاجة قائمة إلى التمييز بين العجز الحقيقي، والإكراه، ونقص القدرة، وبين التهاون والتقصير مع وجود الوسع.

فالقدر في السياقات القرآنية يتجاوز مسألة الإيمان بالقدر من قضية تتعلق بالمستقبل وحده إلى منهج لفهم الفعل والواقع والمسؤولية. وهذا الأمر يؤكده ما أثر عن الصحابة الكرام وعلى رأسهم أمير المؤمنين ع مر بن الخ طاب.رضي الله عنه.”لما قال: “نفر من قدر الله إلى قدر الله فبدالا من أن يسأل الإنسان: «هل كُتب لي النجاح؟ »، يصبح السؤال: * ما الشروط التي يتوقف عليها النجاح؟

* ما العناصر التي ينبغي توفيرها؟ * ما العالقات التي ينبغي فهمها وضبطها؟ * ما الخيارات المتاحة أمامي؟ * ما الأسباب التي أستطيع اتخاذها، وما حدود قدرتي ومسؤوليتي؟

المحور الخامس: فقه المحاسبة: الفرق بين العجز والتقصير والن تيجة

إذا كان الإنسان مسؤوالا عن اختياره وسعيه، لكنه ال يملك ضمان النتيجة، فإن المحاسبة ينبغي أن تميز بين الفعل الذي صدر عنه، والظروف التي أحاطت به، والنتيجة التي لم تكن كلها، تحت سيطرته. فقد يبذل الإنسان جهدا مشروعا وال يحقق النجاح بسبب عائق خارج عن قدرته وقد ينجح شخص بوسائل غير عادلة، فال يكون النجاح وحده دليالا على صحة الفعل أو استحقاق الثناء.

تساعد هذه التفرقة على تجنب خطأين متقابلين: الأول هو الجبر، أي تحميل الإنسان شعورا بأنه ال يختار وال يؤثر، والثاني هو تحميله مسؤولية كل ما يقع، كأنه يملك النتائج.والظروف كلها، فالمحاسبة العادلة تتعلق بقدر ما علم الإنسان، وما استطاع، وما اختاره، وما تعمده، وما سعى إليه مع مراعاة الإكراه والجهل والعجز والقيود الفعلية.

وهنا تتصل آيات الوسع والاستطاعة بمفهوم القدر: فهي ال تصف فقط حدودا كونية، بل، تؤسس لمبدأ أخالقي في تقدير المسؤولية. غير أن تنزيل هذا المبدأ على الوقائع يحتاج إلى اجتهاد ألن تقدير القدرة والاختيار ليس دائما أمرا بسيطا. ويقتضي ذلك تجنب استخدام «القدر» ذريعة لتبرير الظلم أو الإهمال، كما يقتضي عدم تجاهل الظروف التي تقلل قدرة الإنسان على الفعل.

يجب التمييز بين المسؤولية عن القرار، والمسؤولية عن النتيجة. خذ مثالين: المثال الأول: طبيب بذل وسعه ولم ينجح العالج الطبيب اختار العالج المناسب، واستعمل معرفته ووسائله المتاحة، لكنه لم يتمكن من إنقاذ المريض. ف عدم تحقق النتيجة ال يثبت وحده أنه أخطأ أو قص ر؛ فقد تكون هناك عوامل لم يستطع التحكم فيها. فالمحاسبة المهن ية والأخالقية تتعلق أيضا بصحة قراره، وبما بذله، وبمدى التزامه بالمعايير، ال بالنتيجة وحدها.

المثال الثاني: شخص استطاع أداء واجب وتركه عمدًا إذا كان الشخص قادرا على أداء واجب، ويعلم ما يلزمه، وال يوجد مانع معتبر، ثم تركه باختياره، فال يصح أن يتخذ القدر ذريعة إلسقاط مسؤوليته. إن عدم تحقق ما أراده الإنسان ال يعني بالضرورة فشله أخالقيا، كما أن وقوع الفعل ال يعفيه من المسؤولية عن اختياره.

فوجود القدرة والاختيار هو ما يجعل الفرق بين العجز والتقصير ذا أهمية في المحاسبة. إن تحقيق العدالة ي، قتضي فهم أحوال الناس واختالف قدراتهم والظروف التي تحيط بأفعالهم كما تقتضي عدم إلغاء مسؤوليتهم عن اختياراتهم. فإذا كان التكليف مرتبطا بالوسع، فإن الحكم على الأفعال يجب أن يراعي القدرة والقصد والإكراه والضرر والحقوق المتصلة بالفعل. و من ثم يصبح فهم شروط الفعل جزءا من إقامة العدل، ال وسيلة إلبطال المحاسبة.

العدالة ال تتحقق بمجرد إعالن الرغبة فيها. بل تحتاج إلى معرفة الحقوق والواجبات، وضبط الأدلة والإجراءات، والتناسب بين الفعل والمسؤولية والجزاء، ومنع التحيز. ومن هنا يمكن وصل فقه القدر بالعدالة من جهتين: فهم شروط قيام نظام عادل، وفهم مسؤولية الإنسان عن اختياره وفعله باستحضار التحديات الواقعية والظروف المحيطة.

المحور ال سادس: فقه القدر أساسًا للنجاح الدنيوي والتقدم الحضاري إذا كان القدر يشير إلى نظام الأشياء وخصائصها وروابطها وشروطها، فإن فقهه يصبح مدخالا إلى النجاح الدنيوي. فالزراعة تتقدم بفهم التربة والماء والمناخ ومواسم البذر، والطب يتقدم بفهم الجسم والمرض وأسباب العدوى وآليات العالج، والهندسة والتكنولوجيا تتقدمان بفهم خصائص المواد والطاقة والحركة والمعلومات. في كل هذه المجالات ال يتحقق النجاح بمجرد التمني، بل بمعرفة السنن، وتجربة الفرضيات، واكتشاف العالقات، وتصحيح الأخطاء.

بهذا المعنى، ال يكون التقدم العلمي خروجا عن ا إليمان بالقدر، بل يمكن أن يُفهم باعتباره سعيا إلى معرفة بعض ما أودعه الله في العالم من انتظام. فالدواء ال ينجح ألن الإنسان يتمنى الشفاء فحسب، بل ألنه يراعي أسباب المرض وخصائص الجسم والجرعة والوقت والتداخالت. والتقنية ال تعمل بمجرد الرغبة، بل تحتاج إلى معرفة القوانين التي تسمح بتحويل الطاقة أو نقل المعلومات أو بناء الأنظمة.

إن معرفة السنن والأسباب شرط مهم من شروط النجاح، ال أنها الشرط الوحيد وال أنها، تضمن النتيجة. فالمشيئة الإلهية، في هذا التصور، تظل حاكمة على تحقق النتائج والمشيئة الإلهية تارة تميل لصالح السنن فتأتي النتائج وفق سعي الإنسان، وتارة تميل لصالح الحكمة الربانية لما فيه خير الإنسان والإنسانية والتي قد يكون من مقتضاها حرمان الساعي من النتيجة التي أرادها إو.عطاؤه خيرا منها إما في الدنيا أو تأجيل ذلك لآلخرة، وهذا واضح في فقه الدعاء بينما يظل المطلوب من الإنسان أن يتعلم ويعمل ويختبر ويصحح.

ويمكن توسيع هذا الفهم ليشمل بناء المؤسسات: فالمؤسسة الناجحة هي التي تفهم حاجات الناس، وتحدد أسباب الخلل، وتربط المسؤولية ب المحاسبة، وتستفيد من البيانات والتجربة، وتراجع قراراتها. وهذا كله من فقه الروابط والشروط وا آلثار، ال من الاكتفاء بإرجاع كل شيء إلى، المصير. لذلك يحمل مفهوم القدر، في قراءته العملية على أنه دعوة إلى البحث والعمل وتحمل المسؤولية.

وهنا تكمن النقلة الأساسية: من سؤال «هل هذا الأمر مقد ر؟ » إلى سؤال «ما العناصر والشروط والعالقات التي تجعل هذا الأمر يتحقق، وما الذي ينبغي لإلنسان أن يختاره ويفعله؟ . هو ي في نظري محاولة تأصيلية لجهود محمد عبده ورشيد رضا و جمال الدين الأفغاني ل نقل مفهوم القدر من مجال الاعتقاد المجرد إلى مجال فهم الواقع والتعامل معه.

1 – في مجال الفالحة ال ينمو الزرع بمجرد رغبة الفالح في حصاده؛ فنجاح الزراعة يتأثر بخصائص التربة والبذور، ومواعيد الزرع، وتوفر الماء، والطقس، ومكافحة الآفات. لذلك يراقب الفالح هذه العوامل ويختار ما يناسبها من البذور وأساليب الري والعناية بالمحصول، ثم يعد ل عمله بحسب النتائج.

ويشير القرآن إلى إنبات النبات وتنوعه، قال تعالى: ﴾ٍ﴿وَ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُل ِ شَيْءٍ مَوْ زُون (الحج ر، 19 )، وقال: ﴾ٍ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر (القمر. 49 )وفي السنة، ورد في تلقيح النخل أن النبي ﷺ قال: “أنتم أعلم بأمر دنياكم” ( 1 )، و الحديث يقر بأهمية الخبرة البشرية في شؤون الزراعة.

2 – الطب والعالج جسم الإنسان نظام مترابط من الأعضاء والخاليا والوظائف. لذلك يعتمد تشخيص المرض واختيار العالج على فهم أسباب المرض، وخصائص المريض، وكيفية تأثير الدواء فيه، بما يشمل الجرعة المناسبة والتفاعالت الدوائية والعوامل التي قد تغي ر الاستجابة للعالج.

قال النبي ﷺ: « ” ما أنزل الله داءا إال أنزل له شفاءا ” ( 2 ). ويبعث الحديث على الرجاء في وجود العالج، لكنه ال يحدد عالجا بعينه. فمعرفة العالج والجرعة المالئمة تحتاج إلى بحث وخبرة طبية. 3 – التكنولوجيا والصناعة ال تعمل الآلة لمجرد رغبة الإنسان في تشغيلها؛ إذ يتطلب تصميمها مراعاة خصائص المواد وأبعاد القطع والجهد الكهربائي والحرارة والاحتكاك وطريقة اتصال المكونات. ويختبر المهندس التصميم، ويتحقق من مطابقته للمواصفات، ثم يعد له عند الحاجة.

و ضرب القرآن الكريم للناس أمثلة من خالل صناعة الدروع، وكذلك في صناعة السدود كما ورد في قصة ياجوج وماجوج ﴿ قَالَ مَا مَكَّن ِي فِيهِ رَ ب ِي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّ ةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ رَدْما * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىَٰ إِذَا سَاوَ ىَٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّىَٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارا قَالَ آ ْتُونِي أُفْرِ غ عَلَيْهِ قِطْرا * فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبا * َقَالَ هََٰذَا رَحْمَةٌ م ِن رَّب ِي ۖ فَإِذَا جَاء وَ عْدُ رَب ِي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ۖ وَ كَانَ وَ عْدُ رَب ِي حَقا * وَ تَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْ مَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ۖ وَ نُفِخَ فِي ﴾الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعا ( سورة، الكهف95 – 99 ).

المحور ال سابع: فقه القدر و الفالح الأخروي أما الفالح الأخروي، فال يُختزل في النجاح الدنيوي وال في مجرد التسليم بما وقع. إنه يتصل بالإيمان والعمل الصالح والاستقامة والعدل والتقوى، أي بتوجيه الاختيار نحو ما يرضي الله ضمن حدود القدرة. وتؤكد آية التكوير أن الإنسان يشاء الاستقامة، ثم تؤكد الآية التالية أن مشيئته ال تستقل عن مشيئة الله. وهذا يجمع بين الاستجابة ألمر الله و بين الرجاء في الله، فربنا ال يؤمر نا بشيء ثم يحول بين نا.وبينه ومن الضروري أال يُساوى بين «فقه القدر» وبين القدرة على التحكم في المصير أو ضمان.الثواب فمعرفة السنن ال تمنح الإنسان علما شامالا بالمستقبل، والعمل الصالح ليس صفقة آلية تضمن نتائج دنيوية محددة. المقصود أن الإنسان مدعو إلى العمل الواعي، وأن المسؤولية تتعلق بما يختاره ويسعى إليه، وأن النتائج النهائية ليست ملكا مستقالا له.

تجمع نظرية المشيئة في القدر بين فقه السنن المادية وبين.السنن الأخالقية والتكليفية فالإنسان يختار بين الطاعة والمعصية، ويتخذ أسباب العمل الصالح أو يتركها، وتترتب على ذلك المسؤولية والجزاء. ُومن الآيات ذات الصلة قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرا يَرَه * ْوَ مَن ﴾ُيَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرا يَرَه(:الزلزلة7 – 8 ).

لذلك ال يعني الإ يمان بالقدر انتظار الفالح الأخروي دون عمل، بل يقتضي فهم مجال.الاختيار والتكليف، والعمل بما أمر الله به وقد يكتب العبد مع الفائزين ثم يم حى ويكتب مع الخاسرين والعياذ باهلل.:قال تعالى ُ﴿ وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىَٰ عَلَى الْهُدَىَٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَة ﴾َالْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون، (فصلت17 )، و قال رسول الله ﷺ: ” ِبادروا بالأعمالِ فتنا كقطعِ الليل المظلمِ، يصبحُ الرجلُ مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيعُ دينه بعرضٍ من الدنيا” ( 3 ).

خاتمة

تقدم «نظرية المشيئة» محاولة إلعادة وصل القضاء والقدر بالفعل الإنساني والمسؤولية والعمل الحضاري. فالقدر، في هذا التصور، ال يُختزل في مصير مجهول يُطلب من الإنسان، التسليم به وال في مستقبل محسوم يحتاج من يكتسب أثره، غنما أو غرما بل يُقرأ بوصفه نظاما لألشياء، بما فيها من مقادير وخصائص وروابط وسنن. ومن ثم يصبح فقه القدر طريقا لفهم الواقع والتعامل معه، سواء في الطب والزراعة والتكنولوجيا، أو في بناء المؤسسات وتحقيق العدالة..وفي الوقت نفسه، ال يعني هذا الفهم أن الإنسان مستقل بنتائجه أو أن الأسباب تضمن النجاح فمشيئة الإنسان حقيقية من حيث العزم والاختيار والسعي، لكنها ليست مطلقة؛ ومشيئة الله مهيمنة على ما يقع أو ال يقع في ملكه. وتأتي آيات التكليف بالوسع والاستطاعة لتربط المسؤولية بما يقدر عليه الإنسان، وتمنع التسوية بين العجز والتقصير، كما تمنع اتخاذ الظروف ذريعة إللغاء الاختيار.

بهذه الضوابط يمكن أن تتحول مسألة القضاء والقدر من نقاش تجر يدي حول العلم السابق إلى مشروع في فهم الفعل والسنن والتكليف والمحاسبة: مشروع يقر بفاعلية الإنسان من دون أن يجعله مالكا مطلقا للنتائج، ويقر بهيمنة الله من دون أن يجعل التكليف عبثا، ويربط الإيمان بالقدر بالعمل والمعرفة والعدل بدل أن يجعله مبررا للسلبية والاستسالم.، وأخيرا فما كان من توفيق فمن الله صاحب الفضل والمنة، وما كان من خطأ فمن نفسي.وآخر دعونا آن الحمد هلل رب العالمين:الهوامش ( 1 )، صحيح مسلم ( 2363 ) ( 2 )، صحيح البخاري ( 5678 ) ( 3) صحيح مسلم ( 118 )

القرشي محمد


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى