الإمام الغزالي في مسلسل “الحشَّاشين”

image_pdf

يصنع المسلسل التاريخي الديني “الحشَّاشين” الكثير من الجدل، خاصَّة وأنّه يحقّق الترند وأرقام مشاهدات مرتفعة خلال هذا الأسبوع الأول من الشهر الفضيل، الجدل طرفه من الناحية الشكلية، مثل شكل العمران في الدولة السلجوقية والفاطمية، إضافة إلى استخدام اللهجة المصرية وهو مخالف تماماً لما اعتاد عليه المشاهد العربي طيلة السنوات الماضية إذ اللغة العربية الفصحى هي المستعملة في المسلسلات الدينية (شخصياً لا أرى هنا أي إشكال لأنّ اللهجة المصرية مفهومة للجميع، وحتى من الناحية التاريخية، فلم يكن للعربية الفصحى وجود في الواقع اليومي للناس قديماً، بل لكل منطقة لهجتها كلغة يومية متداولة في حين أن الفصحى كانت ولا تزال مستخدمة في إقامة العبادات وكذلك في دراسة بعض العلوم).

أمّا طرفه الآخر فيمسّ مضمون المسلسل حيث هناك أخطاء تاريخية واضحة، مثل مسألة الصداقة بين عمر الخيام والوزير نظام الملك وحسن بن الصبّاح أثناء صغرهم وهذا مستحيل للتباين بين أعمارهم كما أشار الأستاذ عثمان الخشت في كتابه “حركة الحشاشين”، إضافة إلى أنّ الصبّاح لم يزر القاهرة في سنوات الجفاف والمجاعة بل بعدها، ولم يكن حاضرا بمصر لما حدثت الحرب بين نزار وشقيقه المستعلي من أجل الحكم بل كان في قلعته (عش النسر) ومنها أعلن غيبة نزار قاسماً مذهب الإسماعيلية إلى نزارية ومستعلية، صحيح أنّ الإمام الغزالي اشتغل مدرساً في المدارس النظامية (نسبة إلى الوزير نظام الملك الذي أسسّها) ولكن في بغداد وليس في المدن الفارسية التي التحق بها في زمن الملك المستظهر حين استدعاه هذا الأخير لتأليف كتاب يرد به على الباطنية، متأكد أنّنا سنشاهد في الحلقات المقبلة أخطاء أخرى بل وخرافات نُسِبت كذباً لحسن الصبّاح وطائفته كتناولهم الحشيش والمخدرات، خلق جنة داخل القلعة فيها الأشجار والأنهار والخمور والجنس مع الحسناوات للتأثير على عقل المريدين ودفعهم للقيام بعمليات اغتيال فدائية (وكأن البغدادي فعل هذا مع مئات الدواعش الذين تسابقوا للقيام بعمليات تفجير انتحارية داخل المساجد والحسينيات والكنائس والمسارح والمطارات ومراكز الشرطة وتجمعات الجيش وبين كل حشد لا يعترف بهم … أم فعلوا هذا وهم في كامل وعيهم ويقينهم أن جائزة السّماء لهم وراء قتلِهم ومَقتَلِهم الالتحاق بنفس مواصفات الجنة التي قيل أن الصبّاح صنعها في قلعته التي لا يذوب عنها الثلج والجليد سوى بضعة أسابيع في السنة؟ بتعبير آخر، أتباع الصبّاح الباطنية قاموا بعمليات فدائية بعقيدة ثابتة أنّهم سيدخلون بعدها جنّة الفردوس) … ويبقى هذا الجدل الديني/التاريخي الذي يوّلده المسلسل مفيدا جدا، فعلى الأقل هو أفضل بكثير من الجدل حول برامج الكاميرا الخفية وما فيها من صراخ وهبل وترسيخ لثقافة العنف، مسلسلات الدراما التي كل رمضان تتكرر بنفس الوجوه والمواضيع، برامج ترفيهية كوميدية أغلبها لا تُضحك ولا تُحزن، حصص تستضيف نفس الوجوه مراراً وتكراراً وتقوم برسكلة نفس الحوار والكلام … إذن مسلسل الحشاشين دفع المشاهد العربي إلى البحث عن العقائد والفرق الإسلامية خلال العصر الوسيط كما دفعني أيضاً إلى كتابة هذا المقال حول الإمام الأشعري الشهير أبي حامد الغزالي وموقفه من الباطنية.

تعتبر كتب الغزالي حول الفرقة الباطنية من أهم المصادر عند أهل السنة لفهم عقيدتها وخاصة كتاب “فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية”، ولكن الخبير بعقائد الفرق الإسلامية له الكثير من الاستفهام وعدم التسليم كلية بما جاء فيه، حيث يمكن بسهولة الانتباه إلى أن ردّ الغزالي على الباطنية كان بنفس طريقة ردّه على الفلاسفة (العرض ثم النقد) وهذا فيه تسرّع وتعسّف (ربط أفكار باطنية بغير مرجعياتها تارة، تفسيره لأقوال باطنية دون العودة لتفسيرات لأصحابها تارة أخرى) ما جعله أيضاً لا يتردد في تكفيرهم كقوله عنهم “مذهباً ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض”[1]، كما أنّه أعاد نفس كلام بعض من سبقه كعبد القادر البغدادي وأبي المظفّر الإسفراييني من دون تحقيق، كقوله أن الباطنية يقولون بوجود إلهين تماماً كالمجوس والثنويّة فقط مع تغيير المصطلحات (السابق/اللاحق في مكان النور/الظلام)، وهذا خطأ لعدم التفريق بين المجوسية[2] والثنوية[3]، فعند المجوس اعتقاد بوجود أصلين مسؤولين عن الخير والشرّ، أو النّور (بيزدان) والظّلام (أهرمن)، مع إيمانهم أنّ النور أزلي والظلام مُحدث (متقاربة مع عقيدة وجود إله أزلي فاعل الخير وآخر مخلوق خالد فاعل الشرّ)، عكس الثنويّة حيث عقيدة الاعتقاد بأزلية النّور والظّلام مع اختلافهما في الجوهر والفعل، وبالرجوع إلى كتب العقائد الاسماعيلية على قلتها نظراً لحرص الطائفة على السريّة، فيمكن القول أن مصطلحاتهم أقرب للتصّور الإلهي المجوسي وليس الثنوي، بل منهم من خرج نافياً كل هذا جملة وتفصيلاً معتبراً أن عقيدتهم في توحيد الله وتنزيهه يجب أن تُفهم وفق الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، يقول أحمد الدّين الكرماني وهو من أعلام الإسماعيلية في عهد الخليفة الحاكم بأمر بالله شارحاً معتقدهم في الله تعالى “إن الذي تنتهي إليه الموجودات التي به توجد وإليه تستند وعنه توجد، هو الله الذي لا إله إلاّ هو، محال ليْسِيَته، باطل لا هويته، إذْ لو كان ليْساً، فلما كانت الموجودات موجودة كانت ليْسيته بطالة”[4]، وواضح جدا أنّ معتقد الباطنية يحمل صبغة فلسفية، فينفي العدم عن الله وإلاّ لكانت الموجودات معدومة، كما ينفي عنه الوجود تنزيهاً له من التعلق بغيره في وجوده، وهكذا ينفون عنه كل الصفات (متعالٍ عنها)، لا يجوز عندهم نعته بما يكون صفة لغيره، أما وصفهم له بالسابق فيقصدون به المبدع الأول الذي هو علة الموجودات[5] وليس كما ذهب الغزالي.

بالنسبة لمسألة الإمامة وهي من أهم أصول الدين في كل المذاهب الشيعية وليس فقط الباطنية منها، ومن لا يؤمن بوجود إمام في كل زمان فهو غير مؤمن عندهم، وهو كما أشار الغزالي إما ظاهر مكشوف أو باطن مستور، فإن كان مستوراً لا بدّ أن يكون دعاته ظاهرين، ووظيفته هي الإبانة المستمرة عن الله، ولذلك وجب أن يكون معصوماً، يرجع إليه فقط تفسير القرآن ظاهره وباطنه، بل وله منزلة خليفة النبي إلى غيرها من العقائد التي انتقدها بشّدة الكثير من العلماء وعلى رأسهم الغزالي.

تسليط مخرج مسلسل الحشاشين الضوء على حجة الإسلام الغزالي أراه أمراً مفهوماً نظراً لدوره الكبير في التصدي للباطنية ونقد حججهم (نتفق معه في جانب ونخالفه الرأي في جوانب أخرى وهذا طبيعي جداً)، ولكن وجب التنبيه أيضاً إلى أنّ الفكر الأشعري في الدولة السلجوقية كان إيديولوجية أكثر منه معتقد ديني، أي سياسة تقوية دولة على أساس مذهبي، والراجح أن الغزالي كان يدرك هذا وقد ساهم فيه تحت مشروع كبير يسمى “الإحياء السني”، ولكنه كلما كان بعيدا عن سيطرة النظام السلجوقي إلاّ ونجد في كتبه انفتاحاً على الفلاسفة والباطنية، فعلى سبيل المثال، هو أوّل من اعتمد على المنطق الصوري بعدما كان مذموماً عند المسلمين، مع العلم أن هذا المنطق من أهم مناهج الفلاسفة والباطنية، كما أن تصوّفه وما كتبه عن التصوّف سنجد فيها أفكاراً باطنية بشكل أو بآخر كالحديث عن الحروف وأسرارها، الفيض، الزيج، مثل كتابه “كيمياء السعادة”، “مشكاة الأنوار”، “المضنون به على غير أهله” … الخ، وهذا دليل أن الرجل علامّة موسوعي، أشعري صوفي باطني حنبلي فيلسوف، وجب علينا فهم مشروعه السني السلجوقي وفق الظرف السياسي لبيئته وليس جعله أو تصويره بذلك المتعصّب لمذهب ما، خاصة وأن مجتمعاتنا المعاصرة لا تزال بها كل الأطياف والمذاهب الإسلامية، فنحن بحاجة لأعمال فنية دينية مقصدها جمع الشمل ونشر ثقافة التسامح والقبول والسلام بين كل طوائف المجتمع.


[1]  أبو حامد الغزالي، فضائح الباطنية، دار الكتب الثقافية، الكويت. ص 47.

[2]  الزراديشتيّة، الزروانيّة.

[3]  الديصانيّة، المزدكيّة، المانويّة، التناسخيّة.

[4]  أحمد حميد الديّن الكرماني، راحة العقل، تحقيق: مصطفى غالب، دار الأندلس، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1967.  ص 130

[5]  غالب مصطفى، تاريخ الدعوة الإسماعيليّة، دار الأندلس، بيروت، الطبعة الثانية. ص 48

———–

العفيفي فيصل، أستاذ اللغة الفرنسية وباحث دكتوراه في أصول الدين، جامعة تلمسان – الجزائر .

وسوم:

اترك رد

جديدنا