التنويريتربية وتعليم

ثقافة الإنجاز الوهمي

العجز في أبهى صورة

تمهيد:

لم يكن النظام التعليمي الفلسطيني قبل الحرب يعيش حالة من العافية تُمكّنه من مواجهة الأزمات الطارئة؛ فقد كان يعاني أصلًا من اختلالات بنيوية عميقة تجلت في تدني مستويات التحصيل المعرفي، وضعف القدرات التحليلية والإبداعية لدى الطلبة، واتساع الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات التنمية والمجتمع. كما واجه التعليم الجامعي تحديات لا تقل خطورة، تمثلت في ضعف الإمكانات، وتراجع القدرة على إنتاج معرفة حقيقية قادرة على الإسهام في حل مشكلات الواقع وتطويره.

غير أن الحرب لم تكتفِ بتعميق هذه الاختلالات، بل نقلتها إلى مستوى أكثر خطورة، حين استهدفت البنية المادية للتعليم نفسها، فدُمّرت المدارس والجامعات، وتوقفت العملية التعليمية في صورتها الطبيعية، وتبددت الآمال التي كانت تُعقد على التعليم بوصفه أداة للإنقاذ وإعادة البناء. وفي ظل هذا المشهد، برزت بدائل اضطرارية حاولت الحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية التعليم، إلا أنها غالبًا ما افتقرت إلى المقومات الأساسية التي تضمن تحقيق أهدافه الحقيقية.

ومع التوسع في التعليم الإلكتروني والتعليم عن بعد، وما رافقه من انتشار واسع لأدوات الذكاء الاصطناعي، ظهرت إشكالية جديدة لا تتعلق بالتقنية ذاتها بقدر ما تتعلق بكيفية توظيفها. فبدل أن تكون هذه الأدوات وسيلة لتعزيز التعلم وتنمية القدرات، تحولت في كثير من الحالات إلى بديل عن الجهد العقلي والمعرفي، وأصبح الوصول إلى الإجابة أهم من فهمها، والحصول على الدرجة أهم من استحقاقها، وإنجاز المهمة أهم من امتلاك المهارة اللازمة لإنجازها.

وهكذا أخذت تتشكل تدريجيًا ثقافة يمكن وصفها بثقافة “الإنجاز الوهمي”، وهي ثقافة تقوم على الفصل بين الشهادة وما يفترض أن تمثله من معرفة وكفاءة. ففي ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب، أصبح من الممكن أن يحقق بعض الأفراد تقدمًا أكاديميًا شكليًا لا يعكس بالضرورة تقدمًا علميًا حقيقيًا، وأن تُمنح ألقاب ومؤهلات لا يقابلها دائمًا مستوى مماثل من المهارات والخبرات والقدرات. ولم تعد المشكلة محصورة في ضعف التعليم فحسب، بل امتدت إلى تآكل المعايير التي يُقاس بها الإنجاز ذاته.

مقالات ذات صلة

لا يعني ذلك إنكار وجود فئة واسعة من الطلبة والباحثين الذين واصلوا مسيرتهم العلمية بإصرار ومسؤولية رغم قسوة الظروف، مؤمنين بأن العلم ما يزال الطريق الأكثر صدقًا نحو النجاة والبناء. غير أن خطورة الظاهرة تكمن في أنها أوجدت حالة من الضبابية بين الجهد الحقيقي والإنجاز الشكلي، وبين الاستحقاق والادعاء، حتى بات المجتهد أحيانًا يقف في الصف ذاته مع من حصل على النتائج نفسها دون أن يمر بالتجربة المعرفية التي تمنح تلك النتائج قيمتها الحقيقية.

إن أخطر ما خلفته الحرب في المجال التعليمي لا يقتصر على تدمير المباني أو تعطيل الدراسة، بل يتمثل في تهديدها لمنظومة القيم التي يقوم عليها التعليم نفسه. فحين تفقد المعرفة مكانتها لصالح المظهر، وتصبح الشهادة غاية منفصلة عن مضمونها، ويتساوى من اجتهد سنوات طويلة بمن التقط ثمارًا لم يزرعها، فإن المجتمع لا يخسر جودة التعليم فحسب، بل يخسر أيضًا أحد أهم الأسس التي تقوم عليها العدالة والكفاءة والتنمية. ولذلك فإن إعادة إعمار التعليم لا ينبغي أن تقتصر على إعادة بناء المدارس والجامعات، بل يجب أن تبدأ بإعادة بناء المعنى الحقيقي للتعلم، واستعادة قيمة الجهد والاستحقاق بوصفهما الركيزة الأساسية لأي نهضة مستقبلية.

تعريف ثقافة الإنجاز الوهمي:

هي نمط ثقافي واجتماعي يقوم على إضفاء صفة الإنجاز على ممارسات أو نتائج تفتقر إلى المقومات الحقيقية التي تمنح الإنجاز قيمته الموضوعية، بحيث يصبح الاهتمام منصبًا على إظهار النجاح أو الادعاء به أكثر من التركيز على الجهد والمعرفة والكفاءة والإنتاج الفعلي الذي يفترض أن يقود إليه. وفي هذا السياق، تُستبدل معايير الجودة والجدارة والاستحقاق بمعايير شكلية تقوم على المظاهر والرموز والألقاب والمؤشرات الكمية التي توحي بالإنجاز دون أن تعكس بالضرورة مضمونًا حقيقيًا أو أثرًا ملموسًا.

تُعد هذه الثقافة إحدى إفرازات المجتمعات التي تشهد ضعفًا في منظومات التقييم والمساءلة والرقابة، حيث يصبح الاعتراف الاجتماعي بالإنجاز منفصلًا عن القيمة الفعلية للمنجز ذاته، فيسود الاهتمام بالصورة بدل الجوهر، وبالنتيجة المعلنة بدل العملية التي أنتجتها، وبالحصول على الاعتراف بدل استحقاقه.

ولا تقتصر ثقافة الإنجاز الوهمي على المجال التعليمي، بل تمتد إلى مجالات متعددة من الحياة الاجتماعية والثقافية والمهنية. ففي التعليم قد تتجلى في الحصول على شهادات أو درجات أكاديمية لا تعكس مستوى حقيقيًا من المعرفة أو المهارات. وفي البحث العلمي تظهر من خلال السعي إلى زيادة عدد المنشورات أو الألقاب العلمية دون إسهام معرفي أصيل أو أثر علمي ملموس. أما في الصحافة والإعلام فتتمثل في إنتاج محتوى يحقق انتشارًا واسعًا أو تفاعلًا مرتفعًا على حساب الدقة والعمق والقيمة المهنية، بحيث يصبح عدد المشاهدات أو المتابعين مؤشرًا للنجاح بغض النظر عن جودة المحتوى أو أثره المعرفي. وفي المجال الثقافي قد تتجسد في تضخم الحضور الإعلامي لبعض الأسماء أو الأعمال مقابل محدودية قيمتها الفكرية أو الإبداعية الفعلية، وفي العمل المؤسسي تظهر عبر التركيز على التقارير والشعارات والمؤشرات الشكلية التي توحي بالإنجاز دون أن تقترن بتحسينات حقيقية في الأداء أو النتائج.

ومن منظور سوسيولوجي، يمكن النظر إلى ثقافة الإنجاز الوهمي بوصفها حالة من الانفصال بين الرمز والواقع؛ حيث تُمنح رموز النجاح ومظاهره الاجتماعية – كاللقب والشهادة والشهرة والمكانة – قيمة مستقلة عن الأسس الموضوعية التي أنتجتها. ومع مرور الوقت، تتحول هذه المظاهر إلى غايات بحد ذاتها، فتتراجع قيمة الجهد والإبداع والإتقان، ويُعاد تشكيل الوعي الجمعي على أساس تقدير الصورة أكثر من تقدير الحقيقة.

وعليه، فإن جوهر ثقافة الإنجاز الوهمي لا يكمن في غياب الإنجاز فحسب، بل في إعادة تعريف الإنجاز اجتماعيًا بطريقة تجعل المظهر بديلاً عن المضمون، والاعتراف بديلاً عن الاستحقاق، والادعاء بديلاً عن القيمة الحقيقية. وهذا ما يجعلها ظاهرة خطيرة؛ لأنها لا تنتج أفرادًا يفتقرون إلى الكفاءة فقط، بل تنتج أيضًا بيئة اجتماعية تصبح أقل قدرة على التمييز بين الإنجاز الحقيقي والإنجاز المصطنع.

تفسيرات الإنجاز الوهمي فلسفيا:

إذا أردنا تأصيل ثقافة الإنجاز الوهمي فلسفيًا، فإننا لا نتحدث عن نظرية فلسفية قائمة بذاتها، بل عن ظاهرة يمكن تفسيرها من خلال عدد من الأسس والمرتكزات الفلسفية التي تفسر نشأتها وانتشارها. ويمكن تحديد أهم هذه الأسس على النحو الآتي:

  1.  أولوية المظهر على الجوهر

تقوم ثقافة الإنجاز الوهمي على افتراض ضمني مفاده أن قيمة الأشياء تُقاس بما تبدو عليه لا بما هي عليه في حقيقتها. وهنا يتحول الإنجاز من عملية قائمة على المعرفة والجهد والإبداع إلى صورة اجتماعية تهدف إلى الحصول على الاعتراف والإعجاب. ويصبح امتلاك رموز الإنجاز (الشهادة، اللقب، الشهرة، المنصب) أهم من امتلاك مضمونها الفعلي.

فلسفيًا، تمثل هذه الحالة انتصارًا لـ”الظاهر” على “الماهية”، وللصورة على الحقيقة.

  1.  النزعة الأداتية  (Instrumentalism)

في هذه الثقافة لا يُنظر إلى المعرفة أو العمل أو الإبداع بوصفها قيمًا في ذاتها، بل باعتبارها وسائل للحصول على مكاسب خارجية مثل المكانة الاجتماعية أو النفوذ أو الاعتراف العام.

فالشهادة الجامعية مثلًا لا تُطلب من أجل المعرفة، بل من أجل اللقب. والبحث العلمي لا يُنجز من أجل إنتاج معرفة جديدة، بل من أجل الترقية أو الشهرة. والصحافة لا تُمارس من أجل الحقيقة، بل من أجل زيادة المتابعين والتفاعل، وهنا يتحول الإنسان من باحث عن القيمة إلى باحث عن المنفعة الرمزية.

  1.  فلسفة المحاكاة والتمثيل

تجد هذه الثقافة جذورها في الفكرة التي ناقشها الفيلسوف الفرنسي جان بودريار حول “المحاكاة” (Simulation)، حيث تصبح الرموز والصور أكثر حضورًا وتأثيرًا من الواقع نفسه.

في ثقافة الإنجاز الوهمي لا يكون المطلوب تحقيق الإنجاز، بل إنتاج صورة مقنعة عنه. فتصبح الشهادة محاكاة للعلم، والمنصب محاكاة للكفاءة، والشهرة محاكاة للتأثير، وعدد المتابعين محاكاة للقيمة الفكرية.

وبمرور الوقت يختلط الأصل بالصورة إلى درجة يصعب معها التمييز بين الإنجاز الحقيقي وتمثيله.

  1.  النسبية المعرفية وتراجع المعايير الموضوعية

تقوم هذه الثقافة على إضعاف المعايير التي تسمح بالتمييز بين الجيد والرديء، وبين الكفء وغير الكفء.

عندما تتراجع سلطة المعايير العلمية والمهنية والأخلاقية، يصبح تقييم الإنجاز قائمًا على الانطباعات الشخصية أو الشعبية أو الإعلامية، لا على أسس موضوعية يمكن التحقق منها. ومن ثم يصبح الادعاء مساويًا للحقيقة تقريبًا ما دام يحظى بالقبول الاجتماعي.

  1. هيمنة الاعتراف الاجتماعي

تستند ثقافة الإنجاز الوهمي إلى افتراض أن قيمة الفرد لا تنبع مما ينجزه فعلًا، بل من مقدار الاعتراف الذي يحصل عليه من الآخرين. 

وبهذا المعنى يصبح النجاح حدثًا اجتماعيًا لا معرفيًا؛ أي أن الفرد يعد ناجحًا لأنه قيل إنه ناجح، لا لأنه حقق إنجازًا حقيقيًا. فتتحول المكانة الاجتماعية إلى غاية مستقلة عن الاستحقاق.

  1.  اختزال الإنسان في نتائجه الظاهرة

في التصورات الإنسانية العميقة، يُنظر إلى الإنسان باعتباره مشروعًا مستمرًا من النمو والتعلم والتطور. أما ثقافة الإنجاز الوهمي فتميل إلى اختزاله في مؤشرات سطحية وسريعة.

فيصبح عدد المنشورات أهم من قيمتها، وعدد المتابعين أهم من جودة المحتوى، وعدد الشهادات أهم من المعرفة التي تعبر عنها. وهذا يمثل تحولًا من فلسفة “التكوين” إلى فلسفة “التصنيف”.

  1.  الاستهلاك الرمزي

في المجتمعات الاستهلاكية لا تقتصر عملية الاستهلاك على السلع المادية، بل تمتد إلى الرموز الاجتماعية.

فالناس لا يستهلكون المعرفة بقدر ما يستهلكون صورة المثقف، ولا يستهلكون الإنجاز بقدر ما يستهلكون صورة الناجح. ومن ثم تصبح الألقاب والشهادات والشهرة سلعًا رمزية تُستخدم لإنتاج المكانة الاجتماعية بغض النظر عن مضمونها الحقيقي.

  1.  تآكل العلاقة بين الجهد والاستحقاق

من أهم المرتكزات الفلسفية لهذه الثقافة انهيار المبدأ الأخلاقي الذي يربط بين الجهد والنتيجة. ففي التصورات الكلاسيكية للعدالة، يُفترض أن يكون الإنجاز نتيجة للكفاءة والعمل والاجتهاد، أما في ثقافة الإنجاز الوهمي فتُفكك هذه العلاقة، بحيث يمكن الحصول على الاعتراف دون جهد، أو على المكانة دون كفاءة، أو على اللقب دون استحقاق. مما يؤدي إلى أزمة أخلاقية عميقة تمس مفهوم العدالة نفسه.

  1.  تسريع الزمن الاجتماعي

تقوم هذه الثقافة على رفض المسارات الطويلة التي يتطلبها بناء المعرفة أو الخبرة أو الإبداع، فالإنجاز الحقيقي يحتاج إلى تراكم وصبر وتجربة وخطأ وتعلم، بينما تسعى ثقافة الإنجاز الوهمي إلى اختصار الطريق والانتقال مباشرة إلى النتائج النهائية، ومن هنا تنشأ الرغبة في الحصول على المكانة قبل امتلاك مقوماتها.

  1.  فلسفة “امتلاك الرمز” بدل “امتلاك الحقيقة”

وهذا ربما يكون الأساس الفلسفي الأعمق للظاهرة، فالفرد لا يسعى إلى أن يكون عالمًا بقدر ما يسعى إلى أن يُنظر إليه بوصفه عالمًا، ولا يسعى إلى أن يكون مؤثرًا بقدر ما يسعى إلى أن يبدو كذلك. أي أن الغاية تصبح امتلاك العلامة الدالة على الإنجاز لا الإنجاز ذاته.

 ظواهر التسويق للإنجاز التافه في الفضاء العام في غزة أثناء الحرب

شهد الفضاء العام في غزة خلال الحرب، وخاصة الفضاء الرقمي، بروز عدد من الممارسات التي يمكن إدراجها ضمن ما يُسمّى بـالتسويق الرمزي للإنجازات الهشة أو المحدودة، حيث يتم تضخيم أفعال بسيطة أو غير نوعية وإعادة تقديمها بوصفها إنجازات استثنائية، غالبًا بهدف اكتساب الاعتراف الاجتماعي أو الانتشار الإعلامي.

  1.  تضخيم الفعل الفردي العادي

من أبرز الظواهر تحويل أنشطة يومية أو مبادرات محدودة النطاق إلى “إنجازات كبرى”، مثل: (تقديم مساعدة فردية بسيطة بوصفها مشروعًا إنسانيًا واسع التأثير، أو تنظيم نشاط صغير أو مبادرة ظرفية وتقديمها كـ“برنامج مجتمعي متكامل”.  أو تحويل جهود فردية غير منظمة إلى “قيادة مجتمعية” أو “عمل مؤسسي”.  ويُلاحظ هنا أن القيمة لا تأتي من حجم الأثر الفعلي، بل من طريقة تقديمه وتسويقه.

  1.  اقتصاد الشهادات الرمزية

برز نمط واضح يقوم على تكثيف عرض الشهادات والدورات القصيرة والمشاركات على أنها إنجازات نوعية، حيث: تقدَّم الدورات الإلكترونية السريعة كـاعتمادات مهنية متقدمة، وتعرض شهادات المشاركة بوصفها “خبرات دولية”.  ويُعاد ترتيب السيرة الذاتية لبعض مستغلي الفرص لتبدو أكثر ثراءً مما تعكسه الخبرة الفعلية. وهذا يعكس تحول “الشهادة” من دليل على الكفاءة إلى أداة لبناء صورة اجتماعية.

يضاف لهذا الوهم فرحة طلبة الثانوية العامة بمعدلاتهم العالية التي حصلوا عليها بعد تقديمهم للامتحانات الكترونيا واستعانتهم بأدوات الذكاء الاصطناعي أو مدرسين بالساعة عند تقديم الامتحانات.

  1.  التسويق الذاتي للمبادرات الطارئة

 ظهرت مبادرات عديدة استجابت لاحتياجات إنسانية حقيقية، لكن بعض هذه المبادرات اتخذ طابعًا تسويقيًا مكثفًا، حيث يصبح التوثيق الإعلامي جزءًا أساسيًا من الفعل نفسه، وتُنتج صور ومقاطع بشكل يفوق حجم العمل الفعلي، ويُعاد نشر المحتوى بشكل متكرر لتثبيت صورة “الإنجاز المستمر”.  وهنا يتحول الفعل من استجابة إنسانية إلى “منتج إعلامي”.

  1.  صناعة الحضور عبر المعاناة

من الظواهر اللافتة أيضًا استخدام التجربة القاسية أو ظروف الحرب بوصفها رأس مال رمزي لبناء حضور اجتماعي، من خلال تقديم الذات كـ“صوت استثنائي” يمثل الجميع، أو تضخيم تجربة شخصية محدودة بوصفها نموذجًا عامًا، واستخدام الخطاب العاطفي المكثف كوسيلة لزيادة الانتشار،  وهنا تصبح المعاناة جزءًا من “سردية إنجاز” وليس مجرد تجربة إنسانية.

  1.  تحويل التفاعل الرقمي إلى معيار للإنجاز

أصبح من الشائع ربط قيمة الفعل بعدد المشاهدات، والإعجابات، والمتابعين، وبالتالي يتم الحكم على “نجاح” أي محتوى أو نشاط بناءً على انتشاره الرقمي، حتى لو كان محدود القيمة أو ضعيف الأثر. وهذا يعكس انتقال معيار الإنجاز من الجودة إلى التفاعل.

6-  إعادة تعريف “النجاح” في بيئة مضطربة

في ظل انهيار المعايير المؤسسية الطبيعية، حدث نوع من إعادة تعريف (غير المعلنة) لمفهوم النجاح، حيث يصبح الظهور بحد ذاته إنجازًا، وتصبح المشاركة الرمزية مساوية للفعل الحقيقي، ويتساوى الجهد الكبير مع الجهد المحدود إذا حظي بالانتشار نفسه. وهذا ما يخلق بيئة خصبة لتضخم “الإنجازات الصغيرة” وتحولها إلى رموز نجاح اجتماعي.

  1. إزاحة القيمة من “المتن” إلى “الهامش” وتسليع الثقافة:

فمثلا في هذه الحالة، تحدث عملية إزاحة (Displacement) لمعايير التقييم، فمثلا بعدما كانت قيمة الكتاب تُستمد من رصانة محتواه، عمق أفكاره، وأثره المعرفي، أصبحت تُستمد من حجم الحضور، ونوعية  الضيافة وتغطية منصات التواصل لحفلات الإطلاق أو التوقيع، وهنا يكون غلاف الكتاب والمنصة التي يقف عليها الكاتب أهم بكثير من الصفحات المطبوعة بالداخل.

ولأن الناس فقدت الأمان والمكانة، تتحول حفلات إطلاق الكتب إلى سوق لشراء المكانة الاجتماعية المؤقتة. حيث يشتري الكاتب اعترافاً فورياً بأنه “مفكر” أو “أديب”، والحضور يشترون شعوراً زائفاً بأنهم ما زالوا يمارسون حياة ثقافية نخبوية، في حين أن المحتوى قد يكون مجرد خواطر مكررة أو تجميع لتدوينات فيسبوكية لا تقدم أي إضافة معرفية.

د. محمود عبد المجيد عساف 


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

محمود عبد المجيد رشيد عساف

أستاذ الإدارة والتخطيط التربوي المساعد، عضو اتحاد الأكاديميين الفلسطينيين، ونقابة المدربين الفلسطينيين، عضو اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، وعضو الاتحاد الدولي للغة العربية، وعضو هيئة تحكيم المجلة العربية لضمان جودة التعليم الجامعي باليمن، وممثل مجلة الدراسات المستدامة الصادرة عن الجمعية العلمية للدراسات المستدامة في العراق 2020 م. مدرب معتمد لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مجال القانون الدولي الإنساني، وممثل فلسطين في الدورة الإقليمية لتكوين المكونين في مجال القانون الدولي الإنساني في العامين 2017، 2019 في تونس والمغرب. حاصل على منحة وزارة التربية والتعليم العالي للبحث العلمي للعام 2014، وجائزة الأمانة العامة لمجلس الوزراء للإبداع والتميز2020، ومنحة اللجنة الدولية للصليب الأحمر البحثية 2020، وجائزة الأستاذ الدولية للإبداع الفكري الدورة الأولى 2021-2022، والمركز الأول في جائزة الياسين الدولية للبحوث العلمية عام 2022. له (15) كتاب في مجالات التربية والتعليم العالي، (3) كتب أدبية (روايات) ونشر (85) بحثا في مجلات علمية محكمة

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى