التنويريفكر وفلسفة

عندما سَكَنَت الدعوة السنوسية وجدان الليبيين: مِن الدعوة إلى المقاومة إلى الوِحدة

كيف تحول نفوذ القدوة والزاوية إلى رصيد اجتماعي أسهم في مواجهة الاستعمار وتأسيس الدولة؟

كيف استطاعت دعوة دينية إصلاحية، بدأت بالقلم والكتاب، أن تتغلغل في وجدان الليبيين، وأن تتحول، بعد عقود، إلى رصيد اجتماعي أسهم في مقاومة الاحتلال الإيطالي، ثم في ترسيخ فكرة ليبيا الواحدة؟ لعل الإجابة لا تكمن في قوة السلاح، ولا في اتساع النفوذ السياسي، وإنما في شيء أعمق: الثقة التي صنعتها الدعوة في نفوس الناس، والمحبة التي اكتسبها رجالها بالعلم والعمل والقدوة الحسنة.

عندما جاء الشيخ محمد بن علي السنوسي، المعروف بالسنوسي الكبير، إلى المجال الليبي، لم يأتِ بجيش، ولم يحمل مشروعًا سياسيًا لانتزاع السلطة، وإنما جاء بعلم وإصلاح ودعوة. كان همه أن يعيد إلى الدين حضوره في حياة الناس، لا باعتباره شعائر فحسب، وإنما باعتباره سلوكًا وأخلاقًا وعملًا ومسؤولية تجاه المجتمع. ومن هنا بدأ النفوذ الحقيقي للسنوسية: نفوذ القدوة قبل نفوذ السلطة.

ولعل العبارة التي لخّصت جانبًا من غايات الدعوة السنوسية: «تعليم الجاهل، وتنبيه الغافل، وهداية الضال»، تكشف بوضوح عن طبيعة الطريق الذي اختارته. فالتعليم كان في مقدمة رسالتها، والتنبيه دعوة إلى اليقظة، والهداية عودة بالإنسان إلى الطريق القويم. ولم تكن هذه المعاني مجرد عبارات وعظية، بل تحولت إلى ممارسة يومية في الزوايا، حيث وجد الناس المعلم، والشيخ، والمربي، والمرشد، ووجد المسافر مكانًا يأوي إليه، ووجد المحتاج من يعينه، ووجد المتخاصمون من يسعى إلى الإصلاح بينهم.

وهنا يكمن، في تقديري، أحد أهم أسرار نجاح السنوسية. فقد اقتربت من الإنسان قبل أن تسعى إلى التأثير فيه. لم تطلب منه أن يتخلى عن قبيلته، ولم تدخل في مواجهة مع تركيبته الاجتماعية، وإنما قدمت له إطارًا أوسع من الانتماء القبلي، يجمعه بغيره على أساس الدين والعلم والمصلحة المشتركة. فظل ابن قبيلته، لكنه أصبح في الوقت نفسه ابن زاويته، وجزءًا من شبكة أوسع تمتد إلى ما وراء حدود المكان والقبيلة.

وكانت الزاوية السنوسية أكثر من مكان للعبادة. فقد أصبحت مدرسة لتعليم القرآن والعلوم الشرعية، ومكانًا للتربية والإصلاح، وفضاءً للتواصل بين الناس، ومؤسسة تخدم المجتمع في بيئة كانت الدولة فيها بعيدة وضعيفة الحضور في كثير من المناطق. كما ارتبط نشاطها بحفر الآبار، وإحياء الأرض، ورعاية الأوقاف، وخدمة طرق القوافل. وبذلك لم يكن الناس يرون السنوسية في كتاب الشيخ وحده، وإنما في المدرسة التي تعلّم أبناءهم، والزاوية التي تستقبلهم، والمصلح الذي يحل نزاعاتهم، والشيخ الذي يشاركهم همومهم.

ومن هنا أخذت المحبة تتحول إلى ثقة، والثقة إلى ولاء معنوي، والولاء إلى شبكة اجتماعية واسعة. ولم يكن هذا النفوذ قائمًا على الإكراه؛ فالسنوسية لم تكن تملك في بداياتها جيشًا يفرض عليها الطاعة، وإنما امتلكت شيئًا أكثر رسوخًا: قبول الناس وثقتهم. وهذا يفسر كيف استطاعت الدعوة أن تنتشر في بيئات قبلية متباعدة، وأن تجعل من الزوايا نقاط اتصال بين جماعات لم تكن تجمعها دائمًا روابط سياسية أو إدارية واحدة.

وإذا كان السنوسي الكبير قد وضع الأساس، فإن المهدي السنوسي حمل جزءًا مهمًّا من هذا الإرث في مرحلة أصبحت فيها السنوسية أكثر تجذرًا واتساعًا. ولم يكن استمرار مكانة الحركة قائمًا على اسم المؤسس وحده؛ فالقيادة التي جاءت بعده حافظت، بدرجات متفاوتة، على الصورة التي ترسخت في أذهان الناس: عالم ومربٍّ ومرشد، قريب من المجتمع، بعيد عن التكلف، ومتّصل بقيم الدين والأخلاق. وهكذا أصبح الانتماء إلى السنوسية عند قطاعات واسعة من الناس مرتبطًا بذاكرة من الثقة والاحترام، لا بمجرد التنظيم.

ثم جاءت مرحلة الاحتلال الإيطالي سنة 1911، لتكشف القيمة الحقيقية لذلك الرصيد الاجتماعي. فقد وجد الاحتلال أمامه مجتمعًا لم يكن خاليًا من الروابط والتنظيم؛ كانت هناك زوايا، وشيوخ، وطلاب، وشبكات من العلاقات، وقيادات محلية، وذاكرة مشتركة. وعندما تحول الصراع إلى مقاومة مسلحة، أصبحت هذه الشبكات سندًا للاتصال والتعبئة والإيواء والإمداد. وهنا تظهر الحقيقة المهمة: السنوسية لم تبدأ بالسلاح؛ لكنها عندما فُرض السلاح على الليبيين، كانت قد سبقت ذلك ببناء الإنسان الذي سيحمل السلاح.

ومن هذه البيئة خرج عمر المختار، الذي أصبح أحد أبرز رموز المقاومة الليبية. ولم يكن اختياره قائدًا للمقاومة نتيجة القوة العسكرية وحدها؛ فقد اجتمعت فيه صفات العالم والمربي، مع الخبرة الميدانية والقدرة على التنظيم والصبر والانضباط. ولذلك استطاع أن يحول ما توفر من رصيد اجتماعي وثقة دينية إلى مقاومة طويلة الأمد، أصبحت رمزًا من رموز الرفض الليبي للاستعمار.

لكن من المهم ألا نختزل المقاومة الليبية في السنوسية وحدها؛ فقد قاوم الليبيون الاحتلال في مناطق مختلفة، وبقيت لكل منطقة وقبيلة وقيادة تجربتها الخاصة. غير أن السنوسية كانت، خصوصًا في برقة، إحدى أهم البنى التي وفرت للمقاومة إطارًا اجتماعيًا وروحيًا وتنظيميًا. ولذلك فإن أثرها في المقاومة لا يُقاس بعدد المقاتلين فقط، بل بما سبق القتال من بناء للثقة والانتماء والانضباط الاجتماعي.

وبعد سنوات المقاومة، انتقلت السنوسية إلى مرحلة مختلفة، برز فيها الأمير محمد إدريس السنوسي. وهنا ظهر وجه آخر للقيادة السنوسية؛ فإدريس لم يكن مطالبًا فقط بالحفاظ على إرث ديني واجتماعي، وإنما وجد نفسه أمام قضية وطنية تحتاج إلى سياسة ودبلوماسية وحساب دقيق لموازين القوى الدولية. وخلال الحرب العالمية الثانية، جرى تنظيم قوة ليبية سنوسية في مصر، شاركت إلى جانب الحلفاء، لتصبح التجربة العسكرية جزءًا من مسار سياسي أوسع نحو التحرر.

وفي هذه المرحلة لم تعد الثقة التي تراكمت عبر عقود مرتبطة بالشيخ والمعلّم والزاوية فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بشخصية إدريس السنوسي بوصفه قائدًا سياسيًا حمل قضية الاستقلال. وقد ساعده الرصيد الذي راكمته الأسرة السنوسية والحركة عبر عقود على أداء هذا الدور، وإن كان استقلال ليبيا في النهاية ثمرة تفاعل معقد بين المقاومة الليبية، والنشاط السياسي، والظروف الدولية، ودور الأمم المتحدة، ومصالح القوى الكبرى.

وفي 24 ديسمبر 1951، أُعلن استقلال ليبيا وتأسست المملكة الليبية المتحدة، وأصبح إدريس السنوسي ملكًا للبلاد. وهنا انتقلت السنوسية من فضاء الدعوة والمجتمع والمقاومة إلى فضاء الدولة والدستور. ولم يكن معنى ذلك أن السنوسية هي التي صنعت الدولة وحدها، وإنما أن الرصيد الديني والاجتماعي والتاريخي الذي راكمته الحركة وجد في تلك اللحظة إطارًا سياسيًا جديدًا، جمع أقاليم برقة وطرابلس وفزان في دولة واحدة.

ولعل هذا هو الجانب الأكثر أهمية في علاقة السنوسية بالوحدة الليبية. فهي لم تُلغِ القبيلة، ولم تمحُ الخصوصيات المحلية، ولم تجعل الليبيين مجتمعًا متجانسًا؛ لكنها ساعدت على بناء روابط تتجاوز حدود القبيلة والمكان. وعندما قامت الدولة المستقلة، كان هناك رصيد سابق من العلاقات والرموز والذاكرة المشتركة يمكن أن يسهم في قبول فكرة الدولة الواحدة.

إن سر قوة التجربة السنوسية، في تقديري، لم يكن في امتلاكها سلطة قاهرة، وإنما في قدرتها على كسب الإنسان قبل كسب السلطة. فقد دخلت البيوت من باب التعليم، ودخلت القلوب من باب الأخلاق، ودخلت المجتمعات من باب الإصلاح، ودخلت الصحراء من باب خدمة الناس. وحين جاء الاحتلال، وجد أن الدعوة التي حملت الكتاب أصبحت تحمل قضية، وأن الإنسان الذي تعلم في الزاوية أصبح قادرًا على الدفاع عن أرضه.

ولهذا فإن الحديث عن السنوسية اليوم لا ينبغي أن يتحول إلى دعوة للعودة إلى نظام سياسي مضى، ولا إلى إعادة إنتاج تجربة تاريخية في ظروف مختلفة، وإنما إلى محاولة لفهم سر من أسرار بناء الثقة في المجتمع. فالسياسة التي تفقد ثقة الناس لا تستطيع أن تبني دولة مستقرة، بينما يستطيع التعليم، والقدوة، والعدل، وخدمة الناس، والعمل الصادق أن يصنع رصيدًا يتجاوز عمر الأشخاص والأنظمة.

لقد بدأ الطريق بالكتاب، واستمر بالزاوية، وتعزز بالأخلاق والثقة، ثم وجد نفسه أمام امتحان الاحتلال، فكان للمقاومة، ثم انتقل إلى السياسة والدبلوماسية، وانتهى إلى قيام الدولة. وفي هذا المسار تبدو السنوسية أقل شبهًا بحركة تبحث عن السلطة، وأكثر شبهًا بتجربة بدأت بمحاولة إصلاح الإنسان، فانتهت — من حيث لم يكن ذلك هدفها الأول — إلى الإسهام في صناعة وعي وطني.

وربما تختصر هذه الرحلة كلها عبارة واحدة: لم تدخل السنوسية وجدان الليبيين بالسيف؛ دخلته بالكتاب، وبالمعلّم، وبالزاوية، وبالقدوة. وحين جاء السيف الإيطالي، وجد أمامه مجتمعًا كانت الدعوة قد كسبت ثقته قبل أن تطلب منه مقاومته.

ومن هنا يمكن فهم امتداد أثر السنوسية من الدعوة إلى المقاومة، ومن المقاومة إلى الاستقلال، ومن الاستقلال إلى فكرة الدولة الليبية الواحدة. لم تكن وحدها صانعة هذا التاريخ، لكنها كانت أحد العوامل التي جعلت الانتقال من الانتماءات المحلية إلى شعور أوسع بالانتماء ممكنًا. وتلك، في النهاية، هي قيمة التجربة التي تستحق أن تُقرأ اليوم: أن الأوطان لا تُبنى بالقوة وحدها، وإنما تبدأ حين يثق الناس بمن يدعوهم إلى بنائها.

فتح الله الكيلاني


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى