التنويريفكر وفلسفة

من أغاممنون إلى الجهادي

قراءة تحليلية في تحولات العنف المقدس من الأساطير القديمة إلى الأصولية المعاصرة

مشهد أغاممنون وهو يحمل ابنته إيفيجينيا إلى المذبح في فيلم الأوديسة يعيد إلى الواجهة السؤال القديم الحديث حول كيف استطاع الإنسان أن يجعل من قتل الإنسان البريء فعلاً مقدساً، ففي الأسطورة الإغريقية تُقدَّم إيفيجينيا قرباناً لإرضاء الآلهة قبل التوجه إلى حرب طروادة، وفي أديان أخرى توجد سرديات وطقوس تتحدث عن تقديم الأطفال أو الأسرى أو أفراد من الجماعة قرباناً للآلهة، والمشكلة أن هذا المنطق المتوحش لم ينته، بل فقط تغيّر شكل الضحية والمذبح واللغة التي تبرر القتل، ومنه وبعيداً عن التعميم الأعمى (الزعم أنّ كل الأديان متشابهة، وكل تديّن مرتبط بالعنف)، وجب التمييز بين الدين بوصفه منظومة رمزية وأخلاقية، وبين النزعة الأصولية حين تستولي على المقدس وتمارس العنف تحت رايته، حتى يمكن فهم ذلك الإنسان الذي يقتل أو يموت لأنه اقتنع أن هناك قضية أعلى من الحياة الإنسانية.

بتحليل بسيط لبنية أسطورة أغاممنون سنجد أنها تنطلق من أزمة سياسية عسكرية، وجود سلطة دينية مهيمنة على الجماعة، تفسير غيبي للأزمة، ثم البحث عن ضحية بشرية لحل هذه الأخيرة، فالملك استطاع التجرّد من أبوته باعتباره حاكماً أقنعته المنظومة الدينية بأن موت فرد يمكن أن ينقذ الجماعة، وهذه هي النقطة بالضبط التي تجعل القربان البشري أكثر من مجرد طقوس دينية قديمة، وهو ما أكده الباحث الفرنسي بيير بونوشير حيث وجد تعلق ظاهرة التضحية البشرية بفكرة الخلاص الجماعي، في حين قام كل من مارسيل ديتيان وجان بيير فيرنان بتحليل أنثروبولوجي للذبيحة اليونانية أظهر أن التضحية ليست مجرد علاقة بين الإنسان والإله، بل مؤسسة اجتماعية ورمزية تنظم علاقة الجماعة بالعنف والمقدس، ولعل رينيه جيرار صاحب كتاب العنف والمقدس هو أكثر من تعمّق في دراسة الظاهرة إذ يرى أن التضحية هي عملية تحويل وتفريغ ذلك العنف الجماعي إلى ضحية واحدة، أو بتعبير آخر، الإيمان بأن الضحية سيحمل أوزار الجماعة وبالتالي يتجنبون غضب الآلهة.

وبعيداً عن الماضي، فإن المشكلة الحقيقية كما جاء في المقدمة تبدأ عندما ننتقل من مذابح المعابد القديمة إلى الأصوليات الدينية المعاصرة، لأن الأصولي لا يحتاج إلى مذبح حجري، ولا إلى كاهن يحمل سكيناً، بل يكفيه أن يعيد تعريف الضحية باعتبارها كافرة أو مرتدة أو زنديقة، والقتل باعتباره تطهيراً من الذنوب، وشهادة، ودخول الجنة في حالة الموت، أو الأجر والثواب والغنائم في حالة النصر وعدم الموت، وفي هذا الصدد يرى عالم النفس الفرنسي/التونسي فتحي بن سلامة أن الرغبة الشديدة في التضحية لدى بعض الجهاديين ليست فقط نتيجة تبرير الموت بالفتاوى الدينية، بل لأن التضحية بالنفس عندهم صارت جزءاً من صناعة الهوية، وهذا ما يفسّر سلوك ذلك الجهادي المتطرف الذي يؤمن أن الوصول لمرتبة الشهيد تتحقق بالسعي إلى التضحية بالنفس أثناء قتل أكبر عدد ممكن من الأعداء (العمليات الانتحارية في مواقع عسكرية أو حتى مدنية)، ومن زاوية أخرى، يلاحظ أوليفييه روا أن الموت ليس نتيجة عرضية في بعض أشكال الجهادية المعاصرة، بل هو جزء من المشروع ذاته، والدليل أن الكثير من الذين يلتحقون بتنظيمات جهادية يتجهون إلى الموت أكثر مما يتجهون إلى بناء مجتمع مثالي… وهكذا تتكرر الظاهرة نفسها، أغاممنون يقتل ابنته باسم المقدس لكي يواصل الأسطول طريقه، والإرهابي الانتحاري يقتل نفسه لكي يواصل مشروعه المقدس طريقه، وطبعاً لا تطابق بين الاثنين لا تاريخياً ولا دينياً، وإنما المقصود أن هناك بنية رمزية قابلة للتكرار (تحويل الحياة الإنسانية إلى مادة للقتل من أجل غاية ميتافيزيقية).

كثيرة هي الدراسات التي تناولت مسألة العنف لدى البشر، بين من يربطها بالعامل الجيني البيولوجي، أو الظروف الاجتماعية، أو الحالة النفسية وحتى العصبية… إلخ، وهي ضرورية بلا شك، ولكن لا أظن أن الإشكال في عصرنا عندما يظهر الإنسان العنيف، بل عندما يحصل العنف على شهادة دينية أو أخلاقية أو أيديولوجية تجعله يبدو فضيلة، لأن منطق سفك الدماء يعود بسهولة كلما أقنع الإنسان نفسه بأنّ هناك قيمة مقدسة تستحق أن يُدفع ثمنها من أجساد البشر، ولذلك فإن المعركة الحقيقية ضد الأصولية ليست مع الأشخاص لذاتهم، بل ضد الفكرة التي تجعل الإنسان قابلاً لأن يصبح قرباناً لفكرة.

مقالات ذات صلة

 العفيفي فيصل

المراجع:

  • René Girard, La Violence et le sacré, Paris, Grasset, 1972.
  • Marcel Detienne & Jean-Pierre Vernant (dir.), La Cuisine du sacrifice en pays grec, Paris, Gallimard, 1979.
  • Pierre Bonnechere, Le sacrifice humain en Grèce ancienne, Athènes-Liège, Centre international d’étude de la religion grecque antique, 1994.
  • Jean-Pierre Albert & Béatrix Midant-Reynes (dir.), Le sacrifice humain en Égypte ancienne et ailleurs, Paris, Soleb, 2005.
  • Fethi Benslama, Un furieux désir de sacrifice. Le surmusulman, Paris, Seuil, 2016.
  • Fethi Benslama, Le Saut épique ou le basculement dans le jihâd, Actes Sud, 2021.
  • Philippe Buc, Guerre sainte, martyre et terreur, Gallimard, 2017.
  • Olivier Roy, Le Djihad et la mort, Seuil, 2016.

اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

العفيفي فيصل

الصفة: أستاذ التعليم الثانوي للغة الفرنسيَّة. البلد: الجزائر. الكفاءات: طالب دكتوراه في أصول الدين (جامعة تلمسان/ الجزائر) + شهادة الماستر في اللغة الفرنسيَّة (جامعة عين تموشنت/ الجزائر) + شهادة الدراسات التطبيقيَّة في القانون (جامعة التكوين المتواصل/ الجزائر). الإنجازات: كتاب "تصّور السببيَّة بين المدارس الكلاميَّة الكلاسيكيَّة والفكر الإسلامي المعاصر".

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى