وتلك الأيّام نداولها بين الناس

التغيير من ثوابت الكون، وينقرض من لا يقدر على التكيّف بينما يسود الأرض الأقدر على التأقلم والتعلّم.
ترتقي البشريَّة سلّم الحضارة بمعاناة وتدفع غالياً ثمن تعلّمها، فيطغى الإنسان ويفسد في الأرض ويسفك الدماء ثمّ يتعلّم من تجاربه.

فهل نتعلَّم من تجربة مكلفة مسيئة للإسلام ومدمّرة للمسلمين، تنشر نارها في هشيم مجتمعاتنا وتتركنا معاقين “بالتطرّف الديني” و”العصبيّات العرقيَّة والمذهبيَّة”.
كيف اخترقت ثقافة داعش شباب المسلمين وكيف نجحت دعوتها إلى الموت وكيف سادت دولتها وحكمت مدن العراق وسوريَّة؟
هل تستمدّ “داعش” قوّتها من حيل الدعاية ومن اللعب على نزعات وغرائز بدائيَّة وحاجات نفسيَّة مثل الخوف والغضب والوعد والأمل والتفاخر والانتماء؟ أو في تقديمها خطاباً بسيطاً ومحدّداً في عالم مركّب ومعقّد وغامض؟

هل يستجيب لها فقط من يشعر بالضياع في عالمٍ متغوّل يطحن خصوصيّته طحناً؟
هل أنَّ “داعش” طريق إلى “التخندّق الفجّ” ضدّ عالمِ مادّي قاسٍ يسحق الشباب بقوّة دورانه وطاحونته؟
كشفت فتنة “داعش” عن عجز وهشاشة العديد من مدننا، وعن فشل المؤسّسات الدينيَّة التقليديَّة والسياسيَّة في إعداد جيل الشباب لمواجهة تحدّيات العصر.

يشعر الشباب كل يوم بالذل في طلب لقمة عيشهم، وبالتهميش المستمرّ في مدنهم، والضياع في “سباق الفئران” في مدنٍ لا ترحم، وبتشريعات لا تخدمهم، يدركون عجز حكوماتهم ومجتمعاتهم عن اللحاق بركب الحضارة ولا يرون في الأحزاب والمنظّمات من يعينهم في صناع مستقبل أفضل.

تمتدّ جذور أزمة الشباب عميقاً في فقر ثقافي وضعف قيمي وتخبّط رؤى وهشاشة هويّات وضعف قدرة على التعلّم وعجز عن التكيّف التواصل مع العالم.

فحين يزداد الظلم في بلداننا، وتتناسل الحروب وتمتلأ مخيّمات اللاجئين بالملايين، وحين تتّسع رقعة الأحزان بالتواصل الرقمي وبانتشار صور القتل والعزاء والفضائح، وحين يختنق الناس بالإحباط والعجز وقلّة الحيلة وحين يهرع الشباب إلى القوارب عبر المتوسّط فيغرق المئات منهم وينجو آلاف ويبقى خلفهم ملايين في بحثٍ مستمرّ عن مفرّ وملجأ.

حينئذ، تتطفّل الحركات الشاذّة على الأزمات، وتنتعش على شعور الفرد بالإنهاك واليأس والغضب، وتستغلّ عجزه عن فهم العالم وتناقضاته وعدم قدرته على تحمّل آلامه، ثمّ تعزله في بيئات شاذّة وتخدّره وتقفل حواسه فيتوقّف عن التواصل مع بيئته الطبيعيَّة، وعن النموّ والتعلّم وتصحيح الأخطاء ثمّ تموت تدريجيّاً عنده الأفكار والعواطف والأحلام والرؤى وتتلاشى دوافعه فيعزف عن الانخراط في مسيرة الحضارة نحو “ارتقاء النوع البشري”، وما بين داعش وزوارق الهروب في البحر المتوسّط وزوايا الدروشة، ينتشر تجّار السوء والمخدّرات وتتوالد منابر الشعوذة الدينيَّة.

فأين مفرّ الشباب من ثقافة عاجزة ومجتمعات منهكة وحكومات مستبدّة سحقت كرامتهم وأفقدتهم أمانهم وسلبتهم حرّيّاتهم وسرقت أحلامهم؟

لا خيار لأي منّا في الهرب من مسؤوليَّة إنقاذ أجيالنا اليافعة من هذه البيئات الشاذّة ومثيري فتن العصبيّات ومنابر الجهل والشعوذة، أنّه مسار شاقّ لكننا نعلم يقينا أنّه سيقودنا إلى مستقبلٍ أفضل.

جديدنا