التنويريدراسات دينية

الأساس في فهم القضاء والقدر بين نظرية العلم ونظرية المشيئة

من حتمية العلم الأزلي إلى ديناميكية المشيئة: رؤية تجديدية لحرية الإنسان ومسؤوليته

في مقالة سابقة تحت عنوان: مفهوم القضاء والقدر: من العلم إلى المشيئة” نشرت في هذه النافذة الإلكترونية، حاولنا اختصار الكلام في عقد مقارنة بين نظرية العلم ونظرية المشيئة، وخلصنا إلى أن الحياة ليست مسرحية كتبت فصولها في الأزل، والقضاء والقدر ليس سجلا مغلقا من المعلومات التي لن تتخلف، بل القضاء والقدر هو إمكانات وقدرات وسنن وقرارات ومسؤوليات وتفاعلات حية وديناميكية، وأن القضاء والقدر وظيفة كونية لتدبير الوجود وصناعة الحياة وتنظيم الاستخلاف البشري.

إن القضاء والقدر يعتمد على القدرة والإرادة بالإضافة إلى علم الملكة الأزلي بما هو إدراك وتمييز وحكمة، وينتج عنه علم خبري حادث بوقوع الشيء من عدمه، وإذا كان سيقع ما هي الخصائص والمقادير والآثار التي ترافق حدوثه؟. لذا وجب التساؤل عن الأخطاء التي تأسست عليها نظرية العلم التي تمسكت بأزلية المعلومة دون أن تخبرنا بمن قررها وما الذي يضمن تحققها؟ مما جعلها تثير من الأسئلة أكثر مما تملك من الأجوبة.

أولا: تطور مفهوم القضاء والقدر

لا شك أن التعريف المتداول اليوم هو مما ورثه المسلمون عمن قبلنا من الديانات السابقة والفلسفة القديمة، وهو ينص على أن القدر هو علم الله بالحوادث والقضاء هو نفاذ علمه في الواقع بحلول الأجل. ومن العلماء من قال العكس كالإمام البغوي حيث اعتبر القضاء هو العلم الأزلي بالحوادث والقدر هو نفاذ ذلك العلم.

لكن بعض الفلاسفة لم يلغوا حرية الإنسان ومسؤوليته ومنهم الفلاسفة الرواقيين، حيث اعتبروا القدر هو “العقل الكوني” أو القانون الطبيعي الذي يربط كل الأسباب ببعضها. فعناية الله تشمل جميع الخلائق لما فيه خيرها والإنسان لا يملك القدرة على تغيير الأحداث الخارجية المكتوبة عليه، ولكنه يملك الحرية الكاملة في اختيار كيفية استجابته لها إما بالقبول الحكيم أو بالرفض العبثي.

هذا الأمر عاد إليه علماء الإصلاح الديني مثل جمال الدين الأفغاني لمواجهة التخلف الفكري والغزو الاستعماري، حيث يقول “أنّ الحوادث في نظام الكون تخضع لقانون الأسباب والمسبّبات، وأنّ إرادة الإنسان هي من تلك الأسباب، وبهذه الإرادة افتتح المسلمون البلاد وقاوموا الشرك”.

كما يشير محمد عبده لمسألة الفصل في القضاء والقدر بين مجال الجبر الذي لا حساب عليه ومجال الحرية والتكليف الذي فيه حساب وجزاء. يقول الشيخ محمد عبده:

“جاء القرآن الشريف، وهو الكتاب المنزل بالإسلام، يعيب على أهل الجبر رأيهم، وينكر عليهم قولهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ﴾ بقوله: ﴿كذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍۢ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام، الآية: 148). وأثبت الكسب والاختيار في نحو أربع وستين آية. وما جاء به مما يتوهم الناظر فيه ما يخالف ذلك فإنما جاء في تقرير السنن الإلهية العامة المعروفة بنواميس الكون كما في آية: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ﴾ (هود، الآية: 118) ونحوها. والعاقل يرى الفرق الجلي بين مسألة اختيار العبد في أفعاله وبين أثر القدرة الإلهية في أخلاق الأمم أو في تغريز الغرائز مثلا. فاختيار العبد في أفعاله مما يقر به الوجدان ولا ينكره إلا من جهل نفسه، لكن ما عليه الأمم من الاختلاف في الطبائع والغرائز والسجايا ليس لأحد من خلق الله فيه اختيار بل خلقه كخلق السماوات والأرض وما بينهما”.

أكثر من ذلك يقول الشيخ ولد الددو وهو من المعاصرين “القضاء والقدر هو استراتيجية الله في تدبير الكون”، وكثير من العلماء تحدثوا على أن القضاء والقدر مؤسس على مشيئة الله النافذة وقدرته القاهرة. غير أن هذا التحول في المضمون لم يرافقه تطوير للتعريف الموروث، حيث تبقى نظرية العلم هي المعتمدة بما هي علم وقلم وكتابة قبل خلق المخلوقات دون أن يظهر مصدر القرار، وأثر المشيئة، ويتضح الفاعل في كل حدث يقع في الوجود وفق النسق المنتظم في العقل والنقل والواقع.

ثانيا: أنواع العلم

جدير بالذكر أن نبين أن العلم نوعان: علم ملكة أزلي، وعلم خبري حادث. فالسياق القرآني يميز بين اسم العليم كونه تعالى مدركا ومميزا وحكيما ومدبرا وخبيرا… وبين عليم من خلال السمع والبصر بأمر ما والقضاء فيه بالوجود أو العدم. فملكة العلم تقابل الحمق والجنون، والعلم الخبري يقابل الجهل بما هو معلوم -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-.

علم الملكة

هو صفة كمال أزلية وواجبة في حقه تعالى، وهي ملكة تمييز وإدراك وحكمة وخبرة، وهي تقابل العقل عند الإنسان ولله المثل الأعلى، وتحتاجها الإرادة لمعرفة الحال قبل الحكم في المآل، وعليها تعتمد في الاختيار والترجيح… لكنها تحتاج أسماء حسنى أخرى لإدراك المدركات ومعرفة أحوال المحدثات التي ستحكم عليها، ومنها ملكة السمع وملكة البصر، قال تعالى:

﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة، 1)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الحجرات، 1)

فإنه بالسمع يحصل العلم الخبري، وإلا فما فائدة السمع؟ ثم إن بعلم الملكة يتم إدراك ما سمع وتصنيفه في باب الخير أو الشر. فملكة العلم موجودة قبل القضاء والقدر.

العلم الخبري

هو علم يتولد عن القضاء والقدر، أي عن الحكم بوجود الأشياء وحركاتها، وهو علم حادث ليس أزليا ولا ضروريا ولا واجبا. فأما كونه يتولد عن القضاء فلا شيء يأتي بدون فاعل مريد، فإما الفاعل هو الله:

﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (آل عمران، 40)

وإما أن الفاعل هو الإنسان:

﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ (المائدة، 79-80)

وقد يكون الفاعل كائنا آخر، ومهما يكون الفاعل فلا بد من قرار رباني بالسماح أو التمكين أو الإبراء أو المنع بعد أن يحصل من المخلوق العزم ومباشرة الأسباب. قال تعالى:

﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير، 28-29)

وأما كونها ليست أزلية ولا ضرورية ولا واجبة، فإنها إذا كانت كذلك فقد شاركت الله تعالى في وحدانيته، وكانت الإرادة زائدة في وجود المحدثات وعاجزة عن منعها وإلا حصل الخطأ بين الواقع والمتوقع. وكثيرة هي السياقات القرآنية التي تجعل المستقبل احتمالي وليس يقيني، قال تعالى:

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران، 144)

فهل الآية جزمت بمقتله صلى الله عليه وسلم أم بموته بشكل طبيعي؟ أم جزمت بصبر المؤمنين واحتسابهم أم بجزعهم وغضبهم؟ أم بارتدادهم للكفر؟ الآية فقط أشارت إلى الاحتمالات الواردة، ونبهت المؤمنين لاختيار الأحسن والحذر من الأسوأ. وحتى الهداية الربانية إذا حضرت ليست عاصمة من الزلل وإنما تقوي احتمال اختيار الصحيح قال تعالى:

﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (البينة، 4)

﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت، 17)

ولكون الفعل البشري المستقبلي احتماليا ورد في كتاب الله (ولو أنهم) (لعلهم يرشدون) (لعلهم يتقون) (ليعلم الله).

علم الملكة هو العلم بالقوة وعلم الأحداث هو العلم بالفعل

لما سئل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن القضاء والقدر قال هو قدرة الله، والفلاسفة يميزون بين القادر بالقوة والقادر بالفعل، فالله خالق بالقوة قبل أن يخلق أي شيء، ولا يكون خالقا بالفعل إلا بعد أن يخلق شيئا ما، والله سميع أزلا بالقوة، لكن يسمع بالفعل عند وجود المسموع، والله تعالى عليم بالقوة أزلا، أي له القدرة على التمييز والإدراك، لكنه عليم بالفعل عند وجود المعلوم. فالعلم الخبري هو تجل حادث لصفة القدرة على العلم كما هي المخلوقات الحادثة تجل لصفة القدرة على الخلق.

وربنا يبين لنا أن العلم الخبري محدث ومحصل وليس أزلي، قال تعالى:

﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران، 140)

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد، 25)

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران، 166)

فهذا لا علاقة له بالجهل، إذ المعلوم أو المجهول هو ما خرج من دائرة الاحتمال ودخل فضاء القضاء وتم فيه الحكم والقرار. بل إن حقيقة المعلوم هو ما دخل حيز القضاء المبرم المحصن بإذن الله من التبديل والنسخ، قال تعالى:

﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد، 39)

وفي هذا دليل قوي على أن المشيئة الربانية هي من تحمي المعلومة وتضمنها أو تمحيها وتغيرها.

لذلك فربنا جعل الجنة عرضها السموات والأرض، قال صلى الله عليه وسلم: “إن في الجنةِ مائةَ درجةٍ لو أن العالمينَ اجتمعوا في إحداهن لوسِعتهم” والنار تسع كل الثقلين، قال تعالى:

﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ (ق، 30)

وقال صلى الله عليه وسلم: “كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى” لذلك كان هناك المؤمنون الوارثون:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (المؤمنون، 9-11)

فالله تعالى خلق الجنة والنار وفق احتمال أن يكون الناس كلهم كفار فتسعهم جهنم أو أن يكونوا كلهم مؤمنون فتسعهم الجنة، أو يكونوا فريق في الجنة وفريق في السعير فيرث كل فريق مكان الفريق الآخر في المحل الذي هو فيه. قال صلى الله عليه وسلم: “لكل امرئ منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار، ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى: (أولئك هم الوارثون)”.

كيف اختلط مفهوم العلم الأزلي بالعلم الخبري عند علماء الكلام

لا يخفى على المسلم أن أسماء الله الحسنى كثيرة، وأن اسم “العليم” ما هو إلا واحد منها. وواضح كذلك أن خلاصة الخلاف بين الأشاعرة ومن والاهم وبين المعتزلة هو هل القضاء والقدر يتأسس على العلم الخبري وحده أم أن اسم “العدل” صفة أساسية وضرورية.

والمتدبر لأسماء الله الحسنى يجد أن أسماء أخرى ترتبط بالفعل الرباني بشكل مباشر منها: المقدم، المؤخر، المعطي، المانع، المدبر، القيوم، التواب، الغفور، الشكور… وإذا استحضرنا أن الأحاديث النبوية أشارت لاسم الله الأعظم واستعرضنا ما جاء في ذلك من الأثر وجدنا أن اسم “القيوم” هو المقصود. وعند التأمل يظهر لك أن هذا الاسم يمكنه تلخيص أسماء الله الحسنى، لأن القيوم لا بد أن يكون حيا وقادرا ومريدا وسميعا وبصيرا… والله قيوم على خلقه والإنسان مستخلف على عمارة الأرض وقيوم على ما فيها من الخلائق.

يرى كثير من علماء الكلام أن لفظ العلم له معنى واحدا، بينما يحتمل معنيين مختلفين: الأول ملكة الإدراك والتمييز، وهي صفة ذاتية بها يكون العالم عالما، أي القدرة الكاملة على الإحاطة والتمييز، فهذا المعنى في حقه تعالى ثابت وأزلي، ولا يتعلق بحدوث الأحداث أو تغيرها، والثاني هو معرفة الوقائع والأحداث، أي العلم بأن الشيء الفلاني سيقع في الوقت كذا على الكيفية كذا، وهذا علم متعلق بالمعلوم بعد أن يقضي الله به متى شاء وليس قبل ذلك.

ثالثا: القضاء والقدر بين علم الملكة والعلم الخبري

ترشيد الأحداث بعلم الملكة

إذا كانت الإرادة والقدرة ضروريتان لوقوع الأحداث، فإن العلم يؤثر في حسنها وقبحها، ووجودها غير متوقف على العلم لأن الجاهل يفعل، والسفيه يفعل لكن العاجز لا يفعل والمكره لا ينسب له الفعل أو يعفى من تبعاته، قال تعالى:

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة، 171)

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (الحجرات، 4)

والله تعالى يدعونا لاستعمال العقل قصد ترشيد السلوك البشري، ويذم الذين لم ينفعهم العقل في معرفة الصحيح من السقيم، قال تعالى:

﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الفرقان، 44)

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة، 13)

القضاء والقدر ينتج العلم الخبري

إذا كان علماء الكلام يؤكدون أن الله قدر في الأزل جميع الأحداث وكتبها في اللوح المحفوظ، وهو سبحانه يخلقها تباعا في الواقع بحلول أجلها، فإن القرآن الكريم يؤكد أن الله تعالى يقضي في الحال ما شاء، فقد قرر خلق السماوات والأرض قبل خلقها بخمسين ألف سنة، وهو زمن مقدر وليس أزليا، ثم بعد خلقها استوى سبحانه على عرشه يقرر ويدبر ويرفع ويخفض كيف شاء، قال تعالى:

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (يونس، 3)

فليس هناك تقدير سابق لكل شيء، يليه تنفيذ لما تقرر، وإنما خلق السماوات والأرض مقدمة لتدبير شؤون الخلائق والتقرير في حدوثها أو منعها:

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ (النور، 43)

بل إن القرار الرباني قد يأتي خبرا لفعل بشري:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد، 7)

ما هو مفهوم التدبير إذا لم يكن هو اتخاذ قرارات

والقضاء والقدر هو القرار بلغة العصر، فالله يقضي في الخلق والأمر والتدبير، والإنسان يقضي بأن يطيع الله أو يعصاه، وغاية الإيمان بالقضاء والقدر أن يقابل الإنسان قضاء الله للإنسان بالحرية:

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف، 29)

أن يقابله بالعبودية الطوعية:

﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة، 285)

شيء واحد يحسم الجدل بين نظرية المشيئة ونظرية العلم في مسألة القضاء والقدر، فإذا كانت نظرية العلم تقول بأن الله علم وكتب ثم شاء وخلق، فإن نظرية المشيئة تقول أن الله تعالى كتب في أم الكتاب دستورا دليلا على العدل، ثم كتب في كتاب الله النظام الكوني قبل أن يخلقه دليلا على القوة والقدرة والنظام والحسن والإتقان… ثم استوى على العرش يدبر الأمر فيشرع ويصرف الآيات ويكتب في الكتاب المبين دليلا على الحفظ والإحاطة والسيادة … ثم يطوي الله السماء والأرض كطي السجل للكتاب ثم يحكم الله ويفصل بين خلقه… بمعنى أن الله تعالى يفعل أشياء ويحكم بأشياء بشكل متزامن وليس أنه سبحانه حكم في الأزل وينفذ الآن. قال تعالى:

﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ ۚ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الممتحنة، 3)

رابعا: علاقة الأحداث بالإرادة والقدرة أقوى من علاقتها بالعلم

الأحداث تصنع بالإرادة والقدرة

والأحداث لا تصنع بالعلم وحده، سواء كان علم ملكة أو علم خبر، فإذا استقرأنا أسماء الله الحسنى وجدنا أغلبها أسماء قيومية وتدبير، وقدرة وإرادة مثل المعطي، المانع، الخالق، الرازق، المقدم، المؤخر، والمحيي والمميت… والقرآن الكريم لم يحدثنا عن أحداث مستقبلية حكم فيها العلم وحده، بل هناك قوة قاهرة وإرادة ساهرة، قال تعالى:

﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء، 104)

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (فاطر، 41)

بل إن الربط بين القضاء أو القرار والقدرة أوضح في البيان وأفصح في اللسان من علاقة الأحداث بالعلم. أما البيان فقوله تعالى:

﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ (الأحزاب، 38)

﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ (الكهف، 45)

أما على مستوى اللسان فواضح أن القدر والقدرة من أصل واحد بخلاف القضاء والقدر مع العلم.

لذلك يوجهنا ديننا أن الأمور تدرك بأسبابها، قال تعالى:

﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران، 92)

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة، 7-8)

ويؤكد سبحانه هذه الحقيقة في مئات الآيات المحكمات، قال تعالى:

﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (النساء، 123-124)

العلم الخبري لا يضمن إلا بالقدرة والإرادة

قال سبحانه:

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (الروم، 2-3)

لكن الآية لا تكتمل إلا بقوله تعالى ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ ﴿وكان أمرا مقضيا﴾ بقدرة الله وإرادته. فالسؤال المحير كيف انفصل العلم الخبري عند المسلمين عن أسبابه وعلله، وربنا يربط بينه وبين قدرته القاهرة وإرادته النافذة، قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ (فاطر، 44)

﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام، 17-18)

فهو حكيم خبير في تحديد الذين سيبتلون وبأي مقدار، وهو كذلك القاهر الذي على كل شيء قدير في إمضاء ما قضاه وقدره.

العلم الخبري القبلي دليل على القدرة والسيطرة

فإذا وعد ربنا بشيء وجزم به فليس لعلم كاشف مجرد، وإنما لقوة قاهرة ساهرة على تنفيذ الموعود:

﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ (مريم، 8-9)

فلما كتب ربنا مقادير الأكوان الباقية إلى يوم القيامة من سماء وأرض وأفلاك وبحار… فإنما دل ذلك على أنه سبحانه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء:

﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (يس، 82-83)

فقوله تعالى “كن فيكون” ليس لانعدام الزمن، فقد جاءت في القرآن الكريم في سياق خلق السماوات والأرض واستغرقت ستة أيام، وجاءت في عيسى وقد حملت به قبل أن تضعه، وجاءت في البعث بعد الموت وذلك أجل علمه عند الله. وهذا يدل على أن معناها هو القدرة القاهرة على تنفيذ كل ما يقرره سبحانه:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الأحقاف، 33)

العلم الخبري القبلي يتناسب عكسيا مع الحرية

في بعض الآيات القرآنية يثبت الله تعالى أن للإنسان كامل الحرية في الاختيار، وكامل القدرة على التنفيذ، قال تعالى:

﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء، 165)

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف، 29)

وهنا الاحتمالات مفتوحة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المائدة، 94)

فالمؤمنون يبتلون كما يبتلى الكافرون، وقد “يُصبِحُ الرجُلُ مؤمِنًا ويُمسِي كافِرًا” أو “يُصبِحُ كافِرًا ويُمسِي مؤمِنًا” ثم يتميز المؤمنون في درجات متفاوتة، وينقسم الكافرون إلى دركات متباعدة، قال سبحانه:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد، 31)

لكن في بعض الآيات الأخرى يأتي الجزم بالحال والمآل، وما ذلك إلا أن نسبة الحرية قد ضعفت ووهنت أمام الطبع والتطبع، فالمؤمنون الذين استظلوا بمعية الله وحفظه والتزموا أمره زمنا معينا أصبحت استجابتهم واضحة قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (محمد، 17)

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت، 69)

في المقابل:

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (محمد، 1)

ويبقى الأصل في الفعل البشري أنه يمر من المراحل التالية:

  1. الموقف الابتلائي أو الرغبة أو الحاجة،
  2. التفكير في الإمكانات المتاحة للإشباع الحاجة أو التفاعل مع الابتلاء،
  3. اختيار حل من الحلول،
  4. مباشرة الأسباب المؤدية إليه،
  5. القرار الرباني بالتمكين أو المنع، وإذا كان تمكينا هل ببركة وزيادة أو بتلطيف في النتائج،
  6. علم الله بما سيحدث وكتابته في الكتاب المبين،
  7. حدوث الحادث،
  8. كتابته في الإمام المبين الخاص بالفاعل،
  9. علم العبد بما حدث.

وبالتالي فالله تعالى يعلم الفعل البشري بعلم قبلي وليس أزليا، بعلم حادث بعد عزم الفاعل على الفعل ومباشرة الأسباب، فيكون الفاعل حرا مريدا مختارا، وهو كذلك علم قبلي لأنه لا يجوز أن يكون في ملكه سبحانه وتعالى إلا ما أذن بوجوده.

خاتمة

رغم الإجماع الكبير على مر التاريخ في جعل القضاء والقدر مؤسسا على العلم، فإن الحقيقة العلمية بدء بالاشتقاق اللغوي ومرورا بالسياق القرآني والحديثي وصولا لفقه السيرة وأقوال الصحابة في اتخاذ الأسباب وتعلق القلب بخالق الأسباب… تجعل القضاء والقدر مؤسسا على مشيئة الحي القيوم، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، القادر القاهر، القوي المتين… وأن هذا القضاء دائم ومستمر بيد من له الخلق والأمر والتدبير والتسيير، يمح ما يشاء سبحانه ويثبت. بل إن القضاء يكون في أعلى مراتبه وأقوى صوره يوم القيامة، يوم يقول القيوم:

﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (غافر، 16)

واسم القيامة مشتق من اسمه تعالى “القيوم” وهو اسم الله الأعظم الذي يلخص أسماء الله الحسنى جميعها، لأن القيوم حي قوي سميع بصير… كما يشير كذلك إلى الأفعال الربانية كلها من الخلق والأمر والتدبير وغيرها…

والحديث نص على أن العلم الخبري قبلي ولم يصرح بأنه أزلي “إنَّ اللَّهَ قدَّرَ مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أن يخلقَ السَّمواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ” وهو عمر بسيط مقارنة بتاريخ الكون المقدر بحوالي 13,8 مليار سنة. وقد نص القرآن الكريم على القبلية ولم يصرح بالأزلية، قال تعالى:

﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحديد، 22)

بل إن هذه القبلية قد تكون لبرهة نظرا للسرعة الخارقة التي تجري بها الأمور في عالم الغيب فالله تعالى ﴿أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (الأنعام، 62) لذلك عبر الحديث النبوي على ثبوت العلم القبلي برفعت الأقلام وجفت الصحف.

وفي واقعنا نطلق اسم العالم على من طور علم الملكة ليفقه المقادير والسنن مثل الطبيب والمهندس وعالم الفلك، والخبير الزراعي، ولا نطلقها على الصحفي مهما جمع من الأخبار، ولا على الحكواتي مهما حفظ من القصص. وتبقى أكبر مشكلة تواجهها الأمة هي الفصل الحاصل في الذهن بين الأمنيات وبين ما يلزم تحقيقها من الأسباب والعلل والجهود والتضحيات في سبيل تحقيقها، أو التسليم بالحال دون بذل الجهد في تحسينه وتطويره وإصلاح ما به.

وصلى الله وسلم على الرسول الأمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

القرشي محمد


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى