
في 31 مارس 2026 رحل في الولايات المتحدة الأمريكية مثقف صومالي من طراز فريد، هو الأكاديمي والكاتب علي جمعالي أحمد عن 71 عامًا، لتفقد الثقافة العربية قامة لم تأخذ حقها على الساحة العربية، كان متعدد المواهب فكتب الشعر والقصة وقدم قراءات نقدية وعمل في التدريس الجامعي، كرس حياته لإعادة بناء صورة الصومال في مشروع فكري لإعادة مراجعة صورة الصومال خارج الأنماط التقليدية الاستعمارية، لكن الجانب الآخر من مشروعه الفكري قدم فيه إجابات عبر تحليل العلاقة بين الأدب والسياسة، ومنبع هذا رسالته للدكتوراه في الأدب المقارن في جامعة كاليفورنيا عام 1989، فقد تناول فيها الأدب الشفهي الصومالي وعوالم نور الدين فارح السردية، كان من القلة القليلة من المثقفين العرب المعاصرين الذين جمعوا بين رهافة الشاعر، وانضباط الأكاديمي، وبصيرة الباحث، مواهبه المتعددة هذه تذكرني بالباحث المصري الدكتور عمار علي حسن، كان يعتبر حكّاءً على الورق وفي الخطاب المباشر للجمهور فكان يجذب مستمعيه بسحر قوله وتدفق معلوماته، قبل مغادرته الصومال عمل في الصحافة والإذاعة، قدم برنامجًا إذاعيًا مهمًا هو “الكتابة والكتاب” قدم عددًا كبيرًا من الكتاب وترجم عبر برنامجه روايات وقصصًا.
بالرغم من أن علي جمعالي ذهب للولايات المتحدة عام 1983 لينطلق مشواره في الأكاديميا الأمريكية، حيث التحق بجامعة كاليفورنيا، إلا أن الصومال ظل شاغله الأول، فهو كان يرى أن معرفة الآخر بالصومال محدودة، كما أن الصومال حمل بداخله منذ استقلاله مشكلات لا حصر لها، ومعرفة ناقصة عن ذاته ووجوده، ففكرة الصومال التي صاغتها المعرفة الاستعمارية والوطنية معًا، هذا ما جعل النقاش معه ينتقل من فشل الدولة الصومالية المعاصرة، الذي تجسد مع حقبة سياد بري ثم الحرب الأهلية، إلى السؤال الأهم والأساسي وهو كيف تشكلت الهوية الصومالية؟
كتاب “اختراع الصومال” الذي ألفه علي جمعالي يعد كتابًا فارقًا في المكتبة الصومالية المعاصرة، فالمؤلف تجاوز الرواية الاستعمارية والتي تبنتها الدولة التي قامت بعد الحقبة الاستعمارية، ليرفض فكرة أن القبيلة هي التي تتحمل وحدها انهيار الدولة الصومالية المعاصرة، ومن امتلك حق تعريفها وبناء السردية الخاصة بها؟
كان أول من وجه لهم سهام النقد عشيرته، ومن تتجلى عظمته، فمن داخل العشيرة مع بداية الحرب الأهلية سمع من يقول له “الآن نحن في السلطة” فعرف أن العصبية هي التي ستحكم وتقود الصومال إلى الهاوية، فدعا إلى بناء وطن يتسع للجميع، بمن فيهم الفئات المهمشة ومجموعات البانتو، هنا تبرز قدرته على الصراحة: لم ينافق من هيمن على البلاد، ولم يذهب مذهبهم ممن أجل مكاسب يحققها وهو كان ممن يستطيعون حصادها، فقد نادى إلى مساءلة وطنية واعتراف بالمشكلات الآتية من الداخل. وأنا أرى أن الذي منحه قدرة على فهم الصومال حدث كله طرافة فقبيل مغادرته الصومال كلف برئاسة لجنة لكتابة سيرة الرئيس محمد سياد بري، فكتابة سيرة رجل قوي أمر محفوف بالمخاطر، وهذا ما جعل عينه ترى الصومال ككل، ليبرز لنا رأيه بكل صراحة حيث يقول عن سياد بري:
كان أفضل بكثير ممن جاء بعده، إذا فكرت في الأمر، أحيانًا تكون حكومة سيئة أفضل من غياب الدولة، ومن الفوضى واللانظام.
على الصعيد الداخلي أطلق منهج “التدريس الخلاق” الذي كسر به الحواجز بين التخصصات، كان مثله المفضل “الفيل والعميان الثلاثة” كان مثله يجسد العلاقة بين الأدب والسياسة والتاريخ وعلم الاجتماع، هنا كان يطلق أصوات تلامذته بدلًا من أن يكونوا ببغاوات تردد صوتًا واحدًا، ليكونوا أصواتًا متعددة، فكان هذا سببًا في حصوله على جائزة التميز في التدريس من كوينز كوليدج 1994.
يعتبر جمعالي الأدب التخييلي مدخلًا إلى حياة الآخرين، ففي رأيه في السرد تتناول الأبعاد العاطفية والنفسية والوجدانية والسياسية، والجوانب الشخصية، فالخيال يسمح لنا بالتعاطف مع الآخرين، فالرواية تكشف أشياء كامنة في اللاوعي، وتمكن القارئ من رؤية العالم بعيون متجددة، ومن هنا نفهم لماذا صاغ روايته وكيف صاغها؟
أما بالنسبة للشعر فقد كتب أول قصيدة وهو تلميذ صغير في سن 12 عامًا تقريبًا، ومن المعروف أن كل واحد من ثلاثة صوماليين شاعر، الشعر بالنسبة للصوماليين تعبير عن مشاعر الجماعة وتاريخها، ويمكنك أن تقول في الشعر ما لا يمكنك قوله في غيره، فتمرر عبر القصيدة ما لا يسمح به أصلًا، خاصة أن الصوماليين يجلون شعراءهم، ومن الغريب أن جمعالي لم يدرك هذا إلا متأخرًا فقد كتب الشعر بالإنجليزية قبل الصومالية.
إن رحيل هذا العالم والمثقف غريبًا عن وطنه، غريبًا عن الثقافة العربية، يجعلني أقول هنا سنفاجأ ذات يوم أن أديبًا صوماليًا أو عراقيًا ممن هاجروا وتركوا أوطانهم وهم مكرهون يحصد جائزة نوبل في الأدب ليس لأنه كتب بالعربية، لأنه كتب بلغة أخرى وقرأ بها جيدًا، فصار منتشرًا، وعرفه العالم ولم نعرفه، فنحن عربيًا في عزلة، في عزلة تزداد يومًا بعد يوم، فهل لنا أن نراجع الساحة الثقافية العربية وما على سطحها، وأن نرى ما تحت السطح وهو الأكثر عمقًا وجدية.
دكتور خالد عزب
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






