التنويريتربية وتعليم

فرانس رولان: التفلسف والمشروع الشخصي للمتعلم

كيف تنقل فرانس رولان المتعلم من الاستظهار إلى استقلالية التفكير والكتابة الفلسفية

فرانس رولان أستاذة وباحثة فرنسية متخصصة في ديداكتيك الفلسفة. اشتغلت على مشكلات الكتابة والإنشاء الفلسفي، ونقل التفلسف من «خانة الموهبة» إلى «خانة المهارة المكتسبة». حاولت أن تساهم في تدريب المتعلمين والمتعلمات على تفكيك عوائقهم الذاتية، وتحويل الفلاسفة من سلطة الحفظ والاستظهار إلى أدوات للتفكير، والوصول إلى استقلالية الفكر والكتابة. ومن أهم أعمالها: «اليقظة الفلسفية»، «المداخل الأساسية للتفلسف»، «المتعلم، الكتابة والفلسفة»… وغاية المقال هي أن نبين كيف تنظر رولان إلى المشروع الشخصي للمتعلم(ة)، ومن ثم كيف يمكن أن يُكسِبه التفلسف؟

يتطلب المشروع الشخصي ورشة، يكون فيها المدرس وسيطا وموجها، ويكون المتعلم باحثا وفاعلا. فما أدوارهما؟ وكيف يتم بناء المشروع الشخصي؟ وما هي القيمة الديداكتيكية لمقترح فرانس رولان؟

1) أولا: خطوات المشروع الشخصي للمتعلم(ة)؛

– الخطوة الأولى: الانطلاق والتحفيز (بناء المفارقة من الواقع)، تبدأ العملية من وضعية واقعية؛ حيث يعنى المدرس بدفع المتعلمين نحو استخراج السؤال وتأطيره تدريجيا بدلا من إلقائه جاهزا. يعرض المدرس ظاهرة مستفزة أو يترك المجال للمتعلم لاختيارها، ثم يقوده عبر أسئلة توليدية من الفهم السطحي إلى بناء المشكلة (مثلا: الانطلاق من حالة واقعية ومساعدة المتعلم على التساؤل: هل يفقد الشخص قيمته بنقص معين يتعلق به؟).

بعد تحديد الإشكال العام، يوزع المدرس «بطاقة توجيه المشروع» التي تتضمن أربع محطات رئيسية: ١- الظاهرة الواقعية؛ ٢- التفكيك المفهومي؛ ٣- أدوات تفكير فلسفية؛ ٤- التركيب والموقف. ويكمن دور التلميذ في الاشتغال الفردي أو ضمن مجموعات مصغرة لتدوين تمثلاته وأحكامه المسبقة حول القضية على الورق دون خوف من الخطأ.

– الخطوة الثانية: الاشتغال الإجرائي والتفكيك المفاهيمي. يجمع المتعلم أمثلة حية من واقعه حول الظاهرة، ويبحث في الكتاب المدرسي أو المصادر المرجعية والانترنت عن المفاهيم الأساسية، وكذا عن الأطروحات الفلسفية ذات الصلة. ويصوغ المتعلم محاولة أولى لبناء الإشكال والمفاهيم. أما مهمة المدرس، فتتمثل في التنقل بين المجموعات دون تقديم أجوبة جاهزة، بل يطرح أسئلة توجيهية نقدية (ما الفرق بين… و…؟ ما نتائج قولنا بـ…؟)، ويوجه المتعلم التعثر إلى الصفحة أو الفقرة المناسبة في المصدر.

– الخطوة الثالثة: عرض المنتوج، المناقشة، والتغذية الراجعة. يعرض المتعلمون والمتعلمات إنتاجاتهم ويناقشونها مناقشة أفقية (فيما بينهم)، تعزيزا ومخالفة. ويدير الأستاذ الكلمة ليضمن الانضباط والاحترام، ويسجل على السبورة نقاط القوة والأخطاء المفهومية الشائعة. ويختم بقراءة تقويمية تبرز كيفية الانتقال من الفهم السطحي للواقعة إلى التفكير الفلسفي المجرد.

– الخطوة الرابعة: التقييم الذاتي وإعادة الكتابة (التقويم المستمر)، تأكيدا على طرح «فرانس رولان»، لا ينتهي المشروع الشخصي عند المنتوج الأول؛ إذ يعتمد النموذج على شبكة التقييم الذاتي ومراجعة الأقران. يعاد التأمل في المسودة الأولى عبر عملية إعادة الكتابة، باعتبار الكتابة الفلسفية صيرورة تصحيح وتعميق مستمرين وليست مجرد إنتاج لمرة واحدة.

2) ثانيا: نموذج تطبيقي للمشروع الشخصي: «المريض والعاطل وسؤال الكرامة»

١) – المنطلق الواقعي وتفكيك التمثلات: ننطلق من ظاهرة تعيشها المجتمعات المعاصرة، وتتمثل في نظرة الدونية والشفقة تجاه العاطل والمريض؛ أي إننا أمام توأمين: «العبء والعالة». ينظر إلى الإنسان عموما بأن ما يعطيه قيمته هو عمله ومدخوله وصحته وإنتاجه، مع تمثل شائع مفاده أن «الكرامة» شعار ونظرية، بينما الواقع يقيس الإنسان بمنفعته. إن مهارة التلميذ هنا هي مساءلة هذا التمثل الشائع: إذا كان المرض والبطالة ينقصان من الكرامة، فهذا يعني أن الكرامة مجرد سعر يباع ويشترى وليس لها قيمة أصيلة؟ فهل الإنسان/الشخص بضاعة فعلا؟

٢) – التفكيك المفهومي الإيتيمولوجي (الخصائص والحدود). قبل المناقشة، ينبغي رفع التداخل والغموض المعجمي بين المفاهيم: فـ«الكرامة» Dignité تشتق من الأصل اللاتيني Dignitas، والتي لا تفيد فقط القدر العالي والتسامي، بل ترتبط تاريخيا بـ التشريف، والأنفة الاستحقاقية، والرفعة الذاتية التي تجعل الذات تترفع عن المعاملة كأداة. وتتجلى خصائصها الحاسمة في أنها غاية في ذاتها، لا تقوم بسعر ولا تقبل المفاضلة، وهي مطلقة لكل البشر. أما مفهوم «الشخص» Personne فهو الذات الواعية العاقلة المريدة والمسؤولة أخلاقيا. وتتحدد خصائصه في تجاوزه البعد الجسدي أو الوظيفي، فالإنسان ليس مجرد آلة إنتاج. بخصوص السعر/المنفعة فيعني القيمة التبادلية التي تحدد بناء على العرض والطلب أو المصلحة العابرة. وتتمثل حدوده في أنه مشروط بتغير الفائدة، ويستبدل بغيره عند التلف أو العجز.

وعليه، فإن المفارقة المفهومية تكمن في ما يلي: كيف يمكن التوفيق بين القول إن الكرامة تتأسس على العقل والحرية (وهي صفات ذاتية لا تزول بالمرض والبطالة)، وبين الواقع الذي يعامل فيه المريض والعاطل كقيم منقوصة لغياب المنفعة؟

٣) – استثمار المراجع الفلسفية كأدوات للتفكير: 

١- كانط [أداة التشخيص الأخلاقي]: يستدعي التلميذ الأمر الأخلاقي الجازم: «تصرف بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل كائن آخر كغاية دائما، وليس مجرد وسيلة أبدا». وظيفة الأطروحة هنا هي التمييز بين السعر والكرامة؛ فالأشياء لها سعر لأنها تستبدل، أما الإنسان فله كرامة لأنه يتجاوز كل سعر. المرض والبطالة يمسان الجسد والوضع الاجتماعي، لكنهما لا يمسان ماهية الإنسان كغاية في ذاته.

٢) – ماركس [أداة التفكيك السوسيواقتصادي]: يستعين التلميذ بكتابات ماركس حول الاغتراب (Aliénation) وتسليع قوة العمل. وظيفة الأطروحة هي تفكيك كيف يحول النظام الرأسمالي كرامة الإنسان إلى سعر تبادلي؛ فيصبح العاطل عن العمل سلعة مهملة لعدم وجود ربح اقتصادي منه، والمريض تكلفة زائدة. يساعد ماركس التلميذ على فهم سبب المهانة الواقعية بكونها نتاج بنية اقتصادية تسلع الإنسان.

٣) – بول ريكور [أداة التجاوز الأخلاقي والاعتراف]: يستثمر التلميذ أفكار ريكور حول الذات الهشة والاعتراف. توضح الأطروحة أن الكرامة تتجلى بوضوح في لحظات الهشاشة (المرض، العجز، البطالة)؛ حيث تصبح كرامة المريض أو العاطل امتحانا أخلاقيا للآخرين من خلال الاعتراف والالتزام بالواجب والرعاية.

٤) -التركيب والموقف: يمكن أن يكتب التلميذ(ة) قائلا: تظهر تجربة المرض والبطالة شرخا عميقا بين المنظور الأخلاقي النظري للكرامة والواقع العملي المعيش؛ فبينما يؤكد المنظور الكانطي أن الكرامة قيمة مطلقة ومؤصلة في ماهية الإنسان باعتباره غاية في ذاته لا تقوم بسعر، يكشف الواقع الاقتصادي المعاصر – كما حلله ماركس – عن تسليع صريح للإنسان؛ حيث تقاس قيمته بمدى إنتاجيته وصحته البدنية، مما يلقي بالعاطل والمريض في هامش التهميش والإقصاء. إلا أن هذا التهميش لا يعني سقوط الكرامة عن المريض والعاطل، بل يكشف عن زيف النظام الاجتماعي الذي يربط القيمة بالسعر. إن الكرامة الإنسانية – كما يرى بول ريكور – تتأكد وتختبر حقيقة في لحظات الهشاشة والضعف؛ فالمريض والعاطل لا يفقدان كرامتهما بذاتيهما، بل يتحديان الوعي الأخلاقي للمجتمع ليتحول الاعتراف بكرامتهما من مجرد شعار إلى واجب اجتماعي وسياسي يترجم عبر الرعاية والتضامن وتوفير شروط العيش الكريم.

3) ثالثا: القيمة الديداكتيكية النموذج الرولاني:

تكمن القيمة الديداكتيكية لنموذج فرانس رولان في تحقيقه لثلاثة مكاسب رئيسية: أولها، القطع مع التجريد المجوف عبر التفكير في المفاهيم من خلال وضعيات حية وواقعية. وثانيها، التوظيف الإجرائي والوظيفي للمراجع الفلسفية باعتبارها أدوات للتحليل والتشخيص لا مادة للاستظهار الحفظي. وثالثها، تجاوز الحياد السلبي وتدريب المتعلم على بناء موقف نقدي وتركيب يربط المعرفة بالمسؤولية.

وأخيرا، ورغم هذه الأهمية، قد يواجه هذا الطرح ببعض الاعتراضات الديداكتيكية؛ كالمحاججة بكونه ينزلق بالمتعلم نحو الانطباعية الذاتية والإنشائية السطحية على حساب الصرامة الأكاديمية. ويمكن الرد على هذا الاعتراض بأن هذا النموذج يُرَحّل الصرامة ولا يُلغيها؛ فالواقع ليس إلا جسرا للعبور نحو التجريد، واستدعاء الفلاسفة يضمن عدم السقوط في الذاتية المجردة. كما قد يعترض بكون هذا النموذج صعب الإنجاز ويصطدم بضيق الغلاف الزمني في الفصل الدراسي، والجواب أن مشروع «فرانس رولان» ليس مسارا جافا ينفذ كاملا في حصة واحدة، بل هو صيرورة وتدريب تدريجي يكسب المتعلم خطاطات ذهنية يستدعيها تلقائيا أثناء التفكير والكتابة. ثم إن القول بأن هذا النموذج يضحي بالزخم المعرفي وتاريخ الفلسفة… يمكن أن يُرَد عليه بأن الغاية الأساسية من دراسة الفلسفة ليست الشحن المعرفي أو سرد التاريخ كغاية في ذاته، بل هي إكساب مهارة التفلسف وبناء الفكر النقدي المستقل، عملا بمبدأ «كانط» الشهير: «لا نتعلم الفلسفة، بل نتعلم كيف نتفلسف».

رحو اليوسفي


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رحو اليوسفي

باحث مغربي وأستاذ للفلسفة بسلك التعـليم الثانوي التأهيلي.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى