التنويريدراسات دينية

الدلالة اللفظية والمعنى

جهود علماء أصول الفقه في الدرس الدلالي وتحليل الخطاب الشرعي

تقديم

عني علماء أصول الفقه بالدرس الدلالي، وهذه العناية أملتها عدة اعتبارات ومعطيات، منها أن الفهم وتحصيل المعنى من الخطاب الشرعي متوقف على مدى المعرفة بدلالة الألفاظ، في سياق استعمالها وتداولها في الخطاب، وبشكل خاص اتجهت عنايتهم إلى جهة الألفاظ في علاقتها بالمعاني.

ما جعلهم يتتبعونه في جميع الجهات: مفرداً ومركباً، خاصاً وعاماً، أمراً ونهياً، محكماً ومتشابهاً، حقيقةً ومجازاً، مفرداً ومشتركاً، بحيث فصّلوا القول في مراتبه، فصنّف هذا التصنيف هذا الاعتبار العلمي الذي ينص على أن “لكل اسم مسمى يختص به ويتبيّن به المراد ليقع التفاهم والبيان”.

علم أصول الفقه والمعنى

من أبرز العلوم البيانية التراثية التي عنيت بالمعنى وقضايا الدلالة علم أصول الفقه، ولقد أكد على هذه المهمة والوظيفة لعلم أصول الفقه في استخلاص المعنى من النص، حديثاً، المفسر الشيخ الإمام الطاهر ابن عاشور عندما قال في مقدمة تفسيره التحرير والتنوير: “إن علم الأصول يضبط قواعد الاستنباط ويفصح عنها، فهو آلة للمفسر في استنباط الآيات الشرعية من آياتها…..

وتحقيق هذا المبتغى، والوصول إلى هذا الهدف، وإدراك هذا القصد، ومن أجل تحصيل المعنى في النص الشرعي، وفهمه فهماً سليماً وسديداً، تقره ضوابط اللغة العربية في التخاطب، وتشهد لها قوانينها في الأداء والتفسير، ومقتضياتها في الإبلاغ، وأعرافها في إيصال المعنى إلى السامع والمتلقي، كان من الضروري المعرفة بهذا العلم ومساعيه، والمحددة في:

مقالات ذات صلة
  • السعي نحو تفهم النص الشرعي وفق ما تقتضيه اللغة العربية، وهو المسعى الذي كان من وراء استحضار الأصوليين للمباحث اللغوية والدلالية والبيانية في كتبهم، أن السلطة الحاكمة للبحوث الأصولية هي للغة العربية، ما جعل مباحث المعجم والدلالة تحضر بشكل موسع في ثنايا مصنفاتهم وكتبهم.
  • تحصين النص وحمايته من التعسف في حمل المعاني، ومن تحريف المعنى الأصلي المستفاد من اصطلاح التخاطب ومن سنن اللغة العربية في التخاطب، ومصادرة كل تفسير لا ينضبط للأصول، ولا تتقيد بالقواعد، ولا يحترم الكليات والقواعد اللغوية.

وعليه فالأصل عند علماء الأصول في تحليل الخطاب الشرعي، هو البدء بالوقوف على المعنى اللغوي من خلال معرفة الدلالة المعجمية أولاً، والدلالة الاستعمالية ثانياً، والدلالة الشرعية ثالثاً، مع الوقوف على السياق والمقتضيات والأحوال المحيطة بالنص.

علم أصول الفقه ومباحث الألفاظ

من القواعد الكبرى عند الأصوليين أنه لا سبيل “إلى تفهم القرآن الكريم، والفقه في أحكامه، واستنباط معانيه، والنفاذ إلى أسراره، وإدراك مقاصده العليا التي جاء بها، بدون تحقيق ألفاظ ومواقعها في التركيب والنقل الدلالي الذي طرأ عليها في الاستعمال.

إن تحديد مدلولات الألفاظ من حيث الوضوح والخفاء والعموم والخصوص لها أثر ملحوظ في تفسير النصوص الشرعية، وكذا في استنباط الأحكام الشرعية من هذه النصوص…..

وهذا ما يدفعنا إلى القول إن الأصل عند علماء الأصول في تحليل الخطاب الشرعي للوقوف على المعنى كانت البداية فيه هو الخدمة اللغوية لألفاظ الخطاب من خلال معرفة الدلالة المعجمية أولاً، والدلالة الاستعمالية ثانياً لهذه الألفاظ، والمقتضيات والأحوال المحيطة بالنص ثالثاً. فأول ما يحتاجه المفسر للنص الشرعي هو أن يحقق الألفاظ المفردة قبل المركبة.

بالمقابل قرر علماء الأصول أن خلط الألفاظ وإيقاع الأسماء على غير مسمياتها من شأنه أن يأتي بالفساد إلى العلوم، لأن السامع والمتلقي قد يحمل ذلك المفهوم على غير معناه الحقيقي فيقع البلاء والإشكال والخفاء.

قال ابن حزم: “فلا شيء أعون وأفسد من إيقاع الأسماء على غير مسمياتها…”.

وقال في نفس السياق: “والأصل في كل بلاء وعماء وتخليط وفساد واختلاف الأسماء هو وقوع اسم واحد على معانٍ كثيرة…”.

ولعل هذا المعنى هو الذي قصده اللغوي والمفسر الراغب الأصفهاني ت520هـ بتصريحه أن أول ما يجب على من يشتغل على التفسير والبيان لكتاب الله هو التمكن والتحقق للألفاظ معجماً وتداولاً واستعمالاً.

على هذه الاعتبارات المشار إليها، فالدرس الأصولي يحتفظ لنا باجتهادات قيمة في جهة الفهم والتفسير والتأويل، وفي الاشتغال على القضايا الكبرى في اللغة، فأنساق هذا العلم تعمل مشتركة ومجتمعة لتحقيق هذا القصد، وهو تلقي المعنى من النص تلقياً سديداً باستثمار علوم اللغة العربية من نحو وصرف، ودلالة، ومعجم وصوتيات..

ومن القناعات الراسخة عند الباحثين في العلوم البيانية التراثية أن المدونة الأصولية مثقلة بالبحوث اللغوية والدلالة، وفي هذا السياق يقول الباحث المغربي محمد عابد الجابري إن “السلطة المرجعية في علم أصول الفقه كانت للبحوث اللغوية، والمحور الرئيس الذي ينتظم هذه البحوث هو علاقة اللفظ بالمعنى”.

والبعد والداعي إلى الاشتغال على ما هو لغوي بين علماء الأصول: الشريعة لها استمداد من علوم العربية، فقد أولى علماء هذه الشريعة لعلم العربية ما يستحق من العناية والاهتمام والبحث، واستعانوا بالقواعد اللغوية الخادمة والصانعة للمعنى.

في هذا السياق حاول كثير من الباحثين العمل والشروع من أجل بيان التميز، وإظهار الخصوصية المعرفية التي يتصف بها الدرس اللغوي في علم الأصول، ومن الدراسات المدونة في هذا الموضوع:

  • الدلالة عند الأصوليين لعبد الكريم مجاهد ـ إصدار مجلة الفكر العربي ـ العدد: 41، السنة السابعة: 1986.
  • دراسة المعنى عند الأصوليين، طاهر سليمان حمودة، الدار الجامعية للطباعة والنشر، الإسكندرية 1986.
  • تفسير النصوص وحدود التأويل عند ابن حزم، نعمان بوقرة: قراءة في أعراف الفهم الظاهري للخطاب القرآني، دار المدار 2006.
  • تحليل الخطاب في التراث العربي الإسلامي، محمد بازي، مجلة عالم الفكر، العدد: 177، السنة: 2019، ص.
  • علم التخاطب الإسلامي لمحمد يونس علي في كتابه: دراسة لسانية لمناهج علماء الأصول في فهم النص، إصدار دار المدار، السنة: 2008.
  • المعنى وظلال المعنى لمحمد يونس علي، إصدار دار المدار، السنة: 2008.
  • علم أصول الفقه وعلاقته بالدرس اللغوي لفؤاد بوفجيج، إصدار مجلة دعوة الحق المغربية، العدد: 366، أبريل: 2002.
  • نظرية السياق: دراسة أصولية، عبد القادر زنكي، دار الكتب العلمية، بيروت، السنة: 2006.
  • الدرس الدلالي عند الإمام الشاطبي، عبد الحميد العلمي، منشورات وزارة الأوقاف المغربية: 2000.
  • التأويلية العربية لمحمد بازي: نحو نموذج تساندي في فهم النصوص والخطابات، إصدار الدار العربية للعلوم، بيروت، لبنان، السنة: 2010.
  • الدرس اللغوي عند الأصوليين، محمد بنعمر، منشورات أوراق نماء، السنة 2000.
  • اللفظ والمعنى في البيان العربي، محمد عابد الجابري، مجلة فصول المصرية، العدد: 31، السنة: 1985.
  • بين النظر الأصولي وإنجازات الدرس التداولي المعاصر لزينة براهمية: دراسة تحليلية تأصيلية، مجلة مساقات، المجلد 2، العدد: 1، يناير: 2020.
  • السياق بين علماء الشريعة والمدارس اللسانية، إبراهيم أصبان، مجلة الإحياء، العدد المزدوج: 34-35، السنة: 2007.
  • المقام في البلاغة العربية: دراسة نقدية، شكري الطوانسي، مجلة عالم الفكر، المجلد 42، السنة: 2013.
  • الدلالة وتفسير النص لأحمد الكبيسي: مجلة كلية الشريعة العراقية، ع 6، سنة 1986.
  • البحث الدلالي عند الأصوليين لمحمد يوسف حبلص، مكتبة عالم الكتب، مصر 1991، ص: 46.

فهذه البحوث وغيرها كثير، الجامع بينها، والمشترك فيها، هو أن مبتغى الأصوليين كان دائماً هو السعي نحو تحقيق الفهم السليم، والوصول إلى التفسير السديد للخطاب الشرعي، يشدهم في هذا الاختيار، وتأخذهم هذه الوجهة، وهو أن السلامة في التفسير والبيان السديد مقدمة في الاستنباط الفقهي.

كما أن هذه الإشارات والنقول والشواهد المودعة في المدونة الأصولية تفضي بنا إلى الإقرار والاعتراف بهذا البعد، وهو أن علم أصول الفقه علم يشتغل على المعنى، ويسعى إلى تحقيق الفهم البياني للنص، من أجل استخلاص المعنى اللغوي والشرعي منه، والقصد هو تلقي وبلوغ المقاصد العليا في النصوص الشرعية.

تقرير

ما ننهي به هذه الورقة أن علماء الأصول كانوا رواداً ولهم الأسبقية في الاشتغال على الدلالة اللفظية، بحيث استحضروا المقتضيات السياقية والمقامية والمعجمية في اشتغالهم على المعنى المودع في النصوص الشرعية بصفة عامة.

والاعتبار الآخر الذي نسجله أن النص يشكل محوراً أساسياً في البنية الناظمة للعلوم الإسلامية.

محمد بنعمر


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

محمد بنعمر

استاذ التعليم العالي في المغرب باحث في الفكر الاسلامي وقضايا التراث

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى