التنويريتربية وتعليم

المفهمة وسؤال العلاقة بين المفاهيم

مقاربة ديداكتيكية لتجاوز التلقين في التحليل النصي وبناء العقلية النقدية

١) المستوى النظري: كثر ما يُكتب ويُسمع عن مشكلات الكتابة الإنشائية لدى المتعلمين والمتعلمات، خاصة في لحظة تحليل النص، وتحديدا في البناء المفاهيمي وإبراز العلاقات بين المفاهيم. ويمكن تكثيف تلكم المشكلات في هيمنة الآلية، سواء لدى المدرس أو المتعلم؛ حيث يعرف المفهوم تعريفا خاطفا دون بيان كيفية بنائه داخل النص، ثم تسطح الصلة بين تلك المفاهيم بعبارات جاهزة من قبيل: «علاقة تكامل وترابط» أو «علاقة تعارض»… دون إظهار سبب تلك العلاقة أو مضمونها كما شيده صاحب النص. لذلك سنحاول أن نقدم بإيجاز (نظريا وتطبيقيا) كيف يمكن للمتعلم أن يتمكن من سيرورة المفهمة، وكيف تتشابك المفاهيم لبناء الأطروحة؛ ليكون الرهان الأساسي هو المساهمة في تكوين عقلية تحليلية نقدية؛ قراءة ومناقشة وكتابة.

إن الوعي بكون المفهوم يشبه الجنين، واعتبار النص أداته والشرط الإمكان لنموه وتشكله، هو ما سيساهم في تغيير نظرة كل من المدرس والمتعلم نحو المفاهيم؛ فهي ليست معطيات جاهزة، ولا ينبغي استخراج دلالاتها دفعة واحدة في جملة خاطفة، بل يقتضي الأمر التدرج وتحويل النص إلى «هيكل مفاهيمي» متعالق يبني الأطروحة بناء معماريا… فقد يؤدي المفهوم (أ) إلى المفهوم (ب) [على سبيل الاشتراط]، ولا يفهم الثاني (ب) إلا باستدعاء الثالث (ج) [على سبيل التضاد أو القطيعة]. إن المفهمة سيرورة صيرورية، تشبه النمو عند الطفل؛ فليست ماهية ثابتة نهائية، بل هي تقدم مستمر، ولعل هذا ما ينطبق تاريخيا على تطور المفاهيم الفلسفية (كمفهوم الممكن، والسببية…)، إذا قرأناها نسقيا.

يمكننا تدريب المتعلمين والمتعلمات على التجريد المفاهيمي من خلال استثمار الشبكة الثلاثية لـ «بريت ماري بارث» (Britt-Mari Barth)، والتي يمكن بسط عناصرها كالآتي: الماصدق (الواقع والخبرة)، الخصائص الجوهرية، الرمز أو التسمية. بهذا الثالوث يتدرج المتعلم من الحسي إلى المجرد؛ إذ ينطلق «الماصدق» من واقع التلاميذ وتجاربهم المعيشة، لنستخرج خصائص المفهوم الجوهرية من النص، ثم نكثف دلالته في «رمز» أو تسمية جامعة، انتهاء ببناء المفهوم كما بناه صاحبه. وبتعبير آخر عملي ومترتب: نقرأ النص، ونحدد مفاهيمه الأساسية، ونستخرج خصائصها الجوهرية، ثم نحيل إلى ما تنطبق عليه داخل النص وخارجه، لنصل في النهاية إلى الرمز ومضمونه(*). وتجدر الإشارة – كما بينا في موضع آخر – إلى أن «بارث» كتبت عن المفهوم العلمي؛ وحين نوظف إسهامها ديداكتيكيا فإننا نحترس من الإسقاط الأعمى، مدركين التمايز الحاصل بين طبيعة المفهوم الفلسفي والمفهوم العلمي.

إضافة إلى «ماري بارث»، يمكن استثمار مساهمة «هنري رويز» (Henri Pena-Ruiz) من خلال ثالوثه النموذجي في تحليل الموضوع؛ حيث يميز بين ثلاثة مستويات: الكلي، والجزئي، والوسيط. وما يهمنا هنا هو المستوى «الجزئي» لكونه يتصل مباشرة بمطلب التحليل؛ فبناء المفهوم كما شيده صاحب النص يتطلب التفكيك والتفصيل، عبر إبراز الشبكة المفاهيمية وتحديد طبيعة ومضمون العلاقات الموجهة لها.

