التنويريسلايدرفكر وفلسفة

الثنائيات الحادة: تقابلات عقلية الفعل السياسي الإقصائي 

تفكيك مأزق الاستقطاب الصفري وسؤال استعادة المجال العام

إطار منهجي:

تُشكل عقلية “الثنائيات الحادة”، فيما نشهده من احتدام لغة الخطاب العام، وتداعيات “هامش الفوضى” في بلادنا، وغيرها من دوائر انتمائنا العربية والأفريقية والإسلامية، نسقًا رغائبيًا غريبًا يختزل التعقيد الاجتماعي – السياسي في تقابلات إقصائية صارمة؛ مثل؛ حق وباطل، صديق وعدو، ثورة وثورة مضادة، بعد تورات نعوت التقدمية والرجعية واليسار واليمين والإشتراكية والإمبريالية، وما تَحَلَّقَ حول شعاراتها من صنوف “الطائفية السياسية”. مما بَدَّلَ الفعل السياسي من جوهره كمجال للتفاوض والتسوية إلى حلبة صراع صفري “عدمي” لا يحتمل أنصاف الحلول، حتى لو نُصِبَت مشانق الفناء لكل ما يختلفون فيه؛ بما في ذلك الأرض والعرض والمصير. لذلك، يواجه الفعل السياسي المعاصر، في سياقات التحول العميق وإشكالية الاختزال والوعي الاستقطابي، أسئلة حرجة، ومأزقًا إبستيمولوجيًا بنيويًا، يتمثل في سيطرة عقلية هذه “الثنائيات الحادة”، التي تختزل التعقيد الاجتماعي والسياسي إلى تقابلات صفرية إقصائية لا تعرف للتفاضل والتوازن والتسامح معنىً، ولا تتكيف مع راهن حالها ومآلها. ولذلك، فإن هذا النمط من التفكير العدمي لا يحصر السياسة في صراع بين معسكرات متقابلة فحسب، بل يلغي أفق التسوية والتدبير المشترك، محولًا المجال العام من فضاءٍ رحبٍ للتفاوض إلى حلبة استنزاف وتعبئة أيديولوجية وهوياتية مغلقة تغذيها اقتصاديات الغضب، التي لا تبغي ولا تذر.

وتنطلق مقاربة الإطار المنهجي لكل ما يمكن أن نطرحه من هذه الأسئلة هنا من فرضية مركزية مفادها أن تجاوز مآلات العدمية السياسية وانسداد الأفق المؤسسي لا يتحققان عبر ترميم الشكلانيات والشعارات والإيديولوجية فقط، وإنما يتطلبان تفكيكًا قصديًا وقطيعة جذرية مع أدلجة الممارسات التقليدية، التي تُنتج أوهام “الطهارة السياسية”، وتخوين الآخر في كل مواقفه، أو إدعاء الخيرية في التحدث باسم من يفوضوهم، أو احتكار مفتاتيح المستقبل. ويستدعي هذا التفكيك اعتماد أدوات التفكير، الذي يُعلي من قيمة التنوع المركب والتعددية الموضوعية، حيث يُعاد الاعتبار للاختلاف بوصفه مكونًا جوهريًا وحيويًا للحياة السياسية السليمة، لا انحرافًا أخلاقيًا يستوجب الإقصاء، أو المحو. وتتوسل المقاربة؛ في مسارات التفكيك والتحليل، بأدوات النقد التاريخي والسوسيولوجي لتتبع الجذور الثقافية التاريخية والحداثية للاستقطاب المطلق، وصولًا إلى اختبار آليات إعادة هندسة الفضاءات الوسيطة. رغم أن هذا التحليل لا يسعى إلى تقديم وصفات معيارية جاهزة، بل يهدف إلى محاولة إضاءة الشروط الفكرية والمؤسسية الكفيلة بحماية البنى التشاركية من التسييس الحزبي الضيق. إذ إن إعادة بناء جسور الثقة المجتمعية، من هذا المنظور المنهجي، تمثل فعلًا استراتيجيًا لإنتاج المعنى المشترك، واستعادة السياسة كفنّ ممكن للتضامن والإنتاج الثقافي والمجتمعي.

جذور الأزمة:

تعود الجذور التاريخية للاختزال الثنائي، أو ما سنشير إليه بـ“الأصول الإبستيمولوجية” لعقلية الثنائيات الحادة، إلى الميراث اللاهوتي الغربي والميتافيزيقي التقليدي للأديان الشرقية، بما فيها الإسلام، الذي رسخ ثنائيات مطلقة؛ مثل، الخير المطلق والشر المطلق، والحقيقة والضلال، والشك واليقين، وغيرها من مفردات الأحكام القطعية، التي لا تقبل المقابلة، ولا تخضع لأسس المقارنة. ومع الانتقال إلى الحداثة السياسية، تكتسب هذه الجذور تجسيداتها عبر محطات مفصلية؛ كـ“النزعة اليعقوبية الراديكالية”، التي رافقت الثورة الفرنسية، والتي أزاحَت الفوارق الدقيقة بين الاختلاف السياسي والخيانة الأخلاقية، مُؤسِّسَةً لمبدأ التطهير المسبق للمجال العمومي من المخالفين، وما اقترفته من فظائع في حق المخالفين عَتَّمَ على كل مطاهر الإحتفاء بما جرى التبشير به من عصر الأنوار. ومثلها، كانت هناك “الإيديولوجيات الكلية”؛ في القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث جرت عسكرة السياسة وإخضاع التاريخ لِخَطِيَّة حتمية تقسم الفاعلين إلى معسكرين لا ملتقى بينهما: معسكر النقاء المطلق ومعسكر الخيانة المطلقة. ثم جاء إرث “الحروب العقائدية”، التي نقلت منطق الخلاص الروحي والحروب المقدسة إلى حقل الصراع المدني، معتبرةً التنافس السياسي صراعًا وجوديًا بين البقاء والعدم.

وتستند هذه العقلية إلى جذور إبستيمولوجية وأنطولوجية، تُمَيِّزها نزعة تأسيسية متجذرة في ميتافيزيقا الأيديولوجيات التقليدية، التي تفترض وجود حقائق مُطلقة وثابتة، شَكَّلت الهدر الإنساني للطاقة والأخلاق معًا، وانسحبت كوارثه على كل المجالات. ففي السياق السياسي، تُترجم هذه الفرضية إلى “وهم النقاوة السياسية”، حيث يُنظر إلى الفضاء العمومي باعتباره مساحة تطهيرية لصراع بين فسطاطين، أو معسكرين لا ملتقى بينهما. وهذا الاختزال يقوض الأفق الجدلي، ويعطل إمكانيات النقد المتبادل لصالح إيديولوجيات الهوية المغلقة، التي تُشرعن إلغاء الآخر بوصفه تهديدًا وجوديًا لا شريكًا في بناء المجال السياسي، وشواهد النجاة من فرضية الوهم هذه نادرة، إن لم تكن معدومة، واتصفت بنعرتها كل الأيديوجيات المغلقة. وإذا أردنا اتباع مسارات التفكيك المنهجي والنقدي لهذه الفرضية، فإن المقاربة الجدلية والتركيبية تدعونا إلى تجاوز منطق الإقصاء الثنائي (إما/أو) لصالح منطق الوساطة والتشابك، بحيث يُنظر للظواهر السياسية كمخرجات لشبكات علاقات معقدة وليست كجواهر متجانسة، أو متناقضة جذريًا. رغم أن الحقيقة تبهرنا بتجلياتها، إذ لا اليسار سار في خط مستقيم، ولا اليمين عرفت حركته أصول هذه الإستقامة.

فالتعددية الصراعية، التي ألفناها في واقعنا السياسي الماثل، ما هي إلا تحايل يعمل الناشطون من خلاله على استبدال مفهوم “الخصم الشرعي” إلى منطق “العدو المطلق”، الذي يجب محوه بمفهوم الحق في الإقصاء، الذي يختلف معه الفاعل السياسي المقابل جذريًا، لأنه يؤسس لعدم الاعتراف بحقه الدائم في الوجود والمشاركة ضمن قواعد الإطار الديمقراطي التشاركي. وهذا لعمري “فكر مركب” ينزع للتعامل مع الواقع السياسي؛ ليس كنسق مفتوح ومترابط، وإنما “حلبة صِراع” دائم، تعجز المقاربات الخطية الأحادية عن الإحاطة بدينامياته المتحولة والتناقضات المتأصلة فيه. ويلامس هذا الفكر بدقة جوهر ما يُعرف في الفلسفة السياسية المعاصرة بـ“التعددية النزاعية”، وهو مفهوم يحول الصراع من طاقة دافعة للتطور الديمقراطي إلى حالة مدمرة وعدمية، لا نَوَدُّ الادعاء باحتكار صناعتها والترويج الفاضح لها بأفعالنا، لكن هذه الأفعال الماثلة في مسمع ومراى العالم لا تجعل لحجة دحضها مزية منطق مقبول. خاصة وقد تداعت الأمم على قصعة أحلامنا في بناء أوطان آمنة، يجوز فيها لنا ما جاز لغيرنا من فرص اغتنموها، ومعادلات رتبوها، بتوازن وتكيف، لم نعد قادرين على مجرد استراق السمع لأفضلياتها العديدة، التي يمكن أن تحفظ ما تبقى من كرامة الإنسان والأوطان.

التداعيات على الممارسة المؤسسية:

لهذا، فإن الانتقال من منطق “العدو المطلق”، الذي يوجب الإلغاء والاستئصال، إلى منطق “الخصم الشرعي”، الذي نختلف معه جذريًا في المنهج والرؤية، هو الضمانة الحقيقية لبقاء الفضاء العمومي مفتوحًا. هذا التحول لا يلغي الخلاف بل ينظمه، بحيث يصبح الاختلاف في الرأي دليلًا على حيوية النسق السياسي لا مؤشرًا على تفككه، شريطة أن ينطوي هذا الاعتراف على الالتزام بالقواعد المشتركة للعبة الديمقراطية التشاركية. فحين ننظر إلى السياسة باعتبارها “حلبة صراع دائمة” وليست مساحة هندسية للتوافق الميكانيكي، أو الإجماع البارد، فإننا نصطدم فورًا بقصور “المقاربات الخطية الأحادية”. هذه المقاربات تفشل باستمرار لأنها تتعامل مع المجتمعات وكأنها كتل مصمتة تسير في خط مستقيم نحو الاستقرار، متجاهلة التناقضات البنيوية والديناميات المتشابكة، التي تحرك الواقع. ويؤدي تفشلها إلى مآزق هيكلية لعدة اعتبارات رئيسة: تتعامل؛ أولًا، مع المجتمعات وكأنها كتل مصمتة تسير في خط مستقيم نحو الاستقرار المزيف. وتتجاهل؛ ثانيًا، التناقضات البنيوية والديناميات المتشابكة التي تحرك الواقع الاجتماعي الحقيقي. وتختزل؛ ثالثًا، التعددية السياسية في ثنائيات قطبية حادة تعرقل تطور العمل الديمقراطي.

ولهذ، فإن بناء ديمقراطية حية يقتضي بالضرورة رؤية تكاملية تتسع للتعددية، وقبول فكرة الصراع السلمي المنظم كجزء طبيعي من البنية المجتمعية، مما يتيح للأصوات المختلفة أن تتفاعل وتتدافع من دون أن يتحول الاختلاف الفكري إلى تهديد وجودي للكيان السياسي ككل، ويُعَقِّد مساراته. ويتطلب التعامل مع هذا التعقيد “فكرًا مستنيرًا” يعترف بأن التوتر والاختلاف ليسا عارضًا طارئًا يمكن تجاوزه بقرار إداري، بل هما جوهر السياسة نفسها. وحين ندرك ذلك، يتحول الفعل السياسي من سعي وهمي للسيطرة التامة والإجماع المطلق، إلى فن إدارة الصراع التاريخي والاجتماعي بأقل قدر ممكن من العنف، وأعلى قدر ممكن من الاعتراف بالآخر المختلف. إذ إن الاحتكام الدائم إلى الثنائيات الحادة يؤدي إلى شلل المؤسسات السياسية وتحويل الفعل العمومي إلى طقوس تعبئة عاطفية فارغة من المحتوى البرامجي. وعندما يُدار الشأن العام بمنطق الغلبة الصفرية، تفقد السياسة وظيفتها التاريخية كفن للتدبير المشترك وإدارة الاختلاف، وتتحول إلى تقنية هيمنة تستبدل النقاش العقلاني بالاستقطاب الهوياتي الحاد. لذلك، فإن تجاوز هذا المأزق الفكري يتطلب إرساء ثقافة نقدية تُفكك “المطلقات المضللة”، وتعيد الاعتبار للسياسة بوصفها فنًّا ممكنًا للتسوية والإنتاج المشترك للمعرفة المجتمعية.

الغايات العدمية للاستقطاب المطلق:

يأخذني اليقين أن مآلات هذه العقلية تؤدي حتميًا إلى غايات عدمية تتقاطع مع تدمير المعنى السياسي ذاته، وتتجلى في آليات ومآسٍ بنيوية محددة؛ منها للتمثل وليس الحصر، آلية “التآكل الذاتي”، التي عندما يُقضى على “العدو المفترض”، لا تتوقف ماكينة الإقصاء، بل تشرع في البحث عن انحرافات داخلية في الآخرين، وصفاء مزيف بين الحلفاء أنفسهم، مما يؤدي إلى تفتيت البنى السياسية من الداخل. وتجتهد هذه الماكينة في “إفراغ الفضاء العمومي من محتواه”، بمعنى تحويل السياسة من أداة للتفاوض وتوزيع الموارد والتدبير المشترك إلى طقوس استنزاف صفرية تلغي أي أفق حقيقي للبناء التنموي، أو الإصلاح المؤسسي. وهذا عين ما يمكن وصفه بـ“العدمية السياسية والعزوف”، التي تنتج حالة من اليأس الجماعي وفقدان الثقة المطلق في جدوى الفعل المنظم، حيث يتحول الإنسان من فاعل ومشارك في التاريخ إلى شاهد عاجز على انهيار الروابط الاجتماعية والرمزية للمجتمع، أو في الحالات، التي أشرنا إليها عاليه، “نزعة إقصائية” تدفع إلى إطفاء أية تفاعلات إيجابية.

ولهذا، فإن تفكيك “الأزواج الأيديولوجية” والنظر إليها باعتبارها مفاهيم ديناميكية وليست ثنائيات مطلقة، يحرر الفكر الإنساني من أسر القوالب الصلبة واليقينيات الوهمية والثنائيات الحادة. وعندما ندرك أن الخير والشر، أو النظرية والممارسة، ليست حدودًا فاصلة وثابتة بل مساحات متدرجة ومتداخلة، فإننا نتخلى حتمًا عن وهم امتلاك الحقيقة المطلقة. وهذا الإدراك يعيد الاعتبار للتعددية الفكرية والثقافية، ويجعلنا ننظر إلى الآخر لا كخصم يهدد منظومتنا القيمية، بل كشريك في صياغة المعنى الإنساني. لذلك، فإن محاولة احتكار الأحكام القيمية غالبًا ما تقود إلى الإقصاء والصراع، بينما القبول بنسبية هذه المفاهيم وتطورها التاريخي والاجتماعي يفتح الباب أمام حوار حقيقي ومثمر يعترف بتعدد الزوايا وتنوع التجارب البشرية. ومن هنا، تصبح القيم الإنسانية كالاحترام، والتعاطف، والإنصات، هي الملاذ الآمن والبديل العملي عن الصراعات، التي تغذيها الثنائيات الحادة. فالإنسان حين يعترف بمحدودية الإدراك البشري، يصبح أكثر ميلًا لـ“التواضع المعرفي” وأقرب إلى قبول الاختلاف كقيمة وجودية وليست عائقًا أمام التوافق.

لكن، هل يمكن الظن أن الانتقال من عقلية “الثنائيات الحادة” إلى فضاء “نسبية القيم” متاح للمجتمعات في ظل التوترات المعاصرة، أم أن البشر ما زالوا بحاجة ماسة إلى تلك اليقينيات المطلقة لتأمين شعورهم بالهوية والأمان؟ لا شك أن هذا السؤال يلامس الجرح الحي للوعي المعاصر، حيث تتجاذب الإنسان رغبتان عميقتا الجذور؛ وهما الحاجة النفسية إلى الأمان والاستقرار، التي توفرها اليقينيات المطلقة، والضرورة الوجودية للانفتاح والتعدد، والتي يفرضها عالم متداخل ومثقل بالتوترات. ففي أوقات الأزمات والحروب والاضطرابات، تميل المجتمعات بطبيعتها إلى الارتداد مرة أخرى نحو “الثنائيات الحادة”؛ أي الإرتكاس إلى قاع نحن وهم، وجدلية الحق المطلق والباطل المطلق. وهذا الارتداد ليس مجرد تعصب فكري فحسب، بل هو “ميكانيزم دفاعي” نفسي يمنح الأفراد شعورًا بالانتماء والهوية المكتملة في مواجهة سيولة العالم وفوضاه؛ فاليقين المطلق يريح العقل من عبء الشك والتأويل المستمر، ويمنح الإنسان درعًا واقيًا، وإن كان وهميًا، ضد قلق العزلة والاختلاف.

في المقابل، فإن التشبث بهذه الثنائيات الحادة في عصر العولمة والاتصال الرقمي لم يعد مجرد ترف نظري، بل تَحوَّل إلى خطر وجودي مهدد للسلم الأهلي والعالمي. وعندما يتحول الاختلاف في فهم “الخير”، أو “الحق” إلى صراع إقصائي، تصبح المجتمعات رهينة للتعصب والتشرذم. ومن هنا أيضًا، تأتي أهمية “نسبية القيم” لا بوصفها تفريطًا في الأخلاق، أو انهيارًا للمبادئ، بل كإقرار بـ“التواضع المعرفي”، وبأن التجربة الإنسانية أوسع وأغنى من أن يحويها قالب فكري واحد. لذلك، فإن الانتقال الكامل نحو فضاء نسبية القيم ليس مسارًا سهلًا ولا متاحًا تلقائيًا للمجتمعات المأزومة، بل هو مسار شاق وتدريجي يتطلب إعادة بناء للخطاب التربوي والثقافي. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في محاولة محو حاجة البشر إلى الهوية واليقين، بل في إعادة تعريف الهوية لتصبح مرنة ومنفتحة، قادرة على استيعاب التعددية دون أن تشعر بالتهديد. وحين يدرك الإنسان أن هويته ليست حصنًا مغلقًا وإنما هي مساحة للتفاعل، يصبح الأمان منبعثًا من قوة الحوار والتفاهم المتبادل لا من إقصاء الآخر.

تجسير الهوة:

ونعلم أن المجتمعات لا تتخلي عن يقينياتها دفعة واحدة، بل تتعلم تدريجيًا كيف “تُجَسِّرُ الهوة” بين ثبات الجذور ومرونة الأغصان، لتكتشف أن السلام المستدام لا يولد من احتكار الحقيقة، بل من الشجاعة الكافية لقبول الرأي الآخر، وتدافع التنوع البشري بكل تعقيداته. لذلك، يتطلب تجاوز مأزق الاستقطاب والعدمية بناء فعل تضامني تشاركي لا يرتكز على الهيمنة، أو إلغاء الآخر، بل على إعادة هندسة المجال العمومي بوصفه مساحة لإنتاج المعنى المشترك، ذلك المعنى، الذي يبحث كل فريق عن تحصينه لمصلحته فقط، لا غير. رغم أن كسب المستقبل لا يتحقق عبر منطق “الغلبة الصفرية”، كما أسلفنا الإشارة إلى ذلك، وإنما عبر ترسيخ سياسات الاعتراف المتبادل، التي تتحول فيها الاختلافات من “متفجرات إقصائية” إلى طاقات خلاقة للبناء. ولإيجاد هذا “التحول” نتساءل؛ ما هي أولى الخطوات المؤسسية، أو الفكرية الكفيلة بكسر حلقة الاستقطاب وإعادة بناء جسور الثقة المجتمعية في السياقات، التي تشهد تغيرات عميقة؟

ولا توجد إجابة مباشرة على ذلك السؤال، لكن لا بد من النظر إليه كتوجيه لترتيب الخيارات، وعندها سندرك أن هذا التحول يتحقق؛ أولًا، من خلال إرساء ثقافة الإنتاج المعرفي المشترك، حيث يُنظر إلى التجارب المجتمعية والسياسية لا كإرث جامد، أو حكر على طرف دون آخر، بل كعملية تفاعل وتحويل وتطوير مستمر. هذا يعني التخلي عن أوهام النقاوة المطلقة واحتضان التعددية الصراعية الواعية، التي تضمن إدارة الخلاف ضمن قواعد تواصلية تحمي حق التباين ولا تلغي وجود الآخر. وثانيًا، يمر المستقبل عبر إعادة الاعتبار لذاكرة الأمل ومؤسسات الوساطة المجتمعية، التي تحمي الروابط الإنسانية من التآكل. ولا شك أنه عندما تُستعاد السياسة بوصفها فنًّا للتسوية والتدبير المشترك وليست معركة إلغاء وجودية، تعود المجتمعات لقدرتها على صياغة عقود اجتماعية جديدة توازن بين الحرية والتضامن. فالنجاح هنا ليس انتصار فئة على أخرى، بل هو نجاح النسق المجتمعي ككل في البقاء والارتقاء نحو أفق أكثر إنسانية ورحابة.

كيف نفوذ بالمستقبل؟

المعطى، الذي رسخ في الذهن بعد هذه المقدمات، يجعلنا نُدْرِكُ أن كسْر حلقة الاستقطاب العميق يبدأ من تفكيك اقتصاديات الغضب والإثارة، التي تقتات عليها إيديولوجيات الهوية المغلقة، ليحل محلها فضاء فكري ومؤسسي يعيد الاعتبار للتفكير المستنير والتدبير المشترك. فعلى المستوى الفكري، تتمثل الخطوة التأسيسية الأولى في نقد “وهم الطهارة السياسية” وإرساء إبستيمولوجيا تعترف بأن الاختلاف ليس انحرافًا أخلاقيًا، بل هو جوهر السياسة الحية. ويتطلب هذا إحداث قطيعة مع ثقافة “محو الخصم” وتبني مفهوم الخصومة الشرعية، حيث يُعاد تعريف الشأن العام لا باعتباره ساحة لمعسكرين أحدهما طاهر والآخر فاسد، وإنما كفضاء تعددي تتقاطع فيه المصالح وتتصارع الرؤى ضمن قواعد إطار تداولي يحمي حق البقاء والوجود للجميع. وهذا التحول الفكري يشكل المناعة الأولى ضد الانزلاق نحو العدمية السياسية، التي ميزت للأسف غالب تجاربنا السياسية المرصودة في سجلات التاريخ الحديث.

أما على المستوى المؤسسي، فإن الخطوة الإجرائية الأجدر بالبدء بها هي إعادة بناء المؤسسات الوسيطة خارج منطق “الغلبة الصفرية”، أو الطائفية المستحكمة في مصائر البسطاء؛ مثل صيغة الفائز يأخذ كل شيء. فعندما تنهار النسق الكبرى، تفقد المجتمعات قدرتها على التفاوض لأنها تفتقر إلى قنوات اتصال مرنة. لذا، فإن تأسيس، أو تفعيل مجالس محلية مستقلة، ونقابات مهنية حرة، ومنصات حوار مجتمعي متجذرة في القواعد الشعبية، يمثل طوق النجاة العملي. هذه المؤسسات لا تسعى لتحقيق تسويات كبرى ومستحيلة دفعة واحدة، بل تركز على التوافقات اليومية والتدبير العملي للخدمات والموارد المشتركة. ولذلك، فإن الثقة المجتمعية لا تُستعاد بالبيانات التأسيسية العالية ولا بالخطابات العاطفية، بل بـ“التجربة التراكمية المشتركة”، التي يختبر فيها المواطن أن صوته مسموع، وأن الاختلاف لا يعقبه الإقصاء، وأن الفضاء العام قادر على إنتاج حلول ملموسة تحسن شروط الحياة اليومية للجميع. ومن هنا، يصبح النجاح السياسي محكومًا بقدرة الفاعل على النزول من بروج “المُطْلَقَات النظرية” إلى وعورة الواقع المعيش.

لهذا، يبقى السؤال؛ كيف يمكن حماية هذه المؤسسات الوسيطة والمحلية من الوقوع في “فخ التسييس” الحزبي الضيق، أو الاستقطاب المبكر في سياقات التحول المعقدة؟ ويقين الإجابة يؤشر على أن حماية المؤسسات الوسيطة والمحلية من الاستقطاب الحزبي الضيق في مراحل الانتقال المعقدة يتطلب هندسة مؤسسية وفلسفية تحصّن “الفضاء المدني” ضد محاولات “الهيمنة الأيديولوجية” وتحافظ على حيويته التشاركية. وتتمثل هذه التشاركية في قيمة الارتكاز على الوظيفة النفعية اليومية، التي تؤدي إلى تحويل اهتمام هذه المؤسسات من الصراعات الكبرى والهوياتية إلى إدارة الخدمات والاحتياجات اليومية المباشرة؛ مثل، إدارة الموارد المحلية، الرعاية الصحية القاعدية، والتنمية التشاركية. وعندما ترتبط شرعية المؤسسة بقدرتها الملموسة على تحسين معاش الناس وحل مشكلاتهم الحياتية، تصبح الأيديولوجيا الحزبية عبئًا معطلًا وليست ميزة تفضيلية، مما يدفع القواعد المجتمعية لحمايتها من التوظيف الفئوي.

الخاتمة:

نطالب في هذه الخاتمة؛ بعد أن أكدنا على ذلك في متن المقال، بإرساء قواعد صارمة للحوكمة والتدوير، وذلك لضبط تغلغل النخب الحزبية الإقصائية عبر آليات شفافة تضمن استقلال الذمة المالية والإدارية، وتغلقها عليهم. ويشمل ذلك الالتزام بالانتخابات الدورية داخل الأحزاب وفيما بينها، وتحديد ولايات القيادات لمنع تمركز السلطة، واعتماد الكفاءة المهنية والنزاهة المعيار الأساس للترشح والمشاركة، لا الولاءات الحزبية السطحية. ويتطل ذلك تأسيس ميثاق شرف أخلاقي ومهني، أي صياغة مدونات سلوك ملزمة تُفَصِّل بوضوح بين العمل المدني التشاركي والنشاط السياسي الحزبي، وتؤكد على أن هذه الفضاءات هي مساحات جامعة لكل التيارات وليست منصات انتخابية لطرف دون آخر. وهذا الميثاق يعيد تعريف الولاء المؤسسي ليكون مُنْصَبًَّا على المصلحة الجماعية والإنتاج المشترك للمعرفة المجتمعية. ويؤكد هذا تمكين الرقابة القاعدية والمساءلة الأفقية، التي تسعى لضمان خضوع هذه المؤسسات للمجتمع المحلي والمستفيدين المباشرين لا للمراكز الحزبية، أو البيروقراطية النافذة. ومن خلال آليات تقييم شعبية دورية ومجالس استشارية مفتوحة، يُعاد توجيه البوصلة نحو القواعد الشعبية، مما يجعل أي محاولة لاختطاف المؤسسة حزبيًا مكلفة سياسيًا واجتماعيًا لمن يقوم بها. ولكل ذلك، نقول إن تحصين المجال الوسيط لا يتحقق بالهرب من السياسة، بل بابتكار بيئة مؤسسية تجعل التعددية فاعلة ومنتجة، وتضمن أن تظل هذه الجسور واحات حقيقية للتدبير المشترك والتضامن الإنساني.

الدكتور الصادق الفقيه


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى