من الجوهر الفرد إلى التسبيح الكوني: نحو قراءة روحانية للذرّية الكلامية في الحوار بين المعتزلة والتصوف
نحو قراءة روحانية للذرّية الكلامية في الحوار بين المعتزلة والتصوف

افتقار التوحيد المعتزلي في فيزياء الجوهر الفرد والإثراء الروحي الصوفي للذرّة
إنّ مجهودات البحث عن قدرة الإله العظيم، عبر فهم إعجازاته في خلقه، لم تكن مجرد ترفٍ فكري لدى السلف الصالح، بل كانت المنطلق الأساس وعصب علم التوحيد وجوهره. لقد شكلت هذه المجهودات انطلاقة حقيقية خلقت الرغبة في معرفة الله عبر بوابة الفيزياء، وجعلت من دراسة الطبيعة ومكوناتها وسيلة لا غنى عنها لإثبات الصانع وحكمته وكمال قدرته.
هذا التوجه، الذي يدمج النظر في الطبيعة ضمن السياق العقائدي، هو ما سماه المفكر محمد عابد الجابري بـ “الفيزياء الكلامية”. غير أنّ الملاحظ في مادة التوحيد العراقي في مطلع القرن الثاني الهجري وجود ثغرة معرفية وروحية لافتة؛ تمثلت في أن هذا “التوحيد الفيزيائي الكلامي”، على الرغم من امتزاجه بصلابة البحث العقلاني الدقيق عن قوانين الله في المخلوقات الذرية، لم يدخل سؤال الروحانيات في عمق وجوده الفيزيائي الذري.
الزهد المعتزلي وصرامة الجوهر الفرد
إنّ القول بأنّه لا يوجد زهديات تعبدية في التراث المعتزلي يخالف ما توصل إليه الباحث عثمان أيدنلي (Osman Aydinli) في بحثه لهذا الموضوع. فقد تأثر أقطاب المعتزلة الأوائل، مثل واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، تأثراً عميقاً بالإرث الروحي والأخلاقي للحسن البصري، وهو ما انعكس على حياتهما اليومية القائمة على البساطة، ورفض الثروة، والزهد في ملذات الدنيا.
كما اشتهر بالزهد والتقشف المفرط أبو موسى عيسى بن صبيح المردار (ت 225هـ/840م) المعروف بـ “راهب المعتزلة”، والذي كان شديد الورع لدرجة أنه كان يتخلص من أمواله أو يوصي بها للفقراء تحرزاً من شبهات الكسب، واعتزل السلاطين وانتقد سياسات الدولة العباسية بحدّة. كما أن جعفر بن حرب (ت 236هـ/850م) وجعفر بن مبشر (ت 233هـ/848م)، اللذين يعدان من أبرز تلاميذ المردار، سارا على نهجه في الزهد الشديد، وتخليا عن أموالهما وتراثهما، واتسما بمواقفهما النقدية الحادة تجاه السلطة الحاكمة.
الحديث عن الفيزياء الكلامية يبين جهد المعتزلة في صناعة توحيد مبكر في القرن الثاني الهجري يركز على عبادة الله العظيم عبر فهم أنه خالق مبدع عبر الفيزياء الكلامية الذرية
(انظر مقالتنا: “التوحيد من الفيزياء الكلامية للنظّام إلى الظمأ الأنطولوجي للرفاعي”).
الملاحظ في أطروحة المعتزلة، على الرغم من تواجد من هم زهاد، إلا أن رؤيتهم التوحيدية كانت عقلانية صارمة تجنبت بشكل لافت تأويل الجوهر الفرد بامتلاكه خصائص روحانية في محض نقاشاتهم الكلامية الفيزيائية “الجوهر الفرد”. ومن المستغرب أنهم توصلوا إلى فكرة الجوهر الفرد من خلال قراءتهم الذرية لقوله تعالى: ﴿لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [سورة الجن: 28] (انظر مقالتنا: “التوحيد من الفيزياء الكلامية للنظّام إلى الظمأ الأنطولوجي للرفاعي”).
غفلة السلف التوحيدي عن لاهوتية التسبيح الذري
وفي المقابل، فإنّ السلف التوحيدي الصالح لم يتوقف عند قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [سورة الإسراء: 44]؛ فلم يستحضروا هذه الآية في عمق الطرح الفيزيائي، رغم أنها تؤسس لمعنى جوهري: وهو أن “الجوهر الفرد” في حركته وتحركاته — سواء كجوهر محدود في تناهياته (عند الأشعرية) أو في حركته غير المحدودة في لا تناهياته الطفرية (عند المعتزلة النظامية) — يخوض عملية لاهوتية روحانية تسبيحية في ذات عملية الحركة نفسها. أي أن الحركة هي لغة تسبيحية لا نفقهها، وأن الذرية المشتركة في هذا الوجود تمارس التسبيح، والتوحيد، والتذكر، والفناء في التسبيح الموحد اللاهوتي.
3. هدف البحث
تُبين الفيزياء الكلامية جهد المعتزلة في صناعة توحيد مبكر في القرن الثاني الهجري يركز على عبادة الله عبر فهم خلقه المبدع. ويسعى هذا البحث إلى جسر الثغرة المعرفية والمنهجية المتمثلة في عدم دخول سؤال الروحانيات في عمق الوجود الفيزيائي الذري، وذلك عبر استكشاف “الجسور المفاهيمية” التي وفرتها التصورات الذرية لدى الماتريدية والأشعرية وكيف أثرت في تشكيل الميتافيزيقا الصوفية وتطبيقاتها العملية، وصولاً إلى مناقشة الأهمية المعاصرة لهذا الحوار بين الفيزياء التراثية والحديثة والروحانية المعاصرة.
أولًا: الزهد المعتزلي وصلابة الجوهر الفرد
إنّ القول بغياب الزهد التعبدي عن التراث المعتزلي لا ينسجم مع ما توصل إليه الباحث عثمان أيدنلي (Osman Aydinli) في دراسته «Ascetic and Devotional Elements in the Mu‘tazilite Tradition: The Sufi Mu‘tazilites». فقد تأثر عدد من أقطاب المعتزلة الأوائل بالإرث الروحي والأخلاقي للحسن البصري، ومنهم واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وانعكس هذا التأثر في مواقفهم من المال والسلطة وملذات الحياة. كما اشتهر أبو موسى عيسى بن صبيح المردار بلقب «راهب المعتزلة»، وعُرف بشدة ورعه وتقشفه، وسار بعض تلاميذه، ومنهم جعفر بن حرب وجعفر بن مبشر، في اتجاهات زهدية ونقدية تجاه السلطة والثروة.
تدل هذه الشواهد على أنّ الحياة التعبدية والزهدية لم يكونا غائبين عن التجربة المعتزلية. غير أنّ المسألة التي ينطلق منها هذا البحث ليست وجود الزهد في سلوك المتكلمين، بل طبيعة العلاقة بين ذلك الزهد وبين تصوراتهم الفيزيائية الكلامية. فهناك فرق بين أن يمارس المتكلم الزهد في حياته الشخصية، وأن يجعل من البنية الذرية للوجود نفسها موضوعًا لتأمل روحي في التسبيح والتوحيد والافتقار إلى الله.
ومن هنا تتحدد الثغرة التي يسعى البحث إلى استكشافها: لقد انشغل العقل الكلامي بتحليل بنية الأجسام، وإمكان انقسامها، وطبيعة الحركة، والعلاقة بين الجواهر والأعراض، بغية إقامة الحجة على حدوث العالم وإثبات قدرة الخالق. إلا أنّ هذا التحليل لم يتحول، في الصورة التي يتناولها البحث، إلى تأويل روحي متكامل للجوهر الفرد بوصفه جزءًا من وجود شامل يسبّح بحمد الله.
إنّ الفيزياء الكلامية، بهذا المعنى، أنتجت معرفةً بالعالم من جهة افتقاره إلى الخالق، لكنها تتيح أيضًا إمكان الانتقال إلى معرفة روحية بالعالم من جهة افتقار كل موجود إلى الله في وجوده وحركته وبقائه. وهذا الانتقال هو جوهر المشروع الحالي: ألا تبقى الذرّة مجرد وحدة في برهان حدوث العالم، بل تصبح مدخلًا للتفكر في تسبيح الموجودات، وفي العلاقة بين وحدة الخالق ووحدة الافتقار الكوني إليه.
وتزداد أهمية هذه المسألة عند استحضار قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: 28]. فالآية تضع الوجود في أفق الإحصاء الإلهي الشامل، بما يتيح للبحث أن يتأمل الصلة بين العدد والذرّية من جهة، وبين الإحاطة الإلهية بكل موجود من جهة أخرى. وفي هذا السياق، يستعيد البحث المسار الذي تناوله في دراسة سابقة بعنوان «التوحيد من الفيزياء الكلامية للنظّام إلى الظمأ الأنطولوجي للرفاعي»، ليتقدم منه إلى سؤال جديد: ماذا يحدث إذا انتقلنا من إحصاء الموجودات إلى تأمل تسبيحها؟
ثانيًا: غفلة السلف التوحيدي عن لاهوتية التسبيح الذرّي
تحتل آية التسبيح الكوني موقعًا مركزيًا في البناء المفهومي لهذا البحث:
﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44].
تؤسس الآية لمفهوم يتجاوز حصر التسبيح في الإنسان، إذ تجعل التسبيح وصفًا شاملًا للأشياء، مع الإشارة إلى أنّ البشر لا يفقهون كيفية تسبيحها. ومن هنا تنشأ المسألة التي يريد البحث إدخالها إلى عمق الفيزياء الكلامية: إذا كان كل شيء يسبّح بحمد الله، فكيف يمكن التفكير في الجوهر الفرد وحركته ضمن هذا الأفق الكوني للتسبيح؟
لقد تناول المتكلمون الجوهر الفرد من حيث كونه وحدةً في بناء الأجسام، وناقشوا علاقته بالأعراض والحركة والسكون والتغيّر. وكان اهتمامهم منصبًا على فهم بنية العالم بما يخدم البحث في حدوثه وافتقاره إلى الخالق. أما البحث الحالي فيضيف إلى هذه الأسئلة سؤالًا روحيًا: هل يمكن النظر إلى حركة الجوهر الفرد باعتبارها جزءًا من حركة الوجود الذي يسبّح بحمد الله، حتى إن ظلّ وجه هذا التسبيح غير مفهوم للوعي البشري؟
إنّ المقصود بالتسبيح الذرّي هنا هو إدخال الموجودات الدقيقة في أفق التسبيح الكوني الذي تقرره الآية، بحيث لا يعود العالم مجرد موضوع للمعرفة العقلية، بل يصبح فضاءً للتأمل في العلاقة بين الخالق والمخلوق. فالذرّة ليست مستقلة عن الوجود الكوني الذي تنتمي إليه، والوجود الكوني ليس مستقلًا عن الخالق الذي يقوم به. وبهذا المعنى، تصبح دراسة الذرّة قابلة لأن تتجاوز وصف البنية المادية إلى تأمل معنى الافتقار والتسبيح.
ويتسع هذا التصور ليشمل اختلاف النماذج الكلامية نفسها. ففي التصورات التي تجعل الجسم مركبًا من جواهر فردة محدودة، وفي التصورات التي تتناول الحركة عبر نظريات مثل الطفرة عند إبراهيم النظّام، يظل السؤال الروحي قائمًا: كيف يمكن إدراج الحركة والتغيّر في فهم أشمل للوجود بوصفه خاضعًا لله، ومفتقرًا إليه، ومسبّحًا بحمده؟
لا يعني ذلك أن الحركة تُختزل في صوت مسموع أو فعل تعبدي بشري؛ بل إنّها تدخل، في التأويل الذي يقترحه البحث، ضمن أفق التسبيح الذي لا يحيط الإنسان بكيفيته. فالآية نفسها تفتح مجالًا للتفكر في حدود الإدراك البشري: الموجودات تسبّح، لكن الإنسان لا يفقه تسبيحها على النحو الذي يفقه به كلامه وأفعاله. وبذلك تصبح محدودية المعرفة البشرية جزءًا من التجربة الروحية ذاتها، إذ يتعلم الإنسان أن العالم أوسع من إدراكه، وأنّ التسبيح ليس حكرًا على اللغة الإنسانية.
ومن هنا تتبلور فكرة الذرّية المشتركة: فالموجودات، على اختلاف أشكالها ومراتبها، تشترك في الافتقار إلى الله وفي انتمائها إلى عالم يسبّح بحمده. ولا يعني هذا التشابه بين الموجودات مساواتها في الوعي أو التكليف، بل يشير إلى وحدة أعمق في علاقتها بالخالق. وعندما يتأمل الإنسان هذه الوحدة، يمكن أن ينتقل من النظر إلى الموجودات بوصفها أشياء منفصلة إلى إدراكها ضمن أفق كوني من التسبيح والتوحيد.
في هذه النقطة بالذات يتجاوز البحث سؤال ما إذا كان الجوهر الفرد موجودًا أو كيف يتحرك، إلى سؤال عن معناه داخل تجربة التوحيد. فالمطلوب ليس إلغاء التحليل الكلامي، بل فتحه على أفق روحي لم يكن في صدارة مباحثه الفيزيائية: أفق الموجود الذي لا يستقل بذاته، والحركة التي لا تنفصل عن افتقار العالم إلى الله، والتسبيح الذي يشمل ما لا يفقه الإنسان كيفية تسبيحه.
ثالثًا: من الفيزياء الكلامية إلى الميتافيزيقا الصوفية
1. المسار الكلامي: الجوهر الفرد وتجدد الأعراض
تناول المتكلمون الأشاعرة، ومنهم أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين الجويني، مسائل الجوهر الفرد والأعراض وحدوث العالم في إطار مشروع توحيدي يهدف إلى إثبات افتقار العالم إلى الله. وارتبطت هذه المباحث بمسائل الحركة والسكون والتغيّر، وبالسؤال عن إمكان بقاء الموجودات من غير افتقار متجدد إلى الخالق.
وفي هذا السياق، احتلت فكرة تجدد الأعراض مكانة مهمة في التصور الأشعري للعالم. فالأعراض، وفق الصياغة الكلامية المعروفة، لا تستقل بالبقاء، ولا يضمن وجودها السابق استمرارها في الوجود اللاحق. ومن هنا تبرز فكرة الخلق المستمر، أي أنّ دوام العالم لا يعني امتلاكه قدرة ذاتية على حفظ نفسه، بل يعني استمرار تعلقه بالقدرة الإلهية.
وقد أدى هذا التصور إلى تحويل التغيّر من مجرد ظاهرة فيزيائية إلى مسألة توحيدية. فالحركة ليست فقط انتقالًا من موضع إلى آخر، والسكون ليس فقط غياب الحركة، والتغيّر ليس مجرد وصف لظواهر الطبيعة؛ بل إنّ هذه المباحث تفتح سؤالًا عن علاقة العالم بالفعل الإلهي. ومن خلال ذلك، تصبح الذرّية الكلامية مدخلًا للتفكير في القيومية الإلهية، وفي استمرار افتقار الموجودات إلى خالقها.
وتظهر أهمية هذا المسار عندما نقارنه بمباحث المعتزلة الأوائل. فقد امتلكت الفيزياء الكلامية العراقية أدوات دقيقة لتحليل بنية الأجسام والحركة، لكن المشروع الحالي يرى أن هذه الأدوات يمكن أن تُقرأ من جديد في ضوء سؤال التسبيح الكوني. وبهذا المعنى، لا يُستبدل سؤال حدوث العالم بسؤال روحاني منفصل عنه، بل يُستكمل السؤال الأول بسؤال عن كيفية تأمل العالم الذي يتوقف وجوده على الله بوصفه عالمًا مسبّحًا بحمده.
2. المسار الصوفي: شهود الأفعال والتوكل وابن الوقت
في المقابل، طوّر الصوفية مفاهيم تتصل بالتجربة المعاشة للافتقار إلى الله. فتناول القشيري مقامات السلوك وأحواله، واهتم الغزالي بالتوكل واليقين وتحرير القلب من الاعتماد المطلق على الأسباب، بينما وسّع ابن عربي التأمل في تجدد الخلق وعلاقة الوجود بالتجلي الإلهي، وأكد ابن عطاء الله السكندري في حكمه معاني الافتقار والتسليم وعدم الركون إلى التدبير الذاتي.
تلتقي هذه المفاهيم مع أسئلة علم الكلام عند نقطة مركزية هي نفي استقلال المخلوق بذاته. لكن الفرق يكمن في مسار التعبير: فالمتكلم يصوغ هذه المسألة في صورة نظرية عن الجوهر والعَرَض والحدوث والسببية، بينما يسعى الصوفي إلى تحويلها إلى وعي قلبي وممارسة يومية تتجلى في التوكل والذكر وشهود الأفعال والحضور في الوقت.
ومن هنا يمكن بناء الجسر المفهومي بين المسارين. فإذا كان التحليل الكلامي يجعل بقاء العالم مفتقرًا إلى الفعل الإلهي، فإن السلوك الصوفي يجعل الافتقار نفسه موضوعًا للمعرفة القلبية. وإذا كان علم الكلام يناقش استقلال الأسباب، فإن التوكل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالأسباب. وإذا كان البحث في الأعراض يتناول التغيّر المتجدد، فإن مفهوم «ابن الوقت» يعبّر عن حضور السالك في اللحظة التي يعيشها، من غير أن يجعل الماضي أو المستقبل مصدرًا مستقلًا للطمأنينة أو الخوف.
ويكتسب هذا الربط أهميته من كونه ينقل مفاهيم الكلام من مستوى تفسير العالم إلى مستوى معايشة الوجود. فالخلق المستمر لا يبقى فكرةً عن كيفية بقاء الموجودات فحسب، بل يصبح مدخلًا لفهم افتقار الإنسان في كل لحظة. والسببية العَرَضية لا تبقى نقاشًا حول علاقة النار بالاحتراق، بل تصبح مدخلًا إلى التوكل. وذرّية الزمن لا تبقى مسألة في فلسفة الطبيعة، بل تتيح تأمل معنى الحضور في الوقت.
3. الغزالي: من نقد السببية إلى روحانية التوكل
يمثل أبو حامد الغزالي نقطة التقاء بارزة بين الكلام والتصوف. ففي كتابه «تهافت الفلاسفة»، ولا سيما مناقشته السابعة عشرة، تناول العلاقة بين الأسباب وما يقع عندها من نتائج، ورفض اعتبار الاقتران المشاهد بين الظواهر دليلًا كافيًا على ضرورة سببية مستقلة عن إرادة الله.
تتصل هذه المناقشة بمشروعه الروحي في «إحياء علوم الدين»، حيث يحتل التوكل منزلة أساسية في علاقة الإنسان بالله. فالتوكل ليس مجرد موقف نفسي من المستقبل، بل هو إعادة ترتيب للاعتماد: يعمل الإنسان بالأسباب، لكنه لا يجعلها مصدرًا مستقلًا للوجود والنتائج. وبذلك يلتقي نقد السببية الضرورية مع تربية القلب على ألا يحصر ثقته في الوسائط الظاهرة.
وتظهر أهمية هذا الالتقاء في انتقال المعرفة الكلامية إلى التجربة. فحين يتأمل الإنسان أن الأسباب لا تستقل بذاتها، وأن ما يقع في العالم لا ينفصل عن القدرة الإلهية، يصبح قادرًا على إعادة فهم علاقته بما يملك وما يفقد، وبما يستطيع تدبيره وما يخرج عن قدرته. هنا يتحول التوحيد من قضية يبرهن عليها العقل إلى معنى يوجّه السلوك.
وتتصل هذه النقطة أيضًا برحلة الغزالي الفكرية التي عرض جوانب منها في «المنقذ من الضلال». فالبحث عن اليقين لم يبق عنده مسألة جدلية محضة، بل اتصل بإعادة بناء علاقة المعرفة بالحياة والعمل والتجربة الروحية. ومن هذا المنطلق، يقدّم الغزالي مثالًا مهمًا على إمكان انتقال المباحث الكلامية من تحليل الوجود إلى تهذيب علاقة الإنسان بالوجود.
4. ابن عربي: تجدد الخلق والوجود في كل آن
يتقدم ابن عربي خطوة أخرى في تأمل تجدد الوجود، إذ يربط مفهوم الخلق الجديد بتجدد العالم وعدم استقلاله عن التجلي الإلهي. ففي أفقه الميتافيزيقي، لا يكون الوجود المخلوق حقيقةً مكتفيةً بذاتها، بل يتجدد في تعلقه بالحق، ويظل الافتقار أساس علاقته بالله.
ومن هنا تنشأ صلة مفهومية بين تجدد الخلق في التصوف وبين مباحث المتكلمين في الأعراض والحدوث. فإذا كانت النظرية الكلامية تنفي عن الأعراض الاستقلال بالبقاء، فإن التأويل الصوفي يوسّع معنى التجدد ليصبح طريقةً في النظر إلى الوجود نفسه. فالعالم لا يُنظر إليه بوصفه بناءً اكتمل ثم استقل عن فعل خالقه، بل بوصفه وجودًا يتجدد في كل آن.
ويتيح هذا التصور للبحث أن يصل بين الزمن الكلامي والزمن الروحي. فاللحظة ليست مجرد نقطة على خط زمني، وإنما هي مجال يتجلى فيه افتقار الموجود إلى الله. وما يبدو استمرارًا ثابتًا في نظر الإنسان يمكن أن يُقرأ، في هذا الأفق، بوصفه تجددًا لا ينقطع. ومن ثمّ تتصل ميتافيزيقا التجدد بروحانية الحضور، ويتحول الوقت إلى مناسبة لتأمل فعل الله في الوجود.
وهكذا يظهر أن الصلة بين الجوهر الفرد والتصوف ليست مجرد تشابه لفظي بين مفهومين مختلفين، بل هي إمكان لإعادة بناء علاقة بين تصورين للافتقار: افتقار الموجود إلى الخالق في لغة الكلام، وافتقار السالك إلى الله في لغة التصوف.
رابعًا: الجسور المفاهيمية بين الذرّية والروحانية
1. الخلق المستمر والسيادة الإلهية
يقوم الجسر الأول على فكرة أن الوجود لا يستقل ببقائه. ففي التصور الكلامي، لا يكون العالم مكتفيًا بذاته، ولا تكون الجواهر والأعراض مصدرًا مستقلًا لاستمرار وجودها. وهذا المعنى يفتح أفقًا روحيًا يجعل الإنسان يتأمل افتقاره إلى الله في كل آن.
وعلى هذا الأساس، لا يكون الخلق المستمر مفهومًا ميتافيزيقيًا محضًا، بل يمكن أن يصبح مبدأً لإعادة النظر في علاقة الإنسان بالحياة. فالوجود الذي يستمر بفضل الله لا يُفهم بوصفه ملكية مطلقة للكائن، وإنما بوصفه عطاءً متجددًا. ويصبح الوعي بهذا العطاء أساسًا للشكر والتواضع، كما يصبح النظر إلى العالم مجالًا لاستحضار القيومية الإلهية.
ويتصل هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]. فالآية تفتح أفقًا للتأمل في تجدد الفعل الإلهي، وفي عدم انقطاع تعلق الخلق بربه. ومن هذا المنظور، يمكن للذرّية الكلامية أن تتحول من وصف لبنية العالم إلى لغة للتفكر في دوام الافتقار.
2. نفي الطبائع وشهود الأفعال
يقوم الجسر الثاني على العلاقة بين نفي الاستقلال الذاتي للأسباب وبين مقام شهود الأفعال. فحين يناقش المتكلمون طبيعة السببية، فإنهم يتساءلون عما إذا كانت الأشياء تمتلك قدرة مستقلة توجب نتائجها، أم أن وقوع النتائج مرتبط بالفعل الإلهي.
ويمنح هذا السؤال التوكل بعدًا ميتافيزيقيًا. فالسالك لا يتخلى عن الأسباب، بل يتجاوز الاعتقاد بأنها تستقل بإنتاج النتائج. ومن هنا تصبح الأسباب مجالًا للعمل، بينما يبقى الاعتماد النهائي على الله. ويعيد هذا الفهم تنظيم العلاقة بين الفعل الإنساني والتسليم، وبين الأخذ بالأسباب والافتقار إلى الخالق.
أما شهود الأفعال، فيشير هنا إلى تحول في الوعي: أن يتعلم الإنسان رؤية الأحداث ضمن علاقة أوسع بالقدرة الإلهية، بدلًا من حصر إدراكه في السلسلة الظاهرة للأسباب والنتائج. وبذلك يتحول نفي الاستقلال الذاتي للطبائع من قضية كلامية إلى ممارسة روحية تعيد تشكيل النظر إلى العالم.
3. ذرّية الزمن وروحانية “ابن الوقت”
يتمثل الجسر الثالث في العلاقة بين تجدد الوجود ومفهوم «ابن الوقت» في الأدبيات الصوفية. فالتصور الذي يجعل اللحظة مجالًا لتجدد الفعل الإلهي يتيح تأمل الحضور بوصفه استجابةً روحية لافتقار الوجود في كل آن.
إنّ «ابن الوقت» ليس أسير اللحظة بمعنى الانفصال عن الماضي أو إهمال المستقبل، بل هو من يعي أن السلوك الروحي يتحقق في الوقت الذي يعيش فيه. فالتوبة لا تقع إلا في حاضر التوبة، والذكر لا يتحقق إلا في حاضر الذكر، والشكر لا يكون إلا في اللحظة التي يستحضر فيها الإنسان النعمة. وبذلك تصبح اللحظة مجالًا للتجدد الروحي.
وفي ضوء هذا التصور، يمكن قراءة ذرّية الزمن بوصفها مدخلًا للتأمل في عدم امتلاك الإنسان للحظة على نحو مستقل. فكل آن يعيشه يفتح إمكانية جديدة للذكر والتوبة والشكر، ويكشف أن الاستمرار الظاهري للحياة لا يلغي تجددها. وهكذا يلتقي مفهوم الزمن الكلامي بمفهوم الوقت الصوفي في التأكيد على أن الوجود ليس ملكًا ذاتيًا مغلقًا، بل عطاء متجدد.
خامسًا: التسبيح الذرّي والفناء في التسبيح الموحّد
يشكل هذا القسم قلب الأطروحة؛ إذ ينتقل البحث من دراسة العلاقة بين الذرّية والروحانية إلى اقتراح مفهوم «التسبيح الذرّي» بوصفه أفقًا تأويليًا يربط بنية الوجود بمعنى التسبيح الكوني.
تنطلق الفكرة من أن التسبيح، بحسب الآية القرآنية، لا يقتصر على الإنسان، بل يشمل كل شيء. ومن ثمّ، فإن العالم الذي يدرسه المتكلمون من خلال الجواهر والأعراض والحركة والسكون هو نفسه العالم الذي تشير إليه الآية بوصفه عالمًا يسبّح بحمد الله. وهنا يلتقي خطابان: خطاب يشرح بنية الموجودات، وخطاب يفتح معنى وجودها على التسبيح.
إنّ التسبيح الذرّي لا يعني أن الجوهر الفرد يمتلك بالضرورة وعيًا بشريًا أو لغةً تشبه لغة الإنسان، وإنما يعني أن البحث يتناول أصغر وحدات الوجود ضمن الأفق القرآني الذي يجعل التسبيح شاملًا للموجودات. فالموجود لا يحتاج، في هذا التأويل، إلى أن يكون ناطقًا على الطريقة الإنسانية كي يدخل في أفق التسبيح. بل إنّ عدم فقه الإنسان لكيفية تسبيح الأشياء هو ما يجعل الآية مجالًا للتفكر في حدود المعرفة البشرية واتساع الوجود.
ومن هنا تتخذ الحركة معنى إضافيًا. فهي في الفيزياء الكلامية موضوع للتحليل والتعريف، وفي التأويل الروحي المقترح تدخل ضمن حركة الوجود الذي لا يستقل عن الله. وبذلك يمكن أن تُقرأ الحركة بوصفها جزءًا من عالم التسبيح، لا لأنها صوت أو خطاب محسوس، بل لأنها تنتمي إلى الوجود الذي يسبّح بحمد خالقه.
ويتصل هذا التصور بمفهوم التوحيد. فإذا كان كل موجود مفتقرًا إلى الله، وإذا كان كل شيء داخلًا في أفق التسبيح، فإن الذرّية المشتركة لا تشير إلى وحدة مادية فحسب، بل تتيح التأمل في وحدة الافتقار. فالموجودات تتعدد في صورها وخصائصها، لكنها لا تستقل عن خالقها. ومن هنا يصبح التوحيد أفقًا جامعًا يربط اختلاف الموجودات بوحدة مرجعها الوجودي.
أما التذكّر، فيدخل في هذا البناء بوصفه انتقالًا من معرفة العالم إلى استحضار معناه. فالإنسان الذي ينظر إلى الأشياء باعتبارها وحدات مادية فقط قد يقف عند حدود الوصف، أما الذي يستحضر تسبيح الموجودات فيعيد النظر إلى العالم بوصفه مجالًا للذكر. ويصبح النظر إلى الطبيعة ممارسةً تستدعي حضور الله في الوعي، لا مجرد مراقبة خارجية للأشياء.
وفي هذا السياق يظهر مفهوم الفناء في التسبيح الموحّد. والمقصود به في بناء البحث أن يتجاوز السالك مركزية ذاته المنفردة، فيدخل في وعي روحي يرى نفسه جزءًا من عالم مفتقر إلى الله ومسبّح بحمده. فلا يعود التسبيح فعلًا منفصلًا يؤديه الإنسان في مقابل عالم صامت، بل يصبح الإنسان واعيًا بأنه يعيش داخل كون يسبّح، وأنّ ذكره الفردي يتصل بأفق أوسع من تجربته الذاتية.
وهذا الفناء لا يعني زوال الإنسان المادي أو إلغاء شخصيته، بل يشير إلى تراجع وهم الاستقلال الذاتي أمام إدراك أوسع للافتقار المشترك. فالسالك لا ينفصل عن العالم، وإنما يعيد اكتشاف علاقته به: الموجودات ليست مجرد أشياء تقع خارج تجربته، بل هي جزء من عالم يتجه، في المنظور القرآني، إلى تسبيح الله. ومن هنا تتحول الروحانية إلى وعي بالعلاقة بين الذات والعالم والخالق.
ويجمع هذا المفهوم بين ثلاثة مستويات:
أولها، المستوى الوجودي، حيث لا يستقل الموجود بذاته عن الله.
وثانيها، المستوى الكوني، حيث يدخل كل شيء في أفق التسبيح الذي تشير إليه الآية.
وثالثها، المستوى الروحي، حيث يعيد الإنسان فهم نفسه بوصفه جزءًا من هذا الوجود، فيتحول الذكر من فعل فردي معزول إلى مشاركة واعية في التسبيح الموحّد.
وهكذا يضيف مفهوم التسبيح الذرّي إلى الفيزياء الكلامية بُعدًا روحانيًا: فالجوهر الفرد لا يبقى وحدةً في تفسير الجسم، بل يصبح مدخلًا للتأمل في وحدة الافتقار؛ والحركة لا تبقى مسألةً في وصف الطبيعة، بل تدخل في أفق التسبيح؛ واللحظة لا تبقى وحدةً زمنية، بل تصبح مجالًا للتذكّر والحضور؛ والإنسان لا يبقى مراقبًا خارجيًا للكون، بل يصبح جزءًا واعيًا من عالم يسبّح بحمد الله.
سادسًا: الذرّية والتصوف في الممارسة الروحية
1. الذكر بوصفه تجددًا للحضور
يكتسب الذكر، في ضوء هذه الأطروحة، معنى يتجاوز التكرار اللفظي. فإذا كان الوجود يتجدد، وإذا كانت اللحظة لا تُمتلك استقلالًا عن الله، فإن الذكر يصبح تجديدًا للعلاقة بين الإنسان وخالقه. وكل لحظة ذكر هي عودة إلى الوعي بالافتقار، وإعادة توجيه للانتباه نحو الله.
ويمكن ربط هذا المعنى بمفهوم التسبيح الذرّي: فالإنسان لا ينفرد بالتسبيح داخل كون صامت، بل يذكر الله وهو يعيش في عالم تشير الآية إلى أن كل شيء فيه يسبّح بحمده. وهنا يتسع معنى الذكر ليشمل تأمل الطبيعة والموجودات، واستحضار أن الوجود لا ينحصر في ما تدركه الحواس أو تفسره اللغة.
2. التوكل بوصفه وعيًا بالافتقار
إذا كان علم الكلام يبحث في عدم استقلال الموجودات والأسباب، فإن التوكل يحوّل هذا المعنى إلى موقف عملي. فالسالك يعمل، ويسعى، ويأخذ بالأسباب، لكنه لا يجعلها مصدرًا نهائيًا للطمأنينة. إنه يدرك أن الأسباب جزء من نظام العالم، لكنها لا تخرج عن افتقار العالم إلى الله.
ويتصل هذا الفهم بالخلق المستمر؛ لأنّ الاعتماد على الله لا يُفهم هنا باعتباره موقفًا يتخذه الإنسان مرة واحدة ثم ينتهي، بل بوصفه علاقة تتجدد مع كل ظرف ومرحلة. ومن ثمّ، يصبح التوكل ممارسة متجددة للحضور، لا مجرد فكرة ذهنية عن القدرة الإلهية.
3. الأحوال والمقامات بوصفها تجددًا روحيًا
يمكن كذلك إعادة قراءة الأحوال والمقامات الصوفية في ضوء مفهوم التجدد. فالحال الروحي، مهما بلغت قوته، لا يتحول إلى ملكية ذاتية مستقلة عن الله. واليقين الذي يعيشه السالك لا يعفيه من الافتقار، كما أن مقامه الروحي لا يجعله مكتفيًا بذاته.
وهذا المعنى يعيد الروحانية إلى أصلها التوحيدي: فالمعرفة لا تنتهي إلى امتلاك الله أو الإحاطة به، بل تقود إلى إدراك حدود الذات وعمق افتقارها. ومن هنا يلتقي تجدد الخلق بتجدد السلوك، ويتصل التأمل في الجوهر الفرد بالتواضع الروحي، ويصبح التقدم في المعرفة مناسبةً لمزيد من الشكر والافتقار.
سابعًا: إعادة البناء المفهومي بين الكلام والتصوف
يمكن وصف المنهج الذي يسلكه هذا البحث بأنه إعادة بناء مفهومية (Conceptual Reconstruction). والمقصود بذلك جمع المفاهيم التي تطورت في مسارات كلامية وصوفية متباينة، ثم الكشف عن العلاقات التي تتيح قراءتها ضمن بناء فكري واحد.
فمفهوم الجوهر الفرد ينتمي إلى تحليل بنية الموجودات، ومفهوم تجدد الأعراض يتصل بمسألة البقاء والتغيّر، ومفهوم الخلق الجديد يفتح سؤال تجدد الوجود، بينما يعبّر شهود الأفعال عن تحول هذه المعاني إلى وعي روحي. أما «ابن الوقت» فيعيد توجيه النظر نحو الحضور، في حين يوسّع التسبيح الكوني مجال التأمل ليشمل الموجودات كلها.
ومن خلال هذا الربط، لا تبقى المفاهيم موزعة بين كتب الكلام والتصوف، بل تصبح عناصر في مسار متصل: من تحليل الوجود إلى إدراك افتقاره، ومن إدراك الافتقار إلى شهود الفعل الإلهي، ومن الشهود إلى الحضور والذكر، ومن الحضور إلى تأمل التسبيح الكوني.
ويمكن تلخيص هذا المسار في خمس علاقات مترابطة:
- الجوهر الفرد والافتقار الوجودي: تحليل وحدة الوجود المخلوق يفتح سؤال اعتمادها على الله.
- تجدد الأعراض والخلق المستمر: التغيّر والبقاء يصبحان مدخلًا إلى التأمل في القيومية الإلهية.
- نفي الاستقلال السببي وشهود الأفعال: البحث في الأسباب يتحول إلى وعي روحي بالاعتماد على الله.
- ذرّية الزمن وابن الوقت: تجدد اللحظة يلتقي بالحضور الروحي في الوقت.
- التسبيح الكوني والفناء في التسبيح الموحّد: تتجاوز الذات انغلاقها، وتعيد اكتشاف نفسها داخل وجود شامل يسبّح بحمد الله.
وتتضح أهمية هذا المنهج في أنه يصل بين العقل والروح دون أن يجعل أحدهما بديلًا عن الآخر. فالعقل يحلل بنية الموجودات، والروح تستحضر معنى الافتقار، والتأمل التوحيدي يجمع بينهما في رؤية واحدة للعالم.
ثامنًا: الأهمية المعاصرة للذرّية الكلامية والروحانية
1. بين الفيزياء الكلامية والفيزياء الحديثة
يفتح البحث في الذرّية الكلامية مجالًا للحوار مع التصورات الحديثة للمادة والزمن، ولا سيما في الفيزياء الذرية والكمّية. فهناك موضوعات مشتركة على مستوى الأسئلة العامة، مثل طبيعة الوحدات الدقيقة، وحدود التصور الحسي المباشر، والعلاقة بين الظواهر وبنيتها. غير أن القيمة الأساسية لهذا الحوار، ضمن أطروحة البحث، لا تكمن في تحويل علم الكلام إلى نظرية فيزيائية حديثة، بل في استعادة السؤال الذي وجّه النظر الكلامي إلى الطبيعة: كيف يمكن أن يصبح التأمل في بنية العالم طريقًا إلى التفكير في الخالق ومعنى الوجود؟
لقد انطلقت الفيزياء الكلامية من رغبة في فهم المخلوقات بوصفها شواهد على القدرة الإلهية. ويمكن للبحث المعاصر أن يستعيد هذه الرغبة، فيجعل المعرفة بالطبيعة مناسبةً للتأمل في حدود الإنسان، وفي وحدة الوجود، وفي معنى الافتقار. وهنا يصبح الحوار مع العلم الحديث جزءًا من تجديد السؤال الروحي، لا مجرد محاولة لإيجاد تطابق بين نظريات مختلفة.
2. تجاوز المادية المنغلقة
في عالم تتزايد فيه النزعة الاستهلاكية والتشتت الرقمي، يمكن لمفهوم التسبيح الكوني أن يقدم رؤية مختلفة لعلاقة الإنسان بالطبيعة. فالعالم لا يُختزل في كونه موردًا للاستخدام أو موضوعًا للقياس، بل يصبح مجالًا للتأمل والامتنان واستحضار العلاقة بالخالق.
ومن هذا المنظور، فإن إدخال الروحانيات إلى التفكير في الذرّة لا يعني التخلي عن المعرفة العلمية، بل يعني توسيع الأسئلة التي يطرحها الإنسان على العالم. فإلى جانب السؤال عن كيفية عمل الأشياء، يظهر السؤال عن كيفية عيش الإنسان في عالم يراه مخلوقًا ومفتقرًا إلى الله، وعن المسؤولية الأخلاقية التي تترتب على هذا الإدراك.
3. الروحانية والأخلاق البيئية
تترتب على التسبيح الكوني دلالة أخلاقية تتصل بعلاقة الإنسان بالطبيعة. فإذا كان كل شيء داخلًا في أفق التسبيح، فإن الطبيعة لا تُعامل باعتبارها مادةً صامتة لا قيمة لها خارج منفعتها البشرية. بل تصبح جزءًا من عالم ذي معنى ديني وروحي، يستدعي من الإنسان التواضع والرعاية وعدم الإفساد.
ويكتسب هذا المعنى عمقًا إضافيًا حين يُربط بالخلق المستمر. فالعالم ليس ملكيةً مطلقة للإنسان، بل وجود يتلقاه الإنسان ضمن نظام أوسع من قدرته ومصلحته المباشرة. ومن هنا يمكن أن تتأسس الأخلاق البيئية على رؤية توحيدية تجعل رعاية الخليقة امتدادًا للوعي بالافتقار المشترك إلى الله.
الخاتمة: من الجوهر الفرد إلى التسبيح الموحّد
بدأ هذا البحث من ملاحظة تتعلق بالفيزياء الكلامية العراقية المبكرة: فقد امتلكت هذه الفيزياء أدوات عقلية دقيقة لتحليل الجوهر الفرد والحركة وبنية الأجسام، لكنها لم تجعل سؤال الروحانيات في عمق الوجود الذري محورًا بارزًا في ذلك التحليل. ومن هنا انطلق البحث لاستكشاف إمكان إثراء هذا المسار عبر مفاهيم التصوف، ولا سيما شهود الأفعال والتوكل وتجدد الخلق وروحانية الوقت.
وقد أظهر البناء المفهومي أن العلاقة بين الكلام والتصوف يمكن أن تُقرأ من خلال محور جامع هو الافتقار إلى الله. ففي علم الكلام يظهر هذا الافتقار في البحث عن حدوث العالم وتجدد الأعراض وعدم استقلال الموجودات، بينما يظهر في التصوف بوصفه توكلًا وشهودًا وحضورًا وذكرًا. ومن خلال الربط بين هذين المسارين، تنتقل المسألة من تحليل العالم إلى تأمل معنى الوجود داخله.
غير أن الإضافة المركزية التي يقترحها البحث تتمثل في إدخال التسبيح الكوني إلى صميم التأمل في الذرّية. فقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ يفتح أفقًا يتجاوز حدود اللغة الإنسانية، ويجعل الموجودات جميعها جزءًا من عالم يسبّح بحمد الله. ومن هنا يقترح البحث مفهوم «التسبيح الذرّي» بوصفه طريقةً للتفكر في الجوهر الفرد والحركة والوجود ضمن هذا الأفق القرآني.
وتتجلى النتيجة الفكرية لهذا الربط في انتقالات مترابطة: من الجوهر الفرد إلى الافتقار الوجودي، ومن الحركة إلى التأمل في التسبيح، ومن تجدد الأعراض إلى الخلق المستمر، ومن ذرّية الزمن إلى روحانية ابن الوقت، ومن نفي استقلال الأسباب إلى شهود الأفعال والتوكل، ومن الذكر الفردي إلى الفناء في التسبيح الموحّد.
إنّ الفناء في التسبيح الموحّد، في هذا البناء، هو أفق روحي يدرك فيه الإنسان أنه ليس كائنًا مستقلًا يقف خارج العالم، بل جزء من وجود شامل يفتقر إلى الله ويسبّح بحمده. وبهذا الإدراك تتراجع مركزية الذات المنغلقة، ويصبح العالم مجالًا للذكر والتأمل، وتتحول المعرفة بالطبيعة إلى مناسبة لاستحضار الخالق.
وهكذا يسعى البحث إلى وصل صرامة العقل الكلامي بظمأ الروح الصوفية، وإلى إعادة فتح سؤال الجوهر الفرد على معنى يتجاوز حدود التحليل البنيوي. فالذرّة، ضمن هذا التأويل، ليست مجرد وحدة في تركيب المادة، بل مدخل للتفكر في وحدة الافتقار؛ والحركة ليست مجرد موضوع فيزيائي، بل جزء من عالم التسبيح؛ واللحظة ليست مجرد وحدة زمنية، بل مجال متجدد للحضور والذكر؛ والإنسان ليس المتكلم الوحيد في كون صامت، بل كائن يتعلم أن يرى نفسه داخل عالم لا يفقه تمامًا كيفية تسبيحه.
ومن هنا تتحدد الغاية النهائية لهذا المشروع: إعادة وصل الفيزياء الكلامية بالروحانية التوحيدية، عبر الانتقال من تحليل الموجودات إلى تأمل افتقارها وتسبيحها، ومن معرفة الذرّة إلى شهود الوجود في أفق التسبيح الموحّد.
د. محمد الزكري القضاعي
المراجع
- القرآن الكريم.
- الأشعري، أبو الحسن. مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين. تحقيق هلموت ريتر. إسطنبول، 1929.
- الجابري، محمد عابد. بنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986.
- الغزالي، أبو حامد. تهافت الفلاسفة. تحقيق موريس بويج. بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1927.
- الغزالي، أبو حامد. المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال. تحقيق جميل صليبا وكامل عياد. بيروت: دار الأندلس، 1967.
- الغزالي، أبو حامد. إحياء علوم الدين. القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، 1939.
- القشيري، أبو القاسم. الرسالة القشيرية في علم التصوف. تحقيق معروف زريق وعلي عبد الحميد بلطجي. بيروت: دار الخير، 1988.
- ابن عربي، محيي الدين. الفتوحات المكية.
- ابن عطاء الله السكندري. الحكم العطائية.
- Aydinli, Osman. “Ascetic and Devotional Elements in the Mu‘tazilite Tradition: The Sufi Mu‘tazilites.” The Muslim World 97, no. 2 (2007): 174 ff.
- Bakar, Osman. Classification of Knowledge in Islam: A Study in Islamic Philosophies of Science. Cambridge: Islamic Texts Society, 1998.
- Chittick, William C. The Sufi Path of Knowledge: Ibn al-Arabi’s Metaphysics of Imagination. Albany: State University of New York Press, 1989.
- Fakhry, Majid. Islamic Occasionalism and Its Critique by Averroes and Aquinas. London: George Allen & Unwin, 1958.
- Frank, Richard M. “The Ash‘arite Ontology: I. Primary Entities.” Ars Orientalis 6 (1966): 165–170.
- Griffel, Frank. Al-Ghazali’s Philosophical Theology. Oxford: Oxford University Press, 2009.
- Knysh, Alexander. Islamic Mysticism: A Short History. Leiden: Brill, 2000.
- Nasr, Seyyed Hossein. Science and Civilization in Islam. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1968.
- Nasr, Seyyed Hossein. Man and Nature: The Spiritual Crisis of Modern Man. London: George Allen & Unwin, 1968.
- Schimmel, Annemarie. Mystical Dimensions of Islam. Chapel Hill: University of North Carolina Press, 1975.
- Sorabji, Richard. Matter, Space, and Motion: Theories in Antiquity and Their Sequel. London: Duckworth, 1988.
- Wolfson, Harry Austryn. The Philosophy of the Kalam. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1976.
- Bulgen, Mehmet. “Al-Māturīdī and Atomism.” Dini Tetkikler Dergisi 2, no. 2 (2019):
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






