القرآن الكريم والجدل الديني
قراءة مراجعة للبيئة القرآنية: تفكيك السردية التقليدية للوثنية وتأمل في عمق السجال اللاهوتي

لعلّ من أكثر الصور رسوخا في العقل الإسلامي هي أن القرآن الكريم نزل في مجتمع وثني غارق في عبادة الأصنام، إلاّ أنّ القرآن نفسه يهدم هذه الصورة، فقراءة المصحف من أوله إلى آخره تكشف بوضوح أن خصمه الرئيسي ليس هبل واللات والعزى، بل الفكر اليهودي واللاهوت المسيحي، حيث أكثر الشخصيات حضورا فيه هم موسى وإبراهيم وعيسى ومريم وقصص بني إسرائيل، كما أن أكثر القضايا إثارة للجدل التي تناولها تدور حول الوحي، والنبوة، والمعجزات، وألوهية المسيح، والتثليث، ويوم القيامة، وتحريف التوراة والإنجيل، بينما الأصنام التي قيل إنها كانت تملأ القبائل في الجزيرة العربية، فلا تظهر إلا على هامش هذا الجدل الفكري الكبير.
من غير المعقول أن يكون النص المفترض أنه يخاطب مجتمعا وثنيا أن ينشغل بهذا القدر الهائل من تفاصيل الأديان الكتابية وخاصة اليهودية والمسيحية، بل وحتى العربي الذي يعبد الحجر هو بسيط من الناحية الفكرية، ولا يحتاج أبدا لمعرفة هكذا سجال لاهوتي معقد، ما يعني بالضرورة أن القرآن كان يتحرك داخل فضاء ديني أكثر تنوعا وتشابكا مما تصوّره الرواية التقليدية.
المتخيل الديني نتيجة القراءة التراثية غير الموضوعية جعل من الجزيرة العربية أرضا جغرافية معزولة عن العالم، وهذا خطأ، بل كانت في الواقع جزءا من شبكة واسعة من التجارة والهجرات والنقاشات الدينية والثقافية، ولهذا يبدو القرآن أقرب إلى نص يدخل في نقاش مع مختلف الأديان الإبراهيمية ومذاهبها من أن يكون مجرد خطاب لغوي لتحطيم الأصنام، فالمئات من آياته تناقش اليهود وتردّ عليهم، وتجادل المعتقدات المسيحية المختلفة، وتذكر الأحناف، وترد على المجوس والدهرية والمانوية وغيرهم كثير، ما يعني أن الإصرار على اختزال البيئة القرآنية في الوثنية فقط هو إفقار للنص نفسه، ومن يقرأه بإنصاف سيرى أن معركته الكبرى لم تكن مع الحجر، بل مع الأفكار، أو بتعبير آخر، القرآن يكشف في بنيته الداخلية عن مشهد ديني وفكري وفلسفي أكثر تعقيدا وثراء عن الصورة المدرسية التي في عقولنا.
إن إعادة النظر في البيئة التي نزل فيها الوحي هي محاولة لفهمه في سياقه التاريخي الحقيقي، وهذا سبيل لاكتشاف ما يقوله بالفعل، وليس تكرار أقوال وتصوّرات صارت من المسلّمات نتيجة القراءة الجامدة الرافضة للمراجعة، فهو أعظم من اختزاله في مجرد خطاب نزل في الصحراء لمجتمع وثني بسيط.
العفيفي فيصل
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






