الدرس الافتتاحي أو اللقاء الأول بين المتعلم(ة) والفلسفة
من ملل التلقين إلى شغف التفلسف: مقاربة ديداكتيكية مبتكرة لتدريس الفلسفة عبر نصوص ثورو وتولستوي

لا نجانب الصواب إن ذهبنا إلى أن افتتاح الدرس الفلسفي المدرسي بالثانوي التأهيلي قد أصبح شكليا ومملا لا يزرع الشغف في المتعلم ولا الحماس في المدرس، حتى يبدو أن المتعلم يخرج بانطباع أولي هو أن الفلسفة مجرد تعاريف معجمية واستظهار وحفظ… هذا إن لم يحكم عليها بما هو معروف لدى عامة المدرسين. لذلك، رأينا أن نخرج عن «السائد» ونقترح درسا افتتاحيا مختلفا نوعا ما، لعله يشد انتباه المتعلم إلى عمق الفلسفة وقيمتها الحيوية. وتوخيا للتنويع لا التنميط، سنشتغل على عَلَمين نموذجيين، سيؤدي توظيفهما إلى الغايات المرجوة (من قبيل تذوق فعل التفلسف بدلا من حفظ تعريفه، وربط معيش المتعلم بأسئلة الوجود…).
١)- هنري ديفيد ثورو: «عن المشي» والعودة إلى الذات
كثيرا ما يشعر الإنسان بثقل المسؤولية وكثير من الإكراهات، فهو يلعب أدوارا متعددة، إنه أستاذ، وأب، وزوج، وأخ… له علاقات معقدة مع الأسرة والمهنة والمجتمع… لكن يحدث أن ينسحب إلى البرية بمفرده، يمشي حتى يخيل إليه أنه ينسى انتماءه للجماعة التي تكبله وتقيده. يتدثر بالحرية، فيفكر في نفسه وعلاقته بالعالم والطبيعة، يفكر بعيدا عن أي رقابة أو أحكام مسبقة. المشي عنده فعل شبه مقدس، يشعره بعلاقة ساحرة وأصيلة مع الوجود؛ علاقة عمقها محجوب بأضواء المدينة الزائفة وضجيجها اللانهائي وأقنعتها العديدة…
أجل، قد يقال: إنك مهما مشيت ستأخذ معك نفسك المسكونة بالممشاكل والضغوط!؛ لكن «ثورو» يجيب بأن المشي الذي يتحدث عنه يختلف تماما عن «المشي العادي» النفعي؛ إنه تفريغ وتعطيل للنفس وتحرير لها من أقنعة المجتمع وملصقاته… يتعلق الأمر بالتحرر من المِلكية الزائفة، فالمشي وتأمل البرية والطبيعة هو انتقال من عبودية تملك أمتار ضيقة، إلى الشعور وكأننا نملك الكثير من خلال الشعور بجمال وجلال وسَعة الفضاء الطبيعي البعيد عن المدينة… إنه – أي فعل المشي الفلسفي – يشبه لفتة الكوجيطو الديكارتي، حتى يصح أن نصوغ منه: «أنا أمشي إذن أنا موجود».
إذا كان ديكارت قد أثبت وجوده بالفكر الصاف مقارنة بشساعة الكون امتدادا، فإن «الكوجيطو الثُّوروي» هو إثبات للذات وأصالتها مقارنة بالمجتمع بوصفه مجالا لنفي الفرادة والتميز. وكما كان روسو يقول: «لا يشتغل عقلي إلا مع ساقي»؛ فإن المشي هنا هو حركة متكاملة للجسد والفكر معا، الجسد ينشط الفكر، والفكر يحرر الجسد من مألوفه.
– فلماذا نمشي؟ وما الفرق بين المشي العادي والمشي الفلسفي؟ ما هي الأقنعة التي جعلكم المجتمع ترتدونها في حياتكم اليومية؟ كيف يمكننا ممارسة «المشي الفلسفي» لنسترد ذواتنا الحقيقية؟
٢)- ليو تولستوي: «كم يحتاج المرء من الأرض؟»
هي قصة قصيرة دبجتها يراعة الأديب الروسي تولستوي، تتلخص في أن فلاحا اسمه «باخوم» أُعطي فرصة العمر؛ أن ينطلق مع شروق الشمس، وكل أرض يقطعها مشيا أو ركضا حتى غروبها تكون ملكا له، بشرط أن يعود إلى نقطة الانطلاق قبل أن يغيب آخر شعاع. ركض باخوم بطمع مجنون، ووسع الدائرة أكثر فأكثر… وفي لحظة الوصول للمنتهى مع آخر رمق للشمس، سقط صريعا وميتا من الإرهاق! فكانت نهايته جوابا عن عنوان القصة؛ إذ لم يكن يحتاج إلا لشبرين عرضا ومترين طولا (قبره).
لقد حاول باخوم أن يمتلك الأرض، فامتلكته الأرض وابتلعته. ما كان يحتاجه فعلا كان أقل بكثير مما أفنى عمره من أجله.
– فكم هي «الأراضي الرمزية» التي نركض خلفها اليوم؟ (أرض الاعتراف، أرض المظهر والرقميات، أرض السلطة، أرض المنصب…)؟ هل نملك هذه الأراضي حقا، أم إنها هي التي تمتلكنا وتُشيِّئنا فنفقد أصالتها وكرامتنا؟ هل ترون أننا «باخومات» بأسماء وأشكال مختلفة؟ أين تكمن الحقيقة وأين يكمن الوهم؟ وما الطريق نحو الوعي الذاتي؟
٣)- التدبير الديداكتيكي: من الأسئلة العفوية إلى الأسئلة الفلسفية المؤطرة
إن طرح هذين النموذجين المتقابلين [انسحاب ثورو مقابل ركض باخوم] يُحدث صدمة تفاعلية لدى التلاميذ منذ الحصة الأولى، فيستفزهم لطرح الكثير من الأسئلة العفوية النابعة من معيشهم اليومي المباشر؛ فتراهم يتساءلون بحيرة: هل الانسحاب إلى الطبيعة حل واقعي أم مجرد هروب؟ أو هل ركضنا اليومي خلف الشهرة والمظاهر في وسائل التواصل يشبه ركض باخوم خلف الأراضي؟
هنا بالتحديد يكمن دور الأستاذ – ديداكتيكيا، إذ لا يعطي أجوبة جاهزة تنهي النقاش، بل يتلقف هذه الأسئلة الخام ليُوجه تفاعلهم ويُعيد بناءه في أسئلة فلسفية منظمة ومؤطرة إشكاليا. كيف ؟
– نموذج ثورو [من المادي إلى الرمزي]: ينقل المدرس تشكيكهم في جدوى المشي والانسحاب من مجرد حركة مادية أو هروب من المشاكل، إلى موقف فلسفي مجرد: هل الحرية مجرد تنقل في المكان، أم أنها تحرر ذهني وموقف يستعيد به الإنسان أصالته بعيدا عن أقنعة المجتمع؟
– نموذج باخوم [من الخاص إلى العام]: يحول الأستاذ استغرابهم من طمع باخوم من قصة فردية، إلى سؤال وجودي عام: هل الرغبة في الامتلاك نزوع أصيل في الطبيعة البشرية، أم إنها نتاج لإكراهات النمط الاجتماعي المعاصر؟
– الأشكلة بالجمع بين النموذجين [تفكيك المفارقة]: يضع المدرس التلاميذ أمام المفارقة الكبرى التي تجمع التجربتين معا: كيف يتحول السعي المتواصل للسيطرة والامتلاك (عند باخوم) إلى وهم يُشيئ الإنسان ويقضي عليه، في حين يعيد الانسحاب (عند ثورو) الاعتبار لجوهر الإنسان وحريته؟
ماذا سيكتشف المتعلم؟ بهذا التعامل البيداغوجي، سيكتشف المتعلم أن أسئلته العفوية ليست مجرد انطباعات بسيطة، بل هي نقطة الانطلاق الفعلية لممارسة التفكير الفلسفي نسبيا. فما علاقة كل هذا بمحاور مجزوءة الفلسفة ؟ كيف سيحضر ثورو وباخوم على امتداد المجزوءة؟
٤)- الامتداد الديداكتيكي للدرس الافتتاحي عبر محاور المجزوءة
قبل الدخول إلى أي محور نُذكر بهذا:
١-) نشأة الفلسفة (اليونان القديمة): نبرز نشأة الفلسفة كفعل مشي ذهني وانسحاب نقدي (نموذج ثورو) من عالم الأسطورة واليقين السائد (عالم باخوم) نحو فضاء الحوار الحر في المدينة [الأغورا].
٢-) محطات أساسية من تطور الفلسفة:
١- الفلسفة الإسلامية: نميز بين التدين التكراري الساكن القائم على التقليد الجامد (باخوم)، والتأمل البرهاني والاعتبار في الطبيعة والوجود للوصول إلى الحقيقة (ثورو وحي بن يقظان مثلا).
٢- الفلسفة الحديثة: إذا كان باخوم يمثل عوام الناس التي تفكر بدون فلسفة أو منهج دقيق، فإن ثورو هو رمز التفكير المنهجي لإعادة بناء المعرفة والحقيقة، واللحظة الحديثة لحظة ثورة منهجية.
٣- الفلسفة المعاصرة: صرخة الفكر المعاصر ضد الركض الباخومي الرقمي واستلاب التقنية، والدعوة للعودة لأصالة الوجود.
٣-) دوافع التفلسف: الدهشة الصادمة أمام مصير باخوم (الموت من أجل شبرين)، والبحث عن الحقيقة والشك لنزع الأقنعة (ثورو)، والعقلنة لضبط الرغبات الشغوفة تجنبا لجنون الطمع المهلك.
٤-) معالم التفكير الفلسفي ونمط اشتغاله: تحويل الأسئلة العفوية إلى إشكاليات، وبناء المفهوم (المشي الفلسفي مقايل المشي العادي / الأرض المادية مقابل الأرض الرمزية…)، وتوظيف القصتين كحجج بالمثال والتفكيك ضمن نسق قيمي يرفض تسليع الإنسان ويدعو لأصالته.
وبعد، فلعل من شأن المتعلم(ة) أن يدرك أن الفلسفة ممارسة وموقف، وليست معرفة غريبة عنه؛ وأنها ضمنا شك، وسؤال، ونقد، وأصالة… ومن الخطأ أن نقدم له تعريفا جاهزا، بل إن التدرج في الدروس سيبني لديه المفهوم شيئا فشيئا. أما أن نصدمهم بسؤال ما الفلسفة منذ أول حصة ودرس، فذلك رمي في عماية! إنه سؤال قد يخاطب ذاكرتهم الجمعية أو القاموسية، وسواء كان الجواب هذا أو ذاك، فلا قيمة كبيرة له. أليست مستجدات البيداغوجيا والديداكتيك تعزز ما ذهبنا إليه، أن التعلم فاعلية ومشاركة وانطلاق من البيئة والمعيش والبسيط… ؟
رحو اليوسفي
ـــــــــــــــــ
(*) نقصد التعليم الثانوي التأهيلي.
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






