درس نشأة الفلسفة ومشكلة الأعداد الصماء
أزمة الأسس الرياضية ودورها في الانتقال من حساب الأطوال إلى تشكّل التفكير النظري الميتافيزيقي

يجب التمييز بين إشكالية ظهور الفلسفة والظهور الإشكالي للفلسفة. فإشكالية ظهور الفلسفة تهتم بالبحث في الظروف والملابسات العملية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي أحاطت بظهورها في اليونان. أما الظهور الإشكالي للفلسفة فيتعلق بالمشكلة النظرية التي استدعت ظهور نمط جديد من التفكير، لا يكتفي بمعرفة النتائج، بل يبحث في الأسس والمبادئ والأصول التي تقوم عليها المعرفة والواقع. ومن أبرز المشكلات النظرية التي يمكن أن توضح هذا الظهور أزمة الأعداد الصماء عند الفيثاغوريين. فقد اكتشفوا أن قطر مربع طول ضلعه واحد يساوي 2✓، أي ما يقارب 1.414. لكن المفاجأة كانت أن هذا العدد لا يمكن التعبير عنه في صورة كسر بين عددين صحيحين. فنحن نستطيع التعبير عن أعداد كثيرة بواسطة كسور، مثل 3/2 = 1.5 و7/5 = 1.4، لكن لا يوجد كسر بين عددين صحيحين يساوي 2✓ بالضبط.
ويمكننا الاقتراب من قيمة 2✓ بكتابة 1.4، ثم 1.41، ثم 1.414، ثم 1.4142…، لكن الكتابة العشرية لا تنتهي. وهنا تظهر المفارقة: القطر نفسه محدود وله طول محدد، لكن التعبير العددي الدقيق عن هذا الطول يستمر بلا نهاية. أي أن شيئا متناهيا ومحددا في الواقع الهندسي يكشف، في طريقة التعبير عنه رياضيا، عن لا نهاية. وقد كانت هذه النتيجة مشكلة عميقة بالنسبة إلى الفيثاغوريين؛ لأن تصورهم كان يقوم على أن الأشياء يمكن فهمها والتعبير عنها بواسطة الأعداد. فإذا كان لدينا مربع بسيط يمكن رسمه وقياسه، فمن المفترض أن يكون طول قطره قابلا للتعبير العددي نفسه. لكن 2✓ كشف أن هناك طولا موجودا وقابلا للإنشاء والقياس، ومع ذلك لا يمكن التعبير عنه بكسر بين عددين صحيحين. وهكذا لم تعد المشكلة مجرد صعوبة في حساب قطر مربع، بل أصبحت مشكلة تتعلق بأسس المعرفة نفسها: ما طبيعة العدد؟ وما حدود قدرتنا على التعبير عن الواقع؟ وهل المبادئ التي نعتمدها كافية لفهم كل ما هو موجود؟
بهذا المعنى كشفت أزمة الأعداد الصماء أن الرياضيات نفسها يمكن أن تقود إلى أسئلة تتجاوز الحساب والهندسة نحو البحث في الأسس والمبادئ والأصول. ومن هنا يمكن فهمها بوصفها نموذجا لـ الظهور الإشكالي للفلسفة: فالمشكلة لم تعد فقط كيف نحسب؟، وإنما أصبحت كيف نفهم؟ وعلى أي أساس تقوم معرفتنا؟. ومن هذه الحاجة إلى فحص الأسس والمبادئ يمكن أن نفهم معنى الصنعة الفلسفية. ويبدو أن هذه المشكلة، وما تثيره من أسئلة حول العدد والعقل والوجود والحقيقة، ستترك أثرا في التفكير الفلسفي اللاحق. مشكلة الرياضيات هذه أزمة أسس بامتياز. ولكن ليس المقصود أن الفلاسفة جميعا كانوا يحاولون حل مشكلة 2✓ مباشرة، وإنما أن المشكلات التي كشفتها هذه الأزمة، أو المشكلات القريبة منها، ستظهر بأشكال مختلفة في أعمالهم؛ مثل العلاقة بين الثبات والتغير، والحقيقة والوهم، والعقل والواقع، والإمكان والتحقق. وسيحاول كل فيلسوف تناول هذه المشكلات بطريقته الخاصة.
فمع فيتاغورس يظهر الفيلسوف بوصفه محبا للحكمة وطالبا لها، لا مالكا نهائيا لها (لاحظ كيف أن أزمة أدق العلوم وهو الرياضيات جعلته يتواضع ويقول إنه محب الحكمة فحسب). ومع هيراقليطس يصبح التفكير منصبا على فهم الوجود من خلال التغير والتناقض، بما يفتح المجال للتفكير في كيفية اجتماع ما يبدو متعارضا داخل الواقع. بتعبير آخر أصبح المتناهي واللامتناهي يتعايشان، فالتناقض قانون الوجود. ومع السفسطائيين تنتقل المشكلة بقوة إلى مجال الإنسان والمعرفة والسياسة، حيث يصبح السؤال: هل معيار الفكر هو الحقيقة أم المنفعة والإقناع؟ ولذلك اهتموا بقدرة الإنسان على إثبات الأطروحات ونقضها. وكذلك الاهتمام بما هو عملي، نظرا لتهالك النظر. أما سقراط فأعاد توجيه هذا البحث نحو الحقيقة، وميز بين منطق النفع ومنطق الحقيقة، وبين الفيلسوف الذي يجعل البحث عن الحقيقة غايته الأساسية والسفسطائي الذي يحتل الإقناع مكانة مركزية في ممارسته.
وعند أفلاطون يتخذ الدفاع عن العقل والمعرفة العقلية شكلا أكثر وضوحا، وتصبح الرياضيات جزءا أساسيا من التربية التي تهيئ النفس للتفكير الفلسفي. فالرياضيات لا تقتصر عنده على الحساب، بل تساعد على الانتقال من المحسوس والمتغير إلى التفكير في المبادئ والمعقولات. من هنا نفهم سر إنشاء الأكاديمية للدفاع عن العقل والنظام… أما الإستاجيري – أي أرسطو – فيعمل على تنظيم هذه المشكلات من خلال بناء مفاهيم ومبادئ أكثر دقة، ومن ذلك تمييزه بين الوجود بالقوة والوجود بالفعل. فهذا التمييز يسمح بفهم كيف يمكن لشيء أن يكون ممكنا دون أن يكون متحققا بالفعل، وكيف ينتقل الممكن من حالة الإمكان إلى حالة التحقق. فضلا عن علم المنطق الذي بناه أرسطو لحل تلك المشكلة الرياضية المرعبة، التي هزت مختلف المجالات.
وهكذا يمكن القول إن أزمة الأعداد الصماء[*] كشفت أن وراء النتائج الرياضية أسئلة تتعلق بأسس التفكير والمعرفة والواقع… ومن هنا يمكن أن نفهم كيف أصبح البحث عن المبادئ والأصول ضرورة فكرية، وكيف أخذ التفكير الفلسفي يتشكل بوصفه بحثا في الأسس، مع اختلاف المشكلات التي سيتناولها الفلاسفة واختلاف الطرق التي سيعالجون بها تلك المشكلات.
خلاصة القول، يمكن أن نبين المتعلمين والمتعلمات أن ما هو سياسي واجتماعي وثقافي عوامل مساعدة لا أسباب. والسبب في الظهور – من الناحية النظرية هو – مشكلة في قلب الرياضيات، ما اقتضى حلا سيأتي في صنعة جديدة؛ إنها الصنعة الفلسفية.
ـــــــــــ
[*] سميت الأعداد الصماء بهذا الاسم لأن «أصم» تعني العدد الذي لا يمكن كتابته على شكل كسر بين عددين صحيحين. مثلا، √2 عدد أصم، لأن قيمته 1.41421356… تستمر بلا نهاية، ولا يمكن التعبير عنها بدقة في صورة كسر. أما 1/2 فهو عدد نسبي، لأنه يكتب مباشرة على شكل كسر بين عددين صحيحين.
المرجع: عبد المجيد باعكريم، في المنهج: منطق الكشف النظري العلمي والفلسفي، ط1، 2024.
رحو اليوسفي
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