أما عن أنواع العلاقات بين المفاهيم، فيمكن القول إنها تتعدد وتتنوع، ومنها: علاقة تكامل، التضايف، التجاور، التجاوز، الاشتراط، التعارض، القطيعة… ولتجاوز الوقوف عند حدود اللفظ نحو فهم البناء الدقيق، يمكننا الاستعانة بتشبيه ديداكتيكي: إن المفهوم كما يبدعه الفيلسوف يشبه لوحة زيتية؛ حين ننظر إليها بعد اكتمالها تبدو صلبة وموجزة، لكن عملية تشكلها شهدت مزجا للمواد والألوان بين بناء وهدم. إن بناء المفهوم سيرورة حركية تشبه الفيلم السينمائي أو نمو الشخصية داخل الرواية. ولتقديم أمثلة إجرائية عن ذلك، نقول:

١- علاقة تكامل: كالعلاقة بين العقل والقانون والإرادة العامة في نص روسو حول «أساس المجتمع»؛ إذ إن استشارة العقل بدل الأهواء تتكامل ذاتيا مع القانون والإرادة العامة لتنظيم المجتمع؛

٢- علاقة تضمن واشتقاق: كالعلاقة بين «الحال المدنية» و«الحرية المدنية»؛ إذ تتضمن الأولى بحكم تعريفها الثانية كجزء لا يتجزأ من معناها؛

٣- علاقة تضايف: كالعلاقة بين «الحق» و«الواجب»؛ فلا يوجد حق إلا باستحضار واجب محايث له (تماما كما لا يعقل مفهوم الابن إلا باستحضار مفهوم الأب)؛

٤- علاقة اشتراط وإمكان: بين «التعاقد» و«الحرية المدنية»؛ فالتعاقد الاجتماعي هو الشرط المنطقي والعملي لإمكان هذه الحرية؛

٥- علاقة تجاوز وسلب: بين «الحرية الطبيعية» و«الحرية المدنية»؛ إذ تتجاوز الأولى وتسلب فوضويتها بفعل التعاقد لصالح الثانية؛

٦- علاقة قطيعة ومقابلة: بين «الحال المدنية» و«الحال الطبيعية»؛ إذ لا يفهم التأسيس المدني إلا باستحضار المفهوم المجاور والمقابل له والمقطوع معه وهو «حال الطبيعة».

فكيف نفعل كل ذلك في الفصل الدراسي؟

٢) المستوى التطبيقي: سنشتغل على البنية المفاهيمية لنص «جان جاك روسو» حول «أساس المجتمع»؛ فبملاحظة النص تبرز مفاهيمه الجوهرية: (حال الطبيعة، الحال المدنية، العقد الاجتماعي، الحرية الطبيعية، الحرية المدنية). وهي رموز لمضامين محددة؛ فما خصائصها ومصاديقها؟

– حال الطبيعة: خصائصها (سيادة الغريزة، انعدام الأخلاق، الحرية المهددة بالقوة). ماصدقها ومصداقها (الاندفاع الفطري والنزوة)؛

– الحال المدنية: خصائصها (الإطار الأخلاقي، سيادة العقل، الاستقرار، تحويل السلوك من الغريزة إلى الواجب). مصاديقها (إحلال الواجب محل الشهوة، واستبدال الاندفاع الجسماني باستشارة العقل)؛

– العقد الاجتماعي: خصائصه (الشرط الإمكاني للانتقال، والآلية الفاعلة لتحويل السلوك). مصاديقه (فعل التأسيس، عملية الموازنة والمبادلة المشروعة)؛

– الحرية المدنية: خصائصها (الاستقلالية الأخلاقية، الاحتكام للعقل، سيادة الإرادة العامة). ماصدقها (الالتزام بالقانون المنظم).

فما طبيعة العلاقات المفاهيمية في النص؟

– علاقة اشتراط وتأسيس بين العقد الاجتماعي والحال المدنية؛ لأن العقد علة فاعلة وشرط لولادة الدولة، وبدونه يستمر وضع الفوضى؛

– علاقة قطيعة وتجاوز بين حال الطبيعة والحال المدنية؛ لأنها قطيعة وجودية تنفي الغريزة وتحل العقل والأخلاق محلها؛

– علاقة سلب وتحول ماهوي بين الحرية الطبيعية والحرية المدنية؛ لأن الأخيرة تتجاوز الاندفاع الغريزي للأولى وتصعد به إلى مستوى الحق والأخلاق المحصنة بالقانون.

ولو أردنا أن نحول تحليلنا، الذي وضعناه على شكل جدول أو خطاطة، لفقرة تحليلية متماسكة لأمكننا أن نكتب قائلين: ليبني «جان جاك روسو» أطروحة نصه، اعتمد شبكة مفاهيمية مترابطة يكمل بعضها بعضا؛ حيث ينطلق النص من مفهوم «حالة الطبيعة» باعتبارها وضعا بدائيا تعلو فيه الغريزة وتغيب فيه الأخلاق، مما يجعل «الحرية الطبيعية» حرية مهددة وقائمة على القوة الفردية فقط. وللخروج من هذا المأزق، يأتي «العقد الاجتماعي» بوصفه شرطا أساسيا وعلة فاعلة تسمح بالانتقال إلى «الحال المدنية»، لتنشأ بين العقد والمجتمع الجديد علاقة تأسيس واشتراط.

وتترتب على هذا الانتقال علاقة قطيعة وتجاوز بين حالة الطبيعة والحال المدنية؛ إذ يحل العقل والواجب محل الشهوة والغريزة. بناء على ذلك، تتحدد العلاقة بين «الحرية الطبيعية» و«الحرية المدنية» بوصفها علاقة تحول وسلب؛ لأن الفرد يتنازل عن حريته المطلقة الفوضوية ليكسب حرية أخلاقية جديدة قائمة على احترام القانون وسيادة الإرادة العامة. هكذا نرى أن مفاهيم النص لا تتجاور شكليا، بل تتشابك لبناء مفهوم «المجتمع».

ختاما، قد يتساءل البعض: ألن يكون هذا المقترح معقدا على التلميذ؟ وهل نسينا أن المفهوم الفلسفي مرن ولا يشبه صرامة المفهوم العلمي؟ ثم ألا يتطلب هذا التفكيك المفصل وقتا طويلا داخل الفصل؟

ونحن نجيب بأننا لا نطلب من المتعلم أن يحفظ هذه المصطلحات الديداكتيكية الوصفية (كالماصدق والشبكة البارثية…)، بل نطمح إلى أن نجعله يفكر بها إجرائيا، لينتقل تلقائيا من الفهم السطحي إلى التجريد الفلسفي. كما أننا نعرف جيدا أن المفهوم الفلسفي ليس تعريفا معجميا جاهزا ولا قانونا علميا ثابتا، ولهذا بالذات اقترحنا رؤيته كـ «جنين يتكون داخل النص»، أي كبنية حية تتحدد دلالتها في علاقتها بالمفاهيم المجاورة لها. أما بخصوص عامل الوقت فإن تدريب المتعلم على هذه الخطوات وتخصيص دقائق لها داخل الفصل ليس ضياعا للزمن المدرسي، بل هو توفير حقيقي للوقت والجهد؛ لأنه يحمي المتعلم من التردد والكتابة العشوائية باستمرار، ويمنحه طريقة تيسر عليه صياغة فقرة تحليلية مركزة وذات قيمة نقدية.

وأما عن ضعف التعبير اللغوي عند المتعلمين والمتعلمات، فليس سببا يعفينا من المحاولة؛ فهل نخضع للإحباط بدعوى عدم الجدوى؟ إن هذا أدعى للصعود بالمتعلم(ة)، وليس للنزول معه نحو قاع الاستظهار والشكلَنة والسكون. ومتى يتطور درسنا الفلسفي إن لم نحاول رغم كل السائد؟ إن الإنسان ابن المثال، وكل ما أنجزه في التاريخ كان مُثلا وممكنات؛ فما الذي يمنع أن نحاول تجسيد نموذج المدرس والمتعلم المثاليين نسبيا، بعقلية تحليلية ونقدية رفيعة، ومن ثم نساهم في صناعة الإنسان؟ أم هل نريد الخضوع للمألوف؟ أليس الفيلسوف والنبي والفنان والعالم… هم نوادر البشر الذين غيروا مجرى التاريخ بخلخلة السائد؟ إن تغيير متعلم واحد قد يكون بداية التغيير الكبير.

رحو اليوسفي


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رحو اليوسفي

باحث مغربي وأستاذ للفلسفة بسلك التعـليم الثانوي التأهيلي.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى