السيدة ماري والوطواط أو مشكلة الكواليا/الوعي
حدود التفسير المادي وأزمة التجربة الذاتية بين حجة ماري وتساؤل نيغل

المقصود بـ«الكواليا Qualia» بشكل عام هو الخصائص الذاتية والنوعية للتجارب. مثلا: إن شعورك عند رؤية شخص معين يختلف عن الشعور المرتبط برؤية شخص آخر، وينطبق الأمر على الورود والموسيقى إلخ. بمعنى أن هناك شعورا مميزا خاصا في كل خبرة نخبرها إزاء/مع شيء ما. إن «الكواليا» بوصفها الخاصية النوعية للتجارب أو التفرّد الإدراكي، تُثير مشكلة في موضوع الوعي خاصة عند أولئكـ الذين يذهبون إلى أن طبيعة الوعي مادية وأنه ليس شيئا مختلفا.
هناك نكتة تُقال في نقد السلوكية، وهي: بعد انتهاء ممارسة الحب بين زوجين، سأل الزوج زوجته: لابد أنك تشعرين بروعة التجربة، فـ«كيف كانت التجربة بالنسبة إليّ [أنا]؟» واضح من النكتة أنها تشير إلى أن الوعي بالذات وبالموضوع حالة وخبرة خاصة قد لا يشاركني فيها أحد. فهل يمكن اختزال الوعي أو الحالات العقلية في السلوك؟ هل يجوز ردّ الوعي إلى ما هو مادي؟
ثمّة فيلسوف أسترالي اسمه فرانكـ جاكسون (Frank Jackson)، وهو من الفلاسفة الذين انتقدوا التصور المادي للوعي من خلال حجة شهيرة له. وهي حجة «ماري». إن «ماري» هذه عالمة في النيروبيولوجيا، إنها تعرف كل ما يمكن معرفته عن إدراك اللون، وعندها معرفة كاملة عن فيزياء الضوء والطيف الضوئي. ولكنها نشأت في بيئة سوداء وبيضاء؛ لَم تَـرَ قطّ أي شيء مُلوّن سوى الأبيض والأسود وأطياف من الرّمادي. فما هو الشيء الغائب هنا؟ إنه معرفة كيف تبدو الألوان فعلا. أجل، يمكن للمرء أن يمتلك معرفة عن كل ما يمكن معرفته وفقا للتحليل الوظيفي أو المادي من دون أن يعرف كيف تبدو الألوان. والمشكلة المرتبطة بالألوان ليست سوى حالة خاصة من مشكلة التجارب الخاصة (qualitative) عامة. أي أن خبرة إدراك اللون – هنا – بالفعل حالة خاصة يستشعرها الشخص. لذلك فـ«أي تحليل للعقل يهمل هذه التجارب الخاصة غير واف». يبدو أن حجة «السيدة ماري» واضحة، فما علاقة «الوطواط» بموضوع الوعي؟
إن إحدى أقدم الحجج المشهورة ضد أنواع الوظيفية المادية قد قدمها الفيلسوف الأمريكي «توماس نيغل Thomas Nagel» وعنوانها: «ما معنى أن تكون وطواطا من منظور الوطواط؟». لنفرض أنه لدينا تحليل كامل مرضي وظيفي ومادي ونيروبيولوجي لمختلف الحالات العقلية (مثل المعتقدات، الرغبات، الآمال، المخاوف، الآلام…)، ومع ذلك فإن هذا التحليل لن يُفسّر الوعي. لماذا؟ تتميّز الوطاويط بزيّ حياة يختلف عن زيّ حياتنا؛ فهي تنام طوال النهار معلقة من روافد رأسا على عقب، وبعدها تطير هنا وهناك في أثناء الليل، وتشقّ طريقها باكتشاف الأصداء الناجمة عن السُّونار [الرصد بالصدى] الذي تبثه ضد الأشياء الصلبة. يمكن للمرء أن يمتلك معرفة كاملة عن جميع الآليات الوظيفية التي تُمكن الوطواط من الحياة والطيران، ومع ذلك، لابد أن يبقى شيء ناقص من معرفة هذا الكائن. هذا الشيء هو ما معنى الوطواط من منظور الوطواط نفسه؟ ما نوع الشعور الذي يميزه بوصفه وطواطا؟ إنه سؤال يُسلّط الضوء على جوهر الوعي. أما فيما يتعلق بأي كائن واع، فتوجد ناحية تتعلق بماهية وجوده. ويعني كل هذا أن أي تفسير موضوعي للوعي يهمل هذه الناحية لأنه لا يستطيع أن يفسر الخاصة [الكواليا] الذاتية الوعي.
لنتذكر قول «ويلدر بنفيلد» عن مريضه: «عندما جعلت أحد المرضى يحركـ يده بوضع “الالكترود” [قطب كهربائي] على القشرة الحركية في أحد نصفي كرة دماغه كنتُ أسأله مرارا عن ذلك. وكان جوابه على الدوام: «أنا لم أحركـ يدي، ولكنكـ أنت الذي حرّكتها». وعندما أنطقته قال: «أنا لم أخرج هذا الصوت، أنت سحبته مني». ويعني ذلك أن المريض الذي يراقب مثل هذا لابد من أن يكون شيئا آخر يختلف كليا عن فعل الأعصاب اللاإرادي. إن الالكترود يستطيع أن يجعل جسم المريض يتحرك، ولكنه لا يستطيع أن يجعله يريد تحريكه. إنه لا يستطيع أن يتحكم في الإرادة. بمعنى أنه ليس في قشرة دماغ المريض أي مكان يستطيع التنبيه الكهربائي أن يجعل المريض يعتقد أو يقرر شيئا. فهل يستطيع التفسير الموضوعي أن يفسر «الكواليا» والوعي عموما؟ هل هناك خلط بين مؤشرات الوعي والوعي ذاته؟ هل نرفض تجارب الاقتراب من الموت وهي تجارب كثيرة جدا؛ تفيد أن الوعي يمكنه أن يفارق البدن؟ هل يمكن للعالم أن يؤمن بالروح؟ يقول «بنفيلد»: «يا له من أمر مثير، إذن، أن نكتشف أن العالِم يستطيع بدوره أن يؤمن عن حق بوجود الروح».
ـــــــــــــ
¹- جون سيرل، العقل: مدخل موجز، ترجمة: ميشيل حنا متياس.
²- ج. ستانسيو [و] ر.أغروس، العلم في منظوره الجديد، ترجمة: كمال خلايلي.
³- «Qualia» [Internet Encyclopedia of philosophy]
رحو اليوسفي
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.





